أطروحات فكرية معاصرة في العقيدة المهدوية

 

أُطروحات فكريَّة معاصرة في العقيدة المهدويَّة
 

الباحثة
عالية حسين آل كاظم الموسوي
 

الطبعة الأُولى: ١٤٤٧هـ

 

 

الفهرس

مقدِّمة الباحثة...................٣
البحث الأوَّل: هل يمكن للتطوُّر الفكري المعاصر تضعيف العقيدة المهدويَّة؟...................٥
مقدِّمة...................٧
ما هي جدوى الاعتقاد بالمهدويَّة؟...................٨
تمهيد...................٨
ويمكن قراءة التجربة الدِّينيَّة في ثلاث محطَّات...................٩
كيف نتصوَّر حاجتنا إلى الدِّين؟...................١٠
مستويات الدور الدِّيني في المتغيِّر...................١١
المستوى الأوَّل: الحاجات الفطريَّة...................١١
المستوى الثاني: الحاجة الأخلاقيَّة...................١٣
المستوى الثالث: الحاجة إلى القانون...................١٤
إدراك الرابطة الواقعيَّة بين الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والدِّين السماوي...................١٥
البحث الثاني: قيمة العقيدة المهدويَّة في الميزان العلمي...................١٧
مقدِّمة...................١٩
المحور الأوَّل: هل القضيَّة المهدويَّة تاريـخيَّة أو عقديَّة أو فقهيَّة؟...................١٩
١ - القراءة التاريخيَّة...................٢٠
٢ - القراءة الفقهيَّة...................٢٠
والقول: إنَّ الإمامة فرع تاريخي أو فقهي يترتَّب عليه آثار...................٢٠
٣ - القراءة العقديَّة...................٢١
وأمَّا نظريَّة الإماميَّة في الإمامة...................٢٣
المحور الثاني: هل تستدعي المهدويَّة علماً تقليديًّا أو تحقيقيًّا؟...................٢٦
المحور الثالث: ما هي مرتبة العلم؟ العلم الحصولي أو الإيمان القلبي؟...................٢٨
المحور الرابع: ما هو متعلَّق الإيمان بالمهدويَّة؟ معرفة هويَّة أو وصفيَّة؟...................٣٦
المحور الخامس: ما هي درجات الإيمان بالمهدويَّة والحدُّ النازل والصاعد؟...................٣٨
ما هي حقيقة الإيمان؟...................٣٨
أطوار الإيمان...................٤١
الأوَّل: العامل العقلي...................٤١
الثاني: العامل القلبي...................٤١
الحدُّ الأدنى والأعلى من الإيمان...................٤٢
المحور السادس: ما حكم غير المؤمن بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟...................٤٤
والأوَّل (دليل ضرورتها)...................٤٤
والثاني (كفر منكر المهدويَّة)...................٤٥
البحث الثالث: العلاقة بين التوحيد والنبوَّة والإمامة والمهدويَّة...................٤٧
مقدِّمة...................٤٩
المحور الأوَّل: ما هي فلسفة الخلق وصفة الهادي والحكيم؟...................٥١
وهل لله سبحانه غاية من الخلق؟...................٥٢
مَنْ هو الخليفة؟...................٥٣
لماذا كان الخليفة موجوداً أرضيًّا؟...................٥٥
هل الخلافة مفهوم متواطئ أو مشكَّك؟...................٥٥
المحور الثاني: ضرورة بعثة الأنبياء (عليهم السلام)...................٥٧
أ - الطريق التجريبي (استقراء التاريخ)...................٥٩
ب - التقييم الموضوعي للحسِّ والعقل...................٥٩
أهداف بعثة الأنبياء (عليهم السلام)...................٥٩
المحور الثالث: فلسفة الإنسان الكامل في الفكر الدِّيني (وظائف وضرورة)...................٦١
وظيفة مقام الولاية العظمى...................٦١
ما ورد في وساطته (صلَّى الله عليه وآله) ووساطة خلفائه (عليهم السلام) في الفيض...................٦٦
تتمَّة...................٦٧
أ - ثبوت واسطة الفيض بالإمكان العامِّ...................٦٧
ب - ثبوت واسطة الفيض بالضرورة...................٦٩
البحث الرابع: المهدويَّة ودعاوى باطلة (الباطنيَّة، الغيب، الغلوُّ، الخرافة)...................٧١
المحور الأوَّل: المهدويَّة والفكر الباطني...................٧٣
استعراض شبهتين مهدويَّتين في الثبوت والإثبات وإسقاطهما...................٧٣
الشبهة الأُولى: الفكر المهدوي لقيط الباطنيَّة...................٧٣
الشبهة الثانية: هل اخترقت الباطنيَّة بمعالمها الفكر المهدوي (قضيَّة إثباتيَّة)؟...................٧٤
الجواب عن الشبهتين...................٧٥
تمهيد: ما هو الفكر الباطني ومنشؤه ومعالمه؟...................٧٥
١ - المبدأ التصوُّري للباطنيَّة...................٧٥
أقوال في معنى الباطنيَّة...................٧٥
٢ - ليست الباطنيَّة وليدة فكر بذاته...................٧٦
٣ - الدواعي في التصاق الفكر الباطني بالتشيُّع...................٧٩
المحور الثاني: إخفاق الشبهة في قراءة المهدويَّة ومعالجة ذلك...................٨٠
أمّا الأوَّل: الهويَّة المهدويَّة ومنهجها المعرفي...................٨٠
الضوابط المشتركة مع بقيَّة أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)...................٨١
مواصفات المشروع المختصِّ بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)...................٨٢
المنهج المعرفي في العقيدة المهدويَّة...................٨٢
مصادر المعرفة اليقينيَّة العقائديَّة وفق المدرسة الإماميَّة...................٨٣
وأمَّا الثاني: مناقشة الدواعي في التصاق الباطنيَّة بالتشيُّع والمهدويَّة...................٨٤
أوَّلاً: التقيَّة...................٨٤
ثانياً: التأويل...................٨٥
مناهج التأويل...................٨٦
ألف - المنهج التأويلي للحركات الباطنيَّة...................٨٦
باء - منهج الإماميَّة في التأويل...................٨٦
ثالثاً: عمق المطالب الدِّينيَّة العقديَّة ممَّا ينحصر إدراكها على فئة خاصَّة...................٨٧
رابعاً: الشعائر والطقوس الدِّينيَّة...................٨٨
خامساً: الغلوُّ...................٨٨
المحور الثالث: هل القضية المهدويَّة تتَّسم بأنَّها (غيبيَّة، مغالية، خرافيَّة)؟...................٨٨
الشبهة الأُولى: غيبيَّة القضيَّة المهدويَّة يؤول إلى الخطل في الفكرة...................٨٩
هل المهدويَّة غيبيَّة؟...................٨٩
الشبهة الثانية: الغلوُّ في المهدويَّة...................٩١
١ - تحديد الشبهة...................٩١
٢ - المبدأ التصوُّري للغلوِّ...................٩١
بطلان شبهة الغلوِّ...................٩٢
أوَّلاً: المصادر المعرفيَّة للمهدويَّة...................٩٢
المصدر المعرفي الأوَّل: الدليل العقلي...................٩٣
المصدر المعرفي الثاني: القرآن الكريم والسُّنَّة الشريفة...................٩٤
مقامات أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)...................٩٤
ثانياً: المقياس الموضوعي للغوِّ...................٩٨
ثالثاً: الإمامة المهدويَّة أصل للدِّين، فلا مغالاة...................٩٩
الشبهة الثالثة: خرافة المهدويَّة...................١٠١
تقرير الشبهة...................١٠١
معنى الخرافة...................١٠٢
مناشئ التأسيس للخرافة...................١٠٢
تحديد منافذ الشبهة...................١٠٣
أ - الردُّ على عدم تصريح القرآن الكريم بشخصيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)...................١٠٥
ب - الردُّ على كون الأحاديث المهدويَّة لا كثرة حقيقيَّة وراءها...................١٠٨
الجهة الأُولى: نكران طائفة من العلماء لها - ممَّا يدلُّ أنَّها قضيَّة غير مسلَّمة عند جمهور الأعلام - وجوابه...................١٠٨
الجهة الثانية: عدم ذكر مسلم والبخاري لأخبار المهدي (عجَّل الله فرجه) لعدم ثبوتها عندهما، دليل على ضعف أخبار المهدي (عجَّل الله فرجه)...................١١٠
الجهة الثالثة: التناقض الموجود في أخبار الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)...................١١٣
الجهة الرابعة: التناقضات في بعض الأحاديث...................١١٥
هل أنَّ أخبار المهدي (عجَّل الله فرجه) قليلة؟...................١١٥
البحث الخامس: الفارق بين الفكر الإسلامي (الشيعي والسُّنِّي) والمسيحي واليهودي في قراءة المنقذ...................١١٩
مقدِّمة: في بيان الآراء حول (نهاية التاريخ، نهاية الكون، نهاية العالم)...................١٢١
سيناريوهات الانفجار العظيم...................١٢١
المحور الأوَّل: المشتركات بين الأديان السماويَّة حول المنقذ في نهاية المسيرة البشريَّة وما يقابلها من النظريَّات...................١٢٦
المحور الثاني: فوارق نظريَّات الأديان حول المنتهى...................١٢٨
١ - المنقذ في الدِّين الإسلامي...................١٢٨
المشتركات بين المدرستين في المهدويَّة...................١٢٩
أمَّا ما يرتبط بالفوارق...................١٣١
المنقذ في العقيدة الإماميَّة...................١٣٢
ثلاثة استفهامات رئيسة لمعرفة معنى الخاتميَّة...................١٣٣
الاستفهام الأوَّل: ما هو المقصود من الخاتميَّة للنبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) في الفكر الشيعي؟...................١٣٤
الاستفهام الثاني: ما هو المقصود من الخاتميَّة في حقِّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟...................١٣٦
الفرق بين صفة العلم والحكمة الإلهيَّة...................١٣٧
ما هو الملاك في اختيار الحامل لهذه الشريعة؟...................١٣٧
وأمَّا الاستفهام الثالث: هل يتعارض معنى الخاتميَّة المهدويَّة مع مقامات آبائه (عليهم السلام)؟...................١٣٩
المنقذ في المدرسة السُّنّيَّة...................١٤١
خلاصة معالم المهدويَّة في الفكر السُّنِّي...................١٤٣
خلاصة العقيدة المهدويَّة في الفكر الإمامي...................١٤٤
المخلِّص في الديانة المسيحيَّة واليهوديَّة...................١٤٥
البحث السادس: لماذا الغيبة في محور الإمامة وليست النبوَّة؟...................١٤٩
تمهيد: مبادئ تصوريَّة في المفهوم والمصداق...................١٥١
النظريَّات في ماهيَّة الغيبة المهدويَّة...................١٥١
القسم الأوَّل: الغيبة المادّيَّة...................١٥١
القسم الثاني: الغيبة المعنويَّة...................١٥٢
المحور الأوَّل: الغيبة سُنَّة إلهيَّة ثابتة...................١٥٣
ومن هذا المنطلق تنقدح استفهامات...................١٥٤
معنى السُّنَّة الإلهيَّة وخصائصها...................١٥٤
الدليل على أنَّ الغيبة معلولة للسُّنَّة الإلهيَّة...................١٥٥
أ - الدليل التاريخي...................١٥٥
ب - الدليل القرآني...................١٥٧
ج - الدليل الروائي...................١٥٩
المحور الثاني: المقارنة بين الغيبة المهدويَّة وغيبات الحُجَج (عليهم السلام)...................١٦٠
جدليَّات في غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)...................١٦٢
المحور الثالث: العلاقة بين ظاهرة الغيبة والظهور...................١٦٧
المحور الرابع: ما هي فلسفة غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟...................١٦٩
البحث السابع: المهدي (عجَّل الله فرجه) وقراءاته المتعدِّدة في الفكر الشيعي...................١٧٥
النقطة الأولى: مفهوم التشيُّع...................١٧٧
النقطة الثانية: فِرَق الشيعة...................١٧٩
النقطة الثالثة: المباني المعرفيَّة للفِرَق الشيعيَّة...................١٨٠
الفرقة الأُولى: الزيديَّة...................١٨٠
الفرقة الثانية: الإسماعيليَّة...................١٨٢
والإسماعيليَّة اليوم فرقتان...................١٨٣
المبنى العقدي للإسماعيليَّة...................١٨٣
أوَّلاً: الإيمان بالنطقاء الستَّة...................١٨٣
ثانياً: إنَّما تكون الولاية الإلهيَّة على نحوين...................١٨٤
ثالثاً: استمرار الإمامة في العالم...................١٨٥
الفرقة الثالثة: أفرادٌ من الاتِّجاه المعاصر...................١٨٦
أوَّلاً: الفرد الأوَّل...................١٨٦
الأُسُس الفكريَّة للفرد الأوَّل...................١٨٦
المنهج المعرفي له...................١٨٧
ثانياً: الفرد الثاني...................١٨٨
أ - ظرف الغيبة...................١٨٩
ب - التشكيك في تواقيع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)...................١٩٠
ثالثاً: الفرد الثالث...................١٩١
الأُسُس الفكريَّة له...................١٩٢
مناقشة النتائج السابقة...................١٩٣
١ - لماذا لم نقبل الزيديَّة؟...................١٩٤
٢ - لماذا لم نقبل الإسماعيليَّة؟...................١٩٤
فيما نعتقده في الإمامة...................١٩٧
أ - الأئمَّة اثنا عشر...................١٩٧
ب - الأئمَّة معصومون...................١٩٨
ومن الأدلَّة العقليَّة...................١٩٨
ومن الأدلَّة النقليَّة...................١٩٩
ج - الأئمَّة منصوص عليهم...................٢٠٠
د - حتميَّة وجود الإمام (عليه السلام)...................٢٠١
٣ - لماذا لا نقبل دعوى الفرد الثاني؟...................٢٠١
الأمر الأوَّل: معنى الغيبة...................٢٠١
الأمر الثاني: الردُّ على نفي المشاهدة...................٢٠٢
الأمر الثالث: الردُّ على عدم الاعتراف بالتواقيع الصادرة عنه (عجَّل الله فرجه)...................٢٠٤
الملاحظة الأُولى: ما هي دلائل وثاقة السفراء وصدقهم في دعواهم؟...................٢٠٤
أ - التنصيص على وثاقة الأوَّل والثاني...................٢٠٥
ب - نزاهتهم التي يشهد بها تاريخهم...................٢٠٥
ج - المواقف التي صدرت منهم للتدليل على انتسابهم...................٢٠٦
الملاحظة الثانية: هل اطَّلع على خطِّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) غير السفراء؟...................٢٠٨
الملاحظة الثالثة: هل يمكن تواطؤ السفراء الأربعة على واقعة مكذوبة أو خاطئة؟...................٢٠٩
الملاحظة الرابعة: ما هو اللَّازم الفاسد لدعوى القائل؟...................٢٠٩
٤ - لماذا لا نقبل دعوى الفرد الثالث؟...................٢١٠
١ - هل تصمد دعوى النيابة أو السفارة أو الوصاية في الغيبة الكبرى؟...................٢١٠
٢ - هل أعلن الأعلام موقفهم من هكذا دعاوى؟...................٢١٠
٣ - هل قدَّم المدَّعي دليلاً روائيًّا أو إعجازيًّا على صحَّة ما يطلبه؟...................٢١١
٤ - هل يمكن إثبات الولد للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟...................٢١١
البحث الثامن: مقاربة شيعيَّة للفكر الغربي مع المهدويَّة...................٢١٣
مقدِّمة...................٢١٥
الشكل الأوَّل: المنهج النقدي الذي غايته تقريب الدِّين من مقوِّلات عصريَّة والحداثة الأُوروبيَّة...................٢١٦
الشكل الثاني: نقدٌ، غايته تنقية التراث الدِّيني ممَّا ليس من الدِّين بحسب زعمهم...................٢١٦
أوَّلاً: الفكر التنويري الداخلي...................٢١٧
المبادئ التصوريَّة (لأطوار الجدة)...................٢١٧
١ - التنوير...................٢١٧
٢ - الحداثة...................٢٢٠
أقسام الحداثة...................٢٢٢
١ - الحداثة الفلسفيَّة...................٢٢٢
٢ - الحداثة الأدبيَّة...................٢٢٢
٣ - الحداثة الفنّيَّة...................٢٢٢
٤ - الحداثة العلميَّة...................٢٢٢
٥ - التنوير والحداثة في البيت الداخلي...................٢٢٣
المنهج الحداثي في قراءة النصِّ الدِّيني...................٢٢٦
أ - ما يتعلَّق بالمباني الفكريَّة...................٢٢٦
ب - ما يتعلَّق بقواعد الثبوت...................٢٢٦
ج - ما يتعلَّق بعلوم الدلالة...................٢٢٧
نموذج تنويري عند شريعتي (نظريَّة الأُمَّة والإمامة)...................٢٢٧
ملاحظات وإشكاليَّات على رؤية شريعتي في نظريَّة الأُمَّة والإمامة...................٢٣٢
ثانياً: الفكر الإصلاحي الداخلي...................٢٣٤
نظريَّات الإصلاحيِّين...................٢٣٨
النظرية الأُولى: محوريَّة القرآن ومداريَّة السُّنَّة...................٢٣٨
النظريَّة الثانية: القراءة المنسيَّة...................٢٤٢
الردُّ على (محوريَّة القرآن ومداريَّة السُّنَّة)...................٢٤٢
المحور الأوَّل من الردِّ: لا جديد في هذه النظريَّة...................٢٤٢
قراءة الطباطبائي (رحمه الله) لواقع السُّنَّة وعلاقتها مع القرآن الكريم...................٢٤٤
دور السُّنَّة في فهم النصِّ القرآني...................٢٤٥
المحور الثاني من الردِّ: ما المقصود من عرض الروايات على القرآن، والواقعيَّة في ذلك؟...................٢٤٧
ما هو الواقع في الموروث الروائي الشيعي؟...................٢٤٨
البحث التاسع: عدالة الحكومة المهدويَّة واقع أو خيال؟...................٢٥٣
المجتمع العادل!...................٢٥٥
الجهة الأُولى: كيف يلحظ الفكر الدِّيني عدالة الحكومة المنصَّبة (غير الديمقراطيَّة) في ظلِّ الإشكال السابق؟...................٢٥٦
الجهة الثانية: السلطات الثلاث في منظومة الحكم المهدوي...................٢٥٨
أ - السلطة التشريعيَّة...................٢٥٨
ملاحظة ونظر في عدالة التشريع...................٢٦٠
العدل الاجتماعي...................٢٦٠
المعايير التشخيصيَّة...................٢٦١
١ - نظريَّة المنفعة...................٢٦١
٢ - نظريَّة الاختيار...................٢٦٢
٣ - النظريَّة الإسلاميَّة...................٢٦٣
أوَّلاً: متابعة الحقِّ وعلاقته مع خصوص الإنسان...................٢٦٤
ثانياً: هويَّة الجاعل والمجعول له...................٢٦٤
ثالثاً: مبدأ العقوبة لا ينافي عدالة التشريع...................٢٦٧
رابعاً: قسوة العقوبات لا تتعارض مع القانون العادل...................٢٦٨
السلطتان التنفيذيَّة والقضائيَّة في عصر الظهور...................٢٧٢
ب - مبادئ تأسيس الجهاز التنفيذي (السلطة التنفيذيَّة)...................٢٧٣
ج - مبادئ تأسيس الجهاز القضائي...................٢٧٦
الجهة الثالثة: مجتمع الحكومة المهدويَّة...................٢٧٨
البحث العاشر: ملاحقات فكريَّة حول الظهور المهدوي...................٢٨٣
جواب الاستفهام الأوَّل، وهو: كيف تحثُّ الروايات على ترقُّب الظهور بإيجابيَّة رغم عزوف المجتمع عن الدِّين؟...................٢٨٦
انتهاء أمد قبول التوبة...................٢٨٨
النقطة الرابعة...................٢٩١
النقطة الخامسة...................٢٩١
أمَّا جواب الاستفهام الثاني، وهو: كيف نتفهَّم حثَّ الروايات على الانتظار والترقُّب والأمل بالإصلاح وظهور المنقذ، مع أنَّ الوجدان يقضي باليأس والهزيمة حينما يشاهد الإنسان عناء البشريَّة وتخبُّطها في الظلمات والظلم الفظيع؟...................٢٩١
نصوص دينيَّة باعثة للأمل...................٢٩٣
مناشئ أُخرى باعثة للأمل...................٢٩٤
جواب الاستفهام الثالث، وهو: ما هي غاية الظهور؟...................٢٩٦
التساؤل الأوَّل: فكرة المجتمع المعصوم ونقدها...................٢٩٦
نقد الفكرة...................٢٩٨
التساؤل الثاني: عقيدة الرجعة...................٢٩٩
فلسفة الرجعة...................٣٠٢
التساؤل الثالث: تصوُّرات لنهاية التاريخ...................٣٠٣
أوَّلاً: الغاية (سُنَّة إلهيَّة)...................٣٠٣
الغاية من النبوَّة والإمامة...................٣٠٦
ثانياً: خاتميَّة الولاية للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)...................٣٠٧
ثالثاً: مقتضيات الحكمة الإلهيَّة...................٣١٢
المصادر والمراجع...................٣١٥

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدِّمة الباحثة:
لا تخضع القضيَّة المهدويَّة لأزمة الارتباط، فهي تتمتَّع بخصوبة وافرة من الحضور في واقعيَّات متعدِّدة، إذ تلاحقها قصود مختلفة، كالفكر الإنساني العامِّ (حيث تُقرَأ كجزء من تطلُّعات البشريَّة إلى العدالة، ونهاية التاريخ، والمخلِّص)، والبُعد الدِّيني المقارن (لتُدرَس ضمن سياق ظاهرة المنقذ العالمي في رؤية الأديان وظاهرة الخلافة الإلهيَّة في الرؤى المذهبيَّة للدِّين الإسلامي، لتحوز موقعاً إيمانيًّا مشتركاً بين الرسالات)، والاهتمام الفلسفي (حيث يجري البحث في أبعادها الوجوديَّة والمعرفيَّة، كإشكاليَّة العلاقة بين الغيب والتاريخ)، والقراءة الاجتماعيَّة السياسيَّة (لتُطرَح كخطاب محرِّك للجماهير في إطار الأمل والانتظار الإيجابي الفاعل في الجماعة)، والمتابعة التاريخيَّة (لتُقرَأ الحركة المهدويَّة كأثر في مسار التاريخ الإسلامي، وما رافقها من تحوُّلات فكريَّة ومذهبيَّة) إلخ من الوشائج المتأصِّلة في الضمير والوجدان والفكر والواقع المعاصر.
ومن ذلك المنطلق تبرز المهدويَّة كضرورة فكريَّة ملحَّة، تستقطب العقول وتستدرجها للبحث والتعمُّق في أبعادها المتنوِّعة، لنُجسِّدها ضمن أُطروحات مختلفة، تحمل في كلِّ مرَّة عنواناً يكشف عن زاوية مؤثِّرة في بنية العقيدة ورسم الموقف، وبذلك نُكوِّن شبكة معرفيَّة متسلسلة متمخِّضة في بحوثنا العشرة، كجولة فكريَّة أُولى، ونطمح إلى متابعتها بحلقة أُخرى تكشف مزيداً من العمق والرؤية.
ومنه تعالى التوفيق.

عالية حسين آل كاظم الموسوي

(٣)

مقدِّمة:
اتَّفق الفكر المعاصر في الآونة الأخيرة مع نظريَّة عالم الاجتماع الفيلسوف (أوغست كونت)(١) الذي وصف مرور العقل الإنساني بأطوار ثلاث ابتدأت بالفلسفة الدِّينيَّة ثمّ انتقلت إلى فلسفة تجريديَّة حتَّى انتهت إلى الفلسفة الواقعيَّة، وهي ما أولاها القيمة والموضوعيَّة.
وتُعبِّر هذه الأطوار عن تفاعل الإنسان مع الغيب والمجرَّد، الذي إذا أردنا تسميته بمصداق معاصر بارز فإنَّه لا يتعدَّى الشخصيَّة المهدويَّة وقضيَّته، التي تفاعل معها الإنسان - على رأي أوغست - في مرحلة سابقة بنحو من الاهتمام والتقديس والتوجُّه الكلِّي، ثمّ توسَّع مدركه فبات يُقلِّل من اهتمامه ويقترب من عَي حجمها الواقعي حتَّى استقوى بالعلم في تكامل رشده فصار ينظر إلى العقيدة المهدويَّة بملامحها الباهتة العاجزة فَنَظَرها شاخت وهزلت.
ومرحلة شيخوخة الفكرة المهدويَّة هي ما عليه أنصار الفكر اللَّاديني الآن، ومقولتهم: لماذا نقرأ القضيَّة المهدويَّة؟ ولماذا الاهتمام بها؟ ولماذا نتساءل عنها؟ وهي غاية ما تُمثِّل الفكر الدِّيني الذي استعاض عنه الإنسان بالتطوُّر العلمي والبحث التجريبي والتقدُّم التكنلوجي والتنوُّع الثقافي والتوسُّع المادِّي

-----------------

(١) أوغست كونت: وُلِدَ في باريس عام (١٧٩٨م)، وتُوفِّي فيها عام (١٨٥٧م)، عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي، له بصمات واضحة فقد أرسى المنهج العلمي وجعل من مبانيه الملاحظة، وهو مَنْ أطلق اسم علم الاجتماع على العلم الحالي، اقترن اسم هذا العالم مع المذهب الوضعي الذي يُعظِّم العلم ويرفض الميتافيزيقيا.

(٧)

بمظاهره الحياتيَّة المختلفة، فما جدوائيَّة العقيدة المهدويَّة والدِّين وقد أثبتت الحداثة عدم نفعهما والحاجة لهما في عهد التطوُّر والتمدُّن؟!
ما هي جدوى الاعتقاد بالمهدويَّة؟
إنَّ الدليل العلمي هو السبيل الناجح في كلِّ معترك فكري، ولم يكن المنهج الوحياني متقاطعاً مع العلم والعلماء في يوم من الأيَّام، والنصُّ الدِّيني في خطاباته واضح الدلالة في تمجيد العلم وتعظيم العالم، والتأكيد على التفكُّر والتدبُّر والتعلُّم.
ومن هذا المنطق نحاور نظريَّة شيخوخة الدِّين والفكرة المهدويَّة.
لا شكَّ أنَّنا عندما نستذكر القضيَّة المهدويَّة نجد توارد المعنى الدِّيني إلى الذهن وكأنَّه يلتصق مع العنوان المهدوي، وليس ذلك إلَّا لتمثيله (عجَّل الله فرجه) بالنصِّ الوحياني الدِّيني السماوي، وعندئذٍ التصريح بما جدوائيَّة الاعتقاد بالمهدويَّة هي عبارة أُخرى عن استنكار نفع الدِّين والحاجة إليه في ظلِّ التطوُّر العلمي والعقل الإنساني.
للوقوف على إجابة في هذا الصدد لا بدَّ من تمهيد أوَّلاً.
تمهيد:
في ظلِّ فرض الاستخفاف بالعقيدة المهدويَّة تتعيَّن ضرورتان:
أوَّلاً: إدراك أهمّيَّة الدِّين والتوقُّعات الإيجابيَّة منه.
ثانياً: إدراك الرابطة الواقعيَّة بين الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والدِّين السماوي.
فإذا انكشف أصالة الدِّين والحاجة إليه، ثمّ ارتباطه بشخصيَّة معصومة تتمثَّل بالمهدويَّة وبنحو العلَّة والمعلوليَّة، فلا مناص من الاعتراف بالقضيَّة المهدويَّة كأمرٍ مفروغ عنه وأساسي في الحياة.

(٨)

ونبدأ باستيضاح الضرورة الأُولى من خلال التالي:
١ - هل الدين ظاهرة أصيلة أو دخيلة على الحياة؟
٢ - كيف نتصوَّر حاجتنا إلى الدِّين؟
أمَّا السؤال الأوَّل فيمكن معرفته من خلال قراءة تاريخيَّة للواقع الإنساني من خلال الاكتشافات العلميَّة الأركيولوجيَّة، والتي أثبتت نزوع الإنسان إلى الدِّين، حيث أفادت النقوش الصخريَّة كنقوش (طاسيلي ناجر) في الجزائر، و(وادي درعة) في المغرب، و(تامجالي) في كازاخستان، و(يوتاه) في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وغيرها من الأماكن والقرائن والدلائل المثبتة لتعلُّق الإنسان بالبُعد الميتافيزيقي وحضور الدِّين في وجدانه.
ومن هذا المنطلق صدرت شهادات متعدِّدة من مفكِّرين ومؤرِّخين من مختلف التوجُّهات والجنسيَّات يتَّفقون مع مضمون قول المؤرِّخ الإغريقي (بلوتارك)(٢): (من الممكن أنْ تجد مُدُناً بلا أسوار، بلا مسارح، بلا ملوك، بلا ثروة، ولكن ليس هناك مدينة بلا معابد).
ويمكن قراءة التجربة الدِّينيَّة في ثلاث محطَّات:
١ - المحطَّة الفرديَّة: وهي ظهور الدِّين في الحسِّ الفردي حيث يجده الإنسان في أعماق نفسه وبمعزل عن تجارب الآخرين، قوامه اتِّصال المحدود بالمقدَّس الكلِّي، منشأه ميل نفساني لا إرادي.

-----------------

(٢) وُلِدَ في عهد الحاكم الروماني كلوديوس في منتصف القرن الأوَّل الميلادي بمدينة خيرونيا في بويوتيا، وتلقَّى تعليمه على يد الفيلسوف أمونيوس، وأشهر ما كتبه مجموعة السير المتوازية ومجموعة من الرسائل المهمَّة أشهرها أقوال الملوك والقادة، وقد ترجَم فتح الله كتابه (سير متوازية) إلى العربيَّة، وصدر لأوَّل مرَّة عام (٢٠١٢م) عن منشورات دار الجمل في ثلاثة أجزاء ضخمة.

(٩)

٢ - المحطَّة الجمعيَّة: وهي اتِّخاذ التديُّن من خلال مشاركة الأفراد بعضهم للآخر تجاربهم الشخصيَّة للتعبير عنها بتجربة عامَّة، كالطقوس والشعائر والمهرجانات الدِّينيَّة.
٣ - المحطَّة الزعامتيَّة: وهي القيادة الدِّينيَّة التي يعتليها البعض لسمات تُؤهِّله إلى ذلك لفرض التوجيه الدِّيني الاجتماعي، وقد عثرت التنقيبات الأثريَّة على ما يدلُّ على هذا الميل في الوجدان الإنساني، وكذلك تاريخ الأنبياء (عليهم السلام) وحواريهم وأوصيائهم شاهد.
ونستنتج من هذه القراءة لتمظهرات الدِّين - الفردي، الاجتماعي، القيادي - مدى تعلُّق الإنسان بهذه الظاهرة، ومدى اعتراف المجتمع العقلائي بها من جهة التعلُّق الدِّيني، ومن جهة الميل إلى القيادة الدِّينيَّة المجتمعيَّة، فنستيقن أصالة الدِّين وكونه جزء لا ينفكُّ من فطرة وضمير ووجدان الإنسان ومشاعره في عقله الواعي واللَّاواعي، فتنتفي دعوى دخالة الدِّين على الحياة.
وأمَّا السؤال الثاني:
كيف نتصوَّر حاجتنا إلى الدِّين؟
في ظلِّ استفهام العقل عن ذلك قد تُطلَق إثارات توهم بموقف سلبي سابق، فيطلب استبدال الدِّين بالمغاير الجديد! من قبيل:
عدم انحصار تحصيل الاطمئنان وراحة النفس بالدِّين، فالموسيقى ورياضة اليوغا مثلاً قادران على ذلك أيضاً.
ولا تُعتبَر الأخلاق قيمة ينفرد في تأسيسها الدِّين، فالفلاسفة والمفكِّرون مبدعون في هذا المحتوى أيضاً.
وليس القانون الاجتماعي وليداً للدِّين، بل لذلك الفنِّ أساطين قد يكونون ملحدين.

(١٠)

ولكن ينبغي عند البحث عن الحاجة إلى الدِّين النظر إلى أساس معياري للظاهرة في جعلها مورد حاجة مستمرَّة لا تقبل التغيير والتبديل، فيبتدئ السؤال بـ: هل كلُّ شيء في العالم صفته التبدُّل والتغيُّر أو أنَّ هناك ما يتَّصف بالثبات والدوام؟
من الواضح أنَّ هناك المتغيِّر وهناك الثابت الذي لا يتغيَّر بتغيُّر الأماكن والأزمان وأحوال الناس وثقافاتهم، لفرض طبيعته الرسوخ وعدم التزلزل، ومعياره الخالد هو: ما كان يُلبِّي الرغبات والحاجات الإنسانيَّة الثابتة.
مستويات الدور الدِّيني في المتغيِّر:
ويمكن تصوُّر قيام المحتوى الدِّيني بهذا الدور ضمن مستويات ثابتة ثلاث:
المستوى الأوَّل: الحاجات الفطريَّة:
فهناك حاجات متغيِّرة عند الإنسان، ومنها الخالدة لأنَّها ترتبط بكينونيَّته وذاته كحُبِّ المعرفة، وحُبِّ الجمال، وحُبِّ الكمال، وحُبِّ البقاء.
والدعوى على أنَّ الدِّين فطري فيتَّسم بالبقاء وعدم التغيُّر، والدليل على ذلك:
١ - النصُّ الدِّينيُّ: قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا...﴾ (الروم: ٣٠).
٢ - القرائن التاريخيَّة: وذكرنا سابقاً بعض الدراسات الأركيولوجيَّة التي أثبتت نزوع الإنسان فرديًّا واجتماعيًّا نحو التديُّن، فكانت السيرة العقلائيَّة وتمظهراتها خير شاهد عليه.
٣ - اعترافات علماء يمتازون بعدم التحيُّز للدِّين: من قبيل عالم النفس (كارل يونغ) دكتوراه أمراض عقليَّة وعالم سيكولوجيا وفيلسوف سويسري

(١١)

كبير، له كتابات في الأديان والحضارات، ويقول: (إنَّ للإنسان شعوراً فطريًّا، ونفساً باطنيَّة طبيعيَّة...، والدِّين واحد من تلك المحتويات الفطريَّة)(٣).
والفيلسوف الأمريكي (ويليم جيمس) وهو أكثر الفلاسفة نفوذاً في الولايات المتَّحدة ودكتوراه في الطبِّ من جامعة (هارفرد) ويقول: (إنَّ المنشأ للكثير من الرغبات والميول الباطنيَّة هي الأُمور الطبيعيَّة والعالم المادِّي، لكن في نفس الوقت هناك ميول ورغبات باطنيَّة كثيرة منشؤها العالم المعنوي، فالحُبُّ والوفاء و... أُمور نفسيَّة دينيَّة كثيرة لا نراها تتوافق مع الحسابات المادّيَّة، إذن هناك غرائز معنويَّة تربطنا بعالم آخر)(٤).
٤ - انسجام الدِّين مع الفطرة: أي إنَّ المنظومة الدِّينيَّة بأبعادها العقديَّة والأخلاقيَّة والفقهيَّة تتناسب - في كلّيَّاتها - مع الفطرة الإنسانيَّة، وإلَّا تعارض التشريع مع التكوين وهو عبثي لا ينسجم مع فعل الله تعالى الحكيم سبحانه عن ذلك.
٥ - قدرة الدِّين في تحصيل الإنسان حاجاته الفطريَّة بنحو أفضل من غيره، فهو قادر على:
أ - تقديم قيمة للحياة، وبإجراء مقارنة بين رؤيتين حياتيَّة إحداهما دينيَّة والأُخرى مادّيَّة نستظهر التفوُّق الدِّيني، يقول العالم النفساني (أريك فروم): (لا يشعر الإنسان المعاصر بالأمان، بل يشعر في أكثر أوقاته بالحيرة والضياع، هو يعمل بشكل دائم ولكنَّه يشعر بعبثيَّة ما يفعله بشكلٍ مستمرٍّ)(٥).
ب - تحقيق طموح الخلود، فإنَّ تخليص الإنسان من أرق التفكير بالموت لا يمكن إلَّا للفكر الدِّيني.

-----------------

(٣) لا بديل عن الدِّين (ص ٢١ و٢٢).
(٤) لا بديل عن الدِّين (ص ٢٢).
(٥) دراسات في علم الكلام الجديد (ص ٢٠٦).

(١٢)

ج - معالجة شبح القلق من المستقبل المجهول: (فهو معبَّأ بوحشة المرض أو الفقر أو الفقدان أو الحرمان المؤلم...)، والدِّين يسهم في تخفيف ذلك من خلال التأسيس لقاعدة إيمانيَّة تتقوَّم على الثقة بقدرة كبيرة ورحيمة مسيطرة على مقدَّرات العالم.
د - الخلاص من الوحدة: وهو هاجس يُصيب جميع الفئات العمريَّة ولأسباب مختلفة، ولكنَّ المتديِّن يكسر هذا الشعور بالخلوة إلى الله سبحانه وذكره المريح للنفس، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨).
المستوى الثاني: الحاجة الأخلاقيَّة:
اجتمعت كلمة المفكِّرين والباحثين على مرِّ التاريخ أنَّ حياة المجتمع لا تستقيم إلَّا بالقِيَم الأخلاقيَّة، ورغم المصادر المعرفيَّة المتعدِّدة للتشريع الأخلاقي (الفطرة، العقل، الوحي)، ولكن يتقدَّم ويتميَّز الدِّين الوحياني على غيره من مصادر تشريعها للأسباب التالية:
١ - لا يتحصَّل معرفة الحقيقة الكاملة لسائر الناس، بل يختصُّ بالنادر منهم.
٢ - لا يتحصَّل الاطمئنان واليقين بإصابة الحقيقة الأخلاقيَّة إلَّا بعصمة المصدر، ولا يكون كذلك إلَّا الخالق المطلق ومَنِ ارتبط به من خلال وحيه.
٣ - يتميَّز الدِّين بضبط مفردات الحسن والقبح، والفضيل والرذيل، والمعايير الدخيلة في تحديد ماهيَّتها بنحو دقيق، فالدِّين له دور في تحديد المصاديق فإنَّ العفَّة (كحجاب المرأة) يراها الشرع مصداقاً للحسن(٦).

-----------------

(٦) لا يخفى أنَّ الحسن والقبح العقلي يتعلَّق بالأفعال الذاتيَّة وليس الأعمِّ، فهنالك أفعال يحكم العقل بحسنها أو قبحها بلحاظ المقتضي ومرَّة بلحاظ عدم المانع، وعندئذٍ سيكون الدِّين مميِّزاً لذلك فيُحدِّد الحسن من القبيح، ومن هنا نقول: لم يدَّعِ العدليَّة أنَّ تمييز وتحديد الحسن والقبح مطلقاً في مكنة العقل.

(١٣)

٤ - ينفرد الدِّين بتحديد ملاك الخُلُق الذي يجعله فضيلاً ورذيلاً بالمعنى المطلوب والتحرُّز عمَّا ينافيه، فالدِّين هو الذي يُحدِّد ملاك علَّة الخلق هو الوصول إلى الكمال الإنساني اللَّائق به.
٥ - كشف غاية الأخلاق بتأثير كلِّ فعل على الإنسان وفي جميع العوالم التي يمرُّ بها، فإنَّ للصدق والكذب مثلاً آثار في نشآت ما بعد الدنيا يأتي الدِّين على بيانها وكشفها.
٦ - إيجاد الضامن لتطبيق الأخلاق، وهي عناصر الحثِّ والترغيب والترهيب من قبيل الثواب والعقاب والاعتقاد بالرقابة الإلهيَّة على كلِّ حالات الفرد.
٧ - تسويق الدِّين لمفرداته الأخلاقيَّة من خلال الأُسوة الصالحة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١) ويلعب ذلك دوراً خطيراً من جهات عدَّة، كبلورة المفاهيم وإثبات تأثيرها الإيجابي، والترغيب فيها للالتحاق بالركب الصالح.
المستوى الثالث: الحاجة إلى القانون:
إنَّ الحاجة إلى القانون حقيقة ثابتة لا تقبل التغيير...
([وفي] الواقع فإنَّ الدِّين على الإجمال من خلال التأمُّل الجامع في نصوصه ومضامينه وغاياته وافٍ بما يُتوقَّع منه في مجال التقنين للإنسان من حيث الإرشاد إلى المنحى الفطري في التقنين والتنبيه على الأُصول العامَّة وجملة من التفاصيل المنبِّهة على الاتِّجاهات الصائبة، والإحالة في سائر الأُمور إلى المذاق الارتكازي العقلائي الذي يجده الناس من أنفسهم عند التأمُّل، ويستطيع النخبة منهم من صياغته على شكل موادٍّ قانونيَّة، كما يُعوِّل عليه الفقهاء في غير العبادات من الأبواب الفقهيَّة)(٧).

-----------------

(٧) راجع: اتِّجاه الدِّين في مناحي الحياة (ص ٤٧٧ - ٥٢١)، للوقوف بنحو تفصيلي للموضوع.

(١٤)

وعوداً على ما بدأناه من بيان ضرورتين لاستعظام العقيدة المهدويَّة ونفي تسخيفها، نذكر الضرورة الثانية وهي:
إدراك الرابطة الواقعيَّة بين الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والدِّين السماوي:
إذا انتهينا من خلال ما ذكرنا من أهمّيَّة وضرورة الدِّين، سينتقل العقل مباشرةً إلى وسيلة تسويق ذلك النظام السماوي الدقيق من مصدرها اللَّاهوتي إلى مخاطبها الناسوتي، وإحراز الأمانة العلميَّة والعمليَّة لعصمة الرسالة من أيِّ خطأ متصوَّر، ولا يكون ذلك إلَّا من خلال الفرد المعصوم الذي تنتخبه السماء خاصَّة لطهارة صلبه وروحه وقوَّة عزمه وخلوصه، ولا ينطبق ذلك إلَّا على شخص الرسالة (صلَّى الله عليه وآله) ويليه الإمام (عليه السلام) ليُكمِل مهمَّته ووظيفته في حمل الأمانة وتبليغها وحمايتها من التحريف والتشويه وإيصال كلِّ فردٍ من المجتمع إليها.
وبذلك تكون الحاجة إلى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حاجة ثابتة ومستمرَّة لا يمكن الاستعاضة عنها بأيِّ تطوير أو تحوير، ومَنْ رفع يده عن ذلك فقد تنصَّل عن حاجته النفسيَّة والروحيَّة والعقليَّة، واتَّبع خَطَل الرأي.

* * *

(١٥)

مقدِّمة:
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً...﴾ (النور: ٥٥).
إنَّ الأصل(٨) في العقيدة المهدويَّة ظهور الإسلام على جميع الأديان واستقرار مسيرة العالم إلى حكومة السماء، لتكون خلافة الأرض نصيبَ المؤمنين، ونصيبُ الخوف الفناء، والظلم الاندثار، والعدل الانبساط والاقتدار ليتحقَّق الطموح الإنساني وغاية بعثة الأنبياء (عليهم السلام): ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ...﴾ (الحديد: ٢٥).
وبهذا الأصل يتمسَّك المتديِّن الإمامي كقيمة مقدَّسة لا يقبل الانفكاك عنها، لتنظم فكريَّاته بنحو العقيدة وتفاعلاته مع ظروف وأحداث بنحو الواعز الدِّيني!
فيُقرَأ هذا التناغم والانسجام بينهما بلحن الأحجية التي تستدعي التفسير المنطقي، ممَّا يتعيَّن التحليل الجذري لكشف ذلك، ولهذا الغرض عُقِدَ البحث ضمن محاور ستَّة:
المحور الأوَّل: هل القضيَّة المهدويَّة تاريـخيَّة أو عقديَّة أو فقهيَّة؟
عندما يرتبط السؤال بالدوافع إلى القضيَّة المهدويَّة ومدى التفاعل معها، فإنَّ القراءات المتصوَّرة فيها ثلاثة: (تاريخيَّة، فقهيَّة، عقديَّة).

-----------------

(٨) حيث إنَّ الإسلام الشريعة الخاتمة، والتشيُّع هو الإسلام، وجوهر التشيُّع العقيدة المهدويَّة.

(١٩)

١ - القراءة التاريخيَّة:
بمعنى قراءة الظاهرة المهدويَّة من خلال المنهج التاريخي الذي يتابع الماضي لتسجيل الأحداث وبكلِّ جوانبها، (كظروف ولادته (عجَّل الله فرجه)، وغيبته بنمطيه الصغرى والكبرى وما رافقهما من ملابسات وشخصيَّات، وتصدِّيه (عجَّل الله فرجه) للاستخلاف، وأخبار ظهوره المبارك (عجَّل الله فرجه)... إلخ)، لتُلحَظ كعلاقات متأثِّرة ومؤثِّرة على المجتمع بأطيافه المتنوِّعة لتنعكس بنحو ما على مؤيِّديها ورافضيها.
فتُلحَظ المهدويَّة كشخص مَثَّلَ ظاهرة ارتبط بها المجتمع ليتفاعل بعضهم معها على فرض واقعيَّتها لِمَا تحمله من مشروع مؤثِّر في الوجدان الإنساني.
٢ - القراءة الفقهيَّة:
ذهب أغلب أبناء العامَّة على كون الإمامة من فروع الدِّين، ونكتفي بنقل قول البعض من أعلامهم لبيان رؤيتهم في ذلك:
قال الآمدي: (واعلم أنَّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات، ولا من الأُمور اللَّابدّيَّات، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها، بل لعمري أنَّ المعرض عنها لأرجى حالاً من الواغل فيها، فإنَّها قلَّما تنفكُّ عن التعصُّب والأهواء...)(٩).
وقال التفتازاني: (لا نزاع في أنَّ مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق، لرجوعها إلى أنَّ القيام بالإمامة، ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات...)(١٠).
والقول: إنَّ الإمامة فرع تاريخي أو فقهي يترتَّب عليه آثار:
أ - اعتبار قضيَّة الإمامة حدث تاريخي فقط ينحصر الاهتمام به بالمعاصرين له دون غيرهم.

-----------------

(٩) غاية المرام في علم الكلام (ص ٣٠٩).
(١٠) شرح المقاصد (ج ٥/ ص ٢٣٢).

(٢٠)

ب - ليست الإمامة فعل الله سبحانه، بل فعل المجتمع، فتأتي عناوين البيعة والانتخاب البشري.
ج - عدم اتِّفاق الملَّة على مواصفات الإمام، لأنَّه أمر مرتبط بتشخيص الأفراد، ممَّا يوجب عدم ضبط تشخيص المصداق.
د - لا يستدعي عدم الاعتقاد بالإمامة الكفر إلَّا إذا استلزم تكذيب النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) كسائر الفروع الضروريَّة الأُخرى كالحجِّ والصلاة وغيرها.
٣ - القراءة العقديَّة:
ترتبط العقيدة بأصل الدِّين، وتتميَّز عن أحكامه بأنَّ جحودها يوجب الخروج عنه، فيتعيَّن العناية بها وبتميُّزها للتحرُّز من إدخال ما ليس من الدِّين فيه، فينتهي ذلك إلى صباغة دين باطل! ومن المعلوم أنَّ النجاة في يوم القيامة مرهون بالدِّين الحقِّ، فمَنْ آمن بالله سبحانه واليوم الآخر لا يمكنه عدم الاكتراث لذلك.
فمثلاً الشرك بالله (عزَّ وجلَّ) من الأُمور المحوريَّة، فلذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ (النساء: ٤٨)، وكذلك معرفة الإمام والإيمان به، حيث ورد في الحديث الشريف المتواتر: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(١١).
ويُمثِّل الإسلام هويَّة الدِّين الحقِّ، وقوامه بالقدر المتَّفق عليه بين الفِرَق الإسلاميَّة هو: التوحيد - بالدلالة المطابقيَّة -، والنبوَّة والمعاد - بالدلالتين المطابقيَّة أو التضمُّنيَّة -.
والكلام في الإمامة، فهل هي أصل بنحو الشرط المستقلِّ لتحقيق الإسلام أو ليست كذلك، فيكون وزانها وزان الأحكام؟

-----------------

(١١) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩).

(٢١)

وقبل قليل ذكرنا النظريَّة لغالب أبناء العامَّة القائلة بالفرعيَّة الفقهيَّة، وهناك - وهم النزر القليل منهم - مَنْ ذهب إلى كونها أصلاً! كما في بعض شُرَّاح كتاب البيضاوي في كتاب (الإبهاج في شرح المنهاج)، وكتاب (نهاية السول شرح منهاج الوصول)(١٢).
١ - كما نُسِبَ إليه أنَّه قال: (إنَّ الإمامة من أعظم مسائل أُصول الدِّين التي مخالفتها توجب الكفر والبدعة)(١٣).
وكثير من شُرَّاح هذا الكتاب أيَّد اعتبار الإمامة أصلاً ومخالفتها كفراً، أمثال:
- محمّد أبو النور زهير (أُستاذ في الأزهر) في (أُصول الفقه)(١٤).
- شيخ الإسلام عليُّ بن عبد الكافي السبكي في (الإبهاج في شرح المنهاج)(١٥).
- محمّد بن الحسن البدخشي في (شرح البدخشي)(١٦).
٢ - ويقول ابن عطيَّة المكِّي نقلاً عن أبي محمّد سهل بن عبد الله: (وكان (أبو محمّد) سهل (بن عبد الله) رحمه الله تعالى يقول: مَنْ أنكر إمامة لسلطان فهو زنديق)(١٧).
وذُكِرَ هذا المطلب عنه في مصادر سُنّيَّة أُخرى أمثال:
- الغزالي محمّد بن محمّد أبو حامد في (إحياء علوم الدِّين)(١٨).

-----------------

(١٢) الإبهاج في شرح المنهاج (ج ٢/ ص ٢٩٥)؛ نهاية السول شرح منهاج الوصول (ص ٢٦٢).
(١٣) الصوارم المهرقة (ص ٢٦٣).
(١٤) أُصول الفقه (ج ٣/ ص ١٠٧).
(١٥) الإبهاج في شرح المنهاج (ج ٢/ ص ٢٩٥).
(١٦) شرح البدخشي (ج ٢/ ص ٢٢٦).
(١٧) قوت القلوب (ج ٢/ ص ٢٠٨).
(١٨) إحياء علوم الدِّين (ج ١٢/ ص ٩٧).

(٢٢)

- المناوي محمّد عبد الرؤوف بن عليِّ بن زين العابدين في (فيض القدير شرح الجامع الصغير)(١٩).
٣ - يقول ابن عابدين محمّد أمين بن عمر في حاشية (ردِّ المحتار على الدُّرِّ المختار شرح تنوير الأبصار فقه أبو حنيفة): (وفي الفتح عن الخلاصة مَنْ أنكر خلافة الصدِّيق أو عمر فهو كافر)(٢٠).
ونقل هذا المطلب أيضاً:
- السبكي في (فتاوى السبكي)(٢١).
- ابن حجر الهيثمي في (الصواعق المحرقة)(٢٢).
- الشيخ نظام في (الفتاوى الهنديَّة في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة)(٢٣).
وغيرهم آخرين.
٤ - وهكذا قال أغلب أهل السُّنَّة بأنَّ منكر المهدي (عجَّل الله فرجه) كافر تبعاً للنصوص المتواترة عندهم، وهو مذهب الوهَّابيَّة بالإجماع.
وأمَّا نظريَّة الإماميَّة في الإمامة:
فهي مسألة كلاميَّة بإجماع كلمتهم، ولكنَّهم انقسموا فيها إلى:
١ - القائل بأنَّها أصل دين (وهو الرأي المشهور) والمعيار العقائدي (الإمامة أصل الدِّين) من خلال الرؤية الكلاميَّة التي تهتمُّ بالدِّين الواقعي والخلاص الأُخروي، تُعَدُّ الإمامة من أُصول الدِّين لما لها من دور حاسم في

-----------------

(١٩) فيض القدير (ج ٢/ ص ٥٧٨).
(٢٠) ردُّ المحتار (ج ١/ ص ٥٦١).
(٢١) فتاوى السبكي (ج ٢/ ص ٥٧٦).
(٢٢) الصواعق المحرقة (ص ٥٢).
(٢٣) الفتاوى الهنديَّة (ج ٢/ ص ٢٦٤).

(٢٣)

الهداية الإلهيَّة بعد النبوَّة، فإنَّ عدم الإيمان بالإمامة - بعد إقامة الحجَّة - يُعَدُّ حرماناً من الهداية والقبول الإلهي، حتَّى وإنْ بقي صاحبه ضمن ظاهر الإسلام.
ونُصنِّفهم ثلاثة:
أ - المتقدِّمون: الشيخ الصدوق في كتاب (الهداية)(٢٤)، والمفيد في كتاب (المقنعة)(٢٥)، والشريف المرتضى في (الرسائل)(٢٦)، والعلَّامة الحلِّي في (أنوار الملكوت في شرح الياقوت)(٢٧).
ب - المتأخِّرون: أمثال: السيِّد نور الله التستري(٢٨)، والمحقِّق اللَّاهيجي(٢٩)، وملَّا صالح المازندراني(٣٠)، والشيخ الأنصاري(٣١)، والهمداني(٣٢)، والملَّا السبزواري(٣٣)، والشيخ يوسف البحراني في (الحدائق الناضرة)(٣٤).
ج - وأمَّا المعاصرون المؤيِّدون: فكانوا: السيِّد الخوئي في (التنقيح في شرح العروة الوثقى)(٣٥)، ومحمّد حسن المظفَّر في (دلائل الصدق لنهج الحقِّ)(٣٦).

-----------------

(٢٤) الهداية (ص ٢٧ و٢٨).
(٢٥) المقنعة (ص ٣٢).
(٢٦) رسائل الشريف المرتضى (ج ١/ ص ١٦٦).
(٢٧) أنوار الملكوت (ص ٢٠٨).
(٢٨) شرح إحقاق الحقِّ (ج ٢/ ص ٣٠٥).
(٢٩) گوهر مراد (ص ٤٦٧).
(٣٠) شرح أُصول الكافي للمازندراني (ج ٥/ ص ١٥٦).
(٣١) كتاب الطهارة (ص ٣٣٠).
(٣٢) شرح أُصول الكافي نقلاً عن الحدائق (ج ٥/ ص ١٧٦).
(٣٣) مجموعة رسائل (ص ٢٦٩).
(٣٤) الحدائق الناضرة (ج ٥/ ص ١٧٨).
(٣٥) التنقيح في شرح العروة الوثقى (ج ٢/ ص ٨٤ - ٨٧).
(٣٦) دلائل الصدق (ج ٢/ ص ١٠).

(٢٤)

وهي كذلك عند السيِّد السيستاني (دام ظلّه) كما جاء عنه: (... الإيمان بالله وتوحيده، ونبوَّة نبيِّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله) وإمامة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) والمعاد، هذه أُمور لا يجوز التقليد فيها فهي من أُصول الدِّين...)(٣٧).
وآخرون أمثال: هاشم الطهراني(٣٨)، وباقر النجفي(٣٩)، والمرعشي النجفي(٤٠).
٢ - القائل بأنَّها أصل مذهب: وهو ما ذهب إليه:
السيِّد الخميني، والشيخ المطهَّري، والعلَّامة الطباطبائي.
وفيما هاهنا ملاحظات ثلاث:
الأُولى: ما هو الأثر المترتِّب على كلٍّ من الرأيين؟
الثانية: لماذا وقع الاختلاف؟
الثالثة: ما هي قراءة كلٍّ منهما للدليل؟
وأمَّا الأُولى: ويمكن إجمال المطلب في فرق أساسي بينهما يلازم كلًّا منهما، وكونها أصلاً يلازم إنكارها إنكار ضرورة دينيَّة، أثره يعمُّ الدنيا والآخرة ولو بلحاظ الجاحدين فقط.
وكونها فرعاً يلازم الاعتراف بها درجة إيمانيَّة تفوق درجة الإسلام، مقرِّبة إلى الله تعالى ممَّا تُحقِّق الثواب والنعيم الأُخروي.
وأمَّا الثانية: فالاختلاف تبع قراءة الدليل، ولكلِّ رأيٍ نظرٌ وتحليلٌ ينسجم مع مدركاته وقناعاته.

-----------------

(٣٧) الفتاوى الميسَّرة (ص ٣٧ و٣٨).
(٣٨) توضيح المراد تعليقة على شرح تجريد الاعتقاد (ج ١/ ص ٦٧٣).
(٣٩) أنوار الهداية في الإمامة والولاية.
(٤٠) شرح إحقاق الحقِّ (ج ٢/ ص ٤٩٤).

(٢٥)

وأمَّا الثالثة:   
اعتمد الرأي الأوَّل على مجموعة أدلَّة، ومنها:
١ - ما ورد في لسان الروايات من مفاهيم المخالف والمرتدِّ الملتصقة بالمنكر الجاحد، وكونها ضرورة دينيَّة.
٢ - الإجماع وقاعدة اللطف المعتمدة عند المتكلِّمين.
وغير ذلك من الأدلَّة.
وردَّه الرأي الثاني:
اعتماداً على ما ورد في القرآن الكريم من شرطي الإسلام وكفاية تحقُّق النجاة بهما ما لم تقم عليه الحجَّة، وهما التوحيد والنبوَّة. والنصُّ القرآني والروائي السابق يمكن تفسيره بوجه آخر ينسجم مع كمال الإسلام والإيمان والأفضليَّة وزيادة القرب من الله سبحانه وتعالى في غير الجاحدين والنواصب، إذ إنَّ المقصود من الجاهليَّة في الرواية السابقة نفي كمال لا نفي مقوِّم.
وفي الكلام تفصيل يمنع اختصار البحث من بيانه.
المحور الثاني: هل تستدعي المهدويَّة علماً تقليديًّا أو تحقيقيًّا؟
إذا كانت المهدويَّة ظاهرة فكريَّة تتقوَّم بالتصوُّر والتصديق ولا ترتبط بالفعل والعمل الجوارحي(٤١)، فهي من مقولة الكيف النفساني، ولا مناص عندئذٍ من السؤال التالي:
ما نوع العلم المتعلَّق بها؟ وهل مردُّه العلم الحصولي، الناتج من اتِّباع المتخصِّصين بالقضيَّة المهدويَّة، أو يتعيَّن علمٌ خاصٌّ مصدره البحث والتأمُّل والبرهان؟

-----------------

(٤١) المقصود هو تصوُّر المهدويَّة والتصديق بها، ثمّ الإذعان لها كفكر وعقيدة، وليس ما يستتبع ذلك الفكر من نشاط وعمل وسلوك، وإلَّا فإنَّ كلَّ عمل يتقدَّمه فكر.

(٢٦)

وبعبارة أُخرى: إنَّ العلم المراد في المهدويَّة هو علم حصولي نابع من البحث بشكل شخصي للوصول إلى الحقيقة باعتبار أنَّ القضيَّة المهدويَّة من الأُمور العقائديَّة التي لا يجوز فيها التقليد.
أو أنَّ المراد من العلم في القضيَّة المهدويَّة هو علمٌ تقليديٌّ كما في الرجوع إلى المتخصِّصين كما في تفاصيل الأُمور العقديَّة كالصراط وتطاير الكُتُب ومنكر ونكير ونحو ذلك؟
في المسألة أقوال:
الرأي الأوَّل(٤٢): ويذهب إلى عدم صحَّة الاتِّباع والاعتماد على الآخر لتحصيل العلم فيه. وبعبارة أُخرى: وجوب معرفة الإمام - الذي له مقام الإمامة وفق شروطها - بالدليل لا بالتقليد، ومن الأدلَّة على ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٢ و٢٣)، فذمَّ سبحانه التقليد في الاعتقاد وحثَّ على النظر والاستدلال بقوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الأحقاف: ٤).
فإنَّ هذا الرأي لا يُصحِّح التقليد في الأُصول سواء كان أصلاً دينيًّا أو مذهبيًّا، فيتعيَّن على كلِّ فردٍ النظر والاجتهاد فيها.
الرأي الثاني(٤٣): ويذهب إلى كفاية الظنِّ، فهو معتبر في معرفة الإمام (عليه السلام)، فلا ضرورة بالاعتقاد الجازم به، ووفق ذلك يُصحِّح الاعتماد على قول الآخر وتحصيل العلم التقليدي.

-----------------

(٤٢) وهو للعلِّامة الحلِّي (رحمه الله) في كتابه شرح الباب الحادي عشر (ص ١٩).
(٤٣) وهو رأي بعض أعلام المذهب كالمقدَّس الأردبيلي والشيخ البهائي والعلَّامة المجلسي والفيض الكاشاني (رحمهم الله).

(٢٧)

الرأي الثالث(٤٤): ويُفرِّق بين نحوين من الاتِّباع لتحصيل العلم، أحدهما تقليد لا يفيدُ إلَّا الظنَّ، والآخر تقليد يفيد الاطمئنان فيما استحصله من العلم، كالفارق بين تقليد المجتهد في الفروع الذي لا يُعنى بتحقيق الاطمئنان في نفس المقلِّد، وبين تقليد المتخصِّص في إثبات وجود الله سبحانه بالدليل والبرهان ممَّا يُولِّد اليقين والاطمئنان في نفس المقلِّد بواسطة ذلك الدليل، وهذا لا تثريب عليه بخلاف الأوَّل.
والدليل عليه هو سيرة المتشرِّعة حيث اعتمدوا على أهل التخصُّص في اعتناق معتقداتهم، وبطلان ذلك فيه محذور التكفير والتفسيق الممتنع بالإجماع.
وينبغي التنبُّه إلى تأكيد القرآن الكريم على تحصيل إذعان النفس وتسليم القلب فيما دانت به، وهو فعل التصديق العميق والاعتقاد، ويمكن تحصيله بالوقوف على قول أهل الاختصاص والبرهان، وبذلك لا ضرورة في اختلاف منشأ التصديق والاطمئنان النفسي فقد يكون منشأه العقل النظري الشخصي، وقد يكون منشأه العقل النظري التخصُّصي.
المحور الثالث: ما هي مرتبة العلم؟ العلم الحصولي أو الإيمان القلبي؟
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾ (النساء: ١٣٦).
وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ...﴾ (الحجرات: ١٤).

-----------------

(٤٤) وهو رأي الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في كتابه (الرسائل)، وزعيم الطائفة السيِّد الخوئي والسيِّد السبزواري (قدّس سرّهما)، وغيرهم من الأعلام المعاصرين.

(٢٨)

ويبدو أنَّ دائرة الاعتقاد بالمهدويَّة تتضيَّق لتنحصر بفرد متميِّز بالشروط، فمن العلم المطلق إلى العلم التصديقي ومنه إلى تصديق يقتضي الإيمان، ثمّ قد يكون الإيمان مفهوماً مشكَّكاً! لذلك ينبغي التوقُّف عند جدليَّة العلاقة بين العلم والإيمان، فهل يكفي العلم بإمامة المهدي (عجَّل الله فرجه) أو لا بدَّ أنْ يبلغ الإيمان؟
ويمكن تنظيم المطلب بالنحو التالي:
١ - هل العلم عين الإيمان أو هو غيره؟
٢ - هل متعلَّق العقيدة المهدويَّة العلم أو الإيمان؟
٣ - ماهيَّة العلاقة بين العلم والإيمان بعد فرض الغيريَّة؟
وبالنسبة للتساؤل الأوَّل نجد جوابه بوضوح في القرآن الكريم، وذلك باستعراضه لنحوين متغايرين من المعرفة إحداهما عقليَّة (الحاصلة بالعلم الحصولي)، والأُخرى قلبيَّة (وهي الإيمانيَّة)، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً﴾ (النمل: ١٤)، فهي تشير إلى العلم البيِّن بالحقيقة ورغم ذلك التنكُّر لها.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ (الروم: ٥٦)، ولولا المغايرة بينهما لم يصحّ العطف.
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ (الأعراف: ١٠١).
والبيِّنات هي البراهين الواضحة التي تفرض طبيعتها على العقل الإقرار لولا المانع لحجاب على القلب، فالعقل غير القلب، والعلم غير الإيمان.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «اَلْكُفْرُ فِي كِتَابِ اَلله عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ... فَأَمَّا

(٢٩)

كُفْرُ اَلْجُحُودِ فَهُوَ اَلْجُحُودُ بِالرُّبُوبِيَّةِ... [وَ]اَلْجُحُودِ عَلَى مَعْرِفَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَجْحَدَ اَلْجَاحِدُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ قَدِ اِسْتَقَرَّ عِنْدَهُ...»(٤٥).
وأيضاً يقع الامتياز بينهما في التعريف، وأكثر أعلام الشيعة فسَّروا الإيمان بـ (التصديق القلبي). نعم، قد ذُكِرَ في ذلك تفريعات يأتي الكلام فيها.
وقد عرَّفت الأشاعرة التصديق القلبي بـ (عقد القلب بالذي عُلِمَ من خبر المخبر).
وأمَّا العلم فقد عُرِّف بأنَّه: حضور المعلوم لدى العالِم، إمَّا حضوراً بالمباشرة أو بغيرها.
وبذلك يتَّضح المائز بينهما، فالأوَّل أمرٌ كسبيٌّ لا يتمُّ إلَّا باختيار المصدِّق، وبخلافه الثاني فهو حاصل - أحياناً - بنحو قهري لا إرادي.
وهاهنا ملاحظتان في القرآن الكريم: استخدامه الإيمان بمعنى الميل القلبي. وأيضاً لم ينسب الإيمان إلى العقل في أيِّ مورد من موارده.
وفي شأن السؤال الثاني: هل متعلَّق العقيدة المهدويَّة العلم أو الإيمان؟
بعد الوقوف على المائز بين العلم والإيمان ونحن في رحاب القضيَّة المهدويَّة، فمن البديهي التبادر الذهني إلى ارتباطها بأيٍّ منهما، وهل يكفي فيها مطلق العلم الحصولي والثقافة المعرفيَّة، أو أنَّها تستدعي أكثر من ذلك؟
ذكرنا أنَّ المهدويَّة شأن عقائدي بنحو الأصل فيها، وقد بلغت حدَّ الوضوح بقيام أدلَّة من القرآن والسُّنَّة على كونها من ركائز الدِّين بإجماع مذهبي، فناءت بنفسها عن الشكِّ لتكون من ضروريَّات(٤٦) المذهب التي لا سبيل لمن

-----------------

(٤٥) الكافي (ج ٢/ ص ٣٨٩/ باب وجوه الكفر/ ح ١).
(٤٦) أ - الضروري قسمان: ضروري دين، وضروري مذهب، ومَنْ أنكر الأوَّل فقد خرج من الدِّين وحُكِمَ بكفره، ومَنْ أنكر الثاني خرج من المذهب ولم يُحكم بخروجه عن دين الإسلام (الظاهري).         
ب - ليس المراد من الضروري ما يثبت عند الجميع فيساوق المعلوم المجمع عليه، بل المراد ما ثبت بنحو الضرورة عند المعظم وعامَّة المسلمين، وذلك لاتِّفاق العلماء على إمكان إنكاره - لعدم العلم أو لشبهة أو لغيرهما - وبقاءه على صفة الضرورة.
ج - المراد من الضروري ما يكون ثبوته غير مفتقر إلى دليل لوضوح ثبوته في الدِّين فلا تبقى حاجة إلى الدليل ولا ينتظره منتظر كأصل وجوب الصلاة، نعم كلُّ ما يُنسَب إلى الدِّين محتاج إلى الدليل في أوَّل أمره ولكن يتميَّز الضروري في مراحل لاحقة بحيث يشتهر ثبوته وبداهته لأسباب، منها:
١ - قيام أدلَّة واضحة السند والدلالة من القرآن الكريم على كونه من ركائز الدِّين وعدم تحقُّق إسلام الفرد إلَّا به.
٢ - عدم وجود أدلَّة معارضة.
٣ - اتِّفاق الأعلام على ذلك.
٤ - اشتهار هذا المعنى بين المسلمين بوسائل مختلفة فتتمدَّد معرفته إلى الأذهان حتَّى يرتكز ويصل حدَّ البداهة.

(٣٠)

التفت إليها ويريد حفظ إسلامه الواقعي من إنكارها.
ولا يُتصوَّر مجانبة الأُصول العقائديَّة الإيمان وكفاية العلم بها لتأخذ مكانتها الواقعيَّة في وجدان الإنسان كما أراد لها الخالق تبارك وتعالى.
وفي هذا الصدد آراء: منها ما ذكره الشيخ محمّد هادي آل راضي، ويطابقه رأي المرجع السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): ([إنَّ] هناك عنوانين متداولين في النصوص الشرعية... وهما الإسلام والإيمان.
أمَّا الإسلام فيُطلَق ويُراد به أحد معنيين:
المعنى الأوَّل: الإقرار الظاهري بالشهادتين فقط وإنْ لم يقترن بالتصديق والإذعان القلبي... وهو المعبَّر عنه في بعض الكلمات بالإسلام الظاهري، وتترتَّب عليه جملة من الآثار الدنيويَّة مثل: حقن الدم والمال، وجواز النكاح، واستحقاق الميراث...، من دون لزوم التفتيش عن الباطن وأنَّه هل يعتقد ويؤمن واقعاً بما قاله وأقرَّ به أو لا؟...

(٣١)

وهذا المعنى هو المراد غالباً من الإسلام في الروايات...
ومنه يظهر أنَّ الإسلام بهذا المعنى يدخل فيه كلُّ الفِرَق الإسلاميَّة ممَّن يُظهِر الشهادتين إذا لم يصدر منه ما ينافي الإقرار بهما...
المعنى الثاني: الإسلام الواقعي، وهو التصديق والإيمان القلبي بالأُصول الأساسيَّة للإسلام بما فيها الإمامة والولاية مع إظهار ذلك... ويترتَّب على ذلك جميع الآثار الدنيويَّة للإسلام بالمعنى الأوَّل، مضافاً إلى آثار أُخرويَّة مثل: صحَّة الأعمال واستحقاق الثواب عليها، وعدم الخلود في النار، ونحو ذلك.
فالمعتبر في الإسلام الواقعي - مضافاً إلى الإقرار بالشهادتين - أمران:
١ - التصديق والإذعان القلبي...
٢ - الاعتقاد بالأُصول الأساسيَّة للإسلام كالإمامة والعدل، فلا يكفي الاعتقاد بالتوحيد والنبوَّة فقط.
ومنه يظهر: أنَّ الأُصول الخمسة المعروفة كلُّها أُصول دين وأُصول للإسلام الواقعي، ويُطلَب من كلِّ مكلَّف الاعتقاد بها جميعاً، وأنَّ الاعتقاد ببعضها فقط لا يُصيِّر المكلَّف مسلماً واقعيًّا)(٤٧).
ويمكن استذكار بعض الشخصيَّات التي ذكرها القرآن الكريم، لم تفتقر للعلم العقدي وإنَّما خلت نفوسهم من الإيمان به فكانت عاقبتهم سوأى، كما في علم الشيطان بالحقِّ وعداوته، وجحود أهل الكتاب بنبوَّة نبيِّ الإسلام (صلَّى الله عليه وآله) رغم معرفتهم به، ومعرفة الكُفَّار بالحقِّ وهم يُنكِرونه.
ومن الآراء المعتبرة: رأي سماحة المرجع الأعلى السيِّد السيستاني (دام ظلّه)

-----------------

(٤٧) ضروريَّات الدِّين والمذهب للشيخ محمّد هادي آل راضي/ المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيَّة.

(٣٢)

(ومحلُّ الشاهد فيما نحن فيه هو علم المخالف بالإمامة والتنكُّر القلبي لها فهل القضيَّة مانعة جمعٍ - الإسلام وعدم الإيمان -؟) ويذهب إلى:
يُعتبَر المسلم غير الاثني عشري مسلماً واقعاً وظاهراً - والكلام في الأحكام الفقهيَّة ولوازم تأثيرها في الأُمور الدنيويَّة -، وبذلك فإنَّ عبادته من صلاته وصومه وحجِّه تكون مجزية ومبرئة لذمَّته من التكليف بها إذا كانت مستوفية للشروط - كما إذا قصد الحجَّ واتِّفاقاً عمل بشروط صحَّته وفق المذهب الإمامي فإنَّه محكوم بالصحَّة واقعاً وإنْ كانت عقيدته ناقصة وفاقدة لبعض الضروريَّات، وكذلك الحال مثلاً في عقد نكاحه فإنَّه محكوم بالصحَّة واقعاً، وغير ذلك من الأحكام الفقهيَّة التي يحكم غيره من الفقهاء بفسادها الواقعي وصحَّتها الظاهريَّة ممَّا يستدعي إعادتها على فرض استبصاره - فلا فرق بين الشيعة وجميع المسلمين في أنَّ الجميع مسلم واقعاً وظاهراً - بلحاظ الأثر الدنيوي، وأمَّا الأُخروي فرأيه (دام ظلّه) وغيره كالسيِّد الخوئي (قدّس سرّه) سواء.
وهذا الرأي لا يخصُّ السيِّد السيستاني (دام ظلّه)، بل سبقه أُستاذه السيِّد البروجردي، وأُستاذه السيِّد الكوهكمري، وكذلك الشهيد محمّد باقر الصدر (قدّس سرّهم)(٤٨).
ذكر السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (... فالصحيح الحكم بطهارة جميع المخالفين للشيعة الاثني عشريَّة وإسلامهم ظاهراً بلا فرق في ذلك بين أهل الخلاف وبين غيرهم وإنْ كان جميعهم في الحقيقة كافرين، وهم الذين سمَّيناهم بمسلم الدنيا وكافر الآخرة...)(٤٩).
والسؤال الثالث: ما هي العلاقة بين العلم والإيمان؟

-----------------

(٤٨) كلام السيِّد منير الخبَّاز، مع تصرُّف توضيحي بين الشوارح.
(٤٩) كتاب الطهارة (ج ٢/ شرح ص ٨٧).

(٣٣)

وللجواب على ذلك ثلاثة أقوال:
١ - يُعتبَر العلم فقط هو المقوِّم للإيمان، فيكون العلم مقدِّمة للإيمان وداخل به بنحو الترادف والتطابق.
٢ - أنَّ للإيمان أسباباً مختلفة أحدها العلم، فيكون مقدِّمة للإيمان، وبذلك يمكن التفكيك بينهما فيتحقَّق أحدهما دون الآخر - كما لو تحقَّق الإيمان بالرياضات الروحيَّة أو تحقَّق العلم بمتعلَّق الإيمان دون الميل القلبي والخضوع والمحبَّة إلى متعلَّقه -.
٣ - أنَّ العلم داخل في ماهيَّة الإيمان الذي يتألَّف من التصديق العقلي والرياضات القلبيَّة.
وينبغي ملاحظة الإشكالات الواردة على هذه الأقوال:
١ - يتعذَّر على جميع الناس - بمستوياتهم وإدراكاتهم المتفاوتة وظروفهم المختلفة - تشديد إيمانهم على الاستدلال العلمي والمنطق البرهاني.
٢ - لا يمكن التغافل عن الفطرة - وهي الميل القلبي إلى المعارف العقائديَّة - التي أودعها الباري سبحانه في النفس البشريَّة والتي تصحُّ أنْ تكون المعتمد في تحقيق العلقة الإيمانيَّة، وقد أفرد لها الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام) عنايتهم وخصَّوا الكثير من كلماتهم بإيقاظها والتنبيه عليها لتكون المنطلق في صناعة الإيمان.
٣ - ما ذكرناه سابقاً كشواهد وقد أكَّدها القرآن الكريم على تحقُّق العلم دون الإيمان.
٤ - توالي الكثير من النصوص الدِّينيَّة على تأكيد المعرفة الإيمانيَّة يَعجز عن تحقيقها العلم والدليل الفلسفي، من قبيل:
قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ

(٣٤)

مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٧ - ١٠)، فتعلُّق الفجور والتقوى بالنفس وليس بالعلم والبرهان المنطقي.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ (الأنفال: ٢٩)، فالتقوى وطهارة القلب سبيل لتمييز الحقِّ والباطل.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ (البقرة: ٢٨٢)، والتقوى هنا صارت سبباً للتعليم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: ٢) فإنَّ ذكره سبحانه كافياً لتحقيق الخوف والهيبة في قلوب المؤمنين.
إذن الصحيح في العلاقة هو القول التالي:
(لا ملازمة ذاتيَّة بين القبول العقلي لمضمون القضيَّة [العقائديَّة] والإيمان بها بنحو قبولها والميل القلبي لها. والصحيح أنَّه عندما يتمكَّن العقل من إثبات حقيقة من الحقائق الإيمانيَّة، ولم يكن للقلب تعلُّق بما يخالف تلك الحقيقة فإنَّ القلب سوف يجد ذلك الميل والتعلُّق...، ودليل هذه الواقعيَّة أنَّ للقلب مجالاً وساحةً أعلى وأعمق وأوسع من ساحة العقل... فتحقُّق الإيمان وحصوله مرتبطان بأسباب وعوامل متعدِّدة، ومن غير الممكن بيان الإيمان وشرحه بشكل دقيق بدون النظر إليها...
النتيجة التي يمكن استخلاصها: أنَّه إذا توافرت شروط تحقُّق الإيمان فبالمعرفة الظنّيَّة يتحقَّق أيضاً، ولكن إذا لم تتحقَّق هذه الشروط فلن يتحقَّق الإيمان ولو باليقين المنطقي أيضاً... وأنَّ دور المعارف اليقينيَّة والظنّيَّة كمعارف مفهوميَّة في تحقُّق الإيمان يرجع إلى مقدار تأثيرها في لفت الإنسان إلى المعرفة الفطريَّة بالله، من خلال رفع بعض الشُّبُهات والموانع الذهنيَّة (الفكريَّة)، أو أنَّها تُستخدَم بعد تحقُّق الإيمان في التوجيه والتعليل العقلائي له...

(٣٥)

ويتَّضح أيضاً نتيجة لهذا التحليل التمايز بين الإيمان ونظام الاعتقادات الدِّيني، فالإيمان نوع إقبال قلبي على شيء أو شخص، بينما نظام المعتقدات الدِّينيَّة هو عبارة عن نظام من المفاهيم الاعتقاديَّة الذي يتشكَّل حول محور الإيمان)(٥٠).
المحور الرابع: ما هو متعلَّق الإيمان بالمهدويَّة؟ معرفة هويَّة أو وصفيَّة؟
يعتمد الارتباط بين طرفين - وإنْ كان أحدهما دانياً والآخر عالياً كما في الباري تبارك وتعالى ومخلوقه أو وليِّه الأعظم (عجَّل الله فرجه) ومولاه - على طبيعة المواصفات والخصوصيَّات التي يتمتَّع بها المراد الاتِّصال به، لتحديد العنوان والمعنون.
فيتعيَّن تحديد العنوان المناسب للعلاقة المتصوَّرة بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فهل هو صاحب؟ أو ناصر؟ أو محبٌّ؟ أو مُنعِم؟ أو معتِق؟ أو هو الوليُّ الواجب الطاعة صاحب مقام الخلافة والولاية التشريعيَّة والتكوينيَّة؟
ونستعرض مواصفاته (عجَّل الله فرجه) مدعوماً بالأدلَّة ليتَّضح العنوان المناسب المنعقد.
هو محمّد بن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ويرجع نسله إلى الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد تُوفِّي الإمام العسكري (عليه السلام) وله من العمر خمس سنوات، وهناك نصوص كثيرة عن النبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) والأئمَّة (عليهم السلام) في إمامته، ومنها:
عن الباقر (عليه السلام): «يَكُونُ تِسْعَةُ أَئِمَّةٍ بَعْدَ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ»(٥١).
وذكر أحمد بن إسحاق الأشعري: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ اَلْحَسَنِ بْنِ

-----------------

(٥٠) الإيمان والمعرفة الفلسفيَّة جدليَّة العلاقة المتبادلة للباحث نعمة الله بدخشان ومحمّد مزيدي وسعيد رحيميان (ص ٢٧١ و٢٧٢)/ المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيَّة.
(٥١) الكافي (ج ١/ ص ٥٣٣/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١٥).

(٣٦)

عَلِيٍّ (عليهما السلام) وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ اَلْخَلَفِ [مِنْ] بَعْدِهِ، فَقَالَ لِي مُبْتَدِئاً: «يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، إِنَّ اَللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُخْلِ اَلْأَرْضَ مُنْذُ خَلَقَ آدَمَ (عليه السلام) وَلَا يُخْلِيهَا إِلَى أَنْ تَقُومَ اَلسَّاعَةُ مِنْ حُجَّةٍ لِله عَلَى خَلْقِهِ...»، فَقُلْتُ لَهُ: يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله، فَمَنِ اَلْإِمَامُ وَاَلْخَلِيفَةُ بَعْدَكَ؟ فَنَهَضَ (عليه السلام) مُسْرِعاً فَدَخَلَ اَلْبَيْتَ، ثُمَّ خَرَجَ وَعَلَى عَاتِقِهِ غُلَامٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ اَلْقَمَرُ لَيْلَةَ اَلْبَدْرِ مِنْ أَبْنَاءِ اَلثَّلَاثِ سِنِينَ، فَقَالَ: «يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، لَوْلَا كَرَامَتُكَ عَلَى اَلله (عزَّ وجلَّ) وَعَلَى حُجَجِهِ مَا عَرَضْتُ عَلَيْكَ اِبْنِي هَذَا، إِنَّهُ سَمِيُّ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) وَكَنِيُّهُ، اَلَّذِي يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً. يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، مَثَلُهُ فِي هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مَثَلُ اَلْخَضِرِ (عليه السلام)، وَمَثَلُهُ مَثَلُ ذِي اَلْقَرْنَيْنِ، وَاَلله لَيَغِيبَنَّ غَيْبَةً لَا يَنْجُو فِيهَا مِنَ اَلْهَلَكَةِ إِلَّا مَنْ ثَبَّتَهُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) عَلَى اَلْقَوْلِ بِإِمَامَتِهِ، وَوَفَّقَهُ [فِيهَا] لِلدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ فَرَجِهِ»، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا مَوْلَايَ، فَهَلْ مِنْ عَلَامَةٍ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا قَلْبِي؟ فَنَطَقَ اَلْغُلَامُ (عليه السلام) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ فَصِيحٍ، فَقَالَ: «أَنَا بَقِيَّةُ اَلله فِي أَرْضِهِ، وَاَلمُنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِهِ، فَلَا تَطْلُبْ أَثَراً بَعْدَ عَيْنٍ، يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ»(٥٢).
وقد خصَّ العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في المجلَّد (٥١) من كتاب (بحار الأنوار) فصلاً بهذه الآيات سمَّاه (باب الآيات المؤوَّلة بقيام القائم)، وجمع فيه (٧٧) آية ضمن (٦٦) حديثاً حول دولة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
كما أنَّ المحدِّث البحراني (رحمه الله) ألَّف كتاباً خاصًّا باسم (المحجَّة فيما نزل في القائم الحجَّة (عجَّل الله فرجه)) جمع فيه أكثر من (١٣٠) آية فُسِّرت وأُوِّلت بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
ووفق هذا الوصف والخصوصيَّة فإنَّ متعلَّق الإيمان بالمهدويَّة هو كونه إماماً مفترض الطاعة والخضوع والسيادة والولاية في عالم الثبوت والإثبات.

-----------------

(٥٢) كمال الدِّين (ص ٣٨٤/ باب ٣٨/ ح ١).

(٣٧)

المحور الخامس: ما هي درجات الإيمان بالمهدويَّة والحدُّ النازل والصاعد؟
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف: ١٣).
لقد آل التدرُّج في طرح الفكرة المهدويَّة إلى التساؤل عن مستويات احتضانها والارتباط بها! فكونها قضيَّة عقديَّة وناشئة من علم تحقيقي يبلغُ إلى الإيمان القلبي المنعقد بمقام له خصوصيَّة إلهيَّة وليس شخصيَّة عموميَّة، يفرض خطًّا بيانيًّا في الانتماء، قد أعلن عنه النصُّ الدِّيني مراراً وتكراراً حتَّى فاق حدَّ التواتر.
أي إنَّ ضرورة الانتماء نستشفُّها من النصِّ، وكذلك من تجارب البشر من أهل الإيمان الذين ارتبطوا به (عجَّل الله فرجه) وتفاوتوا بالإخلاص له، فإنَّ التجربة تُثبِت اللون الإيماني والآثار الإيجابيَّة لذلك الانتماء.
والمتبادر إلى الذهن في هذا الصدد تشخيص الحدِّ الأدنى من الانتماء، ثمّ الإشارة إلى العالي منه، وبعبارة أُخرى: إنَّ الاهتمام بالدرجة الأساسيَّة هو معرفة درجة القبول فيه، ثمّ تصوُّر الدرجات الصاعدة.
وذلك يستدعي الوقوف مرَّةً أُخرى عند مفردة الإيمان، لأنَّه علَّة الانتماء، وجميع الأوصاف المتصوَّرة لاحقة له وعارضة عليه.
ما هي حقيقة الإيمان؟
اختلفت آراء الأعلام فيه، وهي بالنحو التالي:
١ - الإيمان هو معرفة بالقلب فقط وإنْ أظهر الكفر باللسان.
٢ - الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان.
٣ - الإيمان معرفةٌ بالقلب وإقرارٌ باللسان وعملٌ بالجوارح.

(٣٨)

ما هو الراجح من هذه الأقوال؟
القول المختار وهو الثاني: (الإيمان معرفةٌ بالقلب وإقرارٌ باللسان).
وممَّا يدلُّ عليه في القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ (النمل: ١٤)(٥٣)، وفيه دلالة على عدم كفاية معرفة القلب، بل لا بدَّ من مُظهر لها.
وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: ١٤)، وفيه دلالة على عدم كفاية الإقرار باللسان مع تنكُّر القلب.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (البقرة: ٢٧٧)، وبدلالة العطف التي تستدعي المغايرة (بين الإيمان والعمل الصالح) يظهر أنَّ العمل لا يدخل في حقيقة الإيمان، بل هو كمال له.
وهناك آيات كثيرة متعدِّدة الدلالة كاشفة عن ذلك(٥٤) لم نذكرها لضيق مقام البحث. والقول بجزئيَّة العمل للإيمان يستدعي تكفير العصاة، وهو باطل،

-----------------

(٥٣) ورد في تفسير الطبري (ج ١٩/ ص ١٧١/ ح ٢٠٤٤٦) في تفسير الآية المباركة: (حدَّثنا القاسم، قال: حدَّثنا الحسين، قال: حدَّثني حجَّاج، عن ابن جريج: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾، قال: الجحود: التكذيب بها. وقوله: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ يقول: وأيقنتها قلوبهم، وعلموا يقيناً أنَّها من عند الله، فعاندوا بعد تبيُّن الحقِّ).
وورد في الإيمان والكفر في الكتاب والسُّنَّة (ص ١١): (قال نصير الدِّين الطوسي: والإيمان: التصديق بالقلب واللسان، ولا يكفي الأوَّل لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ونحوه..).
ويقول الراغب في مفرداته (ج ١/ ص ١٨٧): (الجحود: نفي ما في القلب إثباته، وإثبات ما في القلب نفيه، يقال: جحد جحوداً وجحداً، قال (عزَّ وجلَّ): ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ...﴾).
والفرق بين النفي والجحود: (الجحد يقال فيما يُنكر باللسان دون القلب، والنفي يقال فيهما). [علوم القرآن - الجحود في القرآن الكريم دراسة موضوعيَّة (ج ١)].

(٥٤) راجع للتفصيل: بحوث في المِلَل والنِّحَل (ج ٣/ ص ١١٥ - ١٣٦).

(٣٩)

وبذلك يرجح الرأي الثاني(٥٥) بالنحو الآتي:
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ (المجادلة: ٢٢)، وقال تعالى: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (النحل: ١٠٦)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...﴾ (الأنفال: ٢).
وإنْ كان القول الثالث ليس ببعيد، ولا نلتزم بتكفير العاصي، بل بفسقه فقط.
وما ذكرناه دلالة على مدخليَّة القلب في تحقُّق الإيمان فهو أُسُّه ومحلُّه، وأمَّا اللسان فإنْ أُمسك لتقيَّة أو مانع قهري يضطرُّ إليه فلا مانع من تحقُّق الإيمان الذي استوطن القلب، وإلَّا يتعيَّن فيه الإظهار، وهو على كلِّ حالٍ لازم أعمّ، واتَّضح ذلك.
عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله): «أُمرتُ أنْ أُقاتل الناس حتَّى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله، ويُقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة ويؤمنوا بما أُرسلتُ به...»(٥٦).
وقد عرَّف العلَّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) الإيمان في (ميزانه) بقوله:
١ - (الإيمان هو رسوخ العقيدة في القلب، وأصلها جاء من مادة أمن، فيكون معناه منح الأمان)(٥٧).
٢ - (الإيمان سكونٌ علميٌّ خاصٌّ من النفس بالشيء...)(٥٨).

-----------------

(٥٥) فالأثر المترتِّب على هذا المعنى هو: بلحاظ الدنيا: حرمة دمه وعرضه وماله... وبلحاظ الآخرة: صحَّة عمله واستحقاق الثواب - لو عمل عملاً صالحاً - وعدم الخلود في النار واستحقاق الشفاعة، وأمَّا العمل فيه السعادة الأُخرويَّة واستحقاق الجنَّة.
(٥٦) المحلَّى لابن حزم (ج ٧/ ص ٣٤٩).
(٥٧) تفسير الميزان (ج ١/ ص ٥٥).
(٥٨) تفسير الميزان (ج ١٦/ ص ٢٦٣).

(٤٠)

٣ - (الإيمان بمعنى الالتزام بما يقتضيه اليقين، وهو هبة)(٥٩).
٤ - (الإيمان هو الإذعان والتصديق بشيء بالالتزام بلوازمه...)(٦٠).
ومن الواضح استعمال العلَّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) لمفاهيم مهمَّة في تعريف الإيمان، كالأمان واطمئنان النفس وكذلك التصديق القلبي والسكون العلمي والالتزام العملي، ممَّا يمكن انتزاع المحور للإيمان وهو العلم بالشيء مع الإذعان والتصديق بنحو الالتزام بلوازمه عمليًّا.
أطوار الإيمان:
ويمكن تشريح الماهيَّة الإيمانيَّة بجزأين:
الأوَّل: العامل العقلي:
ويعتمد على عنصر الظهور البدوي للمفهوم، كمن علم بشخصيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ومواصفاته والمنصب الإلهي الذي أُوكِلَ إليه.
فتنقدح هذه المفاهيم بنحو الصور الذهنيَّة (وهو التصوُّر المنطقي).
ثمّ يتحرَّى الذهن عن تلك المعاني من خلال الدليل، ليتأكَّد بمطابقتها للواقع فتتوثَّق تلك المعاني في العقل وتتطوَّر إلى اليقين (وهو التصديق المنطقي).
الثاني: العامل القلبي:
وهو انعقاد القلب على ما عرفه العقل واستيقنه (وهو الإذعان الفلسفي)، ويتوقَّف ذلك على الإرادة وعدم الحُجُب والموانع المتغلغلة في العقل الباطن.
ومثاله: الخوف من البقاء منفرداً مع بدن الميِّت في غرفة مظلمة رغم يقين العقل بفقدان جسد الميِّت كلَّ تأثير، ولكنَّ القلب يمتنع عن موافقة العقل.
ولا يتوقَّف العامل القلبي على الانعقاد، بل يترقَّى إلى الخضوع لما انعقد عليه.

-----------------

(٥٩) تفسير الميزان (ج ١٥/ ص ٣٢٥).
(٦٠) تفسير الميزان (ج ١٥/ ص ٦).

(٤١)

فتتولَّد بذلك الماهيَّة الإيمانيَّة (بأجزائها الأربعة: التصوُّر، والتصديق، والإذعان، والخضوع) التي تقبل الالتزام بلوازم متعلَّقها.
الحدُّ الأدنى والأعلى من الإيمان:
ما ذكرناه من عوامل تحصيل الإيمان كاشف عن مواطن تخلُّفه على مستوى القلب واللسان - الرأي الراجح في حقيقة الإيمان - كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٣٤)، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ (البقرة: ٨٩)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (آل عمران: ٦١)، فإنَّها شواهد للتخلُّف إمَّا بنحو الإقرار القلبي بالإذعان أو الخضوع، أو الإقرار اللساني رغم تحقُّق التصديق القلبي.
وبعد تشخيص حقيقة الإيمان نعود إلى هدف البحث الأساسي، وهو تشخيص الدرجة النازلة من الإيمان بالقضيَّة المهدويَّة التي تُحقِّق المقبوليَّة، ومن الواضح أنَّ الأدنى والأعلى صفة للإيمان فهو الملاك في الارتباط بكلِّ عقيدة، ونستشفُّ من الكلام السابق أنَّ أوَّل مرتبة من مراتبه هو الإيمان بالقضيَّة الأساسيَّة لواقع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وهو التوحيد، ثمّ الإيمان بمضامين الوحي الإلهي الذي انبثقت المهدويَّة منه بمعالمها الربَّانيَّة (الصفات والوظائف والأهداف)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَدْنَى مَا يَكُونُ بِه اَلْعَبْدُ مُؤْمِناً أَنْ يُعَرِّفَهُ اَللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَفْسَهُ فَيُقِرَّ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَيُعَرِّفَهُ نَبِيَّهُ (صلَّى الله عليه وآله) فَيُقِرَّ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَيُعَرِّفَه إِمَامَهُ وَحُجَّتَهُ فِي أَرْضِهِ وَشَاهِدَهُ عَلَى خَلْقِهِ فَيُقِرَّ لَهُ بِالطَّاعَةِ»، فَقِيلَ لَهُ:

(٤٢)

يَا أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ جَهِلَ جَمِيعَ اَلْأَشْيَاءِ إِلَّا مَا وَصَفْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا أُمِرَ أَطَاعَ، وَإِذَا نُهِيَ اِنْتَهَى»(٦١).
أمَّا الجانب التكاملي على الحدِّ الأدنى منه (الزيادة) فإنَّه تابع لليقين - أحد أجزاء الإيمان المتقدِّمة -، وتلك الطبيعة قد أشارت إليها الآيات المباركات، قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ (التكاثر: ٥ - ٧)، إذ إنَّ مستويات اليقين قسَّمها العلماء إلى ثلاثة أقسام:
١ - العلم العقلي: وهو العلم الحصولي التصوُّري (انتقال من الأثر إلى المؤثِّر) كانتقال الذهن من تصوُّر المخلوق إلى تصوُّر الخالق.
٢ - العلم الشهودي: وهو العلم الوجداني، وهو الشعور بعظمة الخالق وهيمنته وأحقّيَّة وليِّه (عجَّل الله فرجه) والخضوع له وجداناً.
٣ - العلم الفنائي: وهو اتِّحاد العالم والمعلوم، وهي درجة حقِّ اليقين حيث تُفنى إرادة العبد في إرادة مولاه ووليِّ نعمته الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فيصير عينه ولسانه ويده(٦٢).
وقد نتساءل عن آليَّة بلوغ الزيادة الإيمانيَّة، وقد أجملته الآية المباركة: ﴿مَنْ كَانَ

-----------------

(٦١) الكافي (ج ٢/ ص ٤١٤ و٤١٥/ باب أدنى ما يكون به العبد مؤمنا.../ ح ١).
(٦٢) وقد ذكر الشيخ مكارم الشيرازي في معرض تفسيره لهذه الآية: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ في تفسير الأمثل (ج ٢٠/ ص ٤٢٥): (إنَّ لليقين مراتب، وهي ثلاثة:
١ - علم اليقين: وهو الذي يحصل للإنسان عند مشاهدته الدلائل المختلفة، كأنْ يشاهد دخاناً فيعلم علم اليقين أنَّ هناك ناراً.
٢ - عين اليقين: وهو يحصل حين يصل الإنسان إلى درجة المشاهدة كأنْ يرى بعينه مثلاً النار.
٣ - حقُّ اليقين: وهو كأنْ يدخل الإنسان النار بنفسه ويحسُّ بحرقتها، ويتَّصف بصفاتها، وهذه أعلى مراحل اليقين).

(٤٣)

يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ...﴾ (فاطر: ١٠)، وفيه إشارة واضحة لتأثير العمل على الإيمان وتكامله وتطوُّره.
المحور السادس: ما حكم غير المؤمن بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
من القضايا الفكريَّة الخطيرة هي تداعيات عدم قبول القضيَّة المهدويَّة للمآل إلى الكفر، ومنشأ ذلك عنصران:
الأوَّل: المهدويَّة ضرورة دينيَّة.
الثاني: كفر منكر المهدويَّة.
والأوَّل (دليل ضرورتها):
أجمعَ المسلمون قاطبةً بنحو القطع الذي لا خلاف فيه على ظهور الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، والإجماع حجَّة، ولا يقدح بهذا الإجماع الأقوال المتطرِّفة الشاذَّة.
وإنْ قلتَ: كيف صارت القضيَّة المهدويَّة من الضرورات المجمع عليها؟
قلتُ: لتواتر أحاديث الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تواتراً قطعيًّا، وذلك ينتج تكفير ما قُطِعَ بثبوته عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله).
ودعوى التواتر ثابتة عند الفريقين، وصرَّحوا بها كابن حجر الهيتمي في (الصواعق)(٦٣)، والسفاريني الحنبلي في (اللوامع)(٦٤)، والآبري في (مناقب الشافعي)(٦٥)، والشوكاني في (التوضيح)(٦٦)، والقرطبي في (التذكرة)(٦٧)، وغيرهم لم نذكرها لضيق المقام.

-----------------

(٦٣) الصواعق المحرقة (ص ١٦٧).
(٦٤) لوامع الأنوار البهيَّة (ج ٢/ ص ٨٤).
(٦٥) مناقب الشافعي للآبري (ص ٩٥).
(٦٦) راجع: عون المعبود (ج ١١/ ص ٣٠٨).
(٦٧) التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة (ج ٢/ ص ٣٣١).

(٤٤)

وأخرجها أكابر أئمَّتهم وصنَّفوها بنحوٍ خاصٍّ من أمثال:
الملَّا عليٍّ المتَّقي في (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان)، وأبي نعيم الأصبهاني في (مناقب المهدي (عجَّل الله فرجه))، وعليِّ بن سلطان الهروي الحنفي في (مهدي آل الرسول)، وابن حجر في (القول المختصر في علامات المهدي المنتظَر)، وغيرهم كثير.
نعم، حاول البعض المتطرِّف الطعن بذلك التواتر بذريعة عدم ذكر المهدي (عجَّل الله فرجه) في الصحيحين! ولكنَّه قول مردود لوجهين:
١ - لم تصدر دعوى إلمام البخاري ومسلم بكلِّ حديث صحيح من أحد، فهناك مقدار وافر من الأحاديث لم يذكراها وذكرها وصحَّحها آخرون، ولم يُطعَن بها.
٢ - قد تمَّ بالفعل إخراج كلٍّ من البخاري ومسلم أحاديث عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فقد ورد في (صحيح البخاري) عن أبي هريرة: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ اِبْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟»(٦٨).
وورد في (صحيح مسلم) عن جابر وأبي سعيد: «يَكُونُ فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ خَلِيفَةٌ يَقْسِمُ اَلمَالَ وَلَا يَعُدُّهُ»(٦٩)، وقد فسَّرتهما روايات أُخرى بتشخيص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مصداق لهما.
والثاني (كفر منكر المهدويَّة):
ذهب الكثير من أعلام الخاصَّة والعامَّة وعلمائهم إلى أنَّ منكر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كافر، ومثال ذلك ما ذكره ابن حجر عندما سُئِلَ عمَّن أنكر الإمام

-----------------

(٦٨) صحيح البخاري (ج ٥/ ص ٤٠١/ ح ٣٠٨٧).
(٦٩) صحيح مسلم (ج ٨/ ص ١٨٥).

(٤٥)

المهدي (عجَّل الله فرجه) قائلاً: (إنَّ ذلك إنْ كان لإنكار السُّنَّة رأساً فهو كفر، يُقضى على قائله بسبب كفره وردَّته فيُقتَل...)(٧٠).
وقال الشيخ البهائي (رحمه الله) مفتياً في مسألة كون العقيدة المهدويَّة من الضروريَّات أو لا، وحكم مَنْ أنكرها: (الأظهر أنَّه من ضروريَّات الدِّين، لأنَّه ممَّا انعقد عليه إجماع المسلمين، ولم يخالف فيه إلَّا شرذمة شاذَّة لا يُعبَأ بهم، لا يُعتمَد عليهم ولا بخلافهم، ولا يَقدح خروج أمثال هؤلاء من ربقة الإجماع في حجّيَّته، فلا مجال للتوقُّف في كفرهم، إنْ لم تكن لهم شبهة محتملة)(٧١).

* * *

-----------------

(٧٠) راجع: مجلَّة تراثنا (ج ٥٣/ ص ٧٤).
(٧١) راجع: مجلَّة تراثنا (ج ٥٣/ ص ٧٥).

(٤٦)

مقدِّمة:
اتَّفقت الأديان السماويَّة في أُمور عديدة حول الخالق سبحانه، كالإيمان بالغيب، ووجوده سبحانه، وفي الكثير من صفاته، ككونه واجب الوجود، وأنَّه غير محدود، ومحيط بكلِّ مكان، وفي القدرة والحكمة، وأنَّه عادل ورؤوف رحيم، وأنَّه الخالق لكلِّ شيء، أمَّا بقية صفاته فمجموعة في وصفه بالكامل في طبيعته وسائر أعماله.
وكذلك كان الإيمان بالرُّسُل واليوم الآخر ولوازمه من البعث والنشور من موارد الاتِّفاق. وقد أُخذ الإيمان بالرُّسُل في ثقافة الدِّين الإسلامي منحى الضرورة للبعثة لاقتضاء صفة الهادي ذلك، فإنَّها ترى تمظهراتها في مبعوث السماء - النبيِّ - ولم تقبله في غيره كما في هداية العقل التكوينيَّة إلى الاستقامة والصلاح، وقد فرض الإسلام ذلك لاقتضاء صفة الهادي سبحانه. ولا شكَّ أنَّ اعتماد مبدأ الضرورة في فكرة البعثة النبويَّة يوصلنا إلى نتائج مهمَّة وخطيرة بخلاف ما لو اعتبرناه أمراً ترفيًّا زائداً.
ومن هنا يستدعي إحراز المعرفة العلميَّة الدقيقة بالدِّين الراجح في تمثيل السماء، وقد يكون ذلك بإخضاع الأديان لمنهج المقارنة في محاور أساسيَّة تشترك فيها الأديان، من قبيل:
١ - توصيف الإله: وباستقراء الوارد في الكُتُب السماويَّة حول مواصفات الإله يرجح القرآن الكريم باستعراض صفاتي يُعلَن به عن إله كامل لا نقص فيه ولا شبيه ولا ندَّ له.

(٤٩)

٢ - المنهج التشريعي للدِّين، والذي يتمثَّل بالكتاب السماوي: وممَّا لا شكَّ فيه فإنَّ ما ذُكِرَ في القرآن الكريم من مفاهيم عامَّة وشاملة لكلِّ نواحي الحياة الدنيويَّة والأُخرويَّة لم يذكرها كتاب سماوي آخر.
٣ - مميِّزات رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): وقد تفوَّق نبيُّ الإسلام (صلَّى الله عليه وآله) على غيره من الأنبياء (عليهم السلام) في خُلُقه، وأُسلوب الحديث، والتعامل والعلاقات مع الصديق والعدوِّ، وحنكته في معالجة المشاكل التي تعرَّض لها، وسلمه وحربه... والقراءة التاريخيَّة والنصُّ الدِّيني يُثبِت ذلك.
٤ - النموذج الذي أنتجه الدِّين من الأوصياء والحواريِّين والتلامذة: ويكفي الإسلام عليًّا (عليه السلام) وولده من الأئمَّة المعصومين فخراً وعزًّا، يتغلَّب بهم على غيره من الأديان.
إذن ننتهي بهكذا قراءة إلى إحراز المعرفة الدقيقة بالإسلام، فالسبيل إلى تحديد معاني أسماء الله تعالى الحسنى وآثارها في عالم الإمكان لا يكون إلَّا به، ومن هنا كانت صفة الهادي للخلق تستدعي تهيئة كلِّ مسبَباتها من الفطرة والعقل وبعث الأنبياء (عليهم السلام) وامتداداتها كتنصيب الأوصياء وضرورة الحجَّة في كلِّ زمانٍ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: ٧).
وقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إِنَّ اَلْأَرْضَ لَا تَخْلُو إِلَّا وَفِيهَا إِمَامٌ كَيْمَا إِنْ زَادَ اَلمُؤْمِنُونَ شَيْئاً رَدَّهُمْ، وَإِنْ نَقَصُوا شَيْئاً أَتَمَّهُ لَهُمْ»(٧٢).
ووفق هذا المنهج الفكري لتحديد المسار المعرفي للقراءة الدِّينيَّة والارتباط برمزه الممثِّل للسماء لتحقيق الالتصاق الدِّيني الصحيح نستقرئ الأُطروحة المعرفيَّة وفق المحاور التالية:
١ - ما هي فلسفة الخلق وصفة الهادي والحكيم؟

-----------------

(٧٢) الكافي (ج ١/ ص ١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ٢).

(٥٠)

٢ - ضرورة بعثة الأنبياء (عليهم السلام).
٣ - فلسفة الإنسان الكامل، وهو حجَّة الله سبحانه، وهو ذو مقام الولاية العظمى.
المحور الأوَّل: ما هي فلسفة الخلق وصفة الهادي والحكيم؟
يعتمد تشخيص قضيَّة (فلسفة الخلق) على الخالق ذاته ممَّا يستدعي الرجوع إلى وحيه لاستكشاف مراده من صنائعه، ﴿... صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (النمل: ٨٨).
وعند قراءة الوحي القرآني نجدُ في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦) إشارة إلى المعنى المطلوب.
وقد أعرب أعلام التفسير عن معنى العبادة بأنَّها تحملُ مشروعاً متكاملاً في بناء الإنسان وتكامله وفق استعداداته الكامنة في ماهيَّته، تلك الماهيَّة التي عبَّر عنها الخالق تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: ١٢ - ١٤).
والإنسان هو المعبَّر عنه بـ ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾، وذيل الآية المباركة ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فيه دلالة واضحة على أنَّ خلقة الإنسان هي المتقدِّمة على سائر الخلائق، وإلَّا لماذا خصَّ الإنسان بهذا الوصف؟ ولِمَ كان الإنسان مسجود الملائكة؟ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ...﴾ (الأعراف: ١١)، وآدم لم يُمثِّل فرداً، بل مثَّل جنس الإنسان. وعندئذٍ ينقدح السؤال عن ميزة خلقة الإنسان، وهو تعبير آخر

(٥١)

عن فلسفة خلقه لنجد النصَّ القرآني مجيباً: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٥).
ولن يكون هدف المخلوق المتميِّز والمتقدِّم على جميع المخلوقات غيره إلَّا الكمال اللَّامتناهي وهو الله (جلَّ وعلا)، فيكون الحصول على الكمال الأكمل للإنسان هو الهدف والغاية، ولهذا نجد أنَّه سبحانه لم يفرض عبادة إلَّا بقصد (القربة) إليه، ومن البديهي أنْ لا يُقصَد من القرب المكان في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق: ١٦)، بل المراد منه حركة النفس الواقعية بتكاملها وبلوغها الدرجات العالية في السلوك نحو الله سبحانه، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (المطفِّفين: ١٨ - ٢١)، وقال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (الواقعة: ٧ - ١٢).
وهل لله سبحانه غاية من الخلق؟
نقول: إنْ كان المقصود من الغاية لنفسه تعالى، فهذا لا يُتعقَّل من الوجود الغني المطلق، لأنَّ احتياجه إلى الغاية دليل فقره، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ (فاطر: ١٥). ولدفع الشبهة نستعين بقاعدة فلسفيَّة مفادها: (الفاعل الناقص يكتمل بفعله، وإنَّما الفاعل الكامل فغايته ذاته).
وقال صاحب الميزان (قدّس سرّه) في تفسير الآية: (فالمقرَّبون هم النمط الأعلى من أهل السعادة كما يشير إليه قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ و١١] ولا يتمُّ ذلك إلَّا بكمال العبوديَّة كما قال:

(٥٢)

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (النساء: ١٧٢)، ولا تكمل العبوديَّة إلَّا بأنْ يكون العبد تبعاً محضاً في إرادته وعمله لمولاه لا يُريد ولا يَعمل إلَّا ما يريده، وهذا هو الدخول تحت ولاية الله، فهؤلاء هم أولياء الله)(٧٣)، انتهى كلامه.
ومن هنا قالت الآية المباركة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، وبتلك العبوديَّة تتكامل النفس حتَّى تتَّصف بـ ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، فيكون مستخلَفاً عن الله سبحانه، مجسِّداً صفاته سبحانه.
وعند هذا المطلب (خليفة الله) نتوقَّف، فمَنْ هو الخليفة؟ ولماذا كان موجوداً أرضيًّا؟ ﴿إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (فُصِّلت: ٦)، و﴿وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: ٧)، وهل أنَّ الخلافة مفهوم متواطئ أو مشكَّك؟
مَنْ هو الخليفة؟
ولا بدَّ قبل الجواب من معرفة مَنْ هو المستخلِف لذلك الخليفة(٧٤)، لما في ذلك من تأثير على تشخيص الخليفة، وقد ذُكِرَت عدَّة أقوال، منها:
أوَّلاً: بأنَّ المستخلِف هو (الملائكة أو الجنُّ أو كلُّ الموجودات غير الإنسان أو الناس السابقون على خلق الإنسان متعلَّق حديث الآية والمعروفون باسم النسناس).
ثانياً: أنَّ المستخلِف هو الله سبحانه وتعالى، يستلزم هذا استعداداً وقابليَّةً للعلم بالأسماء ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: ٣١)، وليس هو علماً

-----------------

(٧٣) تفسير الميزان (ج ١٩/ ص ١٢١).

(٧٤) اُنظر: تسنيم في تفسير القرآن (ج ٣/ ص ٦٢).

(٥٣)

حصوليًّا، بل حضوريًّا ليقترن بالتلبُّس وتجسيد الصفات الإلهيَّة ليصدق عليه وظيفة الاستخلاف، وبذلك تكون الخلافة مطلقة لا نسبيَّة، ولازمها أنْ يكون الخليفة بإذنه تعالى مظهراً لجميع الأسماء الحسنى، حائزاً على تقليد أفعاله سبحانه بأتمّ وجه.
والصحيح هو الثاني، وذلك:
١ - لا تناسب بين الطبيعة الملائكيَّة وظرف الأرضيَّة التي تلازمها الشهوة والغضب والتزاحم، فإنَّ في قوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٦ و٢٧) دلالة على عصمة الملائكة جميعاً، ويمتنع ذلك على المجتمع الأرضي بشكل كلِّي، لما يلازمه من تزاحم وحركة. إضافةً لما ذكرته الآية المباركة على لسان الملائكة المستفهمين عند المقارنة بينهم وبين المخلوق الجديد: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (البقرة: ٣٠).
٢ - أنَّ خلافة الإنسان عن الجنِّ أو النسناس ليس فيه كرامة للإنسان أو مدعاةً للحصول على التقديس لتندفع الملائكة إلى الاستفهام.
٣ - أنَّ ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠) أنَّ المتكلِّم بصدد الاستخلاف عن نفسه وليس عن غيره.
٤ - أنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ...﴾ (البقرة:٣٤) دالٌّ على أنَّ مسجودهم خليفة الله سبحانه وليس خليفة عن غيره سبحانه كما لو كانوا ملائكة، لعدم المسوِّغ في السجود للمستخلَف عنه لو كانوا ملائكة بحسب الفرض، فكيف بخليفة الملائكة نفسه؟
٥ - أنَّ تعجُّب الملائكة دالٌّ على كونها ظاهرة جديدة وليست من نوع الخلافة التاريخيَّة حيث يُسبَق الملائكة بالعلم بها فلا مجال للتعجُّب، فلو كانت ظاهرة متكرِّرة لعلم بها الملائكة لحدوثها مسبقاً.

(٥٤)

لماذا كان الخليفة موجوداً أرضيًّا؟
وفي معرض الجواب عن هذا التساؤل نقول: إنَّ الله سبحانه رغم كونه لا تنقصه قدرة ﴿وَلَا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا...﴾ (البقرة: ٢٥٥) قد جعل له خليفة ومن نوع الموجود الأرضي، وذلك لِمَا جاء في قوله تعالى: ﴿... قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا...﴾ (البقرة: ٣٠ - ٣٢).
فيتَّضح أنَّ سبب تعيينه هو علمه بالأسماء الإلهيَّة - العلم الحضوري التكويني -، وهو ما لم تمتلك الملائكة القابليَّة والحيثيَّة على اكتسابه.
هل الخلافة مفهوم متواطئ أو مشكَّك؟
ولبيان الجواب عن التساؤل الثالث يمكن القول: إنَّ لمعنى الخلافة حقيقة جامعة ذات درجات كثيرة، ولكن المصداق العيني المقصود في آية الاستخلاف ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠) يختصُّ بالخلافة المطلقة الكاملة التي تصدق على الإنسان الكامل الذي يُؤدِّي جميع شؤون عالم الإمكان بإذنه سبحانه على أساس (واسطة الفيض)، وسيأتي الكلام في ذلك.
ولن يبلغ هذا المقام إلَّا مَنْ كان عنده سعة وجوديَّة شاملة للتخلُّق بأخلاق الله سبحانه وبإذنه، وأمَّا بقيَّة أفراد الإنسان فيمكن أنْ يكون خليفته سبحانه بمقدار ما لديه من علم واستعداد.
وتُستفاد الدرجات الأُخرى لمعنى الخلافة كما في قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (ص: ٢٦) حيث كان خليفة بمقدار القضاء الحقِّ في الأرض.

(٥٥)

وبعد البيان المتقدِّم تتَّضح كفالة الهادي بخلقه، فبعد أنْ كان وفق حكمته لخلقه غاية تُقضى الحياة الدنيا لبلوغها، استدعى ذلك الأخذ بأيديهم على مستوى الهدايتين معاً (التشريعيَّة والتكوينيَّة) لبلوغ المطلوب، وليس ذلك إلَّا من خلال الوساطة الاستخلافيَّة - وسيأتي الحديث عنها -، وفيه ضرورة لوجود الخليفة لعدم الانفكاك بينه وبين عالم الإمكان.
قد يقال: كيف لا يمكن الانفكاك بين الخليفة وبين عالم الإمكان، وقد كان عالم الإمكان ولم يكن خليفة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، فجعل الخلافة متأخِّر زماناً عن خلق الكون وخلق الملائكة وغير ذلك ممَّا في علم الله سبحانه؟
فإنَّا نقول: صحيح أنَّ الجعل في الآية الكريمة متأخِّر زماناً عن عالم الإمكان، لكن المقصود في الآية الكريمة الجعل البشري والخلافة الأرضيَّة، بينما المقصود من عدم الانفكاك هو مطلق الاستخلاف، وإنْ كان في عوالم أُخرى كعالم الأنوار، ولذا جاءت الروايات تُؤكِّد هذا المعنى.
فقد ورد عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله): «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اَللهُ نُورِي، فَفَتَقَ مِنْهُ نُورَ عَلِيٍّ، ثُمَّ خَلَقَ اَلْعَرْشَ وَاَللَّوْحَ وَاَلشَّمْسَ...»(٧٥).
وفي رواية ثانية أيضاً ورد عنه (صلَّى الله عليه وآله): «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اَللهُ رُوحِي...»(٧٦).
وفي ثالثة: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَلله، قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله): أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَ اَللهُ تَعَالَى مَا هُوَ؟ فَقَالَ: «نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ، خَلَقَهُ اَللهُ ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ كُلَّ خَيْرٍ»(٧٧).

-----------------

(٧٥) بحار الأنوار (ج ٥٤/ ص ١٧٠/ ح ١١٧).
(٧٦) شرح أُصول الكافي للمازندراني (ج ١٢/ ص ١٢).
(٧٧) بحار الأنوار (ج ١٥/ ص ٢٤/ ح ٤٣).

(٥٦)

وفي رابعة: روي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قوله لعليٍّ (عليه السلام): «... أَوَّلَ مَا خَلَقَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) خَلْقُ أَرْوَاحِنَا فَأَنْطَقَنَا بِتَوْحِيدِهِ وَتَحْمِيدِهِ، ثُمَّ خَلَقَ اَلمَلَائِكَةَ...»(٧٨).
وفي خامسة: عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «اَلْحُجَّةُ قَبْلَ اَلْخَلْقِ، وَمَعَ اَلْخَلْقِ، وَبَعْدَ اَلْخَلْقِ»(٧٩).
وغيرها من الأخبار في هذا المعنى، وهو أنَّ في عالمٍ قبل عالم الإمكان المادِّي كان الصادر الأوَّل والوجود النوراني للنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وهو الخليفة عن الله سبحانه ومنه خلق الخلق والمادَّة، وفي الدروس اللَّاحقة سيأتي هكذا بيان.
المحور الثاني: ضرورة بعثة الأنبياء (عليهم السلام):
يتكرَّر الحديث حول أهمّيَّة البعثة للأنبياء والرُّسُل (عليهم السلام)، سيَّما عند ملاحظة:
١ - ما يحفُّ وجودهم الفعلي بين الناس من مصاعب ومشاكل تصلُ إلى حدِّ المواجهة العنيفة تنتهي في الغالب بتصفيتهم الجسديَّة.
٢ - ما يُقال من الاستغناء عن الأنبياء (عليهم السلام) بالعقل، إذ كلُّ ما يأتون به إمَّا لا يوافق العقل ويجلُّ سبحانه عنه لأنَّه حكيم غير عابث، وإمَّا يوافق العقل فيستغني العقل بذاته عن الأنبياء (عليهم السلام) لكشفه ومعرفته.
وبملاحظة هذين الأمرين تتأكَّد ضرورة الاستفهام حول أهمّيَّة البعثة والإرسال، وفي صدد الإجابة عن ذلك نقول:
ذكرنا في المحور الأوَّل فلسفة الخلق، والكمال(٨٠) الإنساني الذي يمكن لفرده بلوغه.

-----------------

(٧٨) عِلَل الشرائع (ج ١/ ص ٥/ باب ٧/ ح ١).
(٧٩) الكافي (ج ١/ ص ١٧٧/ باب أنَّ الحجَّة لا تقوم لله على خلقه إلَّا بإمام/ ح ٤).
(٨٠) يُقصَد من الكمال الكمال الروحي وليس المادِّي بأشكاله المختلفة، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (المُلك: ٢).

(٥٧)

وذلك الهدف - وهو الكمال - من البديهيَّات عند ملاحظة ما أُعطي الإنسان من عناصر الكمال والأجهزة التي زُوِّدَ بها لتعدُّه للوصول إليه، وهي العقل والقدرة والإرادة.
فالإنسان يحتاج إلى عقل يُرشده إلى طريق الكمال، ويحتاج إلى قدرة وطاقة يبذلها في الوصول، ويحتاج إلى إرادة تُصبِّره لبلوغ المقصد، ولو أنَّه لم يُخلَق للكمال لكان إعطاء هذه العناصر لغواً، وهو ممتنع على الخالق الحكيم تبارك وتعالى.
وهاهنا مكمن الجواب على ضرورة البعثة، وهو ينطلق من تحديد السؤال التالي: مَنْ يُعرِّف للإنسان طريق بلوغ الكمال؟ هل هو العقل أو لا بدَّ له من الاعتماد قبلاً على دليل وهو الأنبياء (عليهم السلام)؟
وجوابه: أنَّ المصدر المعرفي العامَّ هو الحسُّ والتجربة والعقل وليس للإنسان العامِّي مدركٌ غيرها، ويختصُّ الأوَّل والثاني بكشف الأُمور المادّيَّة تحديداً، ولا يُتوقَّع منهما تزويد الإنسان بمعرفة الطريق الصحيح في جميع أبعاد الحياة، وبالتالي للوصول إلى الهدف.
أمَّا الثالث كما في دلالة عقل الإنسان على خالقه سبحانه، ورغم ذلك لا غنى له عن الأنبياء (عليهم السلام) ودلالة العقل على موافقة هداية الدِّين والأنبياء (عليهم السلام)، فهو يُدرِك مجموعة من المفاهيم الكلّيَّة (البديهيَّات الأوَّليَّة) التي لا تحتاج إلى استدلال، وهي لا تنفع بذاتها في معرفة الطريق الصحيح للحياة بكلِّ أبعادها(٨١).
والدليل على عجز هذه المدارك:

-----------------

(٨١) من الواضح أنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الكائنات جميعاً وهداها إلى الكمال، ولكنَّ المقصود هنا الكمال الذي يكون نتيجةً للتكليف والذي على أساسه يخضع الإنسان للثواب والعقاب، ويكون مآله الجنَّة والنار، وهذا ينحصر في الإنس والجنِّ لا الجماد والحيوان.

(٥٨)

أ - الطريق التجريبي (استقراء التاريخ):
عند استقراء مسيرة الفكر البشري على طوال الأعصار نجده عاجزاً عن كشف العلاجات المتعلِّقة بالأعمال والسلوك والقِيَم، وبالتالي قصور جميع الدساتير والمنظومات القانونيَّة البشريَّة للوفاء بمتطلِّبات الإنسان بجميع أبعاده.
ب - التقييم الموضوعي للحسِّ والعقل:
فإنَّ المحاسبة المنطقيَّة لهما تستدعي قصور باعِهِما عن إدراك خصوصيَّات العالم الميتافيزيقي وتجاوز الحسِّ للعالم المادِّي، فلا يُتوقَّع منهما بيان المسائل المصيريَّة ولاسيَّما علاقة سلوك الإنسان بالنتائج الأُخرويَّة التي اختصَّ بيانها بالوحي.
إذن لا مناص من الاعتراف بالحاجة إلى المصدر المعرفي الوحياني وضرورة الواسطة بينه وبيننا وهم الأنبياء (عليهم السلام) الذين يُمثِّلون سبيل الهداية من الخالق الذي تكفَّل خلقه بتسخيره لهم، لأنَّه مَنْ فَطَرَ على طلب الكمال ومَنْ له القدرة على تهيئة أسباب بلوغه، وهو الجواد الذي لا يمنع فيضه بُخل ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (الكهف: ١٠٩)، فهو تامُّ الإفاضة وتامُّ الجود وتامُّ العطاء تبارك اسمه، فينتج ذلك ضرورة البعثة.
أهداف بعثة الأنبياء (عليهم السلام):
يمكننا استلال فكرة أهداف البعثة للأنبياء (عليهم السلام) من خلال آيات القرآن الكريم، ولكن ينبغي التمييز بين الهدف الأصيل والهدف الثانوي الذي ينطوي تحت مقصد الأصيل ليذوب فيه، والهدف الأصلي هو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ (الأحزاب: ٤٥ و٤٦)، وهي الدعوة إلى التوحيد والإخلاص لله سبحانه، وهو أعلى درجات كمال الإنسان.

(٥٩)

نعم، قد تجتمع عناوين متعدِّدة، وهي أيضاً من قبيل كمالات إنسانيَّة ولكن كمقدَّمات لتحصيل العبوديَّة وعدم الشرك به سبحانه وتوحيده الخالص.
وإليك أهمُّ تلك العناوين والتي تُمثِّل في حدِّ ذاتها كمالاً يرقى به الإنسان نحو خالقه تبارك وتعالى:
١ - توحيد الله والعبوديَّة له سبحانه: قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥).
٢ - تزكية النفس والتهذيب: قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (البقرة: ١٥١)، وكما جاء عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ اَلْأَخْلَاقِ»(٨٢).
٣ - تأصيل وحدة الناس: قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (البقرة: ٢١٣).
٤ - كونهم (عليهم السلام) واسطة في الفيض: قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (المائدة: ٣٥)، حيث إنَّ وساطة الفيض ثابتة لجميع الأنبياء (عليهم السلام) وإنِ اختلفت عن مرتبة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام). وفي الرواية عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «لَوْ أَنَّ اَلْإِمَامَ رُفِعَ مِنَ اَلْأَرْضِ سَاعَةً لَـمَاجَتْ بِأَهْلِهَا كَمَا يَمُوجُ اَلْبَحْرُ بِأَهْلِهِ»(٨٣) وكثير مثلها دلالة على ذلك، إذ لا شكَّ في أزمنة لم يكن من حجَّة إلَّا الأنبياء(عليهم السلام) قبل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، واستقرار الأرض نتيجة لوجود الحجَّة عليها. نعم يُمثِّل الأنبياء غير رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) الواسطة بينه (صلَّى الله عليه وآله) وبين عالم الإمكان وإنْ كان البعض منهم لديه الوظيفة الإيصاليَّة والإيرائيَّة معاً كما في النبيِّ إبراهيم (عليه السلام).

-----------------

(٨٢) مكارم الأخلاق (ص ٨).
(٨٣) الكافي (ج ١/ ص ١٧٩/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ١٢).

(٦٠)

٥ - تأسيس العدل الاجتماعي: قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ...﴾ (الحديد: ٢٥).
المحور الثالث: فلسفة الإنسان الكامل في الفكر الدِّيني (وظائف وضرورة):
ونتناول هذا البحث ضمن العنوان الذي يتلبس به الإنسان الكامل، وبالنحو التالي:
وظيفة مقام الولاية العظمى:
لا يمكننا عقد الأفكار دون معونة الوحي باعتباره العاصم للفكر عن الأوهام والميول الشخصيَّة، وقد أسَّس النصُّ الدِّيني منظومة متكاملة عن وشائج الصرح الولايتي الأعظم، وبالنحو التالي:
التشريع لفكرة الوساطة بين الخالق (جل وعلا) وخلقه، وبالمراتب التالية:
أ - قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء: ٧٨ - ٨٠)، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (العنكبوت: ٦٠)، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٢٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيهَا مَعايِشَ﴾ (الأعراف: ١٠)، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْ لَا دُعَاؤُكُمْ...﴾ (الفرقان: ٧٧).
ومن المعلوم نسبة كلِّ تأثير لله سبحانه، فهو مَنْ بيده كلَّ شيء، وواهب كلَّ شيء، ولا مؤثِّر في الوجود سواه سبحانه، والآيات المباركات تشير إلى ذلك، فهو المُطعِم والساقي والشافي والرازق، ولكن لم نعهد في معايشنا الإرفاد الإلهي

(٦١)

المستمرِّ بنحو مباشر، فجميعنا يحتاج إلى الأسباب المادّيَّة لتحصيل الحوائج، كالطعام والشراب لسدِّ الجوع والعطش، والطبيب والدواء لكسب العافية، والتكسُّب بأنواعه لتحصيل الرزق، وإلى هذا المعنى أشارت الآيتان الأخيرتان.
ب - وقال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ (النازعات: ١ - ٥).
ويقول في تفسير الآيات المباركات الشيخ السبحاني: (فإنَّ المراد من ﴿النَّازِعَاتِ﴾... الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد، و﴿غَرْقاً﴾ كناية عن الشديد في النزع، والمراد من ﴿النَّاشِطَاتِ﴾ التي تُخرج الأرواح برفق وسهولة، و﴿السَّابِحَاتِ﴾ النازلة من السماء مسرعة...، و﴿السَّابِقَاتِ﴾ نفس الملائكة لأنَّها سبقت ابن آدم بالخير والإيمان والعمل الصالح، و﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ الملائكة المدبِّرة لأمر الكون، فشأن الملائكة أنْ يتوسَّطوا بينه تعالى ويُنفِّذوا أمره، كما يُستفاد من قوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٦ و٢٧)... ولا ينافي ما ذكرنا... إسناد الحوادث إلى أسبابها القريبة المادّيَّة، فإنَّ السببيَّة طولية لا عرضيَّة، فإنَّ السبب القريب سبب للحادث، والسبب البعيد سبب للسبب. كما لا ينافي تُوسِّطهم واستناد الحوادث إليهم، استناد الحوادث إلى الله تعالى، وكونه هو السبب الوحيد لها جميعاً على ما يقتضيه توحيد الربوبيَّة... وقد صدَّق القرآن الكريم استناد الحوادث إلى الحوادث الطبيعيَّة كما صدَّق استنادها إلى الملائكة)(٨٤)، انتهى كلامه.
إذن جَعَلَ الباري سبحانه الملائكة وسطاءَ بينه وبين تدبير مخلوقاته المادّيَّة.

-----------------

(٨٤) الإلهيَّات على هدى الكتاب والسُّنَّة والعقل (ج ٢/ ص ٧٠ و٧١).

(٦٢)

ج - وقال تعالى في الوحي من حيث الوساطة بينه وبين أنبيائه (عليهم السلام): ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٩٧)، ومن حيث الوساطة بينه وبين خلقه - دون أنبيائه (عليهم السلام) - للتعريف بشريعته: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف: ٣٥).
د - وقال تعالى في وساطة أنبيائه (عليهم السلام) للتأثير في النفس الإنسانيَّة: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٢-٧٣).
وقد ورد في تفسير الآية المباركة: (الإمامة هي آخر مراحل سير الإنسان التكاملي، والتي تعني القيادة العامَّة الشاملة لكلِّ الجوانب المادّيَّة والمعنويَّة، والظاهريَّة والباطنيَّة، والجسميَّة والروحيَّة للناس)(٨٥).
فكشفت الآية المباركة عن إحدى وظائف الأنبياء (عليهم السلام) الذين اتَّصفوا بوصف الإمامة، وهي (الهداية الأمريَّة) التي تعني الواسطة في إفاضة المقامات الروحيَّة والأنوار الإلهيَّة في قلوب المؤمنين من خلال الولاية في التصرُّف في النفوس.
وذكر صاحب الميزان في (تفسيره): (والذي يخصُّ المقام أنَّ هذه الهداية المجعولة من شؤون الإمامة ليست هي بمعنى إراءة الطريق لأنَّ الله سبحانه جعل إبراهيم (عليه السلام) إماماً بعد ما جعله نبيًّا - كما أوضحنا في تفسير قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة: ١٢٤] فيما تقدَّم -، ولا تنفكُّ النبوَّة عن الهداية

-----------------

(٨٥) تفسير الأمثل (ج ١٠/ ص ٢٠٥).

(٦٣)

بمعنى إراءة الطريق، فلا يبقى للإمامة إلَّا الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب، وهي نوع تصرُّف تكويني في النفوس بتسييرها في سير الكمال ونقلها من موقف معنوي إلى موقف آخر.
وإذا كانت تصرُّفاً تكوينيًّا وعملاً باطنيًّا فالمراد بالأمر الذي تكون به الهداية ليس هو الأمر التشريعي الاعتباري، بل ما يُفسِّره في قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (يس: ٨٢ و٨٣)، فهو الفيوضات المعنويَّة والمقامات الباطنيَّة التي يهتدي إليها المؤمنون...
وإذا كان الإمام يهدي بالأمر - والباء للسببيَّة أو الآلة - فهو متلبِّس به أوَّلاً ومنه ينتشر في الناس على اختلاف مقاماتهم، فالإمام هو الرابط بين الناس وبين ربِّهم في إعطاء الفيوضات الباطنيَّة... وربَّما تجتمع النبوَّة والإمامة كما في إبراهيم (عليه السلام))(٨٦).
وهناك آيات أُخرى في نفس المعنى السابق بالذكر، من قبيل:
- ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: ٧).
- ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤).
وقد روى الشيخ الصدوق (رحمه الله)، قال: حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ اَلْحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلْخَطَّابِ وَيَعْقُوبُ بْنُ يَزِيدَ جَمِيعاً، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اَلله، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) فِي قَوْلِ اَلله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، فَقَالَ: «كُلُّ إِمَامٍ هَادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ فِي زَمَانِهِمْ»(٨٧).

-----------------

(٨٦) تفسير الميزان (ج ١٤/ ص ٣٠٤).
(٨٧) كمال الدِّين (ص ٦٦٧/ باب ٥٨/ ح ٩).

(٦٤)

وروى (رحمه الله) بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لَا تَبْقَى اَلْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ ظَاهِرٍ أَوْ بَاطِنٍ»(٨٨).
هـ - لا شكَّ أنَّ ما ثبت للأنبياء (عليهم السلام) من مقام الولاية (الواسطة في الفيض) إثباتاً بلسان الدليل القرآني هو ثابت للنبيِّ الخاتم (صلَّى الله عليه وآله) ليس لكونه من أنبياء أُولي العزم فقط، بل لتصريح النصِّ الدِّيني على أفضليَّته (صلَّى الله عليه وآله) عليهم (عليهم السلام).
عَنْ أَبِي حُبَيْشٍ اَلْكُوفِيِّ، قَالَ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ اَلصَّادِقِ (عليه السلام) وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ اَلنَّصَارَى، فَقَالُوا: فَضْلُ مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ سَوَاءٌ، لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ اَلشَّرَائِعِ وَاَلْكُتُبِ، فَقَالَ اَلصَّادِقُ [(عليه السلام)]: «إِنَّ مُحَمَّداً أَفْضَلُ مِنْهُمَا وَأَعْلَمُ، وَلَقَدْ أَعْطَاهُ اَللهُ تَعَالَى مِنَ اَلْعِلْمِ مَا لَمْ يُعْطِ غَيْرَهُ»، فَقَالُوا: آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اَلله نَزَلَتْ فِي هَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، وَقَوْلُهُ لِعِيسَى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣]، وَقَوْلُهُ لِلسَّيِّدِ اَلمُصْطَفَى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ [الجنّ: ٢٨]، فَهُوَ وَاَلله أَعْلَمُ مِنْهُمَا، وَلَوْ حَضَرَ مُوسَى وَعِيسَى بِحَضْرَتِي وَسَأَلَانِي لَأَجَبْتُهُمَا، وَسَأَلْتُهُمَا مَا أَجَابَا»(٨٩).
وفي خصوص الاستدلال بالنصِّ القرآني على أفضليَّته (صلَّى الله عليه وآله) عليهم (عليهم السلام) فيمكن القول بعدم وجود نصٍّ صريح يحمل لفظ (السيادة أو التفضيل) وذكر اسمه الصريح، ولكن في هذا المعنى آيات كثيرة صريحة في معنى التفضيل لا تصدق على غيره (صلَّى الله عليه وآله)، ومنها: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ

-----------------

(٨٨) عِلَل الشرائع (ج ١/ ص ١٩٧/ باب ١٥٣/ ح ١٢).
(٨٩) مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٣٨٥).

(٦٥)

كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: ٨١)، ولم يجئ رسول يصدق عليه ما ذُكِرَ سوى نبيِّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله).
وكذلك آيات عموم البعثة، وكونه خاتم الأنبياء (عليهم السلام) ورحمة للعالمين فيها دلالة على أفضليَّته (صلَّى الله عليه وآله): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ (سبأ: ٢٨)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧)، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠).
ما ورد في وساطته (صلَّى الله عليه وآله) ووساطة خلفائه (عليهم السلام) في الفيض:
١ - عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله): «اِعْلَمْ أَنَّ اَللهَ تَعَالَى خَلَقَنِي وَخَلَقَ عَلِيًّا مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اَلْخَلْقَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، إِذْ لَا تَقْدِيسَ وَلَا تَسْبِيحَ، فَفَتَقَ نُورِي فَخَلَقَ مِنْهُ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ، وَأَنَا وَاَلله أَجَلُّ مِنَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ، وَفَتَقَ نُورَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَخَلَقَ مِنْهُ اَلْعَرْشَ وَاَلْكُرْسِيَّ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَفْضَلُ مِنَ اَلْعَرْشِ وَاَلْكُرْسِيِّ، وَفَتَقَ نُورَ اَلْحَسَنِ فَخَلَقَ مِنْهُ اَللَّوْحَ وَاَلْقَلَمَ، وَاَلْحَسَنُ أَفْضَلُ مِنَ اَللَّوْحِ وَاَلْقَلَمِ، وَفَتَقَ نُورَ اَلْحُسَيْنِ فَخَلَقَ مِنْهُ اَلْجِنَانَ وَاَلْحُورَ اَلْعِينَ، وَاَلْحُسَيْنُ وَاَلله أَجَلُّ مِنَ اَلْجِنَانِ وَاَلْحُورِ اَلْعِينِ، ثُمَّ أَظْلَمَتِ اَلْمَشَارِقُ وَاَلْمَغَارِبُ، فَشَكَتِ اَلمَلَائِكَةُ إِلَى اَلله تَعَالَى أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ تِلْكَ اَلظُّلْمَةَ، فَتَكَلَّمَ اَللهُ (جلَّ جلاله) بِكَلِمَةٍ فَخَلَقَ مِنْهَا رُوحاً، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَخَلَقَ مِنْ تِلْكَ اَلرُّوحِ نُوراً، فَأَضَافَ اَلنُّورَ إِلَى تِلْكَ اَلرُّوحِ وَأَقَامَهَا أَمَامَ اَلْعَرْشِ، فَزَهَرَتِ اَلمَشَارِقُ وَاَلمَغَارِبُ، فَهِيَ فَاطِمَةُ اَلزَّهْرَاءُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ اَلزَّهْرَاءَ، لِأَنَّ نُورَهَا زَهَرَتْ بِهِ اَلسَّمَاوَاتُ»(٩٠).

-----------------

(٩٠) الفضائل لابن شاذان (ص ١٢٩).

(٦٦)

٢ - وورد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَلله، قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله): أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَ اَللهُ تَعَالَى مَا هُوَ؟ فَقَالَ: «نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ، خَلَقَهُ اَللهُ ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ كُلَّ خَيْرٍ»(٩١).
٣ - وورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَاَلنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا»(٩٢)، وروي عن الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه): «نَحْنُ صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَاَلْخَلْقُ بَعْدُ صَنَائِعُنَا»(٩٣).
تتمَّة:
بعد الاستعراض المتقدِّم للتراث الدِّيني في شرعيَّة مبدأ الوساطة بين الواجب سبحانه وهو الغنيُّ المطلق وبين سائر الممكنات، وبأشكاله المختلفة (الأسباب الطبيعيَّة، الملائكة، الوحي، الأنبياء (عليهم السلام)، النبيُّ الخاتم (صلَّى الله عليه وآله) والأئمَّة من بعده (عليهم السلام))، يتَّضح توافق الدليل الشرعي مع العقل، ولإثبات المطلب من الجنبة العقليَّة بعد تمام ثبوته وإثباته نقلاً، سنُجمل الحديث فيه على مستويين:
أ - ثبوت واسطة الفيض بالإمكان العامِّ:
كلُّ موجود وكلُّ معلول يحتاج لوجوده إلى مقتضي وواسطة للفيض، والمقتضي هو ما منه الوجود، والواسطة هي ما به فعليَّة الوجود.
ومثاله: خلق الإنسان وإيجاده، فهو يعتمد على المقتضي، وهو الخالق (جلَّ وعلا)، فمنه الوجود، ولكي يوجد لا بدَّ من اجتماع الأبوين وتحقيق الأسباب المادّيَّة لإفاضة الحياة على الإنسان - الجنين -، فهما واسطة الفيض.

-----------------

(٩١) بحار الأنوار (ج ١٥/ ص ٢٤/ ح ٤٣).
(٩٢) نهج البلاغة (ص ٣٨٦/ ح ٢٨).
(٩٣) الغيبة للطوسي (ص ٢٨٥/ ح ٢٤٥).

(٦٧)

وكذلك الحال في دعوى كون الإمام المعصوم وهو إمام الزمان (عجَّل الله فرجه) واسطة للفيض الإلهي، إذ لا مانع عقلاً من صيرورته الواسطة والعلَّة الفعليَّة بإذن الله سبحانه، بعد أنْ كان العلَّة الواجبة المستقلَّة بالتأثير هو الله تبارك وتعالى.
فإذا كان لا مؤثِّر في الوجود إلَّا الله سبحانه أوَّلاً وبالذات فلا مانع أنْ يكون لغيره التأثير ثانياً وبالتبع والعرض، خصوصاً ونحن نعيش هذا المعنى تكوينيًّا ووجدانيًّا واجتماعيًّا، إضافةً لتأكيد النصِّ الدِّيني عليه.
فيكون دور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) فاعلاً في سلسلة الفواعل الطوليَّة المؤثِّرة في عالم الإمكان.
بمعنى: أنَّ أيَّ فعل يمرُّ بسلسلة من الفواعل (مثلاً التشافي الذي يستدعي الذهاب إلى الطبيب وتشخيصه للمرض واستعمال المريض الدواء وتفاعله من خلايا الجسم ليُؤثِّر في التداوي)، ولإمام الزمان (عجَّل الله فرجه) دخالة فيها بنحو الواسطة بينها وبين المؤثِّر الحقيقي ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء: ٨٠).
وهذا ما تُؤكِّده جملة من الروايات، حيث ورد في إحدى الزيارات: «إِرَادَةُ اَلرَّبِّ فِي مَقَادِيرِ أُمُورِهِ تَهْبِطُ إِلَيْكُمْ وَتَصْدُرُ مِنْ بُيُوتِكُمْ»(٩٤).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «أَبَى اَللهُ أَنْ يُجْرِيَ اَلْأَشْيَاءَ إِلَّا بِأَسْبَابٍ، فَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَباً، وَجَعَلَ لِكُلِّ سَبَبٍ شَرْحاً، وَجَعَلَ لِكُلِّ شَرْحٍ عِلْماً، وَجَعَلَ لِكُلِّ عِلْمٍ بَاباً نَاطِقاً عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، ذَاكَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) وَنَحْنُ»(٩٥).
وقد شارك من علماء العامَّة الإماميَّةَ في هذه العقيدة، حيث ذكر الآلوسي في تفسيره (روح المعاني): (وكونه (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) رحمة للجميع باعتبار أنَّه (عليه الصلاة

-----------------

(٩٤) الكافي (ج ٤/ ص ٥٧٧/ باب زيارة قبر أبي عبد الله الحسين بن عليٍّ (عليه السلام)/ ح ٢).
(٩٥) الكافي (ج ١/ ص ١٨٣/ باب معرفة الإمام والردِّ إليه/ ح ٧).

(٦٨)

والسلام) أوَّل المخلوقات، ففي الخبر: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اَللهُ تَعَالَى نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ»)(٩٦).
ومن هذا المنطلق صحَّت مقولة: (التفويض بأمر الله سبحانه) في وظائف الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه).
ب - ثبوت واسطة الفيض بالضرورة:
ينقدح المحذور العقلي في مبدأ الوساطة من اتِّخاذها سبباً مؤثِّراً بنحو الاستقلال ليكون عِدلاً للخالق (جلَّ وعلا) وفي عرضه، وأمَّا القول بأنَّ الله سبحانه يُنزِّل الغيث مثلاً بواسطة مدبِّرات الأمر أو أولياءه الذين اختارهم لذلك، فذلك حقُّ التوحيد! وبيانه:
ينافي التوحيد صدور كلِّ شيء من الله سبحانه بلا واسطة لثبوت قاعدة عقليَّة ذات مفاد: إنَّ الواحد لا يصدر منه إلَّا واحد، لأنَّ صدور الكثير بما هو كثير من الواحد بما هو واحد وبسيط الوجود ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ﴾ (الإخلاص: ١ و٢) غير ممكن، لأنَّ ذلك ينافي أحديَّته وبساطة وجوده، فيلزم تركُّبه (جلَّ وعلا) عنه، ولا شكَّ أنَّ التركيب يستدعي الافتقار إلى الأجزاء، وأنْ يكون مسبوقاً بالعدم، وأنْ يكون للعدم موجِد غيره. وكلُّ ذلك يتنافى مع صفات وجوبه ووجوده وألوهيَّته وربوبيَّته ونفي الشريك عنه.
وسيأتي مزيد بيان وتوضيح في هذا الصدد في الأبحاث القادمة(٩٧).

* * *

-----------------

(٩٦) تفسير الآلوسي (ج ١٧/ ص ١٠٥).
(٩٧) يأتي في البحث الخامس (ص ١٣١) الفارق الجوهري بين الشيعة والسُّنَّة في نهاية التاريخ والمنقذ (الخاتميَّة)؛ ويأتي في البحث العاشر (ص ٣٠٧) خاتميَّة الولاية للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فراجع.

(٦٩)

وفيه المحاور:
المحور الأوَّل: المهدويَّة والفكر الباطني:
استعراض شبهتين مهدويَّتين في الثبوت والإثبات وإسقاطهما:
الشبهة الأُولى: الفكر المهدوي لقيط الباطنيَّة:
كثيرة هي أشواك الشُّبَه التي تحيط بالفكر المهدوي، وتتوقَّف بلورة المعتقد والتأسيس المتين وغير التقليدي له على تنزيهه من الريب وزعزعة الشكِّ.
من هنا يجدر الالتفات إلى المقولة التالية:
ابتُلِيَت الإماميَّة بانقسامات متعدِّدة كان من شأنها صناعة أفكار هجينة ونسبتها للمذهب، كما في الفكرة المهدويَّة التي أنشأها مَنْ يرفض الظاهر من الواقع ويتشبَّث بالخفايا والبواطن والرموز لعلَّها تشفي حرَّ هجير الأُمنيات وتخلق ما يحسبه الظمآن ماءً، لقد تُوفِّي الإمام العسكري (عليه السلام) من دون ولدٍ ظاهر، وأوصى بأمواله إلى أُمِّه (المكنَّاة بأُمِّ الحسن)، ولم يتحدَّث عن وجود ولدٍ في حياته.
وقَبِلَ جميع المسلمين هذه الحقيقة كما قَبِلَها معظم الشيعة الإماميَّة وذهبوا إلى القول بإمامة جعفر بن عليٍّ الهادي أو القول بانقطاع الإمامة، ومع قبولها يلزمه القول بالشورى.
ولكن فريقاً من الغلاة الباطنيِّين رفض التسليم بهذه الحقيقة الظاهريَّة، وأصرَّ على اختلاق قصَّة سرّيَّة ووجود ولد مكتوم ومخفي لم يُعلِن عنه الإمام

(٧٣)

العسكري (عليه السلام) خوفاً عليه من القتل، فمن هنا تولَّدت فكرة وجود ولدٍ للعسكري (عليه السلام) واستمراره إلى يوم الظهور، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً.
الشبهة الثانية: هل اخترقت الباطنيَّة بمعالمها الفكر المهدوي (قضيَّة إثباتيَّة)؟
لا يمكن الإذعان بنقاء الفكرة المهدويَّة التي يحملها الشيعة بمبادئها النظريَّة من تأثيرات الفكر الباطني، فهناك عدَّة عوامل سياسيَّة واجتماعيَّة ساهمت الحركات الباطنيَّة بوضع بصمات واضحة في صياغة الأُطروحة المهدويَّة، والتاريخ شاهد على ذلك، حيث إنَّ تضييق الخناق من قِبَل النظام الحاكم على أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) دفعهم (عليهم السلام) إلى ممارسة التقيَّة في حركتهم والتي يتقدَّمها إعلان إمامة الإمام القادم، وأكثر عهدٍ تلكَّأ فيه إعلان الإمام، هو عهد الإمام العسكري (عليه السلام) الذي أخفى ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وكشفه لبعض أعيان الأُمَّة خاصَّة.
فساهم غموض تلك الظروف وتوتُّرها إلى بروز مسمّيَّات عدَّة تُمثِّل شخصيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، إضافةً إلى انتهاج مسلك العرفان والتصوُّف للارتباط بذلك الإمام الغائب، ثمّ ظهور نظريَّات مختلفة كالإمامة الباطنيَّة والولاية والمهدويَّة النوعيَّة والبابيَّة.
وكلُّ ذلك في محاولات لتبرير الاعتقاد في المهدويَّة استناداً إلى قراءات مغلوطة للنصِّ الدِّيني، أو لإشباع حاجة إنسانيَّة لدعم السماء بوجود خليفة حاضر.
إذن بعد ذلك لا يصحُّ الاعتماد على الأُطروحة المهدويَّة التي تقرأها الإماميَّة، لأنَّها أُطروحة مخترقة لا يُميَّز منها الغثُّ من السمين.

(٧٤)

الجواب عن الشبهتين:
تمهيد: ما هو الفكر الباطني ومنشؤه ومعالمه؟
ونتناول ذلك ضمن مطالب:
١ - المبدأ التصوُّري للباطنيَّة:
ينبغي التعريف بهذا المسلك، والكشف عن أُصوله، ومدى علاقته بالدِّين الإسلامي عموماً ومذهب التشيُّع خصوصاً، ليُعلَم مدى صحَّة التصاقه به ونسبته إليه، وإيعاز اختلاق أو غموض النظريَّة المهدويَّة إليه.
أقوال في معنى الباطنيَّة:
قيل: إنَّها تسمية تُطلَق في العالَم الإسلامي على الفِرَق التي تستبطن معتقدها ولا تُظهِره إلَّا فيما بينها(٩٨).
وقيل: إنَّها تسمية شاع استعمالها على مَنْ يقول: إنَّ للنصِّ الدِّيني باطناً وظاهراً، وإنَّ الباطن أسمى من الظاهر، وإنَّ المراد الأصلي للآيات وللأحكام هو الباطن دون الظاهر.
ولذلك قيل في تعريفها: إنَّها الحركات القائلة بأنَّ لكلِّ نصٍّ ديني ظاهراً وباطناً، ولكلِّ تنزيل تأويلاً(٩٩).
وقيل: إنَّ النصوص الدِّينيَّة عبارة عن رموز وإشارات إلى حقائق خفيَّة وأسرار مكتومة، وإنَّ الطقوس والشعائر، بل وحتَّى الأحكام العمليَّة كذلك، وينحصر الوصول إلى هذه الأسرار بالعلماء وأهل الباطن.
وبذلك ستتفاوت التأويلات وتتباين تبعاً لاختلاف مدركات المؤوِّلين وميولهم الثقافيَّة ومستوياتهم المعرفيَّة(١٠٠).

-----------------

(٩٨) ويكي شيعة (بتصرُّف).
(٩٩) راجع: المِلَل والنِّحَل للشهرستاني (ج ١/ ص ١٩٢).
(١٠٠) مذاهب الإسلاميِّين (ص ٧٥١).

(٧٥)

ويمكننا قبول المعاني الثلاث للباطنيَّة، كما هو غير بعيد في انطباقها على مذهب الإسماعيليَّة(١٠١).
إذن قد تُطلَق كلمة الباطني على ثلاثة أشخاص:
الأوَّل: مَنْ يَكتُم اعتقاده ولا يُظهِره.
والثاني: هو المختصُّ بمعرفة أسرار الأشياء.
والثالث: مَنْ يعتقد بالظاهر والباطن لكلِّ شيء، وأنَّ له تأويلاً خفيًّا.
٢ - ليست الباطنيَّة وليدة فكر بذاته:
ركَّز الباحثون على الحركات الباطنيَّة في الإسلام وكأنَّها إنتاج إسلامي ممَّا يوهم تقريب فكرة انتمائها إلى التشيُّع، وهو استحسان غير واقعي، إذ يمكن تشخيص المقدَّمات الفعليَّة للحركة الباطنيَّة من خلال الوثائق المدوَّنة التي ظهرت في حدود القرن (١٧ قبل الميلاد) في مناطق مختلفة لديانات غامضة في المعتقد والطقوس حيث كان لكلِّ ديانة أُسطورة تتعلَّق بآلهته ورموز تلك الآلهة.
وتُوحي تلك الطقوس بإشارات ورموز يختصُّ بها ذلك الدِّين، فتحكي عن واقعة ما لحياة ذلك الإله، ممَّا يساهم في تعبئة ذهن المؤمن بها بفكرة السرِّ والغموض والباطن والظاهر.
كلُّ ذلك من خلال ممارسة عباديَّة طقسيَّة تُقام على شاكلة احتفال سرِّي يختصُّ بالمتعبِّد من خواصِّ ذلك الدِّين(١٠٢).

-----------------

(١٠١) راجع: المناهج التفسيريَّة في علوم القرآن (ص ١١٧/ المنهج الأوَّل: التفسير حسب تأويلات الباطنيَّة)، وبحوث في المِلَل والنِّحَل (ج ٨/ ص ٧/ الفصل الأوَّل: الخطوط العريضة للمذهب الإسماعيلي).
(١٠٢) راجع: ديانات الأسرار والعبادات الغامضة في التاريخ (ص ٥٥ و٥٦).

(٧٦)

برزت هذه الديانات ذات الطابع الرمزي السرِّي في بلاد اليونان حتَّى استقرَّت ثقافتها لعمر يبلغ ألفي عام، ثمّ انتقلت من الحضارة الغربيَّة إلى الشرقيَّة، كما نجد ذلك في بعض عقائد الكلدان السرّيَّة(١٠٣) والاعتقادات الهنديَّة القديمة(١٠٤)، بسبب اختلاط الشرقيِّين بالغرب نتيجةً للحروب والاحتلال، وأيضاً لتسلُّل ثقافتهم وقَصَصهم وحكايات أساطيرهم إلى العادات وتقاليد الشعوب الشرقيَّة، ثمّ شيئاً فشيئاً دخلت في دياناتها بنحو رسمي، ولم تخلُ بعض الديانات السماويَّة من التأثُّر بهذه الثقافات، ومن نماذجه الواضحة اعتماد اليهوديَّة (لأسباب سياسيَّة) على التلمود والكابالاه التي انتشرت في القرون الأخيرة(١٠٥)، وأمَّا المسيحيَّة فبالرغم من تأكيد النبيِّ عيسى (عليه السلام) على قداسة النصِّ

-----------------

(١٠٣) موسوعة مختصر التاريخ الهندي القديم (ص ٨١).
(١٠٤) تاريخ الحضارات العامِّ (ج ١/ ص ٥٦٨).
(١٠٥) التلمود: هو التفسير الشفوي للأسفار الذي كان يتناقله الحاخامات الفريسيُّون من اليهود سرًّا، وكان يعتمد التوسعة والتعمُّق في معاني ألفاظ التوراة على نحو يغاير في دلالاته معاني كلماتها مغايرة تامَّة، ولخوفهم عليها من الضياع دوَّنوها في القرنين الأوَّل والثاني بعد الميلاد وأسموها بـ (المشناة)، ثمّ شُرِحَت وسُمّيت (جمارا)، وأُلِّفت هذه الشروح في فترة طويلة امتدَّت من القرن الثاني بعد الميلاد إلى أواخر السادس بعد الميلاد. والتلمود يُعظِّمه ويُقدِّسه الفريسيُّون من اليهود وباقي اليهود تُنكِره، والفريسيُّون هم أكثر فِرَق اليهود في الماضي والحاضر، وهم يرون أنَّ التلمود له قدسيَّة وأنَّه من عند الله سبحانه، بل يرون أنَّه أقدس من التوراة، فيقولون فيه: (إنَّ مَنْ درس التوراة فعل فضيلة لا يستحقُّ المكافأة عليها، ومَنْ درس المشناة فعل فضيلة يستحقُّ المكافأة عليها، ومَنْ درس الجمارة فعل أعظم فضيلة). راجع: موسوعة المِلَل والأديان (ج ١/ ص ٩٨ و٩٩).
الكابالاه: مذهب يهودي أساسه الأفكار التلموديَّة، حيث اعتمدوا لفهمها تفسيرات باطنيَّة، ويعود تنشئتها على يد سمعان بن يوشاي من القرن الثاني الميلادي الذي اختفى عن الأنظار مدَّة في مغارة ثمّ خرج عليهم ليقول: إنَّ أسراراً قد كُشِفَت له، وأنَّه حصَّل شكلاً من الكشف أو الإلهام. يعتقد الكاباليُّون أنَّ كلَّ كلمة منه تحمل معنًى باطنيًّا لا يعرفه سوى حاخاماتهم، فجعلوا من الكبالة حركة باطنيَّة سرّيَّة، وللسحر مكانة أساسيَّة عندهم، وذلك لاعتقادهم أنَّ السحر منزَّل من الخالق عن طريق الأنبياء الذين نقلوه إلى الحكماء. راجع: موسوعة المِلَل والأديان (ج ١/ ص ٩٠/ المبحث العشرون: الكابالا).

(٧٧)

الدِّيني وعدم جواز تغييره أو تأويله إلَّا أنَّ محاولات التحريف والتأويل لم تنقطع في حياته، حتَّى برزت بعد موته في شخصيَّة يهوديَّة (بولس) حيث أعلن الانضمام للدِّين الجديد (المسيحيَّة) وادَّعى السفارة عنه (عليه السلام) واستعمل التأويل في تفسيره وكتاباته في النصوص المقدَّسة، وأسَّس مدرسة التأويل والرمزيَّة في الديانة المسيحيَّة، وفسح المجال واسعاً أمام المدارس المتخالفة في فهم الدِّين الجديد، وأسفر ذلك عن إنشاء حركة تُسمَّى بـ (الغنوصيَّة)(١٠٦) واتِّساع رقعتها في فهم المسيحيَّة.
وأمَّا الدِّين الإسلامي فيمكن تلمُّح طروء طيف الباطنيَّة على أعتابه منذ ممارسة مدرسة المخالفين لأهل البيت (عليهم السلام) لعمليَّة التأويل للنصوص الصريحة في محاولاتهم لتحريف نصوص الإمامة والخلافة عن ظاهرها.
فلا تصحُّ دعوى اختصاص الفكر الباطني بالتشيُّع وتنزيه التسنُّن عنه، بل وغيره من الأديان.
نعم، هناك مجموعة عوامل ساهمت بنحو في إلصاق الفكر الباطني بالتشيُّع على الخصوص ولا يمكن إنكار تلك العوامل ممَّا أدَّى إلى إثارة تلك الشبهتين المتقدِّمتين، إلَّا أنَّه ينبغي التمييز بين وجودها وتمييزها الحقيقي وبين واقع الفكر المهدوي الأصيل بما يحفظه من شبهة الباطنيَّة وبما يُشوِّه أُطروحاته الأصيلة وعدم تغييبه عن مشهده الوحياني الأصيل.

-----------------

(١٠٦) الغنوصيَّة: كلمة مأخوذة من الإغريقيَّة، وتعني العرفان أو المعرفة الباطنيَّة، وهي فلسفة صوفيَّة بمعارف غيبية لها تأويلاتها وطقوسها، واسم عَلِم على المذاهب الباطنيَّة، غايتها معرفة الله بالحدس لا بالعقل، وبالوجد لا بالاستدلال. راجع: موسوعة الفلسفة والفلاسفة (ج ٢/ ص ٩٣٤).

(٧٨)

٣ - الدواعي في التصاق الفكر الباطني بالتشيُّع:
قد يظنُّ البعض وجود الفكر الباطني بالعقيدة الإماميَّة، وهذا التوهُّم ناشئ من عدَّة أُمور، من قبيل:
١ - الاعتقاد بمفاهيم من شأنها الخفاء وعدم الكشف عن المعتقَد والسلوك، وهي سمة للباطنيَّة كالتقيَّة.
٢ - انتهاج مبادئ معرفيَّة عُرِفَت الباطنيَّة بانتهاجها كالتأويل وتفسير النصِّ على خلاف الظاهر.
٣ - عمق المطالب الدِّينيَّة العقديَّة، ممَّا ينحصر إدراكها والغوص فيها على فئة خاصَّة من أعلام الشيعة، كما في نظريَّة (واسطة الفيض) الواردة في الإمامة.
٤ - تستُّر الشيعة في إقامة طقوسهم الدِّينيَّة وبعض عباداتهم.
٥ - تبنِّي بعض أعلام المذهب الشيعي للعرفان (وهم أهل الباطن والسرِّ).
٦ - اندفاع بعض الدول غير الإسلاميَّة إلى دعم بعض الحركات الشيعيَّة للتأثير على الفكر الإسلامي الصحيح، وذلك عين ما حدث مع اليهود في أوائل تغلغل الفكر الباطني لديانتهم.
٧ - ظهور مدارس غامضة الأفكار والمبادئ (كالشيخيَّة والكشفيَّة والبابيَّة والبهائيَّة).
وبعض هذه الأُمور المذكورة صحيحة كالتقيَّة ولكن لا ربط لها بالباطنيَّة، بل هي أساسٌ قرآني وروائي، كما أنَّ البعض منها وإنْ صحَّ وجوده إلَّا أنَّه لا يمكن نسبته إلى عموم الطائفة الحقَّة، بل يُنسَب إلى حركات شاذَّة منحرفة، وهذا الأمر لا تخلو المذاهب الإسلاميَّة منه، بل جميع الأديان السماويَّة وغيرها.

(٧٩)

المحور الثاني: إخفاق الشبهة في قراءة المهدويَّة ومعالجة ذلك:
إنَّ ما ذُكِرَ إنَّما هو وليد قراءة تجزيئيَّة سطحيَّة لفكر عُرِفَ بعراقته وامتداده التاريخي على طول خطِّ الرسالة المحمّديَّة، ولا يسمح البحث العلمي بتجاوز ذلك بملاحظات أوَّليَّة مقتضبة، ومن هنا تستدعي المحاكمة العلميَّة التالي:
الأوَّل: ضرورة معرفة الهويَّة(١٠٧) الدِّينيَّة ثمّ الإسلاميَّة ثمّ الشيعيَّة ثمّ المهدويَّة للتمييز الماهوي بين الحقائق - وسنخصُّ بالذكر هاهنا المهدويَّة للتناسب مع أصل البحث -، وينبغي التأكيد على المنهج المعرفي الدقيق لهذه الهويَّة، والتمييز بين الثابت والمتغيِّر في منظومتها، ومعرفة فكرها العقدي وأحكامها الفقهيَّة.
الثاني: مناقشة الدواعي في التصاق الباطنيَّة بالتشيُّع والمهدويَّة.
أمّا الأوَّل: الهويَّة المهدويَّة ومنهجها المعرفي:
تأتي الهويَّة من مجموعة أُسُس تشترك لتُمثِّل البناء التأسيسي لها، ومن هنا تنشأ الهويَّات المختلفة (كالهويَّة الدِّينيَّة، والهويَّة المادّيَّة، والهويَّة اليهوديَّة، والهويَّة الإسلاميَّة...) وغيرها من الهويات التي تصوغها الرؤية الكونيَّة والتي تتحدَّد بالقيود والمواصفات فينشأ التكثُّر في الهويَّات.
ويمكن ذكر الحدود التي تُؤلِّف الهويَّة، وفي ما نحن فيه نحتاج إلى ذكرها في تشخيص المهدويَّة لتتَّضح المعالم الفارقة بين ما عندنا وبين ما عند الآخرين فتؤول النتيجة إلى سالبة لانتفاء الموضوع، إذ ليس من خفاء أو غموض أو تشويه أو اضطراب فيها.
ويمكن تأطيرها بالضوابط التالية:

-----------------

(١٠٧) باعتبار الإشارة المسبقة للباطنيَّة التي اخترقت الأديان السماويَّة حتَّى تغلغلت للدِّين الإسلامي ثمّ الشيعي ثمّ التحاقها بالمهدويَّة.

(٨٠)

الضوابط المشتركة مع بقيَّة أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام):
١ - تمثيل دور الخلافة الإلهيَّة، فالمهدويَّة تُمثِّل المقام الشامخ (الإمامة) التي تنطوي فيها وظائف خطيرة (التبليغ، والتشريع [على قول]، والقضاء، والهداية وغيرها)، وهذا المقام قد أخبر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤)(١٠٨)، ممَّا استدعى ذلك العصمة والعلم اللَّدنِّي، فقوله وفعله وسكونه حجَّة من الله تعالى على عباده.
٢ - ضرورة الاعتقاد به (عليه السلام) والخضوع وتقديم الولاية المطلقة له، وهو ما عبَّرت عنه النصوص الدِّينيَّة المختلفة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥)، وعن النبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله): «أَلَسْتُ أَوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟»، فَقُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اَلله...، قَالَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ...»(١٠٩).
٣ - قامت الأدلَّة على اختصاص النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وذرّيَّته من الأئمَّة (عليهم السلام) بـ (الولاية التكوينيَّة) وأنَّهم (وسطاء للفيض)، وأنَّ لهم علم الغيب - بنحو العلم الشأني لا الفعلي -.
٤ - المصداق الأوحد لقول النبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله): «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ

-----------------

(١٠٨) راجع تفسير الميزان في معنى الآية المباركة (ج ١/ ص ٢٦٨ - ٢٧٥)؛ ثمّ يُلخِّص العلَّامة (قدّس سرّه) دلالة الآية المباركة بحسب بحثه بقوله: (ظهر ممَّا تقدَّم من البيان أُمور: الأوَّل: أنَّ الإمامة مجعولة. الثاني: أنَّ الإمام يجب أنْ يكون معصوماً بعصمة إلهيَّة. الثالث: أنَّ الأرض وفيه الناس لا تخلو عن إمام حقٍّ. الرابع: أنَّ الإمام يجب أنْ يكون مؤيَّداً من عند الله تعالى. الخامس: أنَّ أعمال العباد غير محجوبة عن علم الإمام). وذكر (قدّس سرّه) نقاطاً أُخرى.
(١٠٩) كتاب سُلَيم (ص ٣٦٢).

(٨١)

زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(١١٠) هم الأئمَّة (عليهم السلام) من بعده، أوَّلهم الإمام عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وآخرهم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
مواصفات المشروع المختصِّ بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
١ - مشروعه الربَّاني والذي يتَّصف بـ (العالميَّة، والعدالة الاجتماعيَّة، والعلميَّة والفضيلة).
٢ - الغيبة ممَّا فرضت النيابة للفقهاء العدول، فكان لهم أدوار بيان الشريعة وحمايتها والدفاع عنها، وضرورة الاتِّباع ففي ذلك المعذريَّة والمنجّزيَّة، ولا معنى لمقولة التفريق بين الدِّين وفهم الدِّين، فإنَّ وظيفة الوصاية على الدِّين إنَّما أُوكلت إليهم من المعصوم على أُسُس وقواعد معرفيَّة وأخلاقيَّة وتقوائيَّة من شأنها ضمان قراءة النصِّ الدِّيني بما يحرز المعذّريَّة والمنجّزيَّة.
٣ - عقيدة الانتظار وعدم التوقيت للظهور، وهي منظومة متكاملة من حيث العقيدة والعمل بما يعصم عن الانحراف وتجاوز الحدود التي رسمتها السماء.
المنهج المعرفي في العقيدة المهدويَّة:
وأمَّا المنهج المعرفي إليها فنُبيِّنه بما يلي:
١ - ينبغي تحديد الموقف العلمي من المعرفة الدِّينيَّة، فللمعرفة خصوصيَّات تلازمها تجعلها بنحو منضبط، ومن ذلك النتائج التي تؤول إليها المعرفة ومصداقيَّة النتيجة في كونها مطابقة للواقع، ولا تتخلَّف عن ذلك المعرفة الدِّينيَّة.
من هنا يأتي التأكيد بنحو الاستفهام عنها: هل المعرفة الدِّينيَّة ظنّيَّة دائماً وبنحو الموجبة الكلّيَّة؟

-----------------

(١١٠) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩).

(٨٢)

وجوابه: تختلف المعارف الدِّينيَّة بين الثابت والمتغيِّر، سواء في أُصول العقائد أو فروع الدِّين عموماً، كما تختلف بين القطعيَّة منها وبين الظنّيَّة، لذا يمكن القول: إنَّ المعرفة الدِّينيَّة ليست ظنّيَّة بنحو الموجبة الكلّيَّة، كما أنَّها ليست متغيِّرة كذلك. نعم، جَعَلَ الشارع المقدَّس البعض منها ظنّيًّا إمَّا لأنَّها مبنيَّة على مصالح متغيِّرة، أو لعدم القدرة على الوصول إلى القطع فيها، وجعل لظنّيَّتها اعتباراً شرعيًّا منجِّزاً، فهناك الثابت الدِّيني، ولا شكَّ في اتِّصاف الشؤون العقائديَّة بالقطعيَّة.
ثمّ إنَّ دعوى الظنّيَّة الكلّيَّة يُلازم عدم الإذعان بأيِّ أمرٍ ليُتَّفق عليه، إضافةً إلى أنَّ المعرفة الدِّينيَّة لها أُسُس قطعيَّة كالضروريَّات والمتواترات والأوَّليَّات، وبقيَّة اليقينيَّات، فلا مناص من الاعتراف بقطعيَّة المعارف الدِّينيَّة في الجملة.
إنَّ وظيفة الدِّين تعليم الحقائق، ولذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «... وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ...، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ اَلْعُقُولِ...»(١١١)، ولولا المكنة من ذلك لما كرَّر القرآن الكريم الدعوة إلى التفكُّر والتدبُّر.
ولتحقيق ذلك مصادر ومناهج معرفيَّة، وإليك توضيحها إجمالاً:
مصادر المعرفة اليقينيَّة العقائديَّة وفق المدرسة الإماميَّة:
أ - النصُّ، (وهو الحقيقة المعصومة التي ترتكز على الوحي)، والتي تتمثَّل بالقرآن والسُّنَّة الشريفة، إذ لا شكَّ ولا ريب بتوفُّر القرآن الكريم والسُّنَّة الشريفة على الكثير من النصوص الدِّينيَّة القطعيَّة الدلالة، وإنْ كنَّا نقول: إنَّ القرآن الكريم قطعي الصدور ظنِّي الدلالة، فهذا لا يعني في جميع النصِّ القرآني

-----------------

(١١١) نهج البلاغة (ص ٤٣/ الخطبة ١).

(٨٣)

بل في بعضه. وهكذا بالنسبة إلى السُّنَّة الشريفة، فهي وإنْ كانت ظنّيَّة الدلالة في كثير من مساحتها بل وظنّيَّة الصدور أيضاً، لكن يمكن إيجاد الكثير من النصوص القطعيَّة الصدور سواء على مستوى التواتر اللفظي أو المعنوي أو الإجمالي، وكذلك قطعيَّة الدلالة.
ب - العقل، وهو مَنْ يكشف على الواقع العقدي بمعارفه البديهيَّة كضرورة السبب للمسبَّب وحكمة الخالق - ودليله الواضح بداعة الأحكام والإتقان في خلقه -، وكذلك المعارف النظريَّة التي تتوقَّف على الاستدلال والنظر.
ج - الإجماع، وهو ما يجمع عليه أفراد النوع الإنساني من المعارف التي يُهتدى إليها بالفطرة، فهي مصدر وجداني معتمد، بل يكفي إجماع الطائفة الحقَّة وتسالمها على أمرٍ ما، ليكون هذا الأمر أمراً يقينيًّا في المدرسة الإماميَّة، كما في انقطاع النيابة الخاصَّة بعد النائب الرابع (رضي الله عنه).
وعليه يمكن تلخيص المنهج المتَّبع - في معرفة الهويَّة المهدويَّة - بالاعتماد على عدَّة مناهج، منها: النقل والعقل والإجماع.
وأمَّا الثاني: مناقشة الدواعي في التصاق الباطنيَّة بالتشيُّع والمهدويَّة:
وكان من أهمّ الدواعي:
أوَّلاً: التقيَّة:
إذ يُتخيَّل أنَّها عنصر مشترك بينهما، فمَنْ يقول بالتقيَّة هم أُولئك الذين يتقاربون مع الفكر المهدوي على نحو الباب(١١٢) الذي يُدخَل منه إلى الإمام

-----------------

(١١٢) ظهر في البيئة الفارسيَّة شابٌّ ورع اسمه (ميرزا عليّ محمّد) الشيرازي، وشهد له أصحابه بالمواهب والحماسة للعبادة وأجلُّوه غاية الإجلال، ممَّا أثَّر ذلك في عقل الشابِّ، واعتقد أنَّه مبعوث من الله، فأعلن أنَّه (الباب) الذي يدخل منه الناس إلى الإمام المستور، ثمّ تطوَّر الأمر عنده واعتقد أنَّه فوق أنْ يكون مدخلاً للإمام المستور، بل هو نفسه الذي يهدي العالم، وأعلن أنَّه هو المهدي، وأنَّ المنتظَر قد حلَّ فيه حلولاً مادّيًّا جسمانيًّا.

(٨٤)

المستور، أو أنَّ المهدي المنتظَر حلَّ فيه حلولاً مادّيًّا جسمانيًّا، أو أنَّ الحاكم بأمر الله هو الله نفسه، وأنَّه لم يمت بل اختفى إلى ما شاء الله فيخرج متجلّيًّا على الركن اليماني من البيت ويتمكَّن من حكم العالَم بعد الفتك بالنصارى والمسلمين، فهم يخالفون عقائد الآخرين ويُضمرون تلك الأفكار تقيَّةً!
ولكن ينبغي التفريق بين المدرستين، فإنَّ التقيَّة مبدأ عامٌّ له حضور في جملة من مختلف الفكريَّات المدرسيَّة، لذا لا يصحُّ أنْ يكون قرينة على الاتِّحاد الماهوي للمدرستين لمجرَّد حضور المبدأ فيهما معاً.
فإنَّ التقيَّة في الفكر الشيعي: كتمان المسلم عقيدته إذا تعرَّض في نفسه أو عرضه أو ماله لخطر لو أظهرها، وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «اَلتَّقِيَّةُ فِي كُلِّ ضَرُورَةٍ، وَصَاحِبُهَا أَعْلَمُ بِهَا حِينَ تَنْزِلُ بِهِ»(١١٣)، وهي واجبة في بعض حالات الضرورة فقط، ومحرَّمة وفق ظروف وشروط أُخرى كما لو ترتَّب على فعلها مفسدة، كما في موارد: (الدماء، والقضاء، وما يُؤدِّي إلى فساد الدِّين والمجتمع).
وأمَّا التقيَّة في الفكر الباطني فإنَّها الامتناع عن إظهار المعتقدات والمتبنّيات الفكريَّة والفقهيَّة بنحو أساسي، ويُحتفَظ بها دائماً في إطار المؤمنين بتلك المبادئ أو إخفائها عن الأتباع إلى حين بلوغهم سنًّا معيَّناً.
إذن الأصل عند الفكر الباطني (التقيَّة) حيث تُعتبَر أصلاً يسري في كلِّ تفاصيل العقيدة الباطنيَّة من المنهج والدعوة حتَّى مع عدم تعرُّض الحركة الباطنيَّة للضرر في النفس أو العرض أو المال. وهو بخلافه عند الشيعة، فإنَّها حالة استثنائيَّة فرعيَّة لا تبرز إلَّا في ظلِّ ظرف معيَّن - خطير -.
ثانياً: التأويل:
فقد عُرِفَت الحركات الباطنيَّة بقراءة النصِّ الدِّيني قراءة باطنيَّة وحمل

-----------------

(١١٣) الكافي (ج ٢/ ص ٢١٩/ باب التقيَّة/ ح ١٣).

(٨٥)

الظاهر على خلافه، وذلك هو التحريف والتلاعب بآيات الله سبحانه، وعاقبة ذلك الضلال.
وقد يُسري البعض هذا التأويل الواسع في الحركات الباطنيَّة إلى الفكر الإمامي، ممَّا يزحف الإشكال على المنظومة المهدويَّة، فهي وليدة رَحِمه.
وتلك نتيجة فاسدة منشؤها مقدَّمات خاطئة.
مناهج التأويل:
ولمعرفة الحقِّ في بيان معنى التأويل وسعته وضيقه وشروطه يجدر التمييز بين منهجين:
ألف - المنهج التأويلي للحركات الباطنيَّة:
لا يعترف بحجّيَّة ظواهر الكتاب والسَّنَّة، بل يحاول (التحرُّر من قيود اللغة التي تواضع عليها العقلاء للتفهيم والتفاهم، بمعنى أنَّ التفسير الباطني لا يخضع لما تخضع إليه العرب في قوانين لغتهم حيث تتمتَّع بظاهر وباطن يُفترَض ارتباطه بنحو بالظاهر، وإنَّما باطن القرآن سرٌّ خاصٌّ لا يُكشَف إلَّا للخواصِّ، وذلك الباطن هو شأنٌ لجميع القرآن وليس لبعضه ضمن أسباب لغويَّة معيَّنة)(١١٤)، وذلك بالاعتماد على:
١ - الواردات القلبيَّة والإلهامات النفسيَّة.
٢ - المباني والمعتقدات القبليَّة (حيث يستعين بها ذوي الإلهامات للتفسير).
٣ - اعتماد مبدأ الرموز والكنايات في لغة النصِّ القرآني.
باء - منهج الإماميَّة في التأويل:
يمكن حصر التأويل في المنهج الإمامي في موردين لا ثالث لهما:
الأوَّل: أنْ يكون صادراً من قِبَل المعصوم (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ

-----------------

(١١٤) راجع: شبكة نبأ (مناهج التفسير... مؤاخذات على منهج التفسير الباطني).

(٨٦)

تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (آل عمران: ٧)، فمعرفة باطن بل بطون القرآن الكريم من مختصَّات مَنْ نزل عليهم الكتاب الكريم وهم محمّد وآل محمّد (عليهم السلام).
الثاني: إذا كان الظاهر القرآني مخالفاً للقواعد العقليَّة القطعيَّة، فلا بدَّ من تأويله بما ينسجم مع هذه القواعد، خصوصاً في الآيات التي يضفي ظاهرها صبغة الجسميَّة لله تعالى، والأمثلة كثيرة على ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: ١٠)، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف: ٥٤)، فهذه الآيات وغيرها لا يمكن الالتزام بظواهرها، فهي من المتشابهات التي لا بدَّ من إرجاعها إلى المحكمات، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١)، وما ثبت بالقطع واليقين أنَّ الله سبحانه وتعالى غير جسم وغير محدود، والاستواء واليد وما إلى ذلك فإنَّ ظاهرها يُضفي المحدوديَّة والحاجة والفقر عليه تعالى، وهو منزَّه عن ذلك كلِّه.
كما أنَّ أحد ضوابط التأويل هو انسجامه مع قواعد اللغة وقراءة النصِّ من المجاز والاستعارة وبلاغة النصِّ، والقرائن المحيطة باللفظ هي التي تُحدِّد ذلك وتعيُّنه.
ومن هنا يُعلَم أنَّ التأويل لا يجوز خروجه عن حدود المنطق والعقل، ولا يُلجَأ إليه إلَّا إذا خالف الظاهر العقل القطعي، وهو مورد ضرورة مقنَّن يلتزم به الجميع ولا يمكن لأحدهم التفلُّت من تلك المحاسبات والقواعد ليعمل مستنداً إلى رأيه البحت.
ثالثاً: عمق المطالب الدِّينيَّة العقديَّة ممَّا ينحصر إدراكها على فئة خاصَّة:
وفي وضوح ضعف هذه الدعوى ما يكفي لسقوطها، فليس العلم الدِّيني وقفاً على أحد فهو متاح لكلِّ طالب، وقد ذكرنا بحثاً مفصَّلاً في نظريَّة (واسطة

(٨٧)

الفيض) مدعوماً بأدلَّة عقليَّة ونقليَّة واضحة وليست سرّيَّة أو مرموزة أو خاصَّة - فليُراجَع -.
رابعاً: الشعائر والطقوس الدِّينيَّة:
فقد يقال بأنَّ منشأ وصم الشيعة بالباطنيَّة باعتبار اشتراكهم في بعض الطقوس الخاصَّة بهم، كما في الحركات الباطنيَّة، وهذه أيضاً شبهة وتوهُّم ليس له في الواقع نصيب، فقد عُرِفَت الإماميَّة بإقامة طقوسهم الدِّينيَّة وشعائرهم المذهبيَّة على مرأى ومسمع من جمهور المسلمين، نعم قد يضطرُّ البعض إلى إقامة مجالس الذكر والدعاء بما يناسب عقائدهم بعيداً عن أعين أعدائهم ليأمنوا بطشهم واضطهادهم الدِّيني، وذلك مرهون بظرف محدود بالزمان والمكان، فليس هو شأن عقدي وإنَّما هو احتراز إنساني.
خامساً: الغلوُّ:
وسنأتي على ذكره لاحقاً فيتَّضح الإبهام فيه(١١٥).
فمن كلِّ ذلك تبيَّن أنَّ المدارس الباطنيَّة الباطلة التي ارتبط عنوانها بعنوان المذهب الإمامي الأصيل قد افترقت عنه بمبادئها ومناهجها، وهذا من الأُمور التي صرَّح بها أعلام الطائفة واتَّفقت كلمتهم قديماً وحديثاً.
المحور الثالث: هل القضية المهدويَّة تتَّسم بأنَّها (غيبيَّة، مغالية، خرافيَّة)؟
لا يهدأ لسان الشُّبَه في إصابة المهدويَّة بسهام تشكيكاته، فكلَّما تجاوزنا رمية تلتها أُخرى، ولعلَّ ذلك يعود إلى خصوصيَّة في الهدف وهو الاستتار وطول مدَّة ترقُّب المستضعفين للظهور، وإليك ثلاثة من الإشكالات والشُّبَه الأُخرى المهمَّة:

-----------------

(١١٥) (ص ٩١).

(٨٨)

الشبهة الأُولى: غيبيَّة القضيَّة المهدويَّة يؤول إلى الخطل في الفكرة:
الغيب هو كلُّ ما غاب عن الحواسِّ وكان مستوراً عنها، وينقسم إلى (غيب مطلق) وهو ما لا تُدركه الحواسُّ الخمس، ولا يفترق في عدم إدراكه الناس أو الظروف، كالذات المقدَّسة وصفاتها، والملائكة، والعوالم العلويَّة، والروح.
ويقابل هذا القسم (الغيب النسبي) وهو ما يكون غيباً بالنسبة إلى شخص دون شخص، أو حاسَّة دون حاسَّة، أو ظرف دون ظرف، كأخبار الماضي والمستقبل، والغيب عندنا معقلن لا أنَّه غير منضبط ومتسامح.
هل المهدويَّة غيبيَّة؟
لا شكَّ أنَّ القضيَّة المهدويَّة أحد عناصر الغيب، ولكنَّه (غيبي نسبي)، إذ ترتبط بإمام غائب لم يُشاهَد إلَّا نادراً ولا يُعلَم مكانه، ومتى يظهر، وما هي مشخَّصاته، وما هي مشاريعه وتفاعلاته مع الأحداث... إلخ، فبالتالي لا يصدق على القضيَّة المهدويَّة غير أنَّها غيبيَّة.
ولكن ينبغي التمييز بين الغيب المعقلن، الداخل ضمن منظومة الفكر الدِّيني الصحيح والمنضبط به من حيث تحديد جميع الأبعاد المتعلِّقة به (كما كان ذلك في الغيب المطلق كالذات المقدَّسة) وبين الغيب غير العقلائي وغير المنضبط والذي نجد إخفاق مدارس مختلفة للعقل الدِّيني عند تعاملاتها معه (ولحاظنا الغيب المهدوي).
وبداية فإنَّ المدارس تختلف في نظرتها إلى الغيب، ومنها:
١ - مدرسة التعطيل والتي تبرز بلسان ضرورة المواكبة العصريَّة وتغييب المنظومة الدِّينيَّة بنحو عامٍّ والمهدويَّة بنحو خاصٍّ، بذريعة عدم مكنة التعامل مع النصِّ الديني، فكانت الأقرب إلى المدرسة الظاهريَّة.

(٨٩)

٢ - مدرسة التعجيز التي حجَّمت القدرة على الولوج في الموروث المهدوي، وإعلان العجز في الوقوف على منظومتها، وجعلها قضيَّة فاعلة بذريعة قصور العقل والفكر والعلم لإدراك ذلك.
٣ - المدرسة المنفلتة التي انطلقت في تعاملاتها مع المنظومة المهدويَّة بمنهج منفلت غير خاضع لضوابط دينيَّة حقيقيَّة، فقرأت المهدويَّة بعقل باطني يعتمد على أساس الكشف والشهود وهو منهج (الفكر الباطني)، وبذلك ابتُلِيَت هذه المدرسة بالغلوِّ والإفراط والتفريط في الفكر والسلوك.
ومن المُلاحَظ تردُّد المنهج في هذه المدارس بين الإفراط والتفريط ممَّا أنتج تفسيراً خاطئاً للغيب، وهناك مدارس أُخرى يضيق المقام عن ذكرها، وانتخبنا منها ما يُحقِّق الهدف، وهو توضيح ضرورة المنهجيَّة الصحيحة في التعامل مع الغيب وتجنُّب المشاكل المعرفيَّة والسلوكيَّة نحوه وكما حدث للمدرسة الباطنيَّة.
من هذا المنطلق سعى الفكر الشيعي الأصيل إلى التركيز على البحث الثبوتي في قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، لأنَّه يُجنِّب العقيدة عن السقوط في تفسير الأُطروحة المهدويَّة بنحو خاطئ، أو إخراجها عن كونها معادلة إلهيَّة ربَّانيَّة رُشِحَت للخلافة الإلهيَّة بثوب الإمامة، وعندئذٍ يعتصم الفكر المعرفي عن تعثُّرات العقل الباطني أو العقل الأشعري أو المعتزلي، فتتوقَّف تخرُّصات تقديم الشخصيَّة المهدويَّة بعنوان الغيب المعطَّل أو الغيب المنفلت ليُشبَّه بالإله أو الغيب العرفاني والخيالي أو التشكيك في وجوده وأنَّه سيُولَد... إلخ من ترنُّحات العقيدة، ولذا فإنَّ الفكر الشيعي يبحث العقيدة المهدويَّة بنحو تخصُّصي لترتسم ملامح المهدويَّة بريشة السماء وليس بأصابع الأوهام والأهواء.
وقد أغنى التراث الشيعي هذا الجانب وقدَّم منظومة معرفيَّة مهدويَّة كاملة، فلا مجال لدعوى الغيب المتلكِّئ والمغلوط والموهوم.

(٩٠)

الشبهة الثانية: الغلوُّ في المهدويَّة:
١ - تحديد الشبهة:
قالوا: يعتقد الشيعة أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) خلفٌ - لضرورة عدم خلوِّ عصر من هادي - للنبوَّة، وشأنه شأن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) في وجوب طاعته واتِّباعه بنحو التسليم المطلق لما يتمتَّع به من عصمة مطلقة وعلم غيب وولاية، فدمجت إمامته بين البُعد الدِّيني والبُعد السياسي ليكون مرجعاً دينيًّا وحاكماً سياسيًّا، وليس ذلك إلَّا مبالغة في تقديسه وقدراته وهو منازع لمقام الأُلوهيَّة وخاتميَّة النبوَّة.
لذا فـ (إنَّ المراجعة الدقيقة والموضوعيَّة للإمامة الإلهيَّة والمهدي الغائب والمنتظَر وما يلحقها من صفات وإضافات تُبيِّن أنَّها صنعها البشر نتيجة ظروف سياسية واجتماعيَّة دون أنْ يكون لها دليل شرعي أو فقهي واضح ومتواتر يَرقى ليجعلها في خانة الأُصول والعقائد، وعليه فإنَّه يُرفَض تكفير أيِّ مسلم أو فرقة لا تؤمن بها)(١١٦).
٢ - المبدأ التصوُّري للغلوِّ:
الغلوُّ في اللغة هو: (تجاوز الحدِّ، يُقال ذلك إذا كان في السعر غلاء)(١١٧).
الغلوُّ في القرآن: قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ (النساء: ١٧١).
الغلوُّ في الرواية: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يَهْلِكُ فِيَّ اِثْنَانِ وَلَا ذَنْبَ لِي: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَ مُبْغِضٌ مُفَرِّطٌ، وَأَنَا أَبْرَأُ إِلَى اَلله تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِمَّنْ يَغْلُو فِينَا وَيَرْفَعُنَا

-----------------

(١١٦) مأزق الإمامة في الفكر الإسلامي (ص ١٣ و١٤)؛ والعبارة ينقلها على لسان السيِّد الحيدري في مفاتيح عمليَّة الاستنباط الفقهي (ص ٤٣٥/ الموقع الرسمي للحيدري).
(١١٧) مفردات الراغب (ص ٣٦٤ و٣٦٥/ مادَّة غلا).

(٩١)

فَوْقَ حَدِّنَا كَبَرَاءَةِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ (عليه السلام) مِنَ اَلنَّصَارَى...، فَمَنِ اِدَّعَى لِلْأَنْبِيَاءِ رُبُوبِيَّةً وَاِدَّعَى لِلْأَئِمَّةِ رُبُوبِيَّةً أَوْ نُبُوَّةً أَوْ لِغَيْرِ اَلْأَئِمَّةِ إِمَامَةً فَنَحْنُ مِنْهُ بُرَءَاءُ فِي اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ»(١١٨).
إذن يُنتزَع من مجموع ذلك أنَّ تجاوز الحدِّ في أيِّ شيء يُدعى غلوًّا، أمَّا في الاصطلاح الدِّيني فالمقصود منه هو تجاوز حدود الحقيقة والمقام الفعلي للمخلوق، والغلوُّ في أهل البيت (عليهم السلام) هو الارتفاع بهم إلى مقام الأُلوهيَّة، أو تفويض أمر الخلق إليهم مستقلًّا، أو اعتبار النبوَّة مقاماً لهم.
وبعد قراءة المعنى المقصود من الغلوِّ والشبهة الواردة في حقِّ المهدويَّة، يُعلَم أنَّها تفترض التفويض الاستقلالي ممَّا يستدعي الأُلوهيَّة، وكذلك نسبة النبوَّة إليه لما تستدعيه الوظائف الموكلة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وكلاهما نحو صارخ من أنحاء الغلوِّ الفاسد، ولكن يَجدر الإثبات قبل دَعوى ثبوت الغلوِّ للعقيدة المهدويَّة.
بطلان شبهة الغلوِّ:
ولبيان ذلك نستعرض أمرين لا بدَّ من الوقوف عندهما:
أوَّلاً: المصادر المعرفيَّة للمهدويَّة:
بدايةً لا بدَّ من التأكيد على أنَّ هناك حقيقة يمكن للعقل بلوغها، وأنَّ الواقع واحد (إذ لا نقبل بالنسبيَّة)، وهو ما يُصيب تلك الحقيقة، والعقل قادر على تمييز الحقِّ من الباطل، والصحيح من الخطأ، والصدق من الكذب (وهي لوازم وصفات الواقع)، وذلك بعد استعانة العقل بمصادر زُوِّد بها الإنسان لكشف الخارج الأعمِّ من المحسوس وغيره، من قبيل (الحس والتجربة، والعقل ذاته - العملي والنظري -، والتاريخ والتراث - النقل -)، نعم إذا تمكَّن العقل

-----------------

(١١٨) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)(ج ٢/ ص ٢١٧/ باب ٤٦/ ح ١).

(٩٢)

من تشخيص واقع ببراهينه وقياساته المنطقيَّة ثمّ تخالَف النقل مع العقل القطعي، لزم تأويل المنقول ليوافق المعقول، وإلَّا ضُرِبَ به عرض الجدار، وإذا لم يتمكَّن العقل من التشخيص وعجز عنه، فلا معنى للاستناد إلى عدم فهم العقل لإنكار النقل، وذلك لتحقيق العقل المسبق بعصمة الوحي والمتحدِّث الشرعي بلسانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣ و٤).
إذن للمعرفة الدِّينيَّة منابع رصينة معتمدة لا يجوز التغافل عنها عند إنتاجها حقائق وإقرارها بها، ومن تلك الحقائق المنظومة المهدويَّة بمقاماتها وخصائصها وصفاتها الفريدة، ويتعيَّن الحديث عن مصادرها المعرفيَّة التي أنتجتها لينكشف براءتها من وصمة الغلوِّ.
وسنكتفي بذكر مصدرين معرفيَّين لضيق المقام:
المصدر المعرفي الأوَّل: الدليل العقلي:
يُعتبَر العقل قوَّة مدركة للكلّيَّات والتمييز والتذكُّر والكشف، وفي قبال ذلك إدراك الجزئي والمحسوس، فمتعلِّق إدراك العقل هو المدرك القطعي (سواء البديهي أو النظري)، ويخرج عنه المدرك الجزئي والظنِّي، ومساحة المعرفة العقليَّة:
(فيما يخصُّ العقل النظري) الحسن والقبح بمعنى الكمال والنقص أو المصلحة والمفسدة. والملازمات العقليَّة كوجوب شيء يستدعي وجوب مقدَّمته.
(وليس للعقل معرفة نفس الحكم الشرعي أو ملاكات الأحكام لتوقيفيَّة ذلك).
(وفيما يخصُّ العقل العملي) التأديبات الصلاحيَّة (بمعنى الحسن والقبح العقلي فيما يخصُّ الفاعل المختار المَدح أو الذمّ)، ويكون ذلك بعد الاعتماد على تحسين أو تقبيح مسبق للعقل النظري للمدرَك الكلِّي لا الجزئي، ويمكن للعقل

(٩٣)

العملي تحديد وظيفة المكلَّف عند فقدان الدليل بانتزاعها من قواعد مشرَّعة من الشارع المقدَّس كقاعدة دفع الضرر المحتمل، وقاعدة وجوب شكر المنعم، وقاعدة اللطف... إلخ.
وبذلك يتَّضح أنَّ مساحة إدراك العقل أضيق من مساحة الوحي الذي يمتدُّ باع إدراكه الماضي والحال والمستقبل فيكون حكم قضائه نافذاً وله تمام القيمة.
وفيما نحن فيه (من إثبات المقامات للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): علم الغيب، والعصمة، والولاية التكوينيَّة، وواسطة الفيض، وخلافة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)) لا يلزم المغالاة لأنَّها مقامات أثبتها الوحي له بنصوصه القطعيَّة ولم يمنعها العقل لأنَّها لا تُؤدِّي إلى التناقض أو التضادِّ، فلم يكن من بُدٍّ إلَّا التصديق بها بعدما أيقن مسبقاً - بالبرهان - بحكمة الصانع ولطفه وعصمة نبيِّه (صلَّى الله عليه وآله).
المصدر المعرفي الثاني: القرآن الكريم والسُّنَّة الشريفة:
الذي قال فيه (عزَّ من قائل): ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩).
فإنَّ ما فيه من بيان معارف وأهداف وغايات عَجِزَت عن نيلها يد التحريف والتغيير، ولذلك يُؤكِّد التعبُّد بآياته المباركات والتسليم لما جاء فيها من خلال اتِّباع النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وسُنَّته، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٣)، وقد جاء فيه (بنحو مباشر أو غير مباشر) ما يُثبت به المقامات للأئمَّة (عليهم السلام)، منها:
مقامات أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام):
١ - العصمة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤)،

(٩٤)

فلو لم يكن الإمام معصوماً لكان ظالماً لغيره أو لنفسه ولو في آنٍ من آنات حياته، وإذا كان كذلك صار ظالماً، وبهذا تبطل إمامته التي هي عهد إليه من الله تعالى.
٢ - علم الغيب: ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (آل عمران: ١٧٩)، وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجنُّ: ٢٦ و٢٧)، والآية المباركة تُثبِت علم الغيب لغيره سبحانه باجتبائه وارتضائه، وذلك حاصل لنبيِّه (صلَّى الله عليه وآله) بحكم الأفضليَّة، وقد ورد عنه (صلَّى الله عليه وآله): «مَا مِنْ أَرْضٍ مُخْصِبَةٍ وَلَا مُجْدِبَةٍ وَلَا فِئَةٍ تُضِلُّ مِائَةً وَتَهْدِي مِائَةً إِلَّا أَنَا أَعْلَمُهَا وَقَدْ عَلَّمْتُهَا أَهْلَ بَيْتِي»(١١٩).
وعن الإمام الرضا (عليه السلام) في جواب عمرو بن هذَّاب، حينما نفى عن الأئمَّة (عليهم السلام) علم الغيب متذرِّعاً بأنَّ الغيب لا يعلمه إلَّا الله تعالى، قال (عليه السلام): «أَوَلَيْسَ اَللهُ يَقُولُ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾؟ فَرَسُولُ اَلله عِنْدَ اَلله مُرْتَضَى، وَنَحْنُ وَرَثَةُ ذَلِكَ اَلرَّسُولِ اَلَّذِي أَطْلَعَهُ اَللهُ عَلَى مَا شَاءَ مِنْ غَيْبِهِ، فَعَلِمْنَا مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ»(١٢٠).
٣ - الولاية التكوينيَّة: وقد صرَّح بثبوتها القرآن الكريم لبعض أنبيائه وأصفيائه، كما في عيسى (عليه السلام) وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وكما في آصف بن برخيا وصيِّ سليمان (عليه السلام) حيث قالت الآية المباركة: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (النمل: ٤٠).
وقد ورد في الرواية عَنْ سَدِيرٍ، قَالَ:... دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَصِيرٍ وَمُيَسِّرٌ وَقُلْنَا لَهُ: جُعِلْنَا فِدَاكَ... نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ تَعْلَمُ عِلْماً كَثِيراً وَلَا نَنْسُبُكَ إِلَى عِلْمِ

-----------------

(١١٩) بصائر الدرجات (ص ٣١٧/ ج ٦/ باب ١٣/ ح ٣).
(١٢٠) الخرائج والجرائح (ج ١/ ص ٣٤٣/ ح ٦).

(٩٥)

اَلْغَيْبِ، قَالَ: فَقَالَ: «يَا سَدِيرُ، أَلَمْ تَقْرَأِ اَلْقُرْآنَ؟»، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَهَلْ وَجَدْتَ فِيمَا قَرَأْتَ مِنْ كِتَابِ اَلله (عزَّ وجلَّ): ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾؟»، قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَدْ قَرَأْتُهُ، قَالَ: «فَهَلْ عَرَفْتَ اَلرَّجُلَ؟ وَهَلْ عَلِمْتَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ اَلْكِتَابِ؟»، قَالَ: قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِهِ، قَالَ: «قَدْرُ قَطْرَةٍ مِنَ اَلمَاءِ فِي اَلْبَحْرِ اَلْأَخْضَرِ، فَمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ اَلْكِتَابِ...»، فَقَالَ: «... يَا سَدِيرُ، فَهَلْ وَجَدْتَ فِيمَا قَرَأْتَ مِنْ كِتَابِ اَلله (عزَّ وجلَّ) أَيْضاً: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]؟»، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ قَرَأْتُهُ، جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَالَ: «أَفَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتَابِ كُلُّهُ أَفْهَمُ أَمْ مَنْ عِنْدَه عِلْمُ اَلْكِتَابِ بَعْضُهُ؟»، قُلْتُ: لَا، بَلْ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتَابِ كُلُّهُ، قَالَ: فَأَوْمَأَ بِيَدِه إِلَى صَدْرِه وَقَالَ: «عِلْمُ الْكِتَابِ وَاَلله كُلُّهُ عِنْدَنَا، عِلْمُ اَلْكِتَابِ وَاَلله كُلُّهُ عِنْدَنَا»(١٢١).
٤ - واسطة الفيض(١٢٢).
٥ - خلافة النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله): لا تخفى الحاجة إلى استمرار الخلافة الإلهيَّة على عباده لصلاح أمرهم في بقاء دينه، ولذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ...﴾ (المائدة: ٦٧) إشارة واضحة إلى حاجة الرسالة إلى تتمَّة لتستمرَّ ثمرة النبوَّة وإلَّا ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ انعدمت قيمة التبليغ وآثاره.
ولذلك عندما تمَّ التنصيب الإلهي لخليفة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) جاء قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾ (المائدة: ٣) معبِّراً عن قيمة تلك الخلافة، إذ فيها كمال الدِّين وبلوغ الإسلام رضا الإله في تمثيل إرادته.

-----------------

(١٢١) الكافي (ج ١/ ص ٢٥٧/ باب نار فيه ذكر الغيب/ ح ٣).
(١٢٢) راجع (ص ٦٠) تحت عنوان: كونهم (عليهم السلام) واسطة في الفيض.

(٩٦)

ولا شكَّ أنَّ خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) هي عين خلافة الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، فجميعهم حقيقة واحدة، وعن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) في حديث المعراج: «يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي خَلَقْتُ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَاَلْحَسَنَ وَاَلْحُسَيْنَ وَاَلْأَئِمَّةَ مِنْ نُورٍ وَاحِدٍ...»(١٢٣).
وَعَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: لِمَ سُمِّيَتْ فَاطِمَةُ اَلزَّهْرَاءُ زَهْرَاءَ؟ فَقَالَ: «لِأَنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) خَلَقَهَا مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَقَتْ أَضَاءَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَاَلْأَرْضُ بِنُورِهَا، وَغَشِيَتْ أَبْصَارُ اَلمَلَائِكَةِ، وَخَرَّتِ اَلمَلَائِكَةُ سَاجِدِينَ، وَقَالُوا: إِلَهَنَا وَسَيِّدَنَا مَا لِهَذَا اَلنُّورِ؟ فَأَوْحَى اَللهُ إِلَيْهِمْ: هَذَا نُورٌ مِنْ نُورِي، أَسْكَنْتُهُ فِي سَمَائِي، خَلَقْتُهُ مِنْ عَظَمَتِي، أُخْرِجُهُ مِنْ صُلْبِ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِي، أُفَضِّلُهُ عَلَى جَمِيعِ اَلْأَنْبِيَاءِ، وَأُخْرِجُ مِنْ ذَلِكَ اَلنُّورِ أَئِمَّةً يَقُومُونَ بِأَمْرِي، يَهْدُونَ إِلَى حَقِّي، وَأَجْعَلُهُمْ خُلَفَائِي فِي أَرْضِي بَعْدَ اِنْقِضَاءِ وَحْيِي»(١٢٤).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «خَلْقُنَا وَاحِدٌ، وَعِلْمُنَا وَاحِدٌ، وَفَضْلُنَا وَاحِدٌ، وَكُلُّنَا وَاحِدٌ عِنْدَ اَلله (عزَّ وجلَّ)»(١٢٥).
وينبغي الإشارة إلى أنَّ المنهج الذي اتَّخذته الشيعة في تفسير القرآن يختلف عن المنهج الذي اتَّخذه أبناء العامَّة ممَّا أوجب اختلافاً في النتائج، فالشيعة ترى حجّيَّة أقوال النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وأقوال الأئمَّة (عليهم السلام) في تفسير القرآن، وذلك بمقتضى حديث الثقلين الثابت بالتواتر.
وبعد البيان المتقدِّم نستشفُّ أنَّ ما أثبتته الشيعة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وما أسَّسته من منظومة فكريَّة لم يكن نتاج وهمها وشهواتها، بل هو فرض ألزمتهم به السماء.

-----------------

(١٢٣) الغيبة للنعماني (ص ٩٥/ باب ٤/ ح ٢٤).
(١٢٤) عِلَل الشرائع (ج ١/ ص ١٧٩ و١٨٠/ باب ١٤٣/ ح ١).
(١٢٥) الغيبة للنعماني (ص ٨٨/ باب ٤/ ح ١٦).

(٩٧)

ثانياً: المقياس الموضوعي للغوِّ:
يعتمد وصف الغلوِّ على مقياس معيَّن ليُحدِّد موصوفه، فما هو ذلك المقياس الذي أُسِّس للفكرة المهدويَّة؟
إنَّ الاحتمالات المتصوَّرة فيه أربعة فقط:
أ - العرف وطبيعة الأشياء: فهل العرف مانع من تحقُّق تلك المقامات للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
ب - منزلة الصحابة: فهل ما عليه الصحابة من المنزلة مانع من تحقُّق منزلة أكبر للإمام (عجَّل الله فرجه)؟
ج - الكتاب والسُّنَّة: فهل الكتاب والسُّنَّة منع تلك المقامات للإمام (عجَّل الله فرجه)؟
إذن هل هذه الموارد الثلاثة منعت من تلك المقامات والخصائص ليكون الإيمان بها مغالاةً وفساداً عقديًّا منهيًّا عنه؟
وجوابه: أمَّا الأوَّل فإنَّ العرف لا يمنع من تحقُّق تلك المقامات للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، نعم العرف اللَّاديني يستبعد هذه الخصائص التي يمنحها الدِّين ويعتبرها نحواً من الأُسطورة والمبالغة غير المتعقلة.
وكما هو واضح فإنَّ العرف اللَّاديني لا يقبل كلَّ ما يأتي به الدِّين، إذن هكذا عرف لا يصلح للمقايسة والاعتماد عليه.
وأمَّا الثاني فيصحُّ فيما لو تمَّ إثبات (قرآني أو سُنَّتي) منزلة للصحابة لا تكون لغيرهم، وأنَّ الغلوَّ هو نسبتها إلى ذلك الغير، وهذا ما ليس موجوداً، لا في الواقع ولا في القرآن ولا في السُّنَّة، بل أكثر من ذلك فإنَّ بعض الصحابة فيهم الكثير من الأُمور السلبيَّة التي تحدَّث عنها القرآن الكريم ونطقت بها السُّنَّة الشريفة.
وما يقال من أنَّ القرآن والسُّنَّة ميَّزا عصر الصحابة وبيَّنا منزلتهم من

(٩٨)

خلال قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (الواقعة: ١٠ و١١)، والحديث الوارد عن لسان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قوله: «خَيْرُ اَلْقُرُونِ قَرْنِي»(١٢٦)، قلنا: إنَّ الآية الكريمة تفيد عكس ما فهمه هذا القائل، فهي تنصُّ بصريح العبارة على أنَّ الصحابة يتمايزون في الفضيلة، فمَنْ سبق إلى الإسلام له ميزة أسمى وأرقى ممَّن لم يسبقه، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (الحديد: ١٠). أمَّا حديث «خَيْرُ اَلْقُرُونِ قَرْنِي» فهو ضعيف سنداً، ولو سُلِّم به فالمقصود هو الجمع الكلِّي وليس فرداً فرداً. مضافاً إلى أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) لا يقاس بهم أحد ممَّن تقدَّم أو تأخَّر، «نَحْنُ أَهْلُ اَلْبَيْتِ لَا يُقَاسُ بِنَا أَحَدٌ»(١٢٧).
وأمَّا الثالث (الكتاب والسُّنَّة) فهو الأساس الصحيح في المقياس، وقد أثبتنا فيما سبق دلالتهما على مفارقة المعتقَد الإمامي للغلوِّ، بل إنَّهما يدعمان الفكرة المهدويَّة وأنَّها مترشِّحة منهما.
ثالثاً: الإمامة المهدويَّة أصل للدِّين، فلا مغالاة:
وقد عرَّفها الشيعة: (رئاسة عامَّة إلهيَّة لشخص من الأشخاص خلافة عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في أُمور الدِّين والدنيا، ويجب اتِّباعه على جميع الأُمَّة)(١٢٨).
واستدلُّوا عليها بأدلَّة كثيرة، منها:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا...﴾ (المائدة: ٥٥).

-----------------

(١٢٦) تفسير الأوراسي (ج ٤/ ص ٤٧٤).
(١٢٧) عِلَل الشرائع (ج ١/ ص ١٧٧/ باب ١٤١/ ح ٢).
(١٢٨) راجع: الإلهيَّات على هدى الكتاب والسُّنَّة والعقل (ج ٤/ ص ٨).

(٩٩)

٢ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ...﴾ (النساء: ٥٩).
٣ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ...﴾ (المائدة: ٦٧).
٤ - قول النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله): «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(١٢٩).
٥ - قول الباقر (عليه السلام): «بُنِيَ اَلْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى اَلصَّلَاةِ، وَاَلزَّكَاةِ، وَاَلصَّوْمِ، وَاَلْحَجِّ، وَاَلْوَلَايَةِ، وَلَمْ يُنَادَ بِشَيْءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلَايَةِ»(١٣٠).
وهذا المعنى وإنْ كان منحصراً بتعريف الشيعة إلَّا أنَّ الإمامة عند السُّنَّة ذات أهمّيَّة قصوى وإنْ لم تتَّصف بأنَّها من أُصول الدِّين، ولم يشترطوا فيها العصمة والعلم.
وهذه الأهمّيَّة نجدها واضحة في كلمات القوم:
١ - قال الماوردي في (الأحكام السلطانيَّة): (الإمامة موضوعة لخلافة النبوَّة في حراسة الدِّين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأُمَّة واجب بالإجماع)(١٣١).
٢ - وقال الجويني في (غياث الأُمَم في التياث الظُّلَم): (يجب أنْ يُنصَب للأُمَّة إمام يقوم بأمرهم، فإنَّ في تركهم سدًى تعطيلاً للأحكام وإهمالاً للحقوق)، ويقول: (إنَّ وجود الإمام أصل في الفقه السياسي الإسلامي، لكن وجوبه عقلي وشرعي وليس من أُصول الإيمان).

-----------------

(١٢٩) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩).
(١٣٠) الكافي (ج ٢/ ص ١٨/ باب دعائم الإسلام/ ح ١).
(١٣١) الأحكام السلطانيَّة (ص ٥).

(١٠٠)

ومن هنا يُعلَم أنَّ الإمامة أصل مهمٌّ في الإسلام باتِّفاق فِرَق الإسلام، وذلك من حيث كونها قيادة للمسلمين لتحقيق مقاصد الدِّين وهو إقامة العدل، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: ٢٥).
ولم يختلف المسلمون على هدف البعثة فكذلك في هدف الإمامة (وهو ما يرادف الخلافة)، نعم إنَّما الخلاف في مصداق الإمام وخصوصيَّة صفاته، وذلك غير الإمامة بالمعنى المشار إليه.
الشبهة الثالثة: خرافة المهدويَّة:
تقرير الشبهة:
يتحامَل لسان شبهة الخرافة بشدَّة على العقيدة المهدويَّة، وعلى الكثير من مفاصلها التأسيسيَّة لأُطروحتها بنحو الوحدة الموضوعيَّة، وبالبيان التالي:
إنَّ ما ذهبت إليه الفكرة المهدويَّة لا يبلغ حدَّ التصوُّر! إذ كيف يُسوِّغ العلم للإنسان بلوغ هذا العمر الطويل ثمّ يظهر قوي الجسم والبأس؟ شكيلاً يبدو عليه ذو الأربعين عاماً! لينطلق في إصلاح المجتمع البشري، قائماً بالقسط! والمفروض أنَّ إصلاح الأُمَّة لا يكون إلَّا بجهود مضنية وبعد سنوات طوال وليس بين يوم وليلة!
لا شكَّ أنَّها صناعة الوهم والخرافة لضغط الأماني والحاجة إلى المصلح والمنقذ!
ولذلك لم تسعف مداليل الروايات المستعان بها على تلك النتائج!
وأيضاً قد تكون حاجة في نفس يعقوب! إذ لا يمكن للفقيه فرض سيطرته الولايتيَّة إلَّا بعد إثبات إمامٍ بهذه المواصفات، ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٦)، وعن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) يوم غدير خُمٍّ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ

(١٠١)

فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ...»(١٣٢)، ممَّا اضطرَّ الفقيه إلى اختلاق فكرة المهدويَّة والغيبة ليكون وليًّا على نفوس وأموال المؤمنين.
ومن الواضح توجُّه الشبهة إلى أكثر من جانب، وإليك تفصيل ممنهج في دفعها:
معنى الخرافة:
لغةً: الحديث المستملح المكذوب.
اصطلاحاً: كلُّ عقيدة تنشأ على التسامح والوهم وتفتقد المعايير العلميَّة، فيمتنع العقل عن تصديقها، وبالتالي لا تُطابق الواقع.
ويقول العلَّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) فيها: (إنَّ الاعتقاد بالأشياء التي لم يتوصَّل العلم إلى حقيقتها وماهيَّتها، ولم يثبت صحَّتها، ولم يُعرَف أخيرٌ هي أم شرٌّ، خرافة محضة).
مناشئ التأسيس للخرافة:
١ - المنهج المعرفي الخاطئ: (بالرؤية السطحيَّة والساذجة وعدم اتِّباع المنهج العلمي البرهاني).
٢ - اختلال التوازن النفسي بين قدرة التعقُّل العلمي للأشياء والرغبة في التديُّن المُريح ممَّا يفسح الاستسلام للوهم والخرافة المعنون بالدِّين لسهولة الانتماء وتفضيلهما على التعقُّل الدِّيني العلمي والبرهاني للصعوبة، أو أنَّ اختلال التوازن يفضي إلى التشدُّد الدِّيني من خلال التعلُّق بأُمور لا تمتُّ إلى الواقع بصلة.
٣ - طبيعة البيئة البدائيَّة للمجتمع واللوازم المتعلِّقة بها تساهم في الاعتياد على تعطيل التفكير والتحليل العلمي والعقلي.

-----------------

(١٣٢) كتاب سُلَيم (ص ٣٦٢).

(١٠٢)

٤ - حُبُّ السلطة والسيطرة النفعيَّة قد تستدعي نشر الخرافة والخيالات لبسط سلطان التحكُّم بمقدَّرات الناس.
وما ذكرناه لا يصدق من أيِّ جهة على مراحل تأسيس المنظومة المهدويَّة، إذ إنَّها نشأت في أحضان الوحي الإلهي، وتناولتها فطاحل العقول النيِّرة ووعتها القلوب الطاهرة من أعلام المذهب لتتدارسها أروقة أهل المعرفة، بعيداً عن سلطان النفوذ والمال.
تحديد منافذ الشبهة:
تتميَّز المهدويَّة بواقعها الثبوتي (التكويني والاعتباري القانوني) وواقعها الإثباتي (الحاكويَّة والكشف المفهومي)، ولا بدَّ من توضيح ذلك مقابل التشكيك في الواقعين معاً، من خلال المفاهيم التجزيئيَّة لمقولة الشبهة، بالنحو التالي:
١ - العلم يرفض المهدويَّة.
٢ - فكرة الإمام الحيِّ (بالأُطروحة الإماميَّة) اخترعها الفقهاء لشرعنة تصرُّفاتهم الولايتيَّة.
٣ - ضعف النصِّ الدِّيني في دلالته على واقعيَّة المهدويَّة.
وإليك تصنيف ذلك:
أ - عدم ذكر شخصيَّة المهدي في القرآن الكريم رغم - دعوى - كونها شخصيَّة رفيعة المستوى.
ب - أنَّ ما ورد من أحاديث عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إنَّما ذكرها الإماميَّة بنحو المكاثرة، ولا كثرة حقيقيَّة وراءها، وتوضيح ذلك:
إنَّ طائفة من العلماء أنكروها، ممَّا يدلُّ أنَّها قضيَّة غير مسلَّم فيها.
ومنها: لم يأخذها مسلم والبخاري، ولم يُدخِلاها في كتابيهما، وذلك لعدم ثبوتها عندهما.

(١٠٣)

ومنها: عبارة عن أحاديث متناقضة، فقسم منها يُسمِّيه باسم الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وآخر يُسمِّيه باسم عبد الله، وقسم يقول: إنَّه رجل يُصلِحه الله في ليلة، وآخر يقول: يخرج هارباً من المدينة إلى مكَّة، وغير ذلك من المتناقضات، وهو دليل على الوضع.
ثمّ إنَّ عادة العلماء المحدِّثين والفقهاء المتقدِّمين، أنَّ بعضهم ينقل عن بعض الحديث تقليداً للسابق عنه، وكان الشافعي يقول للإمام أحمد: (إذا ثبت الحديث عندك فارفعه إليَّ حتَّى أُثبته في كتابي)، وكذلك سائر علماء كلِّ عصر، فإذا كان الأمر كذلك فلا عجب من انتشار أحاديث المهدي في كُتُب المعاصرين لخروج الحديث من كتاب إلى مائة كتاب، وانتقال الخطأ من عالم إلى مائة عالم.
وقد أثبت بعض العلماء من أبناء العامَّة ضعفها السندي ووضعها المتني، وخرج بالنتيجة التالية:
- الأحاديث التي ذُكِرَ فيها المهدي (١٠ أحاديث) لم تبلغ درجة الاحتجاج.
- الأحاديث المرفوعة غير المصرِّحة بالمهدي لا يصحُّ حملها على المهدي.
- الآثار الموقوفة على الصحابة المصرِّحة بالمهدي لم يصحّ منها شيء.
واحتجَّ الشيعة بـ (٥٣٠٣ رواية) مهدويَّة، ولكن الواقع فيه خلط، إذ تكون الرواية في كثير من الأحيان واحدة ولها طُرُق كثيرة جدًّا، وهذه الكثرة في الطبقات العليا مصدرها واحد أو اثنين فتعود في نهاية الأمر رواية واحدة، ويُدَّعى تواترها.
أمَّا الجواب على ما جاء في الشبهة بجميع تفاصيلها وتفرُّعاتها، فنقول:
١ - أنَّ البرهان على طول عمر الإمام (عجَّل الله فرجه) هو: القدرة الإلهيَّة، والإعجاز، والتأسِّي بالأنبياء (عليهم السلام)، ﴿فَلَوْ لَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى

(١٠٤)

يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصافات: ١٤٣ و١٤٤)، والعلم الحديث حيث كانت المعهودات التكنلوجيَّة كالموبايل والحاسوب وإلخ من المحالات والخيال العلمي قبل مئات السنين، فلم يدَّعِ أحد من علماء الطبيعة أنَّهم كشفوا المجهولات الكونيَّة، يقول البرفسور (أتينقر): (إنَّ الجيل الجديد كما آمن بالرحلات الفضائيَّة فإنَّه سيؤمن بأنَّ خلود الإنسان في الحياة الدنيويَّة ليس ببعيد).
٢ - أنَّ دعوى الأطماع والنفعيَّة من ترشيد الفكرة المهدويَّة إنَّما تُتصوَّر فيما لو توقَّفت الأدلَّة المختلفة على إثبات الحقيقة المهدويَّة، فإنَّ الدليل الفلسفي والقرآني والكلامي كـ (وجوب اللطف، وضرورة الإمامة لحفظ النظام) والدليل العلمي (دليل حساب تراكم الاحتمالات) كلُّها تُؤكِّد تلك الحقيقة، فلا معنى لدعوى اختلاقها من آخرين.
٣ - أمَّا ما ورد في ضعف دلالة النصِّ الدِّيني على حقيقة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فنرُدُّه على مستويين:
أ - الردُّ على عدم تصريح القرآن الكريم بشخصيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
إنَّ عدم ذكره (عجَّل الله فرجه) صراحةً في كتاب الله العزيز له مماثل، إذ لم يُذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) في القرآن الكريم، ولم يكشف منزلته التي يعتقد بها الشيعة صراحةً، حتَّى إنَّ البعض كان يسأل عن علَّة ذلك من الأئمَّة (عليهم السلام)، فقد جاء في (الكافي) بسند صحيح عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اَلله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فَقَالَ: «نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَاَلْحَسَنِ وَاَلْحُسَيْنِ (عليهم السلام)»، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ اَلنَّاسَ يَقُولُونَ: فَمَا لَهُ لَمْ يُسَمِّ عَلِيًّا وَأَهْلَ بَيْتِهِ (عليهم السلام) فِي كِتَابِ اَلله (عزَّ وجلَّ)؟ قَالَ: فَقَالَ: «قُولُوا لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) نَزَلَتْ عَلَيْه اَلصَّلَاةُ وَلَمْ يُسَمِّ اَللهُ لَهُمْ ثَلَاثاً وَلَا أَرْبَعاً حَتَّى كَانَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) هُوَ اَلَّذِي فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ اَلزَّكَاةُ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُمْ مِنْ

(١٠٥)

كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً دِرْهَمٌ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) هُوَ اَلَّذِي فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَنَزَلَ اَلْحَجُّ فَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ: طُوفُوا أُسْبُوعاً حَتَّى كَانَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) هُوَ اَلَّذِي فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَنَزَلَتْ: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ونَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ وَاَلْحَسَنِ وَاَلْحُسَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) فِي عَلِيٍّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاه فَعَلِيٌّ مَوْلَاه، وَقَالَ (صلَّى الله عليه وآله): أُوصِيكُمْ بِكِتَابِ اَلله وَأَهْلِ بَيْتِي...، وَقَالَ: لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ...»(١٣٣).
وهكذا الكلام في القضيَّة المهدويَّة، فهي وإنْ لم تُذكر بصراحة فيه بمعنى ذكر اسم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ومشخَّصاته إلَّا أنَّ هناك العشرات من الآيات المشيرة إلى أصل العقيدة المهدويَّة، وإذا أردفناها بما جاء عن أهل بيت الهدى والرحمة (محمّد وآل محمّد (عليهم السلام)) من الروايات والأحاديث الكثيرة اتَّضح جليًّا - بما لا يقبل اللبس - المقصود من تلك الآيات الكريمة واختصاصها بالعقيدة المهدويَّة.
وإليك بعضاً من تلك الآيات المباركات:
قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (لقمان: ٢٠)، وروي عن الإمام الكاظم (عليه السلام)، قال: «اَلنِّعْمَةُ اَلظَّاهِرَةُ اَلْإِمَامُ اَلظَّاهِرُ، وَاَلْبَاطِنَةُ اَلْإِمَامُ اَلْغَائِبُ... يَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِ اَلنَّاسِ شَخْصُهُ»(١٣٤).
وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ (النور: ٥٥)، قال الشيخ الطوسي (رحمه الله) نقلاً عن أهل البيت (عليهم السلام): إنَّ الآية تتحدَّث عن مهدي آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله)(١٣٥).
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً

-----------------

(١٣٣) الكافي (ج ١/ ص ٢٨٦ - ٢٨٨/ باب ما نصَّ اللهُ (عزَّ وجلَّ) ورسوله على الأئمَّة (عليهم السلام).../ ح ١).
(١٣٤) كمال الدِّين (ص ٣٦٨/ باب ٣٤/ ح ٦).
(١٣٥) تفسير التبيان (ج ٧/ ص ٤٥٧).

(١٠٦)

(البقرة: ١٤٨)، ففي (غيبة النعماني) بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «نَزَلَتْ فِي اَلْقَائِمِ (عليه السلام) وَأَصْحَابِهِ، يَجْتَمِعُونَ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ»(١٣٦).
وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القَصَص: ٥)، فقد ورد عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ: «هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ يَبْعَثُ اَللهُ مَهْدِيَّهُمْ بَعْدَ جَهْدِهِمْ فَيُعِزُّهُمْ وَيُذِلُّ عَدُوَّهُمْ»(١٣٧)(١٣٨).
ومن الملاحَظ وجود ملازمة لا تنفكُّ بين فهم القرآن الكريم والرجوع إلى النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) لتفسيره، وهي حقيقة أكَّد عليها القرآن الكريم: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٥١)، وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤)، وقد أرجع النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) الأُمَّةَ إلى أهل بيته (عليهم السلام) لاستمرار وظيفته: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ، أَمَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اَلله وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْضَ»(١٣٩)، فالعلاقة مطَّردة بين الكتاب والسُّنَّة للتفهيم وتفكيك عباراته وتأويلها، وهذا الترابط أمرٌ أقرَّ به حتَّى فقهاء من أبناء العامَّة:
١ - قال الشافعي: (كلُّ شيء خالف أمر رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) سقط ولا يكون معه رأي ولا قياس، فإنَّ الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، فليس لأحدٍ معه أمر ولا نهي غير ما أمر هو به)، وقال: (كلُّ ما حكم به رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) فهو ممَّا فهمه من القرآن...)(١٤٠).

-----------------

(١٣٦) الغيبة للنعماني (ص ٢٤٨/ باب ١٣/ ح ٣٧).
(١٣٧) الغيبة للطوسي (ص ١٨٤/ ح ١٤٣).
(١٣٨) راجع ويكي شيعة (قائمة آيات ذات صلة بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)) يذكر ٧٢ آية.
(١٣٩) بصائر الدرجات (ص ٤٣٣/ ج ٨/ باب ١٧/ ح ٣).
(١٤٠) قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث (ص ٥٤ و٥٩).

(١٠٧)

٢ - وقال أبو حنيفة: (لولا السُّنَّة ما فهم أحد منَّا القرآن)، وقال: (لم تزل الناس في صلاح ما دام فيهم مَنْ يطلب الحديث، فإذا طلبوا العلم بلا حديث فسدوا)(١٤١).
٣ - وقال الشوكاني: (إنَّ ثبوت حجّيَّة السنة المطهَّرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينيَّة، ولا يخالف في ذلك إلَّا مَنْ لا حظَّ له في دين الإسلام)(١٤٢).
إذن القرآن دستور عامٌّ لرسم معالم الإسلام، والسُّنَّة تُبيِّن الخطوط العريضة والتفصيليَّة فتأخذ دور التخصيص والتقييد والتفصيل.
ب - الردُّ على كون الأحاديث المهدويَّة لا كثرة حقيقيَّة وراءها:
لجهات:
الجهة الأُولى: نكران طائفة من العلماء لها - ممَّا يدلُّ أنَّها قضيَّة غير مسلَّمة عند جمهور الأعلام - وجوابه:
صرَّح جمع كثير من السُّنَّة والشيعة بتواتر الأحاديث الواردة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ومنهم: ابن أبي الحديد المعتزلي حيث قال: (قد وقع اتِّفاق الفِرَق من المسلمين على أنَّ الدنيا والتكليف لا ينقضي إلَّا عليه)(١٤٣).
وعن السيِّد أحمد بن السيِّد زيني دحلان، قال: (والأحاديث التي جاء فيها ذكر ظهور المهدي كثيرة متواترة، فيها ما هو صحيح، وفيها ما هو حسن، وفيها ما هو ضعيف وهو الأكثر، لكنَّها لكثرتها وكثرة رواتها وكثرة مخرجيها، يقوي بعضها بعضاً حتَّى صارت تفيد القطع، لكن المقطوع به أنَّه لا بدَّ من ظهوره، وأنَّه من ولد فاطمة، وأنَّه يملأ الأرض عدلاً)(١٤٤).

-----------------

(١٤١) قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث (ص ٥٢).
(١٤٢) إرشاد الفحول (ص ٣٣).
(١٤٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (ج ١٠/ ص ٩٦).
(١٤٤) الفتوحات الإسلاميَّة (ج ٢/ ص ٣٠٦).

(١٠٨)

وقال ابن حجر في (الصواعق): (قال أبو الحسين الآبري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى بخروجه، وأنَّه من أهل بيته، وأنَّه يملأ الأرض عدلاً، وأنَّه يخرج مع عيسى (على نبيِّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام) فيساعده على قتل الدجَّال...، وأنَّه يؤمُّ هذه الأُمَّة، ويُصلِّي عيسى خلفه)(١٤٥).
وهناك العديد من مصادر أبناء العامَّة التي تعجُّ بأخبار الإمام المهدي(عجَّل الله فرجه)، من قبيل: الأربعون حديثاً في المهدي لأبي نعيم الأصبهاني، العرف الوردي في أخبار المهدي للسيوطي، عقد الدُّرَر في أخبار الإمام المنتظَر ليوسف بن يحيى المقدسي، تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان للمتَّقي الهندي، المشرب الوردي في مذهب المهدي للملَّا عليٍّ القاري، القول المختصر في علامات المهدي المنتظَر لابن حجر الهيتمي، إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة لحمُّود بن عبد الله التويجري، المهدي المنتظَر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة لعبد العليم البستوي، المهدي وفقه أشراط الساعة لمحمّد أحمد إسماعيل المقدَّم، وغيرها من المصادر.
وهناك الكثير من المصادر الشيعيَّة التي تناولت الأخبار المهدويَّة بشكل تفصيلي أو ضمن موسوعات حديثيَّة ومن أبرزها: الغيبة للنعماني، كمال الدِّين وتمام النعمة للشيخ الصدوق، الغيبة للشيخ الطوسي، إلزام الناصب في إثبات الحجَّة الغائب للشيخ عليٍّ اليزدي الحائري، مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم للميرزا محمّد تقي الأصفهاني، منتخب الأثر في أحوال الإمام الثاني عشر للطف الله الصافي الكلبايكاني (وهو موسوعة شاملة جمعت الروايات حول الإمام المهدي من مصادر شيعيَّة وسُنّيَّة)، وهناك مصادر أُخرى.

-----------------

(١٤٥) الصواعق المحرقة (ص ١٦٧).

(١٠٩)

الجهة الثانية: عدم ذكر مسلم والبخاري لأخبار المهدي (عجَّل الله فرجه) لعدم ثبوتها عندهما، دليل على ضعف أخبار المهدي (عجَّل الله فرجه):
وجوابه: يأتي من عدَّة جهات:
أ - ما ورد في تدليس البخاري: فقد جاء عن أئمَّة الجرح والتعديل ذلك، كما في (ميزان الاعتدال) للذهبي: (البخاري كثيراً ما يقول في الحديث: قال فلان، عن فلان، ولم يُصرِّح بالسماع، وهذا نوع من التدليس)، وكذلك قال في (سِيَر أعلام النبلاء): (البخاري (رحمه الله) كان يُدلِّس، ولكن لا يقال: إنَّه كان يتعمَّد الكذب، إنَّما كان يروي الحديث بأُسلوبه المعروف...).
وورد عن ابن حجر العسقلاني في (مقدِّمة فتح الباري): (البخاري كثيراً ما يقول عن فلان ولم يُصرِّح بالسماع...).
وأيضاً ورد ذلك عن النسائي في كتابه (الضعفاء والمتروكين)، وابن عبد البرِّ في (التمهيد)، وابن تيميَّة في (منهاج السُّنَّة النبويَّة).
ب - تدليسه في السند: عُرِفَ عنه روايته عن شيخه محمّد بن يحيى الذهلي، وهو شخصيَّة جدليَّة، قال ابن القيسراني في كتابه (الجمع بين رجال الصحيحين) في ترجمة الذهلي: (روى عنه [أي الذهلي] البخاري في الصوم والطبِّ والجنائز والعتق وغير موضع...، أنَّ البخاري لـمَّا دخل نيسابور شَغَبَ عليه محمّد بن يحيى الذهلي في مسألة خلق اللفظ [القرآن]، وكان قد سمع منه فلم يترك الرواية عنه ولم يُصرِّح باسمه)(١٤٦).
وقال بدر الدِّين العيني: (وروى عن محمّد بن عبد الله هو الذهلي عنه في مواضع...، تارةً يقول: حدَّثنا محمّد ولا يزيد عليه...، وتارةً ينسبه إلى جدِّه

-----------------

(١٤٦) الجمع بين رجال الصحيحين (ج ٢/ ص ٤٦٥/ الرقم ١٧٨٧).

(١١٠)

فيقول: محمّد بن عبد الله، وتارةً: محمّد بن خالد بن فارس، ولم يقل في موضع: حدَّثنا محمّد بن يحيى)(١٤٧).
ج - التدليس في متن الحديث: ويذكر بعض الأعلام أنَّ البخاري كان يُقسِّم الحديث في مواضع مختلفة من الكتاب، ويُبقي بعض الأجزاء من الحديث في أماكن أُخرى، ويرويها بالمعنى، أو يُعبِّر عن بعض الكلمات بـ (كذا) أو يُبدِّلها بلفظ آخر.
وفي هذا الصدد صرَّح ابن حجر: (أنَّ البخاري كتبه من حفظه [أي رواية بالمعنى]، ولم يراعِ اللفظ كما عُرِفَ من مذهبه في تجويز ذلك)(١٤٨).
ونُقِلَ عن البخاري: (رُبَّ حديثٍ سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورُبَّ حديث سمعته بالشام كتبته بمصر)(١٤٩).
وكذلك أشار العسقلاني أنَّه (البخاري) يُخرِّج الحديث تامًّا بإسنادٍ واحدٍ بلفظين(١٥٠).
فإذا كان كذلك فكيف يُتصوَّر حال نقله للأخبار عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
د - إمساك البخاري عن خبر ليس دليلاً على عدم صحَّته:
قال البخاري: (لم أُخرِّج في هذا الكتاب إلَّا صحيحاً، وما تركتُ من الصحيح أكثر)(١٥١)، وذكر النووي أنَّ البخاري ومسلم لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صحَّ عنهما تصريحهما بأنَّهما لم يستوعباه(١٥٢).

-----------------

(١٤٧) عمدة القاري (ج ١/ ص ٥٠).
(١٤٨) فتح الباري (ج ٧/ ص ٣١٤).
(١٤٩) تاريخ بغداد (ج ٢/ ص ١١)؛ مقدَّمة فتح الباري (ص ٤٨٨).
(١٥٠) فتح الباري (ج ١٠/ ص ١٩٣).
(١٥١) مقدَّمة فتح الباري (ص ٥).
(١٥٢) شرح صحيح مسلم للنووي (ج ١/ ص ٢٤).

(١١١)

وقام الدارقطني والحاكم النيسابوري وأبو ذرٍّ الهروي بتحديد أحاديث صحيحة لم يذكرها البخاري ومسلم، رغم أنَّها ذات أسانيد صحيحة بالمعايير والشروط التي ذكراها، وكذلك ذكرا رواتها في مكان آخر من صحيحيهما، وبالتالي وثاقتهم عندهما محفوظة.
ولذلك عندما سأل ابنُ سفيان مسلمَ عن حديثٍ فأجابه: صحيح، فقال ابن سفيان: لِمَ لم تضعه في كتابك؟ فقال: ليس كلُّ صحيح وضعتُ هاهنا إنَّما وضعت ما أجمعوا عليه(١٥٣).
هـ - وجود أخبار المهدي (عجَّل الله فرجه) في الصحيحين:
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ اِبْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟»(١٥٤).
وهناك أحاديث تكشف شخصيَّة «إِمَامُكُمْ مِنْكُمْ»، عن عبد الله بن عمرو، قال: (المهدي الذي ينزل عليه عيسى بن مريم، ويُصلِّي خلفه عيسى (عليهما السلام))(١٥٥).
وعن ابن سيرين: (المهدي من هذه الأُمَّة، وهو الذي يؤمُّ عيسى بن مريم)(١٥٦).
وعن الكشميري: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ اِبْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟»، قال: (الواو فيه حالية، والمتبادر منه الإمام المهدي، فسُمِّي إماماً وعيسى (عليه السلام) حكماً عدلاً)(١٥٧).

-----------------

(١٥٣) إكمال المعلِّم (ج ١/ ص ٨١).
(١٥٤) صحيح البخاري (ج ٥/ ص ٤٠١/ ح ٣٠٨٧)؛ صحيح مسلم (ج ١/ ص ٩٤).
(١٥٥) الفتن للمروزي (ص ٢٣٠).
(١٥٦) المصنَّف لابن أبي شيبة (ج ٨/ ص ٦٧٩/ ح ١٩٥).
(١٥٧) فيض الباري (ج ٤/ ص ٤٠٥).

(١١٢)

وروى مسلم بسنده عن أبي الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعتُ النبيَّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يقول: «لا تزال طائفة من أُمَّتي يقاتلون على الحقِّ ظاهرين إلى يوم القيامة»، قال: «فينزل عيسى بن مريم (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) فيقول أميرهم: تعالَ صلِّ لنا، فيقول: لا، إنَّ بعضكم على بعض أُمراء تكرمة الله هذه الأُمَّة»(١٥٨).
وأُبهمت لفظة الأمير في بيان المعنيِّ منها، إلَّا أنَّه جاء مصرَّحاً في مصادر أُخرى على أنَّه (المهدي (عجَّل الله فرجه))، من قبيل:
قال ابن حجر الهيتمي: (وصحَّ مرفوعاً: «ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي: تعالَ صلِّ بنا، فيقول: لا، إنَّ بعضكم أئمَّة على بعض تكرمة الله هذه الأُمَّة»)(١٥٩).
وقال الألباني: (وأصل الحديث في صحيح مسلم (ج ١/ ص ٩٥) من طريق أُخرى عن جابر (رضي الله عنه)...، فالأمير في هذه الرواية هو المهدي في حديث الترجمة، وهو مفسِّر لها، وبالله التوفيق)(١٦٠).
الجهة الثالثة: التناقض الموجود في أخبار الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
قالوا: إنَّ الأحاديث المهدويَّة غير متَّفق على صحَّتها، كما أنَّها تختلف في المضامين أيضاً فبعضها تذكر: «وَاِسْمُ أَبِيهِ اِسْمُ أَبِي» بينما نجد البعض الآخر يذكر: «يُوَاطِئُ اِسْمُهُ اِسْمِي» فقط.
والجواب:
١ - ذكر العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في (البحار): (قال الكنجي: وقد ذكر الترمذي الحديث في جامعه ولم يذكر «وَاِسْمُ أَبِيهِ اِسْمُ أَبِي»، وذكره أبو داود، وفي

-----------------

(١٥٨) صحيح مسلم (ج ١/ ص ٩٥).
(١٥٩) الصواعق المحرقة (ص ١٦٤).
(١٦٠) سلسلة الأحاديث الصحيحة (ج ٥/ ص ٢٧٧ و٢٧٨).

(١١٣)

معظم روايات الحُفَّاظ والثقات من نقلة الأخبار «اِسْمُهُ اِسْمِي» فقط، والذي روى «وَاِسْمُ أَبِيهِ اِسْمُ أَبِي» فهو زائدة، وهو يزيد في الحديث، وإنْ صحَّ فمعناه: «وَاِسْمُ أَبِيهِ اِسْمُ أَبِي» أي الحسين، وكنيته أبو عبد الله، فجعل الكنية اسماً كنايةً عن أنَّه من وُلد الحسين دون الحسن، ويحتمل أن يكون الراوي توهَّم قوله: (ابني) فصَّحفه فقال: (أبي)، فوجب حمله على هذا جمعاً بين الروايات.
قال عليُّ بن عيسى (عفا الله عنه): أمَّا أصحابنا الشيعة فلا يُصحِّحون هذا الحديث لما ثبت عندهم من اسمه واسم أبيه (عليه السلام)، وأمَّا الجمهور فقد نقلوا أنَّ زائدة كان يزيد في الأحاديث، فوجب المصير إلى أنَّه من زيادته، ليكون جمعاً بين الأقوال والروايات)(١٦١).
٢ - معارضة هذا الحديث مع المتَّفق عليه في عقيدة الشيعة الإماميَّة من أنَّ اسم أبيه هو الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ولذا فقد ورد بالاتِّفاق ومن علماء الشيعة والسُّنَّة: «اِسْمُهُ اِسْمِي» فقط وليس فيه هذه الزيادة، وبذلك يسقط الحديث «اِسْمُ أَبِيهِ اِسْمُ أَبِي» عن الاعتبار، وينكشف أنَّه من وضع الوضَّاع، وفي نسبته إلى عاصم.
وأمَّا ما روي في بعض كُتُب علماء الطائفة كالشيخ الطوسي (رحمه الله): «اِسْمُ أَبِيهِ اِسْمُ أَبِي» فذلك يأتي من باب أمانة النقل عند علمائنا الأعاظم، فهم ينقلون الحديث الموجود وينسبونه إلى أصحابه من دون التلاعب فيه، كما أنَّه يمكن تأويله بعدَّة أُمور، منها: الخطأ في النسخ، فقد يكون المكتوب: (واسم أبيه اسم ابني) وليس (أبي)، ولكنَّها صُحِّفت إلى (أبي) إمَّا من النُّسَّاخ وإمَّا من المغرضين الذين ادَّعوا المهدويَّة كالعبَّاسيِّين والحسنيِّين، وهنالك تأويلات أُخرى يمكن مراجعتها في كُتُب علمائنا الذين تعرَّضوا لشرح هذا الحديث.

-----------------

(١٦١) بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٨٦).

(١١٤)

الجهة الرابعة: التناقضات في بعض الأحاديث:
قالوا: هنالك تناقض وتنافر بين الحديث القائل: «يُصْلِحُهُ اَللهُ فِي لَيْلَةٍ»(١٦٢)، وبين حديث: «فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اَلمَدِينَةِ هَارِباً إِلَى مَكَّةَ»(١٦٣)، فكيف يجتمع صلاح حاله مع خروجه هارباً؟
الجواب: لا تناقض بين الروايتين، حيث إنَّ كلّاً منهما تتناول مرحلة من مراحل الظهور المبارك.
فرواية الهروب تعكس جانباً ممَّا قبيل الظهور العلني، حيث يبدأ بحالة من التخفِّي والاضطرار للخروج من المدينة لتكون مكَّة بداية الإعلان عن الظهور وتحصيل البيعة.
والرواية الأُخرى تشير إلى التأهيل الإلهي المفاجئ، فإنَّه سبحانه يُهيِّئ الظروف والمحيطين به (عجَّل الله فرجه) بالإصلاح ليكون قادراً على قيادة الأُمَّة وتحقيق العدالة.
هل أنَّ أخبار المهدي (عجَّل الله فرجه) قليلة؟
يحاول البعض التقليل من الأحاديث الواردة في العقيدة المهدويَّة، وينسب الكثرة إلى التناقل فيما بين الأعلام، فهي ليست كثرة حقيقيَّة، وبالتالي هي غير متواترة، فلا يمكن الاستناد عليها في أمر عقائدي.
الجواب:
تُعتبَر المنهجيَّة التي اعتمدها الأعلام في التعامل مع أخبار المهدي (عجَّل الله فرجه)، كانت بنحو المتابعة الدقيقة التامَّة لها من جميع جهات الضبط فيها، فقد بلغ مَنْ حقَّق في الأخبار قديماً وحديثاً من الكثرة التي تمنع التشكيك في نتائجها.

-----------------

(١٦٢) كمال الدِّين (ص ١٥٢/ باب ٦/ ح ١٥).
(١٦٣) سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٣١٠/ ح ٤٢٨٦).

(١١٥)

ووفق بعض الإحصاءات: فإنَّ مَنْ كتب وحقَّق في هذا المضمار كان من أساطين العلم والأجلَّاء، فمن علماء السُّنَّة:
الحافظ أبو نعيم، والسيوطي الشافعي، والحافظ ابن كثير، وعليٌّ المتَّقي صاحب (كنز العُمَّال)، وابن حجر في (القول المختصر في علامات المهدي المنتظَر)، ومرعي الحنبلي في كتابه (فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظَر)، والقاضي محمّد الشوكاني في مؤلَّفه (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظَر والدجَّال والمسيح)، وغيرهم من الأعلام.
وكذلك الحال في أعلام الشيعة، وقد صدَّروا عشرات الكُتُب والرسائل قديماً وحديثاً، من قبيل: الشيخ الكلبايكاني في كتابه (منتخب الأثر في أحوال الإمام الثاني عشر)، والشيخ اليزدي الحائري، ونجم الدِّين العسكري في (المهدي الموعود المنتظَر (عليه السلام) عند علماء أهل السُّنَّة والإماميَّة)، ومحمّد عليّ دخيل... إلخ.
فكان المنهج المتَّبع عند هذه الكوكبة من الأعلام هي مناقشة دعاوى المنكرين لأخبار المهدي (عجَّل الله فرجه) والأدلَّة النقليَّة، فأثبتوا صحَّة أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) من طريق السُّنَّة والشيعة على السواء، وتعدُّد طُرُق الرواية، وكثرة الرواة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين من المذاهب الإسلاميَّة.
وعند التقصِّي والإحصاء بلغ الصحابة من رواة حديث المهدي (٢٦ راوياً)، و(٣٨ إماماً) أخرج الأحاديث، وكان من هؤلاء: أبو داود في (سُنَنه)، والترمذي في (جامعه)، والنسائي في (سُنَنه)، وأحمد في (مسنده)، والصنعاني في (مصنَّفه)، والطبراني في (المعجم الكبير) و(الأوسط)، والبيهقي في (دلائله)، وابن عساكر في (تاريخه)، وغيرهم.
وقد عمد الباحثون المتقدِّمون والمتأخِّرون إلى إثبات تواتر أحاديث

(١١٦)

المهدي (عجَّل الله فرجه)، من قبيل: البرزنجي في (الإشاعة لأشراط الساعة) حيث يتناول هذا الكتاب دراسة شاملة لعلامات الساعة، وتناول في الباب الثالث منه الأشراط الكبرى التي لم تظهر بعد، فذكر المؤلِّف خروج الدجَّال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، ثمّ ظهور المهدي (عجَّل الله فرجه)، وفي هذا السياق يتعرَّض لأخبار المهدي بذكر الروايات التي تستعرض نَسَب المهدي وصفاته وظهوره، (فجمع المؤلف الأحاديث المتعلِّقة بكلِّ علامة مع ذكر مصادرها).
وكذلك كان الشوكاني في كتابه (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظَر والدجَّال والمسيح)، فهو يتناول دراسة تحليليَّة للأحاديث والآثار المتعلِّقة بالمهدي المنتظَر مع التركيز على تواترها وصحَّتها، فيستعرض الأخبار الواردة فيه (عجَّل الله فرجه) مبيِّناً تواترها وصحَّتها ويُؤكِّد أنَّها أحاديث متواترة بلا شكٍّ أو شبهةٍ، وتستحقُّ وصف التواتر وفقاً للمصطلحات الأُصوليَّة.
وبعد ذلك كيف يمكن الالتفات إلى شبهة عدم الكثرة الحقيقيَّة وعدم تواترها وضعفها في الاحتجاج بها... إلخ من الخزعبلات والأساطير التي يتقزَّز العقل من تصوُّرها فضلاً عن تعقُّلها، فإنَّ النفس النقيَّة تتنفَّر من الجهل والضلال.

* * *

(١١٧)

ونبحث فيه حول ثلاثة محاور ومقدِّمة:
مقدِّمة: في بيان الآراء حول (نهاية التاريخ، نهاية الكون، نهاية العالم):
تُطلَق هذه المصطلحات ويكون المقصود منها تارةً نهاية الوجود البشري على الأرض ونهاية الحياة في عالم الدنيا والانتقال إلى عالم الآخرة، وتارةً يكون المقصود منها نهاية صراع الحضارات في الأرض، والنتيجة المرسومة للحركة البشريَّة منذ خلق الخليقة وإلى ما قبل فناء الأرض ومَنْ عليها.
والأوَّل وإنْ كان ليس هو محلُّ بحثنا إلَّا أنَّه يمكن الإشارة إليه من خلال:
سيناريوهات الانفجار العظيم:
يصل البعض إلى فكرة اليأس من وصول البشريَّة إلى غاية واضحة توافق الأمل الإنساني في تحقيق العدالة والاستقرار الهنيء في الاجتماع الإنساني، ممَّا يدفعها إلى القول ببقاء الاضطرابات الراهنة وصراع الحضارات ومحاولة غلبة إحداها على الأُخرى حتَّى وقوع النهاية الطبيعيَّة لما ابتدأه الكون وفق أحدث تفسير له بـ (الانفجار العظيم)، إذ تشير العلوم الطبيعيَّة إلى ضرورة أُفول نجم تلك البداية العظيمة بحَدَث مسانخ لها وبنحو الانطواء والنهاية، فكانت الفرضيَّات العلميَّة المتصوَّرة بالنحو التالي:
١ - التمزُّق العظيم: وتعتقد بصيرورة أجزاء الذرَّة - المكوِّن الرئيسي في تكوين المادَّة - إلى عدم القدرة على التماسك وداعوية التشتُّت والتفرُّق والتمزُّق، بسبب تساوي كثافة الكون لكثافته الحرجة، فإنَّه مستمرٌّ بالتوسُّع المتسارع ممَّا

(١٢١)

يدفع بالمجرَّات بعيداً بعضها عن البعض الآخر بسرعة فائقة، وسيفقد سرعته تدريجيًّا حتَّى إذا أصبحت كثافته أعظم سيتوقَّف توسُّعه ويبدأ الكون بالانهيار على نفسه.
٢ - التجمُّد العظيم: ويُسمَّى أيضاً بـ (موت الحرارة)، حيث تتشتَّت الحرارة بسبب سرعة توسُّع الكون ثمّ يستمرُّ الكون بالبرود حتَّى تصفرَّ الحرارة في جميع أجزاء الكون، ممَّا يُعجِز أجزاء الكون على الوصول إلى موادِّها الخامِّ لتستمرَّ بالعمل وعندئذٍ يموت الكون وينتهي.
٣ - الانسحاق العظيم: إذ يصبح معدِّل كثافة الكون كافياً لإيقاف التوسُّع وتبدأ عمليَّة الانهيار الذاتي، ويعتمد هذا السيناريو على الطبيعة الهندسيَّة المغلقة (كسطح كرة للكون)، وقد يكون سبب هذا الانقلاب إمَّا انقلاب في تأثير التوسُّع الحالي للمادَّة المظلمة، أو كنتيجة للجاذبيَّة التي تجمع الزمكان إلى نقطة واحدة.
٤ - الشفط العظيم: ويمكن توضيح الفكرة بتشبيه الكون بفقَّاعة في إناء من الماء المغلي ممَّا يُمكِّن الفقَّاعات الأُخرى أنْ يصطدم بعضها بالآخر فينتج نهاية الفقَّاعة، فكذلك الكون إذا صار المبنى على صيرورة الكون المشهود جزء من أكوان متعدِّدة.
فيبقى المعنى الثاني لـ (نهاية التاريخ) هو المقصود من كلامنا في هذا البحث.
ويمكن القول: إنَّ مصطلح النهاية ناظرٌ إلى النقطة التي يصل فيها الوضع العالمي لينتهي من أفكار وأيديولوجيَّات ونزاعات ويبدأ على أساس صيغة أخيرة وشاملة لتاريخ البشر للاتِّجاه نحو عالميَّة التكامل والاتِّفاق والحكم الواحد، (فهي النتيجة والأُمور النهائيَّة التي ستؤول إليها الأُمَّة والإنسانيَّة).

(١٢٢)

وعلى ضوء ذلك نرصد معنى النهاية في الفكر الدِّيني واللَّاديني بالنحو التالي:
١ - نهاية العالم في اليهوديَّة(١٦٤): ويُقصَد به آخر الأيَّام، وهو يشير إلى مجموعة المعتقدات والآراء الخاصَّة بما سيحدث في آخر الأيَّام أو الأزمان، سواء ما يتعلَّق منها ببني إسرائيل، أو بالعالم، أو بالإنسانيَّة جميعاً.
٢ - نهاية العالم في المسيحيَّة(١٦٥): الأُخرويَّات أو العقيدة عن الأُمور الأخيرة، يعني: الأفكار السائدة عن أيِّ حقبة من نهاية العالم، (المجيء الثاني والمصير الأبدي للبشر)، وسنتكلَّم عن ذلك.
٣ - نهاية العالم في الإسلام: وتتبلور في تيَّارين (السُّنِّي والشيعي)، وقد جاء وصف النهاية في الفكر الإسلامي كوصف ليوم القيامة الذي عبَّر عنه القرآن الكريم في لفيفٍ من آياته، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (طه: ١٥)، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٤)، وقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرضُ أَثْقَالَهَا﴾ (الزلزلة: ١ و٢)، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرضُ دَكًّا دَكًّا﴾ (الفجر: ٢١).
فهناك مراحل ومواصفات مهولة يذكرها كتاب الله العزيز في تأكيد نهاية الدنيا والتحذير ممَّا بعد ذلك لمدخليَّة عمل الإنسان في تحديد ما يمكن أنْ يلقاه فيه، إلَّا أنَّ الفكر الإسلامي حمل أيضاً أحداثاً تسبقُ الساعة يمكن وصفها

-----------------

(١٦٤) مجلَّة البحوث العلميَّة والدراسات الإسلاميَّة (مجلَّد ١٥/ العدد ٢/ ص ٢٠٩/ نهاية العالم في اليهوديَّة والمسيحيَّة - الملك الألفي أُنموذجاً).
(١٦٥) دائرة المعارف الكتابيَّة (ج ١/ ص ٩٧)/ مجلَّة البحوث العلميَّة والدراسات الإسلاميَّة.

(١٢٣)

بالانقلاب التاريخي الذي سيشهد أحداثاً كونيَّة استثنائيَّة وغير كونيَّة منشأها ظهور المنقذ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مع اختلاف لقراءتين - الشيعة والسُّنَّة - لشخصيَّته وأوصافه ووظائفه (عجَّل الله فرجه).
وهذه هي رؤية المنهج الأصيل للفكر الإسلامي، وأمَّا ما يخصُّ التيَّار التنويري (الحداثوي) المعاصر، فسنذكره ضمن البحث القادم(١٦٦).
٤ - نهاية التاريخ في غير الأديان السماويَّة - بالعنوان السابق(١٦٧) -:
وتمخَّض ضمن مراحل تاريخيَّة يمكن تقسيمها بالنحو التالي:
١ - التاريخ القديم: الذي قدَّم فيه أفلاطون(١٦٨) نظريَّة (المدينة الفاضلة) والتي تعتمد على تأسيس المجتمع البشري على المُثُل والقِيَم والفطرة، فتكون تعاملاتهم مبنيَّة على التفاهم وقبول الآخر وتبادل المنافع بالعمل المشترك على أساس الوظائف المحدَّدة لكلِّ فئة دون تنازع وتنافر، واعتماد مبدأ الملكيَّة العامَّة، ليشترك الجميع في عنوان الوحدة الإنسانيَّة.
٢ - التاريخ الحديث: وكانت فكرة نهاية التاريخ تترنَّح حول حكومة القانون الوضعي لحسم الصراعات البشريَّة والسيطرة عليها بهيمنته على أُسُس أيديولوجيَّة معيَّنة، وفي ذلك قُدِّمت أُطروحات تختار كلٌّ منها أيديولوجيَّة تناسبها:

-----------------

(١٦٦) يأتي في البحث الثامن (ص ٢١٣).
(١٦٧) ويشمل الفكر التنويري الدِّيني والفكر الوضعي غير الدِّيني وقد يشتركان كما في فكر (إيمانوئيل كانط)، والفكر الليبرالي.
(١٦٨) أفلاطون: وهو فيلسوف وأديب وقانوني يوناني (٤٢٧ - ٣٤٧ ق.م)، وقد أسَّس أكاديميَّة خاصَّة للأعمال الفلسفيَّة، ووضع تصوُّراً ممنهجاً لبعض المفاهيم وعلاقتها مع علم الميتافيزيقيا كـ (الأخلاق، وعلم النفس)، وتوسَّع أيضاً في مجالات أُخرى غير الفلسفة كالنواحي الرياضيَّة والعلميَّة.

(١٢٤)

- يقول (إيمانوئيل كانط): (المشكلة الكبرى للنوع الإنساني والتي أرغمته الطبيعة على أنْ يجد لها حلّاً هي الوصول إلى تكوين مجتمع مدني يحكمه قانون عامٌّ)(١٦٩).
- ويقول (هيجل): (إنَّ الهدف النهائي للعالم هو وعي حرّيَّة الروح...)، وهي عبارة عن تشييد النظام الاجتماعي على العقل ومن منطلق الحرّيَّة للإنسان.
- ويعتقد (ماركس): أنَّ النهاية الصحيحة إنَّما تنعقد بالفكر الشيوعي وإزاحة الرأسماليَّة، حيث تختفي الطبقات، ومن ثَمَّ يختفي الصراع ولا توجد حاجة إلى الدولة، بل تستحوذ الطبقة الشعبيَّة لإدارة الأشياء تحت عنوان الأُمَّة الواحدة.
٣ - التاريخ المعاصر: ويمكن تمثيل (نهاية التاريخ) في هذه المرحلة على النحو التالي:
أ - وفق دعوى المنظِّر المعاصر (فوكاياما)(١٧٠) القائل: (إنَّه قد ظهر توافق مدهش في السنوات الأخيرة يتعلَّق بالديمقراطيَّة الليبراليَّة كنظام حكم، لأنَّها اقتصرت على الأيديولوجيَّات المنافسة - كالنظام الملكي الوراثي والفاشيَّة وأخيراً الشيوعيَّة -، لقد أشرتُ فضلاً عن ذلك إلى أنَّ الديمقراطيَّة الليبراليَّة بإمكانها أنْ تُشكِّل فعلاً (منتهى التطوُّر الأيديولوجي للإنسانيَّة)، و(الشكل النهائي لأيِّ حكم إنساني)، أي إنَّها من هذه الزاوية نهاية التاريخ)(١٧١)، ويظهر جليًّا أنَّ العالم يتَّجه نحو التسليم إلى العلمانيَّة الليبراليَّة لتكون الخيار الأفضل الوحيد للبشريَّة.

-----------------

(١٦٩) نظرة في التاريخ العامِّ بالمعنى العالمي (ص ١٦١/ النظريَّة الخامسة).
(١٧٠) فوكاياما: عالم وفيلسوف واقتصادي سياسي، وهو أُستاذ جامعي أمريكي، اشتهر بكتابه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) الصادر عام (١٩٩٢م).
(١٧١) نهاية التاريخ والإنسان الأخير (ص ٢٣).

(١٢٥)

المحور الأوَّل: المشتركات بين الأديان السماويَّة حول المنقذ في نهاية المسيرة البشريَّة وما يقابلها من النظريَّات:
تشترك الأديان السماويَّة مع ما يقابلها من الفكر الوضعي - باستثناء البعض(١٧٢) - في قبول المخلِّص والمنقذ الذي سيتَّجه بالمجتمع العالمي نحو الأمن والاستقرار وإحقاق الحقِّ والعدالة فيه، نعم تمثَّل المخلِّص في الأديان السماويَّة بالرجل الصالح الذي يأتي في آخر الزمان والذي يُحقِّق ما ذكرناه سابقاً من الاستقرار والعدالة، بينما نجد ما يقابل هذا في النظريَّات الوضعيَّة أنَّ المحقِّق للعدالة والاستقرار هو الأيديولوجيَّات الفكريَّة والمناهج الوضعيَّة - كالليبراليَّة أو الشيوعيَّة -.
فيكون العنوان المشترك الجامع بين الأديان السماويَّة والنظريَّات الوضعيَّة هو:
١ - ضرورة بلوغ نهاية التاريخ غاية الكمال للإنسان - وإنِ اختلفوا في مصداقه -.
٢ - ضرورة ظهور المصلح - وإنِ اختلفوا في مصداقه - لتحقيق ذلك الهدف.
٣ - الفلسفة من ظهور المصلح وهي تحقيق النظام والانضباط وفرض الحقوق والواجبات، وهناك العديد من النصوص المختلفة المرشِّحة لهذه الأفكار.
وإليك بعض النصوص الدالَّة على ذلك:
جاء في سِفر التكوين: (أمَّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أُباركه وأُثمره وأُكثِّره كثيراً جدًّا، اثني رئيساً يلد، وأجعله أُمَّة كبيرة)(١٧٣).

-----------------

(١٧٢) ذكرنا ذلك في سيناريوهات الانفجار العظيم (ص ١٢١).
(١٧٣) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ٢٥/ سفر التكوين/ الإصحاح ١٧/ النصُّ ٢٠).

(١٢٦)

وجاء في التوراة في سِفر إشعياء: (يخرج قضيب من جذع يسى، وينبت غصن من أُصوله، ويحلُّ عليه روح الربِّ، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوَّة، روح المعرفة ومخافة الربِّ، ولذَّته تكون في مخافة الربِّ، فلا يقضي بحسب نظر عينيه، ولا يحكم بحسب سمع أُذُنيه، بل يقضي بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض...)(١٧٤).
وفي إنجيل لوقا: (وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم، وعلى الأرض كرب أُمَم بحيرة، البحر والأمواج تضجُّ، والناس يُغشى عليهم من خوف وانتظار ما يأتي على المسكونة، لأنَّ قوَّات السماوات تتزعزع، وحينئذٍ يُبصِرون ابن الإنسان آتياً في سحابة بقوَّة ومجد كثير، ومتى ابتدأت هذه تكون فانتصبوا وارفعوا رؤوسكم لأنَّ نجاتكم تقترب)(١٧٥).
وقد وردت فقرات كثيرة في العهد القديم تُبشِّر بالمنقذ، وما نذكره إنَّما هو نزرٌ من قليل: (בראשית ٤٩ -١٠: לא יסור שבט מיהודה ומחקק מבין רגליו עד כי –יבוא שלוה ולו יקהת עמים)، وترجمة الآية بحسب المصادر العبريَّة: (لا يزول الحاكم والمشرِّع من نسل يهوذا حتَّى يأتي الذي له تخضع الشعوب).
وجاء في (صحيح البخاري) في باب نزول عيسى بن مريم (عليه السلام) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ اِبْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟»(١٧٦).
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يَقُولُ: «اَلمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي

-----------------

(١٧٤) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٠٠٥/ سفر إشعياء/ الإصحاح ١١/ النصُّ ١ - ٤).
(١٧٥) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ١٣٦/ إنجيل لوقا/ الإصحاح ٢١/ النصُّ ٢٥ - ٢٨).
(١٧٦) صحيح البخاري (ج ٥/ ص ٤٠١/ ح ٣٠٨٧).

(١٢٧)

مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ»(١٧٧).
وقال ابن القيِّم: (إنَّه رجلٌ من أهل بيت النبيِّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) من ولد الحسن بن عليٍّ [(عليه السلام)] يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً، وأكثر الأحاديث على هذا تدلُّ)(١٧٨).
وعن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله): «لَا تَذْهَبُ اَلدُّنْيَا حَتَّى يَقُومَ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ اَلْحُسَيْنِ يَمْلَؤُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»(١٧٩).
وعنه (صلَّى الله عليه وآله) أيضاً: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اَللهُ ذَلِكَ اَلْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ اَللهُ فِيهِ رَجُلاً مِنِّي - أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي - يُوَاطِئُ اِسْمُهُ اِسْمِيَ وَاسْمُ أَبِيهِ اِسْمَ أَبِي يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»(١٨٠).
المحور الثاني: فوارق نظريَّات الأديان حول المنتهى:
١ - المنقذ في الدِّين الإسلامي:
لـمَّا كان تمخُّض الفكر الإسلامي في تيَّارين (السُّنِّي والشيعي) اقتضت المنهجيَّة العلميَّة الانتهاء من المقارنة بينهما أوَّلاً لترشيح أحدهما ممثِّلاً للإسلام ومعنوناً به، ثمّ إجراء المفارقات بينه وبين المسيحيَّة واليهوديَّة.
فما هي تلك المميِّزات بين المدرستين (السُّنّيَّة والشيعيَّة) في بيان شخصيَّة المنقذ؟

-----------------

(١٧٧) سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٣١٠/ ح ٤٢٨٤)؛ وسُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص ١٣٦٨/ ح ٤٠٨٦)، وفيه: «المهدي من وُلد فاطمة»؛ وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع الصغير (ج ٢/ ص ١١٤٠/ ح ٦٧٣٤).
(١٧٨) المنار المنيف (ص ١٥١).
(١٧٩) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ٢/ ص ٧١/ باب ٣١/ ح ٢٩٣).
(١٨٠) مشكاة المصابيح (ج ٣/ ص ١٥٠١/ ح ٥٤٥٢).

(١٢٨)

المشتركات بين المدرستين في المهدويَّة:
قد أشرنا سابقاً إلى المشتركات الرئيسيَّة بين الأديان، ويُضاف إلى ذلك اشتراك أبناء العامَّة مع الشيعة في نَسَب المنقذ للاعتقاد بنبوَّة نبيِّ الإسلام محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، فقد ورد في مصادرهم: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَلله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يَقُولُ: «اَلمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ»(١٨١).
وقال الخطَّابي: (العترة ولد الرجل لصلبه)(١٨٢).
وقد ورد في أحد مصادرهم: (اعلم أنَّ أحاديث المهدي بلغت حدَّ التواتر المعنوي، وهو اتِّفاق الأحاديث في المعنى مع اختلاف في اللفظ، وهو قسيم التواتر اللفظي.
واعلم أنَّنا متعبِّدون بالإيمان بالمهدي، وبما صحَّ من اسمه ونَسَبه، وصفاته وبمبايعته ونحن أحياء.
وقد يُعكِّر على هذه المسألة، وهي خروج المهدي، حديث: «لا مهدي إلَّا عيسى بن مريم»، فكيف الجمع بين هذا وذاك؟
فيُجاب عن ذلك: بأنَّ حديث «لا مهدي إلَّا عيسى» حديث ضعيف، وعلى فرض صحَّته يكون معنى الحديث: أي لا مهدي كامل إلَّا عيسى، ولا شكَّ أنَّ عيسى (عليه السلام) أكمل في الهداية من المهدي، فيكون النفي المراد في الحديث نفي كمال، لا نفي وجود، هذا مع افتراض سلامة الحديث...)(١٨٣).

-----------------

(١٨١) سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٣١٠/ ح ٤٢٨٤)؛ وسُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص ١٣٦٨/ ح ٤٠٨٦)، وفيه: «المهدي من وُلد فاطمة»؛ وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع الصغير (ج ٢/ ص ١١٤٠/ ح ٦٧٣٤).
(١٨٢) معالم السُّنَن (ج ٤/ ص ٣٤٤).
(١٨٣) الصراط السويِّ في سؤالات الصحابة للنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) لأبي البراء محمّد بن عبد المنعم آل علاوة.

(١٢٩)

ولهذا نجد أنَّ المسلمين جميعاً يعتقدون بضرورة خروج مهدي آخر الزمان، ويمكن أنْ يُستدلَّ عليه بأدلَّة قرآنيَّة وروائيَّة كثيرة متَّفقٌ على أكثرها بين الفريقين، كقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القَصَص: ٥).
وهي (تُوضِّح قانوناً كلّيًّا لجميع العصور والقرون ولجميع الأُمَم والأقوام...، فهي بشارة في صدد انتصار الحقِّ على الباطل والإيمان على الكفر...)(١٨٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
(كلمة الأرض تُطلَق على مجموع الكرة الأرضيَّة، وتشمل كافَّة أنحاء العالم، إلَّا أنْ تكون هناك قرينة خاصَّة في الأمر...، [و]ظاهر كلمة الأرض عندما تُذكر بشكل مطلق تعني أرض هذا العالم.
ولفظ الإرث... يعني انتقال الشيء إلى شخص بدون معاملة...، وقد استُعمِلَت هذه الكلمة في القرآن أحياناً بمعنى تسلُّط وانتصار قوم صالحين على قومٍ طالحين والسيطرة على مواهبهم...)(١٨٥).
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ (النور: ٥٥).
وهناك آيات أُخَر يمنع ضيق المقام من استعراضها، وإليك أيضاً بعض الروايات المباركات في هذا السياق:

-----------------

(١٨٤) تفسير الأمثل (ج ١٢/ ص ١٧٥).
(١٨٥) تفسير الأمثل (ج ١٠/ ص ٢٥٥).

(١٣٠)

عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله): «إنَّ هذا الأمر لا ينقضي حتَّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة... كُلُّهم من قريش»(١٨٦).
وعنه (صلَّى الله عليه وآله): «يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها مَلَك ينادي: هذا خليفة الله المهدي فاتَّبعوه»(١٨٧).
وعنه (صلَّى الله عليه وآله): «... تُرفَع رايات سود في المشرق، فيسألون الحقَّ فلا يُعطَونه، ثمّ يسألونه فلا يُعطَونه، فيقاتلون فينصرون، فمَنْ أدركه منكم ومن أعقابكم فليأتِ إمام أهل بيتي ولو حبواً على الثلج، فإنَّها رايات هدى يدفعونها إلى رجلٍ من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملك الأرض، فيملؤها قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(١٨٨).
أمَّا ما يرتبط بالفوارق:
بعد أنْ ذكرنا المهمَّ من المشتركات بين الفريقين نتعرَّض إلى ذكر بعض الفوارق بينهما.
فالإماميَّة (أعلى الله كلمتهم) ارتبطوا بشخص المهدي ارتباطاً عقديًّا يتضمَّن منظومة متكاملة متناسقة مترابطة تُؤلِّف بمجموعها عنوان الإمامة ليكون أصلاً لمذهبهم وتترتَّب عليه جملة من اللوازم العمليَّة والعقائديَّة.
فالفارق الجوهري بين الشيعة والسُّنَّة في قضيَّة المنقذ ونهاية التاريخ هو أنَّ ذلك المنقذ يُمثِّل الإمامة (القائمة على أدلَّة عقليَّة ونقليَّة في جميع شؤوناتها، فليُراجَع علم الكلام للوقوف على ذلك).

-----------------

(١٨٦) صحيح مسلم (ج ٦/ ص ٣).
(١٨٧) الفصول المهمَّة لابن الصبَّاغ (ج ٢/ ص ١١١٧).
(١٨٨) عقد الدُّرَر (ص ١٢٤).

(١٣١)

المنقذ في العقيدة الإماميَّة:
نستعرض هنا بعض المقامات والمناصب التي يجب الاعتقاد بها في المنقذ (الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)) في العقيدة الشيعيَّة، ومنها:
١ - الإمامة: بمعنى أنَّ ذلك المنصب ثابت بالتعيين الإلهي وإخبار السماء، وليس بالاختيار والانتخاب البشري، والذي يُمثِّل الزعامة وقيادة المجتمع خلافة عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في شؤون الدِّين والدنيا.
٢ - العصمة: فمن شروط الإمامة الحصانة من كلِّ ذنب وخطأ وسهو ونسيان وبنحو الإطلاق، فهو خليفة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) في التبليغ وبيان التشريع وهداية الناس (فهو المرجع العلمي والأخلاقي)، فيتعيَّن أنْ يكون مصوناً من الذنب والخطأ حتَّى يعتمد الناس عليه، ويتوقَّف ذلك على عصمته المطلقة، ومع عدم ذلك نقض لغرض المولى تبارك وتعالى، ويجلُّ عن ذلك لحكمته.
٣ - الأفضليَّة: وهي إحدى الشروط الأساسيَّة للإمام، إذ إنَّ كلَّ الكمالات النفسيَّة والبدنيَّة كـ (التقوى والشجاعة والكرم... إلخ من الفضائل) وبأعلى مراتبها متوفِّرة فيه دون غيره، «لَا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله) مِنْ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلَا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً...»(١٨٩)، فتقديم مَنْ هو دونهم قبيح عقلاً، مضافاً إلى الأدلَّة النقليَّة على ذلك.
٤ - العلم اللَّدُنِّي: فإنَّ الإمام (عليه السلام) بالإضافة إلى ما يأخذه عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) (بنحو مباشر أو غير مباشر) فإنَّ له مصدراً آخر للعلم يُلقى إليه بنحو الإلهام والتحديث.
٥ - الحجّيَّة: فإنَّ قوله (عليه السلام) وفعله وتقريره حجَّة على كلِّ مسلم، وله لزوم الطاعة والتسليم كما لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى

-----------------

(١٨٩) نهج البلاغة (ص ٤٧/ الخطبة ٢).

(١٣٢)

يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء: ٦٥).
٦ - الخاتميَّة: تلاحق نظريَّة الإماميَّة في المنقذ منظومة متكاملة متناسقة من المواصفات الذاتيَّة للمنقذ، وهي عين التركيبة الملاحَظة عندهم في نبيِّ الإسلام (صلَّى الله عليه وآله)، إذ لماذا كان النبيُّ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء؟ وماذا تُمثِّل وتعني الخاتميَّة؟ وما هي مزايا هذا الخاتم عن غيره ليتولَّى هو دون غيره الخاتميَّة؟ فهل يمكن تصوُّر الخاتميَّة منحة إلهيَّة عشوائيَّة، أو هي حِكميَّة؟ وهل تمَّت تنشئتها وفق تخطيط إلهي مسبق أو أنَّ الظروف الطبيعيَّة اتِّفاقاً أنشأتها؟
إنَّ النتائج المعرفيَّة لهذه الاستفهامات هي عينها تأتي في المهدويَّة لتُمثِّل الفارق الجوهري بين الفكر الشيعي وغيره مطلقاً، إذ نعتقد أنَّ الإمام خليفة النبيِّ في جميع مقاماته وشؤوناته ومهامِّه ما خلا الوحي.
فالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو خاتم الأوصياء، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْعَلَوِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي طَرِيفٌ أَبُو نَصْرٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام)، فَقَالَ: «عَلَيَّ بِالصَّنْدَلِ اَلْأَحْمَرِ»، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَتَعْرِفُنِي؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، فَقُلْتُ: أَنْتَ سَيِّدِي وَاِبْنُ سَيِّدِي، فَقَالَ: «لَيْسَ عَنْ هَذَا سَأَلْتُكَ»، قَالَ طَرِيفٌ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِيَ اَللهُ فِدَاكَ، فَبَيِّنْ لِي، قَالَ: «أَنَا خَاتَمُ اَلْأَوْصِيَاءِ، وَبِي يَدْفَعُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) اَلْبَلَاءَ عَنْ أَهْلِي وَشِيعَتِي»(١٩٠).
ثلاثة استفهامات رئيسة لمعرفة معنى الخاتميَّة:
من خلال هذه الاستفهامات الآتية سيتَّضح بشكل جلي معنى خاتميَّة النبوَّة والخاتميَّة المهدويَّة.

-----------------

(١٩٠) كمال الدِّين (ص ٤٤١/ باب ٤٣/ ح ١٢).

(١٣٣)

الاستفهام الأوَّل: ما هو المقصود من الخاتميَّة للنبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) في الفكر الشيعي؟
خاتم النبيِّين: أي آخرهم فلا نبيَّ بعده، وقُرِئَ بكسر التاء بمعنى أنَّه ختمهم، فهو خاتم أي آخر، وبالفتح بأنَّهم خُتِمُوا به، فهو كالخاتم والطابع لهم.
كما يمكن أنْ يكون المراد من الخاتميَّة هو أنَّه (صلَّى الله عليه وآله) ختم كلَّ المقامات وبلغ نهاية الكمال فيها، وهذا لا ينافي المعنى الأوَّل.
وتُستعمَل الخاتمية كوصف، ومتعلَّقها يمكن أنْ يكون: (الدِّين، النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله)، العلم بالشريعة، الوصاية).
أ - فإذا جاءت وصفاً للدِّين ليُعنى بها خاتميَّة الشريعة الإسلاميَّة لبقيَّة الشرائع كونها أكملها، وأنَّها استوعبت جميع المناحي المعرفيَّة وغيرها والتفاصيل المرتبطة بالإنسان.
ب - وإذا كان موصوفها النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) فمدلولها كونه (صلَّى الله عليه وآله) أكمل البشريَّة من حيث المعرفة بعالم الغيب، ولذلك كانت له الولاية العامَّة على كلِّ عالم الإمكان، وبلوغه نهاية الكمال (بمعنى أعلى درجات الكمال الإمكاني).
ولا يعني ذلك انقطاعه (صلَّى الله عليه وآله) عن الكمال، فقد ورد في تراثنا الشيعي أنَّه (صلَّى الله عليه وآله) يزداد دائماً وأبداً، غاية الأمر أنَّ نهاية الكمال - بالمعنى المتقدِّم - لا تشير إلى نهاية الرقيِّ والتطوُّر بحدِّ ذاته، بل تُعبِّر عن الصورة المثالية للإنسان الذي يتَّصف بالسموِّ الداخلي والتجلِّي الكامل بلحاظ الدنيا حيث بلغ (صلَّى الله عليه وآله) أعلى درجات الرقيِّ الإمكاني، أمَّا بلحاظ الآخرة فهو في تكاملٍ مستمرٍّ لا ينقطع.
ج - ويمكن أنْ ترتبط الخاتميَّة بالعلم بالشريعة المحمّديَّة، فهي أكمل الشرائع وخاتمتها، وعلى يد أكمل الخلائق والقائم على أسرار الخلق وأسرار التشريع بما ينسجم مع أسرار التكوين، إلَّا أنَّ العلم بذلك لم يتوقَّف عنده (صلَّى الله عليه وآله)، بل امتدَّ منه إلى الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام).

(١٣٤)

ويظهر ذلك من الروايات الشريفة، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّا لَوْ كُنَّا نُفْتِي اَلنَّاسَ بِرَأْيِنَا وَهَوَانَا لَكُنَّا مِنَ اَلْهَالِكِينَ، وَلَكِنَّهَا آثَارٌ مِنْ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) أَصْلُ عِلْمٍ نَتَوَارَثُهَا كَابِرٌ عَنْ كَابِرٍ، نَكْنِزُهَا كَمَا يَكْنِزُ اَلنَّاسُ ذَهَبَهُمْ وَفِضَّتَهُمْ»(١٩١).
وأيضاً ورد عنه (عليه السلام) في رواية صحيحة عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ:... ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، وَإِنَّ عِنْدَنَا اَلْجَامِعَةَ، وَمَا يُدْرِيهِمْ مَا اَلْجَامِعَةُ»، قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَمَا اَلْجَامِعَةُ؟ قَالَ: «صَحِيفَةٌ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً بِذِرَاعِ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) وَإِمْلَائِهِ مِنْ فَلْقِ فِيهِ وَخَطِّ عَلِيٍّ بِيَمِينِهِ، فِيهَا كُلُّ حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَكُلُّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ اَلنَّاسُ إِلَيْه حَتَّى اَلْأَرْشُ فِي اَلْخَدْشِ...»(١٩٢).
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام): أَخْبِرْنِي عَنِ اَلْعِلْمِ اَلَّذِي تَعْلَمُونَهُ أَهُوَ شَيْءٌ تَعَلَّمُونَهُ مِنْ أَفْوَاهِ اَلرِّجَالِ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أَوْ شَيْءٌ مَكْتُوبٌ عِنْدَكُمْ مِنْ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)؟ فَقَالَ: «اَلْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اَلله (عزَّ وجلَّ) فِي كِتَابِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]؟»، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَلَمَّا أَعْطَاهُ اَللهُ تِلْكَ اَلرُّوحَ عَلِمَ بِهَا، وَكَذَلِكَ هِيَ إِذَا اِنْتَهَتْ إِلَى عَبْدٍ عَلِمَ بِهَا اَلْعِلْمَ وَاَلْفَهْمَ»، تَعَرَّضَ بِنَفْسِهِ (عليه السلام)(١٩٣).
إنَّ علم الأئمَّة إضافةً إلى تعليم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إليهم، فإنَّ لهم علماً لدنّيًّا وبنحو ما تذكره بعض الروايات عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «عَلِمَ اَلنَّبِيُّ عِلْمَ جَمِيعِ اَلنَّبِيِّينَ وَعِلْمَ مَا كَانَ وَعِلْمَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى قِيَامِ اَلسَّاعَةِ»، ثُمَّ قَالَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ عِلْمَ اَلنَّبِيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وَعِلْمَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ قِيَامِ اَلسَّاعَةِ»(١٩٤).

-----------------

(١٩١) بصائر الدرجات (ص ٣١٩ و٣٢٠/ ج ٦/ باب ١٤/ ح ٣).
(١٩٢) الكافي (ج ١/ ص ٢٣٨ و٢٣٩/ باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة.../ ح ١).
(١٩٣) بصائر الدرجات (ص ٤٧٩/ ج ٩/ باب ١٧/ ح ٣).
(١٩٤) بصائر الدرجات (ص ١٤٧/ ج ٣/ باب ٦/ ح ١).

(١٣٥)

إذن العلم بالتشريع اختتم بالنبيِّ وآله معاً ولم ينحصر به (صلَّى الله عليه وآله).
د - وأيضاً يُتصوَّر متعلَّقها بالوصيِّ أو الوليِّ، فإذا قُيِّدت خاتميَّة الوصاية بخاتم أوصياء الأنبياء كان الإمام عليٌّ (عليه السلام) هو الخاتم كون النبيِّ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء ووصيُّه أمير المؤمنين (عليه السلام) فيكون الخاتم بهذا اللحاظ، وإنْ كان المنظور هو الإمامة والخلافة الإلهيَّة كان الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو الخاتم، وهو المعنيُّ بهذا المقام، وذكرنا في بداية الحديث رواية تدعم ذلك، وسيأتي مزيد من التفصيل في ذلك.
الاستفهام الثاني: ما هو المقصود من الخاتميَّة في حقِّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
ورد في الزيارة الجامعة المرويَّة عن الإمام عليٍّ الهادي (عليه السلام): «مَوَالِيَّ لَا أُحْصِي ثَنَاءَكُمْ، وَلَا أَبْلُغُ مِنَ اَلمَدْحِ كُنْهَكُمْ، وَمِنَ اَلْوَصْفِ قَدْرَكُمْ، وَأَنْتُمْ نُورُ اَلْأَخْيَارِ، وَهُدَاةُ اَلْأَبْرَارِ، وَحُجَجُ اَلْجَبَّارِ، بِكُمْ فَتَحَ اَللهُ وَبِكُمْ يَخْتِمُ...»(١٩٥)، فما المقصود من الخاتميَّة في حقِّ الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه)؟
أشرنا إلى معنى الخاتميَّة في النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله) بمعنى الأكمل، والذي بلغ أعلى المقامات بأسرها، وهو معنى يتضمَّن كون الحقيقة المحمّديَّة أو (الروح المحمّديَّة) أصل الحياة في الوجود، والمنبع الذي يستمدُّ الأنبياء والأولياء منه وجودهم وعلومهم، وأنَّه (صلَّى الله عليه وآله) أكمل البشريَّة في معرفة أسرار السماء، ولذلك جُعِلَت الولاية له على أكمل الشرائع، وذلك كونه الأعلم والأقدر بالإحاطة بأسرار التكوين، فلا يصدر عنه تشريعٌ إلَّا وهو مطابق لتلك الأسرار الواقعيَّة التكوينيَّة.
فالدعوى على أساس أنَّ الباري سبحانه لعلمه وحكمته نظَّم مشروعاً متكاملاً لهداية الإنسان - النوعي - إلى أكمل المراتب، ولتوضيح ذلك نقول:

-----------------

(١٩٥) من لا يحضره الفقيه (ج ٢/ ص ٦١٥/ ح ٣٢١٣).

(١٣٦)

الفرق بين صفة العلم والحكمة الإلهيَّة:
بدايةً ينبغي التمييز أوَّلاً: بين صفتي العلم والحكمة للباري سبحانه، حيث إنَّ الذات المقدَّسة من حيثيَّة هو عالمٌ بما كان وما يكون، وكلٌّ ثابت في اللوح المحفوظ المطابق لعلمه سبحانه، ومن حيثيَّة أُخرى هو حكيم فهو منزَّه عن فعل ما لا ينبغي(١٩٦).
وقد وصف نفسه في كتابه العزيز: ﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (النور: ١٨)، فالعلم يغاير الحكمة.
وثانياً: إنَّما كانت شريعة الإسلام هي الخاتمة - وذكرنا معنى الخاتميَّة فيها سابقاً - وذلك لأنَّه رُوعي فيها العنصر المرحلي لتطوُّر البشريَّة في مداركهم واستعداداتهم المعرفيَّة والعقليَّة والنفسيَّة والروحيَّة، ليكونوا قادرين ومؤهَّلين لاستقبالها، ولذلك مرَّت الشرائع السماويَّة بأطوار حتَّى نضجت بشريعة الإسلام، فكانت الخاتمة للشرائع، فيتناسب رقيُّها مع التطوُّر البشري(١٩٧).
وهاهنا ينقدح السؤال التالي:
ما هو الملاك في اختيار الحامل لهذه الشريعة؟
المحتملات المتصوَّرة أربعة:
أ - فهل هي الصدفة التي لم تقترن بالعلم والحكمة؟
ب - أو العلم الإلهي غير الحكمي؟

-----------------

(١٩٦) التصديق بهذه الصفة مبنيٌّ على القول بالتحسين والتقبيح العقلي، قال تعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (النساء: ٢٦)، وفيه دلالة على أنَّ العلم غير الحكمة، وفُسِّرت الحكمة بمعنيين:
الأوَّل: الحكيم هو المتقن فعله ويُدبِّر باتِّزان.
الثاني: الحكيم هو المنزَّه عن فعل ما لا ينبغي.
(١٩٧) ويتمسَّك بهذه النظريَّة أبناء العامَّة، إذ طرحوا المصداق المهدوي مجرَّداً عن الدواعي الحكميَّة في اصطفائه، وسيظهر ذلك بوضوح عند بيان مواصفات المهدي (عجَّل الله فرجه) وفق قراءتهم.

(١٣٧)

ج - أو الحكمة الإلهيَّة بمعيَّة العلم بحيثيَّة ظرفيَّة؟
د - أو الحكمة الإلهيَّة بمعيَّة العلم بحيثيَّة تقييديَّة؟
وتسقط الاحتمالات الثلاثة الأُولى، لمحذور نسبة الجهل والعبثيَّة للباري (جلَّ وعلا) في الأوَّل، ومحذور العبثيَّة في فعله سبحانه في الثاني، وإنْ كانت صفة العلم محفوظة، وقد دلَّت الأدلَّة العقليَّة والنقليَّة على تنزُّه فعله عن العبث.
وأمَّا الثالث فيلازمه الجبر، وذلك للاعتقاد بأنَّه سبحانه رغم علمه بحاجة البشريَّة للشريعة الأكمل، وأنَّ حاملها سيكون نبيُّ الإسلام محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، وكلُّ الجزئيَّات المتعلِّقة بذلك، إلَّا أنَّ حكمته استدعَت اختيار النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) حاملاً للشريعة بجعله ظرفاً لتمرير حكمته وعلمه ليس إلَّا، أي بلا مميِّزات وخصوصيَّة ذاتيَّة للنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) في ذلك، بل تمام الملاك هو إرادة المولى، وقد وقع قرار الاختيار عليه فجعله قادراً على حمل رسالته ليكون «شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، وَمَوْضِعُ اَلرِّسَالَةِ، وَمُخْتَلَفُ اَلمَلَائِكَةِ، وَبَيْتُ اَلرَّحْمَةِ، وَمَعْدِنُ اَلْعِلْمِ»(١٩٨).
أمَّا الرابع من الاحتمالات فهو الراجح، إذ يُدفَع به جميع المحاذير الآنفة، فشخص النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) هو الوسيلة لتبليغ وحمل الشريعة (التي رُوعي فيها المقامات الاستعداديَّة لحملها، إذ كان لكلِّ نبيٍّ إناءه ومكنته النفسيَّة ومواهبه الذاتيَّة لتحمُّل وظيفته، والمرحلة التي يتعيَّن عليه رفع ثقلها وأعبائها)، فكل ذلك منظور للحكمة الإلهيَّة، فلم يكن ترشيح الأنبياء (عليهم السلام) على امتداد الخطِّ التاريخي بقطعه الزمنيَّة النبويَّة عبثيًّا أو جبريًّا عند اختيار شخوص الأنبياء (عليهم السلام)، إلَّا بما يناسب استعداداتهم الذاتيَّة في تمثيل وظائفهم المناطة بهم، وإلَّا كان ترجيحاً بلا مرجِّح، وهو مخالف للحكمة الإلهيَّة.

-----------------

(١٩٨) الكافي (ج ١/ ص ٢٢١/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) معدن العلم.../ ح ٢).

(١٣٨)

وحتَّى وصلت المرحلة البشريَّة إلى النضج وبلوغ قدرة استقبال الشريعة الأكمل (وهي الخاتمة للشرائع) كان لزاماً أنْ يتصدَّى لتبليغها النبيُّ الأكمل والأقدر على إدراكها ومعرفتها والوقوف عليها بعلمه الحضوري، فكانت النبوَّة بنحو الخاتمة، فالخاتميَّة من الطرفين (الشريعة والنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)) لتحقيق المسانخة بينهما، فهو (صلَّى الله عليه وآله) الوجود المتَّصل بعالم الغيب على جميع الدرجات، فما من درجة من الاتِّصال الغيبي إلَّا وثبتت له (صلَّى الله عليه وآله)، فهو الفاتح لأيِّ اتِّصال يأتي، ومن أمثلة ذلك ما يَرِدُ على قلوب الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) من علوم شهوديَّة، وهو الخاتم الحائز على جميع تلك المراتب.
وما قلناه في خاتميَّة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) المترشَّح من العلم الإلهي والحكمي بحيثيَّته التقييديَّة يأتي في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فهو تجلِّي من التجلّيات التي لا تُحصى للحقيقة المحمّديَّة، فكان (عجَّل الله فرجه) الخاتم للأولياء، والذي تتجلَّى فيه على أكمل تمثيل وبنحو يظهر فيه الإرث المحمّدي ظهوراً تامًّا (إرثاً مباشراً) لعلم الباطن والظاهر على السواء، فكلُّ ما ذكرناه في معنى الخاتميَّة والحكميَّة للنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) والمرحليَّة التطوُّريَّة للبشريَّة يأتي في الخاتميَّة المهدويَّة، نعم النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) خاتم الولاية العامَّة بالأصالة، والمهدي (عجَّل الله فرجه) خاتم الولاية العامَّة بالتبع.
وأمَّا الاستفهام الثالث: هل يتعارض معنى الخاتميَّة المهدويَّة مع مقامات آبائه (عليهم السلام)؟
قد نصَّت الروايات الشريفة على أفضليَّة أمير المؤمنين (عليه السلام) على سائر الأئمَّة (عليهم السلام)، من قبيل ما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): «عَلِيٌّ أَوَّلُنَا، وَأَفْضَلُنَا، وَخَيْرُنَا بَعْدَ اَلنَّبِيِّ (صلَّى الله عليه وآله)»(١٩٩).

-----------------

(١٩٩) الكافي (ج ١/ ص ٢٢٩/ باب أنَّه لم يجمع القرآن كلَّه إلَّا الأئمَّة (عليهم السلام).../ ح ٦).

(١٣٩)

وعن الصادق (عليه السلام): «اِعْلَمْ أَنَّ أَمِيرَ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَفْضَلُ عِنْدَ اَلله مِنَ اَلْأَئِمَّةِ كُلِّهِمْ، وَلَهُ ثَوَابُ أَعْمَالِهِمْ، وَعَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهمْ فُضِّلُوا»(٢٠٠).
وجوابه:
ذكرنا أنَّ هناك مشروعاً إلهيًّا بمقتضى العلم الإلهي والحكمة الإلهيَّة، رعايته من خلال الشريعة أوَّلاً والحامل لهذه الشريعة ثانياً، فلم يكن جزافاً تعدُّد الشرائع حتَّى بلوغها الإسلام من جهة، وتمثيل حامليها - النبيُّ والأئمَّة (عليهم السلام) - بشخوصهم وفي مراحل مختلفة من جهة أُخرى، ونلتزم بأنَّ لكلِّ إمام وظيفة تقتضيها مرحلته لا يمكن لغيره تمثيلها، وذلك لذاتيَّاته الخاصَّة به والتي كانت منطلقاً للحكمة الإلهيَّة في اصطفائه لتلك الوظيفة، وإلَّا كان ترجيحاً بلا مرجِّح، وهو مخالف للحكمة.
ولـمَّا بلغت البشريَّة خلال (فترة الغيبة) النضج الفكري والنفسي والاستعدادي لاستيعاب شريعة كاملة عميقة المفاهيم والمعالم يلازم ذلك نحو وليٍّ لها يسانخ ذلك الكمال والنضج، ومن هنا كان ابتلاء الغيبة بلحاظ شخصيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
إذ إنَّ الغيبة فيها جنبتان ضمن التخطيط الإلهي: جنبة البلاء المهدوي لترشيحه لمنصب الخاتميَّة، وجنبة بلاء الأُمَّة، فمقام الخاتميَّة البالغ بمعارفه الكمال الأوج استدعى بلوغ الأُمَّة مستوى صاعداً لتتحمَّل منه الفيض، وفي الغيبة توفير ظرف ذلك النضوج للأُمَّة.
فلا شكَّ في بلوغ المهدويَّة أعلى مكنة لاستحقاق أفضل مقام، وهذا هو ما نعتقده في مقام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(٢٠١) إلَّا ما أخرجه النصُّ من أفضليَّة أمير

-----------------

(٢٠٠) الكافي (ج ٤/ ص ٥٨٠/ باب فضل الزيارات وثوابها/ ح ٣).
(٢٠١) وسيأتي مزيد تأكيد على المراد من الأفضليَّة المهدويَّة في (ص ٣١١).

(١٤٠)

المؤمنين (عليه السلام) باعتباره نفس رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وعموم أصحاب الكساء الخمسة لعشرات الروايات في أفضليَّة الحسن والحسين (عليهما السلام)، ويبقى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أفضل من سائر آبائه الثمانية من ذرّيَّة الحسين (عليهم السلام)، لما ورد عن أبي جعفر (عليه السلام): «تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ، وَهُوَ أَفْضَلُهُمْ»(٢٠٢).
المنقذ في المدرسة السُّنّيَّة:
أمَّا المدرسة السُّنّيَّة فتتعامَل مع المنقذ على أساس الشخصيَّة التي تعكس إرادة السماء في تحقيق كلمة التوحيد والعدل بغضِّ النظر عن المواصفات الذاتيَّة لها، فهو الأداة التي لا ارتباط تكويني بينها وبين الوظيفة التي تبتغيها السماء(٢٠٣).
وفي سياق الصفات الشخصيَّة للمنقذ ورد على لسانهم:
خلاصة صفات المهدي... كما ورد في صحيح السُّنَّة(٢٠٤):
١ - اسمه محمّد، واسم أبيه عبد الله.
٢ - أنَّه هاشمي من آل البيت من ولد فاطمة(٢٠٥).
٣ - أنَّه يملك سبع سنين ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً.
٤ - أنَّ لقبه المهدي بمعنى الذي هداه وأصلحه على الهدى...
كما يُلقِّبه البعض بالفاطمي لكونه من ولد فاطمة...، كما لا يصحُّ حديث

-----------------

(٢٠٢) دلائل الإمامة (ص ٤٥٣/ ح ٤٣١/٣٥).
(٢٠٣) وفي خصوص الوظيفة الموكلة إلى خليفة الله على خلقه مميِّزات بين المدرستين، ومنها أنَّ اختيار شخص المستخلَف عشوائي غير حكمي، وإنَّما وفق العلم الإلهي فقط، ممَّا يُسجِّل إشكالاً واضحاً على المدرسة السُّنّيَّة في القدح بصفات الخالق سبحانه.
(٢٠٤) للاطِّلاع على الأحاديث النبويَّة المستشهَد بها في انتزاع الصفات المذكورة، راجع مجلَّة البيضاني العلميَّة/ صفات المهدي وصفات ظهوره وزمانه/ الحلقة رقم ٦، بقلم الدكتور صادق بن محمّد البيضاني.
(٢٠٥) يُرجِّح البعض من أهل السُّنَّة كون المهدي (عجَّل الله فرجه) من سلالة الإمام الحسن (عليه السلام)، وكنيته أبو عبد الله.

(١٤١)

بأنَّه خليفة الله...، وأمَّا قول ابن حجر الهيثمي عن المهدي: (جعل الله القائم بالخلافة الحقِّ عند شدَّة الحاجة إليها من ولده ليملأ الأرض عدلاً)(٢٠٦)، فلا يعني اللقب، وإنَّما يُطلَق على كلِّ خليفة عدل...، ومن هؤلاء القائمين بالخلافة: الخلفاء الراشدون الأربعة، وعمر بن عبد العزيز، والمهدي، ونحوهم.
٥ - أنَّ الله يُصلِحه في ليلة، للحديث عن النبيِّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «اَلمَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ، يُصْلِحُهُ اَللهُ فِي لَيْلَةٍ»(٢٠٧)، ومعناه يتوب عليه ويُوفِّقه ويُلهِمه رشده بعد أنْ لم يكن كذلك.
٦ - أنَّ خلافته تكون على منهاج النبوَّة...، إذ ستكون شرعيَّة بمثل ما كانت عليه في زمن النبوَّة.
٧ - أنَّه ينزل في زمانه عيسى فيُصلِّي المهدي بعيسى...
ونتساءل عند هذه النقطة في دلالة صلاة النبيِّ عيسى (عليه السلام) - وهو من أُولي العزم - خلف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فهل تدلُّ على مفضوليَّة المأموم وأفضليَّة الإمام؟ يظهر أنَّ في الفكر السُّنِّي خلاف ذلك!
فقد ورد عنهم: (وقد يُعكِّر على هذه المسألة، وهي خروج المهدي، حديث: «لا مهدي إلَّا عيسى بن مريم»، فكيف الجمع بين هذا وذاك؟ فيُجاب عن ذلك: بأنَّ حديث «لا مهدي إلَّا عيسى» حديث ضعيف، وعلى فرض صحَّته يكون معنى الحديث: أي لا مهدي كامل إلَّا عيسى، ولا شكَّ أنَّ عيسى (عليه السلام) أكمل في الهداية من المهدي، فيكون النفي المراد في الحديث نفي كمال، لا نفي وجود...)(٢٠٨).

-----------------

(٢٠٦) الصواعق المحرقة (ص ١٦٧).
(٢٠٧) سُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص ١٣٦٧/ ح ٤٠٨٥).
(٢٠٨) الصراط السويِّ في سؤالات الصحابة للنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) لأبي البراء محمّد بن عبد المنعم آل علاوة.

(١٤٢)

٨ - أنَّ الاعتقاد بالمهدويَّة من فروع الدِّين الذي يستلزم العمل، وليس من الأُصول الذي يُبنى عليه الإيمان.
٩ - غالبيَّة أهل السُّنَّة يُنكِرون ولادة المهدي، ويقولون: إنَّه سيُولَد في نهاية التاريخ.
خلاصة معالم المهدويَّة في الفكر السُّنِّي:
ومن خلال ما ذُكِرَ تتَّضح معالم المهدويَّة في الفكر السُّنِّي، وهي بالنحو التالي:
أ - تتَّجه نهاية التاريخ - بنحو الضرورة - إلى شخص يختاره(٢٠٩) الله سبحانه ليُحقِّق الوعد الإلهي، وهو رجل ينتسب إلى النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) ومن ولد فاطمة (عليها السلام).
ب - ويكون ذلك بعد أنْ يُولَد في تلك الحقبة المعيَّنة في علم الله تعالى.
ج - وهو رجل كسائر الناس لا ميزة له عليهم، حتَّى إنَّه لا يعلم أنَّه المهدي.
وفي الحديث: «اَلمَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ، يُصْلِحُهُ اَللهُ فِي لَيْلَةٍ»، وفي نسخة أُخرى: «يُصْلِحُ أَمْرَهُ»، وهي رواية جاءت في مصادرنا أيضاً، ولكن ورد في

-----------------

(٢٠٩) يوجد تهافت واضح في المباني العقديَّة والفقهيَّة للمدرسة السُّنّيَّة! إذ كيف أنَّ الخلفاء السابقين على المهدي إنَّما تمَّ تعيينهم بالانتخاب والشورى واستُثنِيَ من ذلك تعيين المهدي (عجَّل الله فرجه) وكان من خلال التنصيب الإلهي واختياره سبحانه؟ فإنَّه بحسب أحاديثهم المعتمدة لديهم كما في عبارة «يَبْعَثُهُ اَللهُ» دلالة واضحة على أنَّ أمر المهدي بيد الله سبحانه واختياره منه تبارك وتعالى، راجع حديث: «الخلفاء من بعدي اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش»، فهو حديث متواتر، روته الصحاح والمسانيد، راجع: صحيح البخاري (ج ١١/ ص ٧٠/ ح ٦٤٥٧)، وصحيح مسلم (ج ٦/ ص ٣)، وسُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٣٠٩/ ح ٤٢٧٩ و٤٢٨٠)، وسُنَن الترمذي (ج ٣/ ص ٣٤٠/ ح ٢٣٢٣)، وغيرها.

(١٤٣)

تفسيرها عن ابن كثير، «يُصْلِحُهُ اَللهُ فِي لَيْلَةٍ»، قال: (أي يتوب عليه، ويُوفِّقه ويُفهِمه رشده بعد أنْ لم يكن كذلك)(٢١٠).
فإذا كان كذلك صار المعنى أنَّه (عجَّل الله فرجه) رجل كسائر الرجال - غير معصوم - ويعيش ظرفه بنحو اعتيادي، فلا مانع في حقِّه الضعف في التفكير والسلوك، ولذلك فإنَّ الله تعالى يتدخَّل بعد تصدِّيه ليُحسِّن حاله ويُوفِّقه للصواب.
ولعلَّنا نتساءل عن مدى إمكانيَّة هكذا شخصيَّة - إنْ تمَّ ما نُقِلَ عنهم - للتصدِّي للمهمَّات وإصلاح العالم، ولماذا خصَّه الله تعالى بوظيفة المنقذ دون غيره؟
ولماذا لا يتكرَّر المنقذ في التاريخ البشري ولو على مستوى الاستقبال والاحتضان المناطقي، أو القومي، أو الحزبي، لتحقيق الاستقرار والعدالة بنحو جزئي؟ إذ إنَّ فرض هلاكه يمكن تعويضه بنسخة مثيلة له!
إذن لا ترابط أو تناسق بين فكرة المنقذ وإحالته إلى نهاية متأخِّرة جدًّا من تاريخ البشريَّة المأساوي والمعاناتي ثمّ إيجاده - فظهوره - ليُمسِك بزمام العالم لتمثيل نهايته بحكم الله وإقامة العدل.
خلاصة العقيدة المهدويَّة في الفكر الإمامي:
أمَّا المهدويَّة في الفكر الإمامي فقد ارتسمت معالمها - بالدليل النقلي والعقلي - فيه بالنحو التالي:
شخصيَّة إلهيَّة أنجبتها الأصلاب الشامخة والأرحام المطهَّرة لتتناولها العناية الإلهيَّة لمزاياها الذاتيَّة التكوينيَّة فتضع أقدامها على أعتاب الإمامة بخطوات ثابتة من العصمة المطلقة والعلم اللَّدنِّي فاستحقَّت مقام الولاية العامَّة على الأُمَّة وعنوان الإمامة - ذلك الأصل العقائدي بحيثيَّاته الخاصَّة -

-----------------

(٢١٠) النهاية في الفتن والملاحم (ج ١/ ص ٥٥).

(١٤٤)

فتشخَّصت بنحو فارد وخاتِم لسلسلة الأئمَّة من صلب النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، فلا يُتصوَّر في حقِّه التكرار، ولا يمكن الاستعاضة عنه، ولذلك ادَّخرته يد الغيب إلى حين استعداد البشريَّة لقبول أُطروحته الربَّانيَّة، وعند ظهوره سيكون قادراً على علاج أزمات العالم، وقيادته لتمتُّعه بمزايا فكريَّة وعقليَّة وعلميَّة ونفسيَّة وأخلاقيَّة ومقاماتيَّة، ولتسديد سماوي لا يُعجِزه شيء، ولا يغلبه غالب ذلك، لأنَّ حكمة الإله تستدعي الهدفيَّة في الخلق ببلوغ تحفته ومحور التكوين - الإنسان - إلى مدارك الكمال، ولا يكون ذلك إلَّا في ظلِّ بيئة عادلة صالحة ضمن قانون إلهي (دقيق وعميق الأبعاد في تحرِّي المصالح ودرء المفاسد) وقوَّة تنفيذيَّة (خالصة من معايب الهوى والشخصنة والجهل والضعف).
وبعد تلك المقارنة يتَّضح رجاحة الفكر الإمامي على السُّنِّي في احتضان المهدويَّة، ويتقدَّم في إكمال مسيرة المقارنة مع الأُطروحات الدِّينيَّة الأُخَر، وهي الديانة المسيحيَّة.
المخلِّص في الديانة المسيحيَّة واليهوديَّة:
بعد أنِ اتَّضح الفرق بين الأديان السماويَّة الآنفة وبين غيرها كالفكر الوضعي الذي يُشخِّص المخلِّص في الأيديولوجيَّات الوضعيَّة، والبون شاسع بينهما، إذ يُرتجى خالق السماوات والأرض ومَنْ فيهما في إعداد وإرسال ما يروي ظمأ مخلوقه الضعيف - الإنسان - في تحصيل حقوقه والعدل والإنصاف في شأنه، أو يأمل من ذلك الخائر العاجز أنْ يعثر على ضالَّته بذاتيَّاته التي لا تنفكُّ عن النقص والمحدوديَّة: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً...﴾ (النور: ٣٩)!
إنَّما الكلام في فوارق النظريَّات الدِّينيَّة لما يسعف فكرها بالاهتمام لتطلُّعها إلى السماء.

(١٤٥)

وقد تقدَّم الكلام عن المهدويَّة (المخلِّص) في العقيدة الإسلاميَّة، وتبيَّن تماميَّة النظريَّة الإماميَّة وتفوُّقها على المدرسة السُّنّيَّة في تشخيص المهدي وبيان صفاته ومقاماته.
وإليك عزيزي القارئ أُطروحة الخلاص في النظريَّة المسيحيَّة.
فنقول: إنَّ معالم المخلِّص ينتزعها اليهود والنصارى مع تأويل بما يناسبهم من كتاب جمع النصارى فيه كُتُبهم وأسفار اليهود وكُتُبهم، وأطلقوا على الأوَّل العهد القديم وعلى الثاني العهد الجديد، ليُكوِّن العهدان كتابهم المقدَّس.
في عقيدة كلٍّ من اليهود والنصارى أنَّ المخلِّص منهم، وأسموه اليهود بالمسيح، وقال النصارى: إنَّ المسيح هو عيسى بن مريم وأسموه بالسيِّد المسيح.
ولـمَّا كانت شخصيَّة المنقذ في الفكر المسيحي متميِّزة في أصل المبدأ (وذلك بتعيين المنقذ بعيسى (عليه السلام)، وهو نبيٌّ متَّصل بالسماء، فيكون جديراً بتمثيل ذلك الدور الإصلاحي وبخلافهم اليهود الذين فرضوه شخصيَّة منقذة للشعب اليهودي خاصَّة، وليس منقذاً للبشريَّة جمعاء)(٢١١)، فكان حريًّا بتقديم

-----------------

(٢١١) ورد نصٌّ في سِفر المزامير فيه إشارات إلى معتقداتهم (كونهم الشعب المختار) وجغرافيَّة ملكهم الموعود (من البحر إلى البحر...)، فإنَّه يُفسِّر معتقدهم في مملكة إسرائيل، وهو: من البحر المتوسِّط غرباً إلى البحر الميِّت أو الخليج شرقاً، أمَّا من النهر إلى أقاصي الأرض فهو من نهر الفرات إلى أقصى المناطق المهمَّة، إذن المنجي سيكون لهم على الخصوص ومحقِّق ملكهم وليس مخلِّصاً للبشريَّة.
ورد في سِفر المزامير: (اللَّهُمَّ أعطِ أحكامك للمَلِك، وبرك لابن المَلِك، يدين شعبك بالعدل، ومساكينك بالحقِّ، تحمل الجبال سلاماً للشعب، والآكام بالبرِّ، يقضي لمساكين الشعب، يُخلِّص بني البائسين، ويسحقُّ الظالم، يخشونك ما دامت الشمس، وقُدَّام القمر إلى دور فدور، ينزل مثل المطر على الجزاز، ومثل الغيوث الذارفة على الأرض، يشرق في أيَّامه الصديق، وكثرة السلام إلى أنْ يضمحلَّ القمر، ويملك من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض، أمامه تجثو أهل البريَّة، وأعداؤه يلحسون التراب، ملوك ترشيش والجزائر يُرسِلون تقدمة، ملوك شبا وسبأ يُقدِّمون هديَّة، ويسجد له كلُّ الملوك، كلُّ الأُمَم تتعبَّد له). الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ٨٨٢/ سِفر المزامير/ المزمور ٧٢/ النصُّ ١ - ١١).
وأيضاً فكرة المهدي نشأتها - تطوُّرها (ص ٤٣): (الماسح: الممسوح بالزيت المبارك، سيحكم العالم ويُفضِّل بني إسرائيل ويجعلهم حُكَّام الأرض).
وأيضاً فكرة تعدُّد المنقذ وشخصيَّته في اليهوديَّة؛ راجع: المنقذ في الأديان (ص ٨٨ و٨٩).

(١٤٦)

المسيحيَّة للمقارنة.
وعلى ذلك الأساس نطرح مشروع المخلِّص ضمن الفكر المسيحي بالنحو التالي:
١ - يعتقد النصارى أنَّ المنقذ هو النبيُّ عيسى (عليه السلام).
٢ - لم تتعرَّض مصادر النصارى بتفصيل معالم شخصيَّة النبيِّ عيسى(عليه السلام) إلَّا بنحو إجمالي لذكر خصوصيَّاته ومميِّزاته، ومن بين ذلك ما ذكروه في صفاته الظاهريَّة، فقد جاء في قاموس الكتاب المقدَّس لـ (جيمز هاكس): (كان عيسى معتدل القامة، ذا شعر أشقر مسرَّح، له جبهة مستوية ناعمة، ليس في وجهه علامات فارقة، وكان لون وجهه مائلاً إلى الحمرة وعيناه زرقاوتان.
وأمَّا صفاته الأخلاقيَّة فقد كان قليل الكلام، ولم يرتكب الذنب صغيره أو كبيره، ولم يترك الأولى.
وكانت تعاليمه روحانيَّة، وكان يحترم القوانين الحكوميَّة ومخالفاً للنشاطات المسلَّحة التي تقف بالضدِّ من الدولة، فقد كان يمانع مقارعة السياسيِّين ومتنفِّراً من الحرب وإراقة الدماء والعنف، فكان من طبعه التنازل عن حقِّه حقناً للدماء وإقراراً للسلام.
وكان عيسى (عليه السلام) شديد التواضع، وزاهداً وورعاً كثير العبادة، وكان يفرُّ من النساء ومعاشرتهنَّ).

(١٤٧)

٣ - سيقوم النبيُّ عيسى (عليه السلام) في التصوُّر المسيحي بمشروع كبير، وهو تشكيل حكومة عالميَّة مبادئها إنجيليَّة.
سيقوم عيسى (عليه السلام) بتخليص كلِّ الناس من الظلم، ويرفع التشتُّت والاضطراب، ويُحقِّق الرخاء الاقتصادي.
٤ - كلُّ الأناجيل تعتقد ببشريَّة عيسى (عليه السلام) ولكنَّها تعتقد أيضاً بأنَّه حاز على مقام الأُلوهيَّة وأنَّه أزلي، ولهذا فإنَّه يفعل فعل الله ويتكلَّم كلامه سبحانه وقد ابتُدِعَت هذه الصفات في كتابات (بولس).
ومن الواضح رفض العقل لهذا المعنى من المقامات، وقد قام الدليل البرهاني على ذلك كما أكَّدت الأدلَّة النقليَّة الموثَّقة على نَسَب المنقذ وأنَّه من نسل نبيِّ الإسلام (صلَّى الله عليه وآله) وخصوصيَّات مشروعه العالمي بنشر التوحيد ورسالة الإسلام وإذابة عناصر الفساد والفرقة.

* * *

(١٤٨)

وفيه تمهيد وأربعة محاور:
تمهيد: مبادئ تصوريَّة في المفهوم والمصداق:
مفهوم الغيبة: يرتبط مفهوم الغيبة بالدلالة بمفهوم الغيب الوارد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: ٣)، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (الأنعام: ٧٣).
وقد اصطلح الفلاسفة على عالَم الطبيعة بعالم الشهادة، وعلى عالَم الملكوت بعالم الغيب، فيكون الغيب هو ذلك الأمر الخفي والغائب عن الحسِّ، فلا يمكن للحواسِّ من استكشافه، وإنَّما للعقل السبيل إلى ذلك.
أمَّا الشهادة فهو كلُّ ما له ارتباط بالحواسِّ، وتكون السبيل إلى كشفه وإدراكه.
وقد استعمل الإماميَّة هذا المصطلح للدلالة على طبيعة الوجود المهدوي اعتماداً على المصطلح الروائي الوارد عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وبقيَّة الأئمَّة (عليهم السلام) في التعبير عن الظرف المهدوي الذي سيُؤدِّي فيه (عجَّل الله فرجه) إمامته، فالغيبة في الثقافة المهدويَّة هي استتار الإمام الحجَّة عن الناس ومعرفتهم إيَّاه، فما هي غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
النظريَّات في ماهيَّة الغيبة المهدويَّة:
إنَّ أهمَّ ما ذُكِرَ في هذا المضمار صورٌ أربع تترشَّح من قسمين:
القسم الأوَّل: الغيبة المادّيَّة:
ويُتصوَّر فيها مستويان:
المستوى الأوَّل: غيبةٌ تُقابل الحضور، فيكون غائباً عن الحضور في مكان

(١٥١)

وزمان ما، كما في غيبة موسى (عليه السلام) عن قومه وعدم حضوره بينهم عند ذهابه (عليه السلام) لميقات ربِّه وتلقِّي أحكام التوراة ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً...﴾ (البقرة: ٥١)، وتُسمَّى غيبة حضور.
المستوى الثاني: غيبة تقابل الظهور، وهو خفاء عن الحواسِّ رغم الحضور في الزمان والمكان، مثل حضور الملائكة ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ (الرعد: ١١)، وتُسمَّى الغيبة الشخصيَّة.
القسم الثاني: الغيبة المعنويَّة:
وفيها مستويان أيضاً:
المستوى الأوَّل: غياب العنوان، فيكون صاحبها حاضراً وظاهراً إلَّا أنَّه مجهول الهويَّة ولا يُعلَم عنوانه وحقيقته، كما في غيبة عنوان موسى (عليه السلام) وهو ماكث في بيت فرعون ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ (الشعراء: ١٨)، وتُسمَّى غيبة عنوان.
المستوى الثاني: غياب المقام والمنزلة، فيكون الشخص حاضراً وظاهراً ومتعنوناً، ولكنَّه مجهول القدر والمقام فلا يُعطى منزلته ووظيفته، كما في سائر الأئمَّة (عليهم السلام) عند سلب حقوقهم في المقام وغصبها.
فأيٌّ من المستويات المتقدِّمة هي غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)؟
أمَّا المستوى الأوَّل للقسم الأوَّل: فإذا كان الملحوظ فيه الغيبة من على وجه الأرض إطلاقاً، أي حالة الرفع إلى السماء، كما حصل مع النبيِّ عيسى (عليه السلام) فهي غير محتملة في حقِّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وذلك:
١ - كونه متعارضاً مع الروايات الدالَّة على وجوده بين الناس كما في موسم الحجِّ، وأخبار المشاهدة.
٢ - مخالف لأخبار ضرورة الحجَّة في كلِّ عصر، وأنَّ الأرض لولا ذلك لساخت.

(١٥٢)

٣ - عدم ورود هكذا معنى لغيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في لسان الروايات.
نعم، إذا كان الملحوظ في غيبة الحضور الانزواء أحياناً في بعض البقاع والبلاد من الأرض، فهو وارد ومنسجم مع الأدلَّة، وقد ورد عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) قوله لابن مهزيار: «(أَبِي) أَبُو مُحَمَّدٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ لَا أُجَاوِرَ قَوْماً غَضِبَ اَللهُ عَلَيْهِمْ (وَلَعَنَهُمْ) وَلَهُمُ اَلْخِزْيُ فِي اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْكُنَ مِنَ اَلْجِبَالِ إِلَّا وَعْرَهَا، وَمِنَ اَلْبِلَادِ إِلاَّ عَفْرَهَا...»، إلى آخر كلامه الشريف(٢١٢).
وأمَّا المستوى الثاني من الأوَّل أيضاً: فنقول فيه ما قلناه سابقاً، فإنَّ الغيبة الشخصيَّة المستمرَّة غير صحيحة للتنافي مع أخبار المشاهدة إلَّا إذا قلنا باختفاء الشخص أحياناً، خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما ورد عن اختفاء شاخص النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) عند مروره من أمام كُفَّار قريش عند تقصِّيه وإرادة قتله قبل هجرته، وأيضاً أنَّ بعض أخبار المشاهدة تُثبِت اختفاءه (عجَّل الله فرجه) فجأةً وبنحو إعجازي.
وأمَّا القسم الثاني وبكلا مستوييه: فممكن عقلاً، وتساعد عليه بعض الأخبار أيضاً.
وقد ورد عن العمري: (وَاَلله إِنَّ صَاحِبَ هَذَا اَلْأَمْرِ لَيَحْضُرُ اَلمَوْسِمَ كُلَّ سَنَةٍ فَيَرَى اَلنَّاسَ وَيَعْرِفُهُمْ، وَيَرَوْنَهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ)(٢١٣).
المحور الأوَّل: الغيبة سُنَّة إلهيَّة ثابتة:
لا شكَّ أنَّ الاستتار البعيد الأمد، والغياب الذي امتدَّ إلى عشرات القرون، يستحقُّ التأمُّل والبحث عن واقعه، حتَّى يُعزِّز الإيمان بشخصيَّة الغائب، والتفاعل مع هذه الظاهرة بما يتناسب وإرادة المولى (عزَّ وجلَّ)، باعتبار أنَّها

-----------------

(٢١٢) الغيبة للطوسي (ص ٢٦٦/ ح ٢٢٨).
(٢١٣) كمال الدِّين (ص ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٨).

(١٥٣)

- الغيبة - خاضعة للإرادة الإلهيَّة الحكيمة ممَّا يتعيَّن ردُّ فعل مناسب من جهة الإنسان.
ومن هذا المنطلق تنقدح استفهامات:
- هل أنَّ الغَيبة - الأعمّ من غيبة الأنبياء والأولياء - معلولة للسُّنَّة الإلهيَّة؟
- وإذا كان انعدام الظهور المهدوي ليس من الغيبة - لعدم تطابقه مع حوادث الغيبة السابقة، واختلافها عنها - هل يبقى مسوِّغ للعقيدة المهدويَّة وكلِّ اللوازم الثابتة لها كالانتظار ودعوى الظهور؟
- هل العلاقة (بين سُنَّة الغيبة للمهدويَّة والظهور المهدوي) لزوميَّة؟
وستتَّضح الإجابة عن هذه الاستفهامات بما يلي:
معنى السُّنَّة الإلهيَّة وخصائصها:
عُرِّفت السُّنَّة - بالمعنى الاصطلاحي - بأنَّها (النواميس(٢١٤) التي تحكم حياة البشر وفق مشيئة الله المطلقة، وأنَّ ما وقع منها في الماضي يقع في الحاضر إذا أصبح حال الحاضرين مثل حال السابقين)(٢١٥).
من خلال التتبُّع القرآني في كيفيَّة تناول السُّنَّة الإلهيَّة تتَّضح مجموعة خصائص ملازمة لها، ويمكن الاستفادة من تلك الخصائص في تحديد الواقع لها والتعاطي معها بمنهجيَّة منسجمة مع تلك الخصائص المزعومة، فتتميَّز السُّنَّة الإلهيَّة بـ:
١ - التتابع: وهو الموجب لوجود علَّة تستدعي تكرُّر واستمرار الحَدَث كلَّما تحقَّقت مقدَّماته الموجبة له، وهذا الاطِّراد دالٌّ على الاستمرار والثبات، قال

-----------------

(٢١٤) الناموس: القانون أو الشريعة.
(٢١٥) في ظلال القرآن (ج ١/ ص ٤٠٨).

(١٥٤)

تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ (الفتح: ٢٣).
٢ - العموم: إذ لا يخرج فردٌ انفعل بمقدَّماتها من تأثيرها، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ...﴾ (النساء: ٢٦)، فهي لا تقتصر على أُمَّة دون أُمَّة أو فرد منها دون فرد آخر.
٣ - الضرورة والحتميَّة: أنَّ السُّنَن هي قضاء من الله سبحانه والصادر عن إرادته الحكيمة التي لا دافع ولا مانع لها إلَّا هو، قال تعالى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (مريم: ٣٥)، فالحتميَّة شأن من شؤونات القضاء الإلهي.
نعم، لا يُعنى من ذلك سلب الاختيار من الفعل الإنساني وإلزامه بالجبر، وإنَّما هي سُنَّة وليدة التنجُّز الشرطي، بمعنى كونها نتيجة حتميَّة كلَّما تقدَّمها شرطها، والشرط هو فعل الإنسان الاختياري، ولكلِّ فعل أثره الخاصُّ به.
الدليل على أنَّ الغيبة معلولة للسُّنَّة الإلهيَّة:
وبعد الوقوف على المقصود من السُّنَّة الإلهيَّة وطبيعتها نعود للسؤال عن كون الغيبة معلولة للسُّنَن التكوينيَّة الإلهيَّة أو ليس كذلك؟
وفي مقام الجواب عن ذلك بالإيجاب نستعين بأدلَّة تاريخيَّة وقرآنيَّة وروائيَّة للإثبات:
أ - الدليل التاريخي:
من خلال قراءة السير التاريخي للأنبياء والرُّسُل (عليهم السلام) نكتشف أنَّ أبرز المظاهر المرافقة لكثير من حياة الأنبياء الاستتار والاختفاء والاحتجاب (أي الغيبة) وإليك بعضاً من تلك السيرة:
١ - النبيُّ إدريس (عليه السلام): فقد وردت غيبته عن مجتمعه آنذاك لفترة لا تقلُّ

(١٥٥)

عن عشرين عاماً في كهف الجبل بسبب سوء فِعال قومه، وظلَّ لازماً للكهف ويُؤمَّن طعامه وشرابه من خلال أحد الملائكة(٢١٦).
٢ - النبيُّ صالح (عليه السلام): فعن الصدوق (رحمه الله)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحَسَنِ اِبْنِ أَحْمَدَ بْنِ اَلْوَلِيدِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحَسَنِ اَلصَّفَّارُ وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَلله وَعَبْدُ اَلله بْنُ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلْخَطَّابِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ زَيْدٍ اَلشَّحَّامِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ صَالِحاً (عليه السلام) غَابَ عَنْ قَوْمِهِ زَمَاناً، وَكَانَ يَوْمَ غَابَ عَنْهُمْ كَهْلاً مُبْدَحَ اَلْبَطْنِ، حَسَنَ اَلْجِسْمِ، وَافِرَ اَللِّحْيَةِ، خَمِيصَ اَلْبَطْنِ، خَفِيفَ اَلْعَارِضَيْنِ مُجْتَمِعاً، رَبْعَةً مِنَ اَلرِّجَالِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِصُورَتِهِ...»(٢١٧).
٣ - النبيُّ إبراهيم (عليه السلام): ويمكن القول: إنَّ له (عليه السلام) غيبات متعدِّدة!
فغيبة في بطن أُمِّه إذ لم تتمكَّن القوابل كشف حملها لأنَّه سبحانه حوَّله بقدرته من بطنها إلى ظهرها، ثمّ أخفى أمر ولادته، وعندما وُلِدَ وضعته أُمُّه في غار وغطَّته بصخرة ورحلت عنه، وكان الله سبحانه يأتيه برزقه حتَّى كبر وقام بأمر الله سبحانه فبرز لقومه.
وغيبة أُخرى بعد نجاته من النار حيث ظلَّ يسير فيها في البلاد.
ويُنقَل أنَّ له غيبة أُخرى حين هاجر إلى الشام.
٤ - غيبة بقيَّة الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، وهي في بعضهم إجمالاً:
غيبة يوسف (عليه السلام) عندما أخذه إخوته ورموه في البئر، وحتَّى رجوعه وقد دامت (٤٠ سنة)، وغيبة يونس (عليه السلام) في بطن الحوت، وغيبة موسى (عليه السلام) عن قومه، وينقل بعض أهل التاريخ أنَّ لعيسى غيبة دامت (١٢ سنة) عندما أخذته أُمُّه هاربة من اليهود.

-----------------

(٢١٦) راجع: كمال الدِّين (ص ١٢٧ - ١٣٣/ باب ١/ ح ١).
(٢١٧) كمال الدِّين (ص ١٣٦/ باب ٣/ ح ٦).

(١٥٦)

وقد روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) بإسناده لأهل البيت (عليهم السلام) وقوع غيبات للأوصياء من بعد موسى (عليه السلام) وإلى زمن النبيِّ عيسى (عليه السلام) كما في يوشع بن نون خليفة موسى (عليهما السلام) حيث قام بالأمر بعد موسى (عليه السلام) حتَّى قوي أمره فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى (عليه السلام) بمائة ألف فغلبهم يوشع، واستتر الأئمَّة بعده إلى زمان داود (عليه السلام) لمدَّة أربعمائة سنة وكانوا أحد عشر حتَّى انتهى الأمر إلى آخرهم فغاب عنهم ثمّ ظهر فبشَّرهم بداود (عليه السلام)، وكذلك داود (عليه السلام) استخلف سليمان (عليه السلام) الذي أوصى إلى آصف بن برخيا الذي غيَّبه الله غيبة طال أمدها ثمّ ظهر لهم ثمّ غاب عنهم ما شاء الله... إلخ من سلسلة غيبات للأنبياء وأوصيائهم (عليهم السلام)(٢١٨).
ب - الدليل القرآني:
أمَّا القراءة القرآنيَّة فهي تُنتِج السُّنَّة للغيبة بنحوين:
١ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ...﴾ (يوسف: ١١١).
فإنَّ القرآن الكريم يشير إلى أنَّ الآيات الواردة في أيِّ نبيٍّ من الأنبياء (عليهم السلام) ليست بنحو الهدف النهائي من الكلام للقرآن الكريم الذي يقتصر عليه وينتهي عنده، بل يشير إليه بنحو أنَّه حجَّة الله، وبذلك يتعدَّى المراد الجدِّي للآية المباركة إلى غيره (عليه السلام) ما دام العنوان - الحجَّة - يشمله.
وقد شَمِلَت الآيات المباركات معنى الغيبة لحُجَج الله (عليهم السلام) في طيَّات قَصَصهم، كقصَّة موسى وعيسى (عليهما السلام) ومحمّد (صلَّى الله عليه وآله)، نعم إنَّما هي ظرف خاصٌّ لبعضهم (عليهم السلام) وذلك لأسباب اضطرَّتهم إليها كالخشية من شرِّ الناس وغيرها، فتستبدل الوظيفة الهدايتيَّة المباشرة بالغيبة والاستتار.

-----------------

(٢١٨) راجع: كمال الدِّين (ص ١٥٣ - ١٥٩/ باب ٧/ ح ١٧).

(١٥٧)

إذن الغاية النهائيَّة هو جري القرآن بحسب آيات الله سبحانه في كلِّ زمان، وأنبياء الله سبحانه وأوصيائهم هم آيات الله في كلِّ زمان حتَّى قيام الساعة، وقد كشف القرآن الكريم عن ظاهرة الغيبة كسُنَّة تحكم مشروع حُجَج الله سبحانه وأولياءه، فيكون ذلك ثابتاً للمهدويَّة لأنَّه مشروع السماء وحجَّة الله.
٢ - أشار القرآن الكريم في لفيفٍ من آياته دلَّت بنحو مباشر على حتميَّة أنْ يكون في كلِّ زمان إمام حقٍّ يهدي الناس إلى الله ويشهد على أعمالهم وهو الحجَّة عليهم، وذلك من قبيل:
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (الإسراء: ٧١)، وهذا نصٌّ صريح على أنَّ لكلِّ أهل زمان إماماً يكون شاهداً عليهم يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (النحل: ٨٤).
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً﴾ (النساء: ٤١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: ٧).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ...﴾ (القدر: ١ - ٤).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠).
ويُنتَزع من مجموع هذه الآيات المباركات صفات عدَّة للإمام والشهيد

(١٥٨)

والهادي والخليفة ومَنْ ينزل على قلبه القرآن الكريم، ولا شكَّ في كونها مقامات معنويَّة رفيعة لا يبلغها إلَّا المعصوم وما نعتقده في شخص المهدي (عجَّل الله فرجه).
وقد ذُكِرَ في محلِّه ما يناسب ذلك فراجع(٢١٩).
وإضافةً إلى ذلك الروايات الشريفة التي أكَّدت ضرورة وجود الإمام ولولاه لساخت الأرض، وعندئذٍ تنعقد الملازمة بين ضرورة وواقعيَّة وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) وبين واقع الغيبة، لعدم ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) في واقع الأُمَّة.
ج - الدليل الروائي:
وفي النصوص الروائيَّة:
فقد روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدِّين) بسنده عن الصادق (عليه السلام): «إِنَّ سُنَنَ اَلْأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) بِمَا وَقَعَ بِهِمْ مِنَ اَلْغَيْبَاتِ حَادِثَةٌ فِي اَلْقَائِمِ مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ حَذْوَ اَلنَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَاَلْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ...»(٢٢٠).
وعن الإمام عليِّ بن الحسين (عليه السلام) أنَّه قال: «فِي اَلْقَائِمِ مِنَّا سُنَنٌ مِنَ اَلْأَنْبِيَاءِ، (سُنَّةٌ مِنْ أَبِينَا آدَمَ (عليه السلام)، وَ)سُنَّةٌ مِنْ نُوحٍ، وَسُنَّةٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُوسَى، وَسُنَّةٌ مِنْ عِيسَى، وَسُنَّةٌ مِنْ أَيُّوبَ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ)، فَأَمَّا (مِنْ آدَمَ وَ)نُوحٍ فَطُولُ اَلْعُمُرِ، وَأَمَّا مِنْ إِبْرَاهِيمَ فَخَفَاءُ اَلْوِلَادَةِ وَاِعْتِزَالُ اَلنَّاسِ، وَأَمَّا مِنْ مُوسَى فَالْخَوْفُ وَاَلْغَيْبَةُ، وَأَمَّا مِنْ عِيسَى فَاخْتِلَافُ اَلنَّاسِ فِيهِ، وَأَمَّا مِنْ أَيُّوبَ فَالْفَرَجُ بَعْدَ اَلْبَلْوَى، وَأَمَّا مِنْ مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله) فَالْخُرُوجُ بِالسَّيْفِ»(٢٢١).
وعن الباقر (عليه السلام): «إِنَّ فِي اَلْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله) شَبَهاً مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ: يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَمُحَمَّدٍ

-----------------

(٢١٩) أعلام الهداية (ج ١٤/ ص ٥٣ - ٧٦).
(٢٢٠) كمال الدِّين (ص ٣٤٥/ باب ٣٣/ ح ٣١).
(٢٢١) كمال الدِّين (ص ٣٢١ و٣٢٢/ باب ٣١/ ح ٣).

(١٥٩)

(صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ). فَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَرُجُوعُهُ مِنْ غَيْبَتِهِ وَهُوَ شَابٌّ بَعْدَ كِبَرِ اَلسِّنِّ. وَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ (عليهما السلام) فَالْغَيْبَةُ مِنْ خَاصَّتِهِ وَعَامَّتِهِ، وَاِخْتِفَاؤُهُ مِنْ إِخْوَتِهِ، وَإِشْكَالُ أَمْرِهِ عَلَى أَبِيهِ يَعْقُوبَ (عليه السلام) مَعَ قُرْبِ اَلْمَسَافَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ وَأَهْلِهِ وَشِيعَتِهِ. وَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ مُوسَى (عليه السلام) فَدَوَامُ خَوْفِهِ، وَطُولُ غَيْبَتِهِ، وَخَفَاءُ وِلَادَتِهِ، وَتَعَبُ شِيعَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِمَّا لَقُوا مِنَ اَلْأَذَى وَاَلْهَوَانِ إِلَى أَنْ أَذِنَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) فِي ظُهُورِهِ وَنَصَرَهُ وَأَيَّدَهُ عَلَى عَدُوِّهِ. وَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ عِيسَى (عليه السلام) فَاخْتِلَافُ مَنِ اِخْتَلَفَ فِيهِ حَتَّى قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: مَا وُلِدَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَاتَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: قُتِلَ وَصُلِبَ. وَأَمَّا شَبَهُهُ مِنْ جَدِّهِ اَلمُصْطَفَى (صلَّى الله عليه وآله) فَخُرُوجُهُ بِالسَّيْفِ...»(٢٢٢).
إذن ثَبَتَت الغيبة كواقع نشط في مشروع الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، وثبت الوجود المهدوي ولكن بنحوه المقترن بالغيبة، وعليه ليست تلك الظاهرة الممتدَّة على طول الخطِّ التاريخي لمشروع السماء، إلَّا كونها معلولة للسُّنَّة الإلهيَّة، لصيرورة الغيبة ناموساً حكم حياة بعض الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) وحياة المجتمعات المتعلِّقة بهم، لإرادة الله سبحانه الحكميَّة.
المحور الثاني: المقارنة بين الغيبة المهدويَّة وغيبات الحُجَج (عليهم السلام):
ذكرنا فيما سبق الوقوع الفعلي للغيبة في حياة أنبياء وأوصياء (عليهم السلام)، وأنَّ الغيبة المهدوية ليست بدعاً في هذا المعنى.
ولكن قد يقال: إنَّها مصداق مغاير تماماً لما كان عليه واقع الحُجَج السابقين من الغيبة، فيتَّحدان في اللفظ فقط دون المفهوم.
والصحيح وحدة المفهوم والاشتراك المعنوي دون اللفظي، نعم قد تكون

-----------------

(٢٢٢) كمال الدِّين (ص ٣٢٧ و٣٢٨/ باب ٣٢/ ح ٧).

(١٦٠)

العوارض الشخصيَّة للموضوع تختلف وهو طبيعي لارتهان المشخَّصات بعوامل خارجة عن أصل المبدأ، وإليك إيضاح ذلك:
عن الإمام عليِّ بن الحسين (عليه السلام): «فِي اَلْقَائِمِ مِنَّا سُنَنٌ مِنَ اَلْأَنْبِيَاءِ، (سُنَّةٌ مِنْ أَبِينَا آدَمَ (عليه السلام)، وَ)سُنَّةٌ مِنْ نُوحٍ، وَسُنَّةٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُوسَى، وَسُنَّةٌ مِنْ عِيسَى، وَسُنَّةٌ مِنْ أَيُّوبَ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِمْ)، فَأَمَّا (مِنْ آدَمَ وَ)نُوحٍ فَطُولُ اَلْعُمُرِ، وَأَمَّا مِنْ إِبْرَاهِيمَ فَخَفَاءُ اَلْوِلَادَةِ وَاِعْتِزَالُ اَلنَّاسِ، وَأَمَّا مِنْ مُوسَى فَالْخَوْفُ وَاَلْغَيْبَةُ، وَأَمَّا مِنْ عِيسَى فَاخْتِلَافُ اَلنَّاسِ فِيهِ، وَأَمَّا مِنْ أَيُّوبَ فَالْفَرَجُ بَعْدَ اَلْبَلْوَى، وَأَمَّا مِنْ مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله) فَالْخُرُوجُ بِالسَّيْفِ»(٢٢٣).
الرواية الشريفة تشير إلى المشتركات في الظروف والأدوار والتي منها الغيبة، ولا شكَّ أنَّ فيها مشتركات وتمايز أيضاً، وأهمُّ ما يُميِّزها طول غيبة حجَّة الله في حال تلبُّسه بدوره الوظيفي، وهو التصدِّي للإمامة، نعم آخرين أيضاً طال انتظار المؤمنين إليهم وتُرُقِّب ظهورهم لقرون إلَّا أنَّهم لم يكونوا في ظرف التصدِّي لتكليف القيادة.
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدِّين): (... وعد شيعته (النبيُّ إدريس (عليه السلام)) بالفرج وبقيام القائم من ولده، وهو نوح (عليه السلام)، ثمّ رفع الله (عزَّ وجلَّ) إدريس (عليه السلام) إليه، فلم تزل الشيعة يتوقَّعون قيام نوح (عليه السلام) قرناً بعد قرن... حتَّى ظهرت نبوَّة نوح (عليه السلام))(٢٢٤).
ثمّ روى (رحمه الله) بسنده عن الصادق (عليه السلام): «لَـمَّا حَضَرَتْ نُوحاً (عليه السلام) اَلْوَفَاةُ دَعَا اَلشِّيعَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: اِعْلَمُوا أَنَّهُ سَتَكُونُ مِنْ بَعْدِي غَيْبَةٌ تَظْهَرُ فِيهَا اَلطَّوَاغِيتُ، وَأَنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) يُفَرِّجُ عَنْكُمْ بِالْقَائِمِ مِنْ وُلْدِي، اِسْمُهُ هُودٌ، لَهُ سَمْتٌ وَسَكِينَةٌ وَوَقَارٌ،

-----------------

(٢٢٣) كمال الدِّين (ص ٣٢١ و٣٢٢/ باب ٣١/ ح ٣).
(٢٢٤) كمال الدِّين (ص ١٢٧).

(١٦١)

يُشْبِهُنِي فِي خَلْقِي وَخُلُقِي، وَسَيُهْلِكُ اَللهُ أَعْدَاءَكُمْ عِنْدَ ظُهُورِهِ بِالرِّيحِ، فَلَمْ يَزَالُوا يَتَرَقَّبُونَ هُوداً (عليه السلام) وَيَنْتَظِرُونَ ظُهُورَهُ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ اَلْأَمَدُ وَقَسَتْ قُلُوبُ أَكْثَرِهِمْ، فَأَظْهَرَ اَللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ هُوداً (عليه السلام) عِنْدَ اَلْيَأْسِ مِنْهُمْ وَتَنَاهِي اَلْبَلَاءِ بِهِمْ وَأَهْلَكَ اَلْأَعْدَاءَ بِالرِّيحِ اَلْعَقِيمِ اَلَّتِي وَصَفَهَا اَللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَقَالَ: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢]، ثُمَّ وَقَعَتِ اَلْغَيْبَةُ (بِهِ) بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ ظَهَرَ صَالِحٌ (عليه السلام)»(٢٢٥).
جدليَّات في غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
ووفق حديث الصدوق (رحمه الله) أنَّ شيعة الأنبياء (عليهم السلام) كان أيضاً يطول انتظارهم لعقود أو قرون فرجاً من السماء كما في شيعة القائم (عجَّل الله فرجه)، نعم يمكن القول بمميِّزاتٍ لها وبنحو المنشأ لإشكالات، وهي بالنحو التالي:
الإشكال الأوَّل: طول الغيبة التي تجاوزت الألف عام، ويلازم ذلك طول عمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهو مخالف للسُّنَن الطبيعيَّة.
الإشكال الثاني: وقوع الغيبة الطويلة في ظرف الإمامة، ممَّا يستدعي لغويَّة الوظيفة.
الإشكال الثالث: اقتران الغيبة مع عنوان القائد، وفيه مقتضي الرحمة والرعاية لرعيَّته، والحال هو بقاؤهم مستضعفون مقهورون يستغيثون قائدهم دون إجابة بسبب الغيبة.
إذن الغيبة إنْ تمَّت فهي تخالف الطبيعة أو العناوين الإلهيَّة الموكلة للإمام (عجَّل الله فرجه)، ولم تكن غيبات الحُجَج (عليهم السلام) السابقين بهذا النحو.
وفي صدد الإجابة:
١ - لا تُشكِّل قضية العمر الطويل عائقاً ومانعاً عقليًّا أو طبيعيًّا، وهناك

-----------------

(٢٢٥) كمال الدِّين (ص ١٣٥ و١٣٦/ باب ٢/ ح ٤).

(١٦٢)

مَنْ تمتَّع بذلك، وهو شاهد على الإمكان والوقوع معاً، كما في عمر نبيِّ الله نوح (عليه السلام) حيث ذكر القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ١٤)، حيث أشارت الآية المباركة على طول فترة تبليغه (عليه السلام) دلالة على طول عمره.
وكذلك النبيُّ عيسى (عليه السلام) حيث ورد: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء: ١٥٧ و١٥٨)، وذكر أصحاب التفسير نجاة النبيِّ عيسى (عليه السلام) من القتل ورفعه إلى السماء وهو حيٌّ يُرزَق إلى يومنا الحاضر.
وأمَّا بخصوص حياة الخضر (عليه السلام)، فقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): «إِنَّ اَلْخَضِرَ (عليه السلام) شَرِبَ مِنْ مَاءِ اَلْحَيَاةِ، فَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُنْفَخَ فِي اَلصُّورِ...، وَإِنَّهُ لَيَحْضُرُ اَلمَوْسِمَ كُلَّ سَنَةٍ، فَيَقْضِي جَمِيعَ اَلمَنَاسِكِ، وَيَقِفُ بِعَرَفَةَ فَيُؤَمِّنُ عَلَى دُعَاءِ اَلمُؤْمِنِينَ، وَسَيُؤْنِسُ اَللهُ بِهِ وَحْشَةَ قَائِمِنَا فِي غَيْبَتِهِ، وَيَصِلُ بِهِ وَحْدَتَهُ»(٢٢٦)، وفي الرواية الشريفة دلالة واضحة في استمرار محياه على الأرض ووجوده في عالمنا.
وهناك غير الشيعة من الفِرَق الإسلاميَّة مَنْ يذهب إلى ذلك، ففي (شرح صحيح مسلم) قال: (باب من فضائل الخضر (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): جمهور العلماء على أنَّه حيٌّ موجود بين أظهرنا، وذلك متَّفقٌ عليه عند الصوفيَّة وأهل الصلاح والمعرفة...)(٢٢٧).

-----------------

(٢٢٦) كمال الدِّين (ص ٣٩٠ و٣٩١/ باب ٣٨/ ح ٤).
(٢٢٧) شرح صحيح مسلم للنووي (ج ١٥/ ص ١٣٥).

(١٦٣)

ثمّ إنَّنا لو أغمضنا الطرف عن كلِّ ذلك، فتكفينا الإناطة بالقدرة الإلهيَّة ومشيئته الحكيمة التي لا يغلبها غالب في إبقاء خليفته لحفظ مشروعه التكويني والتشريعي.
٢ - أمَّا جدوائيَّة الوجود المهدوي وهو الإمام المفترض الطاعة الذي أُوكلت إليه الوظائف، والغيبة تمنعه، فنقول فيه:
أ - صحيح أنَّ الغيبة منعت الإمام (عجَّل الله فرجه) من بعض وظائفه كالتبليغ المباشر والقيادة الظاهريَّة وغير ذلك ممَّا هو مرتبط بحضوره بين الناس كآبائه (عليهم السلام)، ولكنَّها لا تمنع من القيام بالوظائف الأُخرى الكثيرة للإمام (عجَّل الله فرجه) والتي منها الهداية الأمريَّة والتسديد الإلهي ووساطة الفيض.
مضافاً إلى أنَّ هذه الغيبة كانت بسبب الأُمَّة التي خذلته، بل أرادت قتله ممَّا اضطرَّه إلى الغيبة، فإنْ كان هناك منع من بعض وظائفه فإثم ذلك يرجع على الأُمَّة ولا يرجع على الإمام نفسه، ولا على الله سبحانه وتعالى، لأنَّه لطف فيهم بإيجاده بينهم لكنَّهم نبذوه وجعلوه وراء ظهورهم.
ويتَّضح هذا جليًّا في غيبة الخضر (عليه السلام)، فهو يقوم بوظائفه على أكمل وجه رغم غيبته آلاف السنين.
وكذا قد يمكن تقريب فكرة جريان الوظائف والتكاليف الإلهيَّة على يدي الإمام (عجَّل الله فرجه) مع غيبته في غيبة الملائكة الحضوريَّة عن عالمنا، ورغم ذلك فإنَّهم جند الله يعملون بأمره ولا يفترون عن تدبير عالم الإمكان بمختلف الأنحاء والأحوال.
وعن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) بعد أنْ سأله جابر الأنصاري: يَا رَسُولَ اَلله، فَهَلْ يَقَعُ لِشِيعَتِهِ اَلْاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي غَيْبَتِهِ؟ فَقَالَ (عليه السلام): «إِي وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ إِنَّهُمْ يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهِ وَيَنْتَفِعُونَ بِوَلَايَتِهِ فِي غَيْبَتِهِ كَانْتِفَاعِ اَلنَّاسِ بِالشَّمْسِ وَإِنْ تَجَلَّلَهَا سَحَابٌ...»(٢٢٨).

-----------------

(٢٢٨) كمال الدِّين (ص ٢٥٣/ باب ٢٣/ ح ٣).

(١٦٤)

ب - الوجود المهدوي هو استمرار للخلافة الإلهيَّة على الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً...﴾ (البقرة: ٣٠)، ومن هنا أكَّدت الروايات الشريفة على عدم خلوِّ الأرض من حجَّة ولولاه لساخت بأهلها، والخلافة المعنيَّة هنا هي الفيض الإلهي المستمرُّ، فيتعيَّن الوجود المهدوي لتحقيق الإرادة الإلهيَّة النافذة.
ج - حفظ الدِّين وحفظ القرآن الكريم لا تتمُّ إلَّا بوجود الخلف المعصوم للنبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، فالدِّين الواقعي الذي جاء به (صلَّى الله عليه وآله) محميٌّ محفوظٌ بين يديه (عجَّل الله فرجه) ليبقى أمانة مودعة عنده يمنع عنها التلاعب والتغيير، ولولاه لا يمكن إحراز بقاء الدِّين الواقعي، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩).
د - الوجود المهدوي أمانٌ لأهل الأرض من نزول العذاب، فقد ورد في حديث جابر الأنصاري (رضي الله عنه) عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: «النجوم أمانٌ لأهل السماء فإذا أُذهِبَت أتاها ما يوعدون، وأنا أمانٌ لأصحابي ما كنتُ فإذا ذهبت أتاهم ما يوعدون، وأهل بيتي أمانٌ لأُمَّتي فإذا ذهب أهل بيتي أتاهم ما يوعدون»(٢٢٩).
وقد ورد في رسالته (عجَّل الله فرجه) إلى الشيخ المفيد (رحمه الله): «إِنَّا غَيْرُ مُهْمِلِينَ لِمُرَاعَاتِكُمْ، وَلَا نَاسِينَ لِذِكْرِكُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَنَزَلَ بِكُمُ اَللَّأْوَاءُ، أَوَ اِصْطَلَمَكُمُ اَلْأَعْدَاءُ...»(٢٣٠)، ومن الواضح أنَّ وجوده المبارك هو وجود حفظي لشيعته ولم يقع الإهمال والتضييع كما هي الدعوى.
٣ - لم تكن الغيبة خياراً مهدويًّا، بل هو خيار مجتمعي.

-----------------

(٢٢٩) مستدرك الحاكم (ج ٢/ ص ٤٤٨).

(٢٣٠) الاحتجاج (ج ٢/ ص ٣٢٣).

(١٦٥)

عقد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) للشيعة منظومة متكاملة من خلال مسارات استراتيجيَّة تتجاوز الزمكان، وتنسجم مع كافَّة الظروف والمتغيِّرات بلا استثناء، وهي تتناول ثلاثة مسارات:
الأوَّل: يرتبط بشخصه، وذلك بمنع الاتِّصال به (عجَّل الله فرجه) لقطع الطريق على كلِّ دعوى للسفارة والتقوُّل عليه وما يصاحب ذلك من أكاذيب وخديعة وفتنة.
والثاني: ما يرتبط بقيادة الأُمَّة الشرعيَّة وتهيئة الظرف الموضوعي لها لمراعاة استمرار الاتِّصال بالسماء، ببلوغ المعارف الربَّانيَّة، والعمل بالأحكام الإلهيَّة ورعاية المتغيِّرات الزمانيَّة واتِّساع دائرة الحكم والموضوع، ودفع الشُّبَه والشكوك والضلال، وذلك من خلال المتخصِّصين بعلم الشريعة الذين ضمَّت صدورهم قلوباً تقيَّة نقيَّة تخشى الله سبحانه وتخضع له.
والثالث: يرتبط بالفرد نفسه وضرورة ممارسة تكليفه بتحمُّل جزء المسؤوليَّة بالبحث عن الحقائق ووعي الواقع وما يفرضه عليه.
نعم، تُعتبَر الغيبة المهدويَّة فقداناً لا يُعوَّض، ولكنَّه معلول لجهل الناس وإعراضهم وبطش الجبابرة منهم، ممَّا اضطرَّه (عجَّل الله فرجه) إلى الانزواء والتخفِّي والغيبة خشيةً، وهذا ما عبَّرت عنه رواية الإمام عليِّ بن الحسين (عليه السلام) في صدر البحث «فِي اَلْقَائِمِ مِنَّا سُنَنٌ مِنَ اَلْأَنْبِيَاءِ...، وَأَمَّا مِنْ مُوسَى فَالْخَوْفُ وَاَلْغَيْبَةُ...»، ويمكن حمل الخوف على معنيين:
١ - الخوف على النفس من القتل، كون المهدويَّة مشروعاً منافساً لكلِّ استعلاء وسلطان ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرضِ وَلَا فَسَاداً﴾ (القَصَص: ٨٣)، وليس منشأ الخوف شخصيًّا وإنَّما الحرص على المشروع الإلهي بعد أنِ انحصر بالوجود المهدوي.
٢ - الخوف من جهل الناس، مضافاً إلى الخوف من القتل، وخصوصاً قد

(١٦٦)

تمَّ ربط الخوف بالغيبة بعنوان تمثيله للسُّنَّة الموسويَّة، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في سياق تفسيره لخوف موسى (عليه السلام): «لَمْ يُوجِسْ مُوسَى (عليه السلام) خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ وَدُوَلِ الضَّلَالِ»(٢٣١).
فإنَّ المهدويَّة مشروع عالمي كحبل ممدود بين السماء والأرض، ولم تشأ المشيئة الإلهيَّة إنشاءه على أساس الجبر، إذ يبقى عنصر الاختيار فاعلاً في المجتمع البشري، ولن تتحقَّق الداعويَّة إلى التمسُّك بطرف السماء إلَّا بالوعي وإدراك المصالح في الانتماء والاستجابة ومفاسد المناوئة والتخلُّف.
فالغيبة محكومة بالسُّنَن الإلهيَّة، والمنظومة المهدويَّة مقتضي يلزمه التحاق بقيَّة أجزاء العلَّة به، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١) شرط لا مناص عنه.
المحور الثالث: العلاقة بين ظاهرة الغيبة والظهور:
عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيه مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام)، قَالَ: «إِذَا فُقِدَ اَلْخَامِسُ مِنْ وُلْدِ اَلسَّابِعِ فَالله اَلله فِي أَدْيَانِكُمْ لَا يُزِيلُكُمْ عَنْهَا أَحَدٌ. يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ هَذَا اَلْأَمْرِ مَنْ كَانَ يَقُولُ بِهِ، إِنَّمَا هِيَ مِحْنَةٌ مِنَ اَلله (عزَّ وجلَّ) اِمْتَحَنَ بِهَا خَلْقَهُ...»(٢٣٢).
إنَّ طول الغيبة يُثير القلوب المتزلزلة، ويدعوها إلى الشكِّ في واقع الظهور، ولكن حتميَّة الظهور أمرٌ مسلَّم بين جميع المسلمين، إذ لا أحد يُنكِر ظهور إمام في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وقد أكَّدت أدلَّة كثيرة على ذلك، ومنها:

-----------------

(٢٣١) نهج البلاغة (ص ٥١/ الخطبة ٤).
(٢٣٢) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٢).

(١٦٧)

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
وقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القَصَص: ٥).
كما تواترت الروايات من الفريقين حول تحقُّق وظهور مهدي آخر الزمان، وقد مرَّ عليك الكثير منها، وإليك بعضاً آخر:
فورد عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) في (المستدرك على الصحيحين): «لا تقوم الساعة حتَّى تملأ الأرض ظلماً وجوراً، ثمّ يخرج من أهل بيتي مَنْ يملأها قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وعدواناً»(٢٣٣).
وفي (كنز العُمَّال) عنه (صلَّى الله عليه وآله) أيضاً، قال: «أبشروا بالمهدي، رجل من قريش من عترتي، يخرج في اختلاف من الناس وزلزال، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(٢٣٤).
وروي عنه (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يبعث رجلاً من ولدي اسمه كاسمي»، فقال سلمان: من أيِّ ولدك، يا رسول الله؟ قال: «من ولدي هذا»، وضرب بيده على الحسين [(عليه السلام)](٢٣٥).
وذكرنا في البحث سابق(٢٣٦) اشتراك القراءة الدِّينيَّة على اختلافها في حتميَّة المنقذ الذي يبرز بإطار نهاية التاريخ، وأدلَّتهم النصّيَّة على ذلك.

-----------------

(٢٣٣) مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٥٥٧).
(٢٣٤) كنز العُمَّال (ج ١٤/ ص ٢٦١ و٢٦٢/ ح ٣٨٦٥٣).
(٢٣٥) ذخائر العقبى (ص ١٣٥ و١٣٦).
(٢٣٦) راجع البحث الخامس (ص ١٢٩).

(١٦٨)

المحور الرابع: ما هي فلسفة غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
احتلَّت ظاهرة الغيبة المهدويَّة مساحة كبيرة في التراث النصِّي لأحاديث وروايات المعصومين (عليهم السلام) بلسان بيان الحكمة وحكاية السبب كونها ظاهرة طويلة الأمد، وطبيعة الحال إثارة العقول في معرفة أسرار ذلك، إذ الأمر سوف لن يخلو من سرٍّ وحكمة وعلَّة تحكمه، ومن هذه الروايات:
١ - عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ مِنَّا غَيْبَةً يَطُولُ أَمَدُهَا»، فَقُلْتُ لَهُ: يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله، وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «لِأَنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) أَبَى إِلَّا أَنْ تَجْرِيَ فِيهِ سُنَنُ اَلْأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) فِي غَيْبَاتِهِمْ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ يَا سَدِيرُ مِنِ اِسْتِيفَاءِ مَدَدِ غَيْبَاتِهِمْ، قَالَ اَللهُ تَعَالَى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أَيْ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»(٢٣٧).
حيث تكمن علَّة الغيبة بلسان هذه الرواية في بيان ضرورة أنْ يجري عليه (عجَّل الله فرجه) ما جرى على الأنبياء السابقين (عليهم السلام).
٢ - عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ اَلْفَضْلِ اَلْهَاشِمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ اَلصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ غَيْبَةً لَا بُدَّ مِنْهَا، يَرْتَابُ فِيهَا كُلُّ مُبْطِلٍ»، فَقُلْتُ: وَلِمَ، جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ: «لِأَمْرٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَنَا فِي كَشْفِهِ لَكُمْ...، إِنَّ وَجْهَ اَلْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ لَا يَنْكَشِفُ إِلَّا بَعْدَ ظُهُورِهِ...»(٢٣٨).
وعلَّة الغيبة في هذا النصِّ الشريف هي الإيكال إلى علم الله لأنَّه سرٌّ لا ينكشف الآن.
٣ - عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ غَيْبَةً قَبْلَ ظُهُورِهِ»، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: «يَخَافُ»، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى بَطْنِهِ، قَالَ زُرَارَةُ: يَعْنِي اَلْقَتْلَ(٢٣٩).

-----------------

(٢٣٧) كمال الدِّين (ص ٤٨٠ و٤٨١/ باب ٤٤/ ح ٦).
(٢٣٨) كمال الدِّين (ص ٤٨٢/ باب ٤٤/ ح ١١).
(٢٣٩) كمال الدِّين (ص ٤٨١/ باب ٤٤/ ح ٩).

(١٦٩)

وعلَّة الغيبة هنا هي رعاية الجانب الأمني.
٤ - عَنْ إِبْرَاهِيمَ اَلْكَرْخِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) - أَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ -: أَصْلَحَكَ اَللهُ، أَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ (عليه السلام) قَوِيًّا فِي دِينِ اَلله (عزَّ وجلَّ)؟ قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: فَكَيْفَ ظَهَرَ عَلَيْهِ اَلْقَوْمُ؟ وَكَيْفَ لَمْ يَدْفَعْهُمْ وَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: «آيَةٌ فِي كِتَابِ اَلله (عزَّ وجلَّ) مَنَعَتْهُ»، قَالَ: قُلْتُ: وَأَيَّةُ آيَةٍ هِيَ؟ قَالَ: «قَوْلُهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٥]، إِنَّهُ كَانَ لِله (عزَّ وجلَّ) وَدَائِعُ مُؤْمِنُونَ فِي أَصْلَابِ قَوْمٍ كَافِرِينَ وَمُنَافِقِينَ، فَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ (عليه السلام) لِيَقْتُلَ اَلْآبَاءَ حَتَّى يَخْرُجَ اَلْوَدَائِعُ، فَلَمَّا خَرَجَتِ اَلْوَدَائِعُ ظَهَرَ عَلَى مَنْ ظَهَرَ فَقَاتَلَهُ. وَكَذَلِكَ قَائِمُنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ لَنْ يَظْهَرَ أَبَداً حَتَّى تَظْهَرَ وَدَائِعُ اَلله (عزَّ وجلَّ)، فَإِذَا ظَهَرَتْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَظْهَرُ فَقَتَلَهُ»(٢٤٠).
وعلَّة الغيبة هنا هي عدم حجب الفيض وتهيئة الظروف لكلِّ نُطَف الخير.
٥ - عَنْ أَبِي صَادِقٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «دَوْلَتُنَا آخِرُ اَلدُّوَلِ، وَلَنْ يَبْقَ أَهْلُ بَيْتٍ لَهُمْ دَوْلَةٌ إِلَّا مُلِّكُوا قَبْلَنَا، لِئَلَّا يَقُولُوا إِذَا رَأَوْا سِيرَتَنَا: إِذَا مُلِّكْنَا سِرْنَا مِثْلَ سِيرَةِ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ اَلله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]»(٢٤١).
والعلَّة هنا هي كشف زيف جميع الدعاوى الباطلة وعجز المدارس الأُخرى.
وإنْ كان يمكن القول: إنَّ هذه الرواية لا تتعرَّض بشكل مباشر إلى الغيبة، وإنْ أمكن استفادة الغيبة الطويلة من الملازمات الفوقانيَّة والقرائن الأُخرى من غير هذه الرواية، والأمر سهل.

-----------------

(٢٤٠) كمال الدِّين (ص ٦٤١ و٦٤٢/ باب ٥٤).
(٢٤١) الغيبة للطوسي (ص ٤٧٢ و٤٧٣/ ح ٤٩٣).

(١٧٠)

٦ - رُوِيَ عن الإمام الرضا (عليه السلام) في جواب مَنْ سأله عن علَّة الغيبة: «لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ إِذَا قَامَ بِالسَّيْفِ»(٢٤٢).
والعلَّة هنا هي حفظه من تقديم بيعة لظالم بعد تماديهم في الطغيان والفساد، وحفظ روح الرفض للظلم بعد مرور البشريَّة بكلِّ أنواع المظالم.
٧ - في رسالة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إلى الشيخ المفيد (رحمه الله) يقول (عجَّل الله فرجه): «نَحْنُ وَإِنْ كُنَّا نَائِينَ بِمَكَانِنَا اَلنَّائِي عَنْ مَسَاكِنِ اَلظَّالِمِينَ حَسَبَ اَلَّذِي أَرَانَاهُ اَللهُ تَعَالَى لَنَا مِنَ اَلصَّلَاحِ وَلِشِيعَتِنَا اَلمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ مَا دَامَتْ دَوْلَةُ اَلدُّنْيَا لِلْفَاسِقِينَ»(٢٤٣).
والعلَّة هنا هي صلاح أمره (عجَّل الله فرجه) وأمر المؤمنين.
وإنْ أمكنت المناقشة في دلالتها على علَّة الغيبة، باعتبار أنَّ الصلاح والحكمة موجودة في كلِّ حكم إلهي، باعتبار أنَّ الأحكام خاضعة للمصالح والمفاسد، فوجود مصلحة في أمر معيَّن أمرٌ مفروغ منه لأنَّه صادر عن حكيم، ولا يُعتبَر ذلك علَّة خاصَّة في هذا الفعل.
وبعد تلك المقدِّمة الروائيَّة المباركة يمكن ملاحظة تهافت بدوي بين هذه الروايات عند إرادة تشخيص علَّة الغيبة، وكلٌّ منها يذهب إلى سبب يختلف عن الآخر! عندئذٍ لا يصحُّ القول بأنَّ كلَّ هذه عِلَل، فإنَّ قانون العلَّة هو (أنَّها لا تختلف ولا تتخلَّف؛ وأنَّ معلولها تابع لها لا ينفكُّ عنها)، وهي في كلِّ موردٍ من الموارد الآنفة تلتزم بعلَّة غير ما انتسبت إليه في غيرها، وذلك عين الاختلاف والتخلُّف.
فكيف ينسجم ذلك مع ما ذكرته الروايات المباركة؟ وسيكون ذلك بالتوجيه التالي:
١ - أنَّ ما ذكرته الروايات المباركة إنَّما هو من قبيل الحكمة وليس العلَّة، إذ تقبل الأُولى الاختلاف والتخلُّف دون الثانية.

-----------------

(٢٤٢) كمال الدِّين (ص ٤٨٠/ باب ٤٤/ ح ٤).
(٢٤٣) الاحتجاج (ج ٢/ ص ٣٢٢ و٣٢٣).

(١٧١)

٢ - أنَّ المنهج الخطابي للمعصوم إنَّما هو على أساس «كَلِّمُوا اَلنَّاسَ عَلَى قَدَرِ عُقُولِهمْ»(٢٤٤)، فلذلك قد يكون مستوى خطابه (عليه السلام) على قدر سطحيَّة المتلقِّي، أو جواباً نقضيًّا أو حسّيًّا أو إيكالاً إلى حكمته سبحانه ليُمسِك السائل عن الولوغ فيما ليس له(٢٤٥).
فتلخَّص أنَّ الغيبة مشروع إلهي تربوي اجتماعي لا يمكن اختزالها في سبب واحد، بل عِلَلها تراكميَّة تكامليَّة، وما تقدَّم إمَّا أجزاء العلَّة أو شروطها أو نتائجها، والعلَّة الحقيقيَّة لا تُعرَف بالكامل العميق إلَّا بعد الظهور.
مضافاً إلى ضرورة التنبيه إلى بعض العوامل التي انحصرت فيه (عجَّل الله فرجه) لخصوصيَّة يختصُّ بها بنحو لا يمكن أنْ يشاطره أحد من الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام)، ممَّا يُعطينا إضاءة أُخرى في الحكمة من الغيبة، ويمكن قراءتها بالنحو التالي:
١ - أنَّ عدد الأئمَّة الاثني عشر على اعتبار كونهم الصفوة من البشر التي اختارت مُطلَق الخضوع والطاعة وعدم الانحراف عن ذلك قيد أنملة، فكانوا النخبة المنتجبة القادرة على تسلُّق مقام الإمامة والخلافة، فليس الاصطفاء الإلهي جبريًّا أو اعتباطيًّا، وإنَّما هو قائم على أُسُس علّيَّة تكوينيَّة، من اختيار الإنسان والفيض الحكمي لله سبحانه.
٢ - أنَّ تسلسل الأئمَّة (عليهم السلام) بنحو وجودهم الزماني المعيَّن، وظروفهم

-----------------

(٢٤٤) رسائل إخوان الصفاء (ج ٢/ ص ٣٤٣).
(٢٤٥) وإذا قيل: إنَّ قانون العلَّة المذكور إنَّما يُتصوَّر في الأُمور التكوينيَّة وليست التشريعيَّة، لأنَّ أمرها اعتباري تحكمها إرادة المعتبر فيضعها كيفما وأينما شاء.
قلنا: إنَّ الأُمور الاعتباريَّة وإنْ كانت هي بيد المعتبر، ولكن ليس المعتبر لا يلحظ الواقع، إذ إنَّ منطلقاته ستكون نفس أمريَّة (وعلى مسلك المشهور أنَّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد)، فهي ليست قضايا جزافيَّة، بل ستكون لأُمور تكوينيَّة، فيكون عالم الاعتبار محكوماً بنفس قوانين عالم التكوين، وعليه تخضع العلَّة التشريعيَّة لقانون العلَّة التكوينيَّة (عدم الاختلاف والتخلُّف).

(١٧٢)

الموضوعيَّة، خاضعٌ للأمر الإلهي الحكمي في ملاحظة مقاماتهم الذاتيَّة، ممَّا استدعى تولِّي كلٍّ منهم دوراً معيَّناً يناسبه، وكان للوجود المهدوي (عجَّل الله فرجه) مقام (خاتميَّة الولاية).
٣ - بعد انحصار الإمامة والولاية الخاتمة بالوجود المهدوي - لخصائصه - لزم حماية هذا الوجود المقدَّس وإلَّا صار نقضاً لغرض الخالق من الخلق، إذ لا يمكن أنْ يحلَّ محلَّه أحدٌ من الخلق.
٤ - بعد توقُّف الوجود الكوني والمشروع الإلهي على وجوده (عجَّل الله فرجه) استدعى ذلك تدخُّل يد الغيب في حمايته، وكان يمكن ذلك بنحوين:
إمَّا حمايته من القتل بنحو إعجازي فيبقى حاضراً بين الأُمَّة، وإمَّا تغيُّبه حتَّى يحين الوقت المناسب لتنجيز وعده بالنصر، وعلى الأوَّل يستلزم محذورين فاسدين حيث تُخرَق النواميس الطبيعيَّة التي لم تحدث للحفاظ على حياة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) أو الأئمَّة أو بقيَّة الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام).
وأيضاً فساد عقيدة الناس لرؤيتهم وجوداً حيًّا لمئات السنين دون أنْ يغلبه غالب فيعتقدون بأُلوهيَّته واستحقاقه العبادة من دون الله سبحانه.
٥ - أنَّ الظهور يستدعي إقامة مشروع السماء، وذلك إنَّما يتمُّ بقبول الناس له، ولا يكون ذلك إلَّا بنضوج البشريَّة وإدراكهم التامِّ بضرورة إقامة المشروع الإلهي بعد عجز كلِّ المنجزات البشريَّة والمشاريع الوضعيَّة، وعندئذٍ يتوجَّه وعيهم إلى ضرورة الإيمان بالمنقذ العالمي من قِبَل الله سبحانه وتعالى.
مضافاً إلى أنَّ تكامل العقول والوصول إلى هذا النضج يحتاج العنصر الزماني، فكانت الغيبة إلى ذاك الحين.

* * *

(١٧٣)

لمعرفة العقيدة المهدويَّة في الفكر الشيعي لا بدَّ من استعراض بعض النقاط:
النقطة الأولى: مفهوم التشيُّع:
عادةً ما يُعرَّف المفهوم بمعناه اللغوي والاصطلاحي، ولا صعوبة في المفهوم اللغوي للتشيُّع، إذ يمكن إبراز معناه بنحو واضح محدَّد، وأمَّا الاصطلاحي منه فقد اختلفت فيه القيود كونه اعتقاداً بأفكار وآراء على ضوئها تتوسَّع دائرة الشمول وتتضيَّق، ونسبة بعضها إلى الآخر نسبة العموم والخصوص المطلق، ولذلك سنعتمد على العنصر الأعمّ من بين تلك المعتقدات، وما يكون جامعاً للطوائف ورئيسيًّا في منطلقها الاعتقادي ومنه تكون صفة الجامعيَّة والمانعيَّة لمصاديق المفهوم المعرَّف.
التشيُّع لغةً: هو المشايعة، أي المتابعة والمناصرة والموالاة(٢٤٦).
التشيُّع اصطلاحاً: وقد وردت له تعاريف متعدِّدة، وإليك نموذجاً منها:
١ - ((الشيعة من شايع عليًّا (عليه السلام)) أي اتَّبعه (وقدَّمه) على غيره في الإمامة، وإنْ لم يوافق على إمامة باقي الأئمَّة بعده، فيدخل فيهم الإماميَّة، والجاروديَّة من الزيديَّة، والإسماعيليَّة غير الملاحدة منهم، والواقفيَّة، والفطحيَّة)(٢٤٧).

-----------------

(٢٤٦) راجع: الصحاح للجوهري (ج ٣/ ص ١٢٤٠/ مادَّة شيع)، ولسان العرب (ج ٨/ ص ١٨٨/ مادَّة شيع)، وتاج العروس (ج ١١/ ص ٢٥٦/ مادَّة شيع).
(٢٤٧) الروضة البهيَّة (ج ٣/ ص ١٨٢).

(١٧٧)

٢ - (الشيعة هم مَنْ شايع عليًّا وقدَّمه على أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، واعتقد أنَّه الإمام بوصيَّة من رسول الله أو بإرادة من الله تعالى نصًّا كما يرى الإماميَّة، أو وصفاً كما يرى الجاروديَّة)(٢٤٨).
٣ - (الشيعة هم فرقة عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) المسمَّون بشيعة عليٍّ (عليه السلام) في زمان النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)... ومَنْ وافق مودَّته مودَّة عليٍّ (عليه السلام))(٢٤٩).
٤ - (الشيعة هم الذين شايعوا عليًّا (رضي الله عنه) على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصًّا ووصيَّةً، إمَّا جليًّا وإمَّا خفيًّا، واعتقدوا أنَّ الإمامة لا تخرج من أولاده وإنْ خرجت فبظلمٍ يكون من غيره أو بتقيَّة من عنده)(٢٥٠).
٥ - (الشيعة مَنْ يشايع عليًّا وأولاده باعتبار أنَّهم خلفاء الرسول وأئمَّة الناس بعده، نصبهم لهذا المقام بأمرٍ من الله سبحانه...، إنَّ هذا اللفظ (الشيعة) يشمل كلَّ مَنْ قال: إنَّ قيادة الأُمَّة لعليٍّ بعد الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، وإنَّه يقوم مقامه في كلِّ ما يمتُّ إليه سوى النبوة ونزول الوحي عليه. كلُّ ذلك بتنصيص من الرسول، وعلى ذلك فالمقوِّم للتشيُّع وركنه الركين هو القول بالوصاية والقيادة بجميع شؤونها للإمام (عليه السلام)، فالتشيُّع هو الاعتقاد بذلك، وأمَّا ما سوى ذلك فليس مقوِّماً لمفهوم التشيُّع، ولا يدور عليه إطلاق الشيعة)(٢٥١).
وبعد استعراض بعض ما ورد في تعريف المصطلح، ننتزع المفهوم الأعمّ فيها، وهو مشايعة عليٍّ (عليه السلام)، ووفق رأي أعلام المذهب أنَّها مشايعة على أساس الاعتقاد بالتنصيب والنصِّ الإلهي، ممَّا سوَّغ ذلك المبدأ أنْ يكون المقوِّم للتشيُّع.

-----------------

(٢٤٨) هويَّة التشيُّع (ص ١٢).
(٢٤٩) فِرَق الشيعة (ص ١٧ و١٨).
(٢٥٠) المِلَل والنِّحَل للشهرستاني (ج ١/ ص ١٤٦).
(٢٥١) بحوث في المِلَل والنِّحَل (ج ٦/ ص ٩ و١٠).

(١٧٨)

وقد اتَّضح من العنوان تناول المعنون لفِرَق شيعيَّة مختلفة، إذ لم نقصد الكلام في خصوص الفرقة الحقَّة منهم(٢٥٢).
النقطة الثانية: فِرَق الشيعة:
وقد بلغ بعض المؤلِّفين في تعدادها إلى الثلاثين فرقة وأكثر بقليل أو كثير، وإليك أبرزها:
١ - الكيسانيَّة: القائلة بإمامة عليٍّ (عليه السلام)، والحسنين (عليهما السلام)، ثمّ إمامة محمّد (ابن الحنفيَّة).
وتعتقد الكيسانيَّة غياب ابن الحنفيَّة في جبل رضوى، وظهوره بأمر الله تعالى.
٢ - الناووسيَّة: القائلة بإمامة الأئمَّة (عليهم السلام) إلى سادسهم، وذهبوا إلى مهدويَّة الإمام الصادق (عليه السلام)، وأنَّه حيٌّ لم يمت.
٣ - الإسماعيليَّة: وتتشعَّب إلى فِرَق كـ (القرامطة، والدروز، والمستعلية، والنزاريَّة)، وهي تعتقد بإمامة الأئمَّة (عليهم السلام) إلى جعفر الصادق (عليه السلام)، وتذهب إلى إمامة ابنه إسماعيل بن جعفر، وسيأتي المزيد من البيان.
٤ - الزيديَّة: وهم الذين اعتقدوا بإمامة زيد بعد أبيه السجَّاد (عليه السلام)، وذهبوا إلى أنَّ الإمام مَنْ قام بالسيف، ولهم تسميات كثيرة أطلقها المؤرِّخون وقد اختلفوا في تعدادها، وما يهمُّنا المشترك العقدي بينها بمقدار ما يرتبط بالفكرة المهدويَّة، وما هو واقعٌ فعلي لها في الزمن المعاصر - وعلى ذلك سنقتصر في البحث عند الحديث عنهم -.

-----------------

(٢٥٢) وهم الإماميَّة الاثنا عشريَّة، وقد أشار إلى ذلك الشيخ السبحاني في كتابه (بحوث في المِلَل والنِّحَل) بعد أنْ تعرَّض لزيف دعوى انتماء الفِرَق الشيعيَّة إلى مذهب التشيُّع وكونها دعوى متوهَّمة ومجانبة للصواب ولا تصمد مع المناقشة العلميَّة والدليل، فراجع: بحوث في المِلَل والنِّحَل (ج ٦/ ص ٩ و١٠، وج ٧/ ص ٨ و٩).

(١٧٩)

٥ - الإماميَّة الاثنا عشريَّة: وهم مَنْ يعتقدون بإمامة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، أوَّلهم الإمام عليٌّ وآخرهم الإمام المهدي المنتظَر (عليهم السلام)، وهذه الفرقة هي الأشهر والأكثر انتشاراً، والتي أُسِّست على مباني وأدلَّة عقليَّة ونصّيَّة متواترة.
وهناك الكثير من الأسماء والعناوين الأُخرى التي ذكرها بعض المؤرِّخين لفِرَق الشيعة، وقد يكون منشأ الكثرة هو عدم التحقيق فتُطلَق الدعوى بلا واقع، أو التسامح في إطلاق لفظ الفرقة على القلائل من أفراد اجتمعوا على رأي.
وعلى أيِّ حالٍ مَنْ يريد الوقوف على تلك العناوين يمكنه مراجعة المطوَّلات المتخصِّصة في ذلك.
وفي بحثنا سنذكر الفِرَق المعاصرة منها فقط، ومناقشة نظرتها حول العقيدة المهدويَّة (وهي: الزيديَّة والإسماعيليَّة)، وقراءتهم للمصداق المهدوي المبارك، كما سنتعرَّض إلى بعض الأفكار والرؤى التي لا تؤمن بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وإنْ حُسِبَ أصحابها على الطائفة الحقَّة الإماميَّة الاثني عشريَّة (أعلى الله كلمتهم).
النقطة الثالثة: المباني المعرفيَّة للفِرَق الشيعيَّة:
الفرقة الأُولى: الزيديَّة:
رغم انتساب الزيديَّة لزيد ابن الإمام عليِّ بن الحسين (عليه السلام) إلَّا أنَّه انتساب جَدَلي، لا يستقيم عند مقارنة عقائد وآراء وأفكار الفرقة الزيديَّة مع ربيب البيت العلوي، ذلك الرجل الثوري المفسِّر للقرآن الكريم والمحدِّث للسُّنَّة النبويَّة الذي نشأ وتعلَّم الأُصول والعقائد من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) وعلى رأسهم

(١٨٠)

الإمام زين العابدين (عليه السلام) وأخيه الباقر (عليه السلام)، وإليك مبانيهم العقديَّة والفكريَّة في تأسيس الإمامة:
أوَّلاً: عدم اشتراط النصِّ والعصمة والمعجزة في الإمام، وجواز تقدُّم المفضول على الفاضل(٢٥٣).
ثانياً: ذهب الزيديَّة إلى القول بإمامة عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ الحسن والحسين (عليهما السلام) بالنصِّ الجلي أو الخفي عن النبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله).
ثالثاً - عقد الإمامة -: واختلف الزيديَّة في كيفيَّة عقد الإمامة بعد المنصوص عليهم:
أ - فمنهم مَنْ ذهب إلى انعقادها في كلِّ فاطمي عادل عالم شجاع شاهرٍ سيفه للجهاد وداعٍ إلى نفسه(٢٥٤).
ب - ومنهم مَنْ وافق ما مرَّ بيانه في الانعقاد بإضافة قيود على الدعوة إلى النفس للاحتراز من الوقوع في فخِّ التنافس على الدعوة والتصدِّي، فقيل: مع عدم المنازع يفوز المتصدِّي وتنعقد الإمامة له، ومع المنازع فتتعيَّن البيعة من الأكثريَّة بعد سبق ترشيحه من ذوي الحلِّ والعقد لمعرفة حصوله على الشروط المؤهِّلة له، ومنهم مَنْ قال بكفاية بيعة واحد برضا أربعة من أهل الحلِّ والعقد.
ونستشفُّ ممَّا مرَّ بيانه أنَّ أُسُس الإمامة عند الزيديَّة هي التالي:
١ - الوراثة: كون الداعي فاطميًّا.

-----------------

(٢٥٣) البحر الزخَّار (ج ١/ ص ٤٠).
(٢٥٤) وبخلاف ذلك موقف زيد بن عليٍّ من الإمامة، فقد روى الصدوق (رحمه الله) في أماليه (ص ٦٣٧/ ح ٨٥٦/٦) بسنده عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): (فِي كُلِّ زَمَانٍ رَجُلٌ مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ يَحْتَجُّ اَللهُ بِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَحُجَّةُ زَمَانِنَا اِبْنُ أَخِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، لَا يَضِلُّ مَنْ تَبِعَهُ، وَلَا يَهْتَدِي مَنْ خَالَفَهُ).

(١٨١)

٢ - الدعوة إلى الإمامة بعد الاتِّصاف بالكمال المزعوم.
٣ - الخروج بالسيف.
ولذلك استقرَّ رأي الزيديَّة على إمامة زيد بن عليٍّ (رضي الله عنه) رغم أنَّه تصدَّى للجهاد بعنوان مقارعة أهل الباطل، وليس للترشيح للإمامة الإلهيَّة وإعرابه عن ذلك، إلَّا أنَّ منهجهم المعرفي فرض تلك النتيجة.
رابعاً: يُنكِر الزيديَّة غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، لتعارض الغيبة مع مبنى الزيديَّة في استحقاق الإمامة، وهو مبدأ الدعوة العلنيَّة والخروج بالسيف، فهم يعتقدون كونه من ولد فاطمة (عليها السلام) ومن أبناء الحسن (عليه السلام)، ولا يعتقدون بعصمته ولا بولادته، بل إنَّه سيُولَد في آخر الزمان(٢٥٥).
الفرقة الثانية: الإسماعيليَّة:
ذكرنا فيما سبق(٢٥٦) ماهيَّة الفكر الباطني ومعالمه، ومناشئ التصاقه بمذهب التشيُّع، ولذا عُدَّت الإسماعيليَّة من الفِرَق الشيعيَّة التي عُرِفَت بالباطنيَّة تارةً والسبعيَّة أُخرى.
وهي فرقة ذات بدايات عقديَّة بسيطة لا يُميِّزها إلَّا الإيمان بإمامة إسماعيل ابن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث ترى فيه شخصيَّة القائم الغائب الذي ادُّعي موته للتستر عليه تقيَّةً، (وهذه هي الإسماعيليَّة الأُولى) التي انقرضت بعد أنْ تطوَّرت من خلال اتِّصال دعاتها بأصحاب الحركات الباطنيَّة والفلسفيَّة، ثمّ تشعَّبت إلى مذاهب(٢٥٧).

-----------------

(٢٥٥) راجع: العقد الثمين في تبيين أحكام سيرة الأئمَّة الهاديين، تصنيف الإمام عبد الله بن حمزة بن سليمان (إمام للزيديَّة).
(٢٥٦) راجع البحث الرابع (ص ٧٣).
(٢٥٧) يقول الشيخ السبحاني في بحوث في المِلَل والنِّحل (ج ٨/ ص ٤٣): (إنَّ الإسماعيليَّة كانت فرقة واحدة، فانشقَّت إلى: قرامطة، ودروز، وبهرة، ونزاريَّة).

(١٨٢)

والإسماعيليَّة اليوم فرقتان(٢٥٨):
١ - الآغاخانيَّة: وهم مَنْ يسوقون الإمامة في ذرّيَّة إسماعيل بن الإمام الصادق (عليه السلام) (بعضهم من خلفاء مصر)، وهم فرع من الفرقة النزاريَّة.
٢ - البُهرة: وهم مَنْ يسوقون الإمامة في ولد إسماعيل حتَّى ينتهوا إلى شخصٍ يدَّعون أنَّه المهدي الغائب، وأمَّا مَنْ يُطلَق عليه سلطان البهرة فالظاهر أنَّه من قبيل نائب الإمام (عجَّل الله فرجه).
أمَّا ما يرتبط بالمبنى العقدي لتأسيس أصل الإمامة والمهدويَّة(٢٥٩) عندهم فهي بالنحو التالي:
المبنى العقدي للإسماعيليَّة:
أوَّلاً: الإيمان بالنطقاء الستَّة:
(والمقصود منهم الرُّسُل)، وأنَّ لكلِّ رسول سبعة من الأئمَّة تالين له، فالنبيُّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله) رسول تلاه سبعة من الأئمَّة، وهم: عليُّ بن أبي طالب، والحسن بن عليٍّ، والحسين بن عليٍّ، وعليُّ بن الحسين، ومحمّد بن عليٍّ الباقر، وجعفر بن محمّد الصادق (عليهم السلام)، وإسماعيل بن جعفر.
ويعتقدون أنَّ بعد إتمام دور الإمام السابع تبدأ دورة جديدة من الناطق، ثمّ الأئمَّة السبعة، (ولذلك سُمّيت هذه الفرقة بالسبعيَّة).
ويقول الشيخ السبحاني: (وبذلك يتمُّ دور الأئمَّة السبعة، ويكون التالي رسولاً ناطقاً سابعاً وناسخاً للشريعة السابقة، وهو محمّد بن إسماعيل، وهذا ممَّا

-----------------

(٢٥٨) راجع: أعيان الشيعة (ج ٣/ ص ٣١٦).
(٢٥٩) سنعتمد في تقصِّي ذلك على مصدرين: الإمامة في الإسلام لعارف تامر، وتاريخ الدعوة الإسماعيليَّة لمصطفى غالب.

(١٨٣)

يصادم عقائد جمهور المسلمين من أنَّ نبيَّ الإسلام (صلَّى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء والمرسَلين، وشريعته خاتمة الشرائع، وكتابه خاتم الكُتُب)(٢٦٠).
ثانياً: إنَّما تكون الولاية الإلهيَّة على نحوين:
مقام الناطق، (وهو موكول إلى الرُّسُل - كما ذكرنا -).
ومقام الإمامة، وفيه درجات خمسة:
١ - الإمام المقيم: وهي أعلى مراتب الإمامة، فله تقييم الرسول الناطق، ومصداقه عندهم هو أبو طالب (عليه السلام) عمُّ النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله).
٢ - الإمام الأساس: ويُقصَد منه - مَنْ رافق الناطق في كافَّة مراحل حياته - فيكون ساعده الأيمن والقائم بأعمال الرسالة الكبرى، والمسؤول عن شؤون الدعوة الباطنيَّة المختصَّة بفئة خاصَّة بلغوا العلوم الإلهيَّة، (ومنه يترشَّح بقيَّة الأئمَّة السبعة)، ومصداق هذا المقام في عقيدتهم هو الإمام عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام)، (وهو معنى الوصاية).
٣ - الإمام المتمُّ: وهو الذي يُتِمُّ أداء الرسالة في نهاية الدور، والإتمام إنَّما هو بنحو استجماع قوَّة وقدرة مَنْ سبقه من الأئمَّة بمجموعهم، وكان مصداقه عندهم محمّد بن إسماعيل.
٤ - الإمام المستقرُّ: وهو مَنْ يتولَّى شؤون الإمامة أصالةً، ومَنْ له صلاحيَّة توريثها لولده أو النصِّ عليها لمن بعده، ومصداقها (الإمام الحسين، وعليُّ بن الحسين، والباقران (عليهم السلام))، وإسماعيل بن جعفر، ومحمّد بن إسماعيل.
٥ - الإمام المستودع: وهي الإمامة الاستثنائيَّة الظرفيَّة المأخوذة بالنيابة بنفس صلاحيَّات الإمام المستقرِّ، ولذلك لا يستطيع توريثها لأحدٍ من ولده، ومصداقه الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).

-----------------

(٢٦٠) بحوث في المِلَل والنِّحَل (ج ٨/ ص ١١).

(١٨٤)

وهاهنا ينقدح الاستفهام عن موقع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في تلك المنظومة العقديَّة.
ويمكن القول في ذلك:
تمتدُّ الإمامة في عقيدة الإسماعيليَّة منذ خلق آدم (عليه السلام) وإلى ما شاء الله، فليس من عدد يحدُّها، فالأئمَّة عندهم إمَّا مستورين أو ظاهرين متعاقبين على مقامها - واتَّضح ذلك من فكرة دورات الأئمَّة السبعة -، وفي تعيين مصداق القائم (عجَّل الله فرجه) عندهم خلاف، فالإسماعيليَّة الأُولى ذهبوا إلى أنَّ المهدي الغائب هو إسماعيل بن الإمام الصادق (عليه السلام)، ومنهم مَنِ اعتقد بكونه محمّد بن إسماعيل بن الإمام الصادق (عليه السلام). أمَّا الجماعة المعاصرة من الإسماعيليَّة فالأمر مردَّد عندهم، فقد يكون قد وُلِدَ ومعاصر أو لا زال في صلب أبيه، والمقدار المتيقَّن عندهم أنَّه من ولد الحسين (عليه السلام) ولابُدّيَّة الظهور والغلبة له.
ثالثاً: استمرار الإمامة في العالم:
حيث إنَّ الإمامة ستكون محفوظة في جميع أجزاء سلسلة الدورات، فالإمام هو الحافظ لهداية الأُمَّة التي ورثها من النبيِّ والوصيِّ، وهو المعلِّم للشريعة، والكافل لبيان المراد الإلهي وأسرار معارفه، وبذلك سيكون كلُّ إمام (مستور أو ظاهر) بعد الإمام الصادق (عليه السلام) مساوياً في الفضل للإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) ويقوم بنفس وظائفه(٢٦١).
وهناك قائمة من الأسماء التي ينسبون لها الإمامة!
إذن لا ضير إذا أُبهم شخص المهدي القائم (عجَّل الله فرجه) لقيام كلٍّ منهم بوظيفة الإمامة، نعم سيكون أحدهم هو القائم بإظهار أمر الله سبحانه.

-----------------

(٢٦١) راجع: بحوث في المِلَل والنِّحَل (ج ٨/ ص ٢١٦).

(١٨٥)

الفرقة الثالثة(٢٦٢): أفرادٌ من الاتِّجاه المعاصر:
ما دمنا نلحظ التوجُّه العقدي للمجموعة جاز لنا استعمال مصطلح (الفرقة) على تلك التوجُّهات الجديدة التي صارت اليوم تحوم حول القضيَّة المهدويَّة لتُنظِّر وتُشكِّك وتُؤوِّل المفاهيم والنصوص فيها، وسنقصر النظر من بين هذه المجموعة على شخصيَّات ثلاث يمكن بمجموعها الإحاطة ببعض تلك التنظيرات في مضمار الشخصيَّة المهدويَّة، وإليك ذلك:
أوَّلاً: الفرد الأوَّل:
الأُسُس الفكريَّة(٢٦٣) للفرد الأوَّل:
١ - عدم الاعتقاد بالنصِّ الجليِّ على إمامة عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)(٢٦٤).
(القول بوجود النصِّ الجليِّ على الإمام عليٍّ [(عليه السلام)] إنَّما نشأ في القرن الثاني الهجري، ولم يكن له وجود سابقاً)(٢٦٥).
٢ - الشورى هي منهج الإسلام في اختيار الحاكم، وأئمَّة أهل البيت(عليهم السلام) كانوا يؤمنون بنظام الشورى، ولم يعرفوا نظريَّة الإمامة الإلهيَّة القائمة على الوراثة العموديَّة في سلالة معيَّنة(٢٦٦).
٣ - نفي العصمة عن الأئمَّة (عليهم السلام)، فهي دعوى أطلقها الغلاة أو المثاليُّون في مواصفات الحاكم(٢٦٧).

-----------------

(٢٦٢) إنَّما أطلقنا لفظ الفرقة مجازاً مراعاةً للتسلسل في تعداد التوجُّهات المختلفة في قراءة شخصيَّة الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه)، وإنْ لم تكن فرقة بالمعنى الدقِّي، بل هو إطلاق تنزُّلي ادِّعائي، وذلك لكون مبانيها الفكريَّة متقاربة جدًّا.
(٢٦٣) الأعمُّ من العقديَّة والمعرفيَّة المساهمتين في تأسيس المنهج.
(٢٦٤) ولازم ذلك فقدان شرعيَّة التنصيب من الوحي، فيضعف الحجّيَّة بين سلسلة الأئمَّة (عليهم السلام).
(٢٦٥) جملة من الحقائق التي توصَّل إليها الفرد الأوَّل؛ اُنظر: موقع سُنَّة أو شيعة/مقالات الشيعة والتصحيح.
(٢٦٦) المصدر السابق.
(٢٦٧) شُبُهات وردود للسيِّد سامي البدري (ص ٦٣).

(١٨٦)

٤ - نفي تعداد الاثني عشر للأئمَّة (عليهم السلام)، وعدم النصِّ النبوي على أسمائهم، وإنَّما يُعيِّن السابق اللَّاحق في آخر دقائق حياته، ولم يقع ذلك من العسكري (عليه السلام) لفقدان الولد(٢٦٨).
٥ - عدم الاعتقاد بوجود شخص المهدي، وإجماع الشيعة على ذلك في القرنين الثالث والرابع، نعم استُحدِثَت المهدويَّة بعد ذلك(٢٦٩).
إذن لا يؤمن القائل بضرورة النصِّ في تعيين الإمامة، ويعتقد بعدم وقوع ذلك من النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) في حقِّ عليٍّ (عليه السلام) فضلاً عن بقيَّة ولده، ولم يُشخِّص (صلَّى الله عليه وآله) الإمامة بالعدد أو الاسم أو احتباسها في سلالتهم، فهي زعامة دنيويَّة يجري فيها ما يجري في تعيين الحاكم، ولذلك لا معنى لفرض العصمة ووجود إمام غائب، بل إنَّ الأدلَّة قامت على عدم وجود ولدٍ للعسكري (عليه السلام).
المنهج المعرفي له:
تُعتبَر عقيدة الإمامة منظومة متكاملة متسلسلة المطالب للأُصول والفروع، وما أنْ تُحكَم أُسُسها حتَّى تنضبط فروعها، ومن الواضح في بُنى القائل الفكريَّة تزلزل تلك الأُسُس ممَّا دفع به بعيداً عن قبول الفروع واللوازم، وإليك توضيح ذلك:
١ - الاعتقاد بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ثمّ غيبته إنَّما هو فرع الاعتقاد بحجّيَّة النصِّ الوارد فيه على لسان أبيه وأجداده (عليهم السلام)، فإذا لم يكن الإمام معصوماً لم تصل النوبة إلى حجّيَّة قوله. والكلام هو الكلام في بقيَّة الأُصول العقديَّة كالنصِّ على عدد الاثني عشر، وذكر أسماء الأئمَّة على لسان النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وانحصار الإمامة في السلالة الحسينيَّة وبنحوها العمودي، وعدم خلوِّ الأرض من حجَّة

-----------------

(٢٦٨) شُبُهات وردود للسيِّد سامي البدري (ص ٧١).
(٢٦٩) شُبُهات وردود للسيِّد سامي البدري (ص ٣٩٣).

(١٨٧)

وهادٍ، فكلُّ ذلك مقدَّمات لقبول الوجود المهدوي ثمّ غيبته.
٢ - اعتماد صاحب الدعوى على قاعدة (الأصل في الأشياء العدم)، ممَّا يُسهِّل ذلك الردَّ والإسقاط لعدم الحاجة إلى دليل وبحث وتنظيم منهجي لقبول الفكرة عندئذٍ، فمن الواضح أنَّ إثبات الموجودات يحتاج إلى دليل ولا عكس، ولكن لا يقال: إذن انقطعت الحجَّة، لأنَّ مع الدليل تسقط تلك القاعدة المعتمدة، فإنَّها لا تُثبِت عدم وجود المهدي، بل غاية ما تُدركه هو قوَّتها في ظرف محدود، وهو عند عدم الدليل، وأدنى ما يُمكننا القول في ذلك: إنَّ تمسُّك المدَّعي بهذه القاعدة بعد أنْ رفض كلَّ أدلَّة الإثبات لا يصمد أمام حقائق تاريخيَّة يقبلها حتَّى هو، ألَا وهي ما شهده التاريخ من خروج شخصيَّات كثيرة نُسِبَت لها المهدويَّة والغيبَّة كـ (الإمام الكاظم (عليه السلام)، وأخيه إسماعيل، وابن الحنفيَّة وغيرهم)، وبذلك فإنَّ التسليم بهذه التاريخانيَّات يُثبِت وجود هذه الفكرة (شخصيَّة الإمام الغائب)، وهو دالٌّ على شيوع هذه الفكرة من عهد ابن الحنفيَّة الذي يقترب من عهد النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وفي ذلك دلالة واضحة على وجود نصوص أطلقها (صلَّى الله عليه وآله) ومَنْ بعده من الأئمَّة (عليهم السلام)، ولولا ذلك فمن أين أتى المجتمع الإسلامي آنذاك بهذه الأفكار؟!
٣ - تجاوز النصِّ الوحياني، وتعظيم مدارك العقل الإنساني المستقلِّ عن الوحي، والعمل على الانسجام مع الواقع المادِّي المعاصر الذي يرفض الخضوع للغيب وتقنيناته.
وسنقف عند الأدلَّة التي أنكرها صاحب الدعوى.
ثانياً: الفرد الثاني:
وقد أطلق ثلاث دعاوى خالفت مشهور الإماميَّة، وفيها تشويه مصداقي للإمام (عليه السلام)، وإليك بيانها:

(١٨٨)

أ - ظرف الغيبة:
ذكرنا سابقاً(٢٧٠) مظاهر الغيبة المتصوَّرة في حقِّ الإمام القائم (عجَّل الله فرجه)، وأثبتنا الأنحاء التي يقبلها الدليل من الغيبة والتي يردُّها، وهي الغيبة من على الأرض والرفع إلى نشأة غير النشأة التي نقطنها.
ولكن هناك دعوى معاصرة على ارتحال الإمام (عجَّل الله فرجه) إلى نشأة دنيويَّة غير التي نعرفها، وذلك على أساس أنَّ الدنيا ليست ذات نشأة متواطئة، بل هي مشكَّكة ولها نشآت، وأنَّه (عجَّل الله فرجه) يظهر في الدنيا ولكن في إحدى مراتبها المشكَّكة.
وبالتالي لا يمكن أنْ نعيش بما يُسمَّى عصر الظهور، بل لا يمكن ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في دنيانا، بل هو منتظِر في نشأة دنيويَّة أُخرى والبشريَّة(٢٧١) ستلتحق به!
وربَّما يكون المنشأ لهذه النظريَّة هو تفسير صاحب الدعوى لما ذكره بعض العلماء المتأخِّرين (الشيخ الأحسائي والعلَّامة الطباطبائي) بأنَّ الظهور إنَّما يتمُّ في عالمٍ غير الدنيا، وهذا ما استظهره من قولهما التاليين:
قال الشيخ الأحسائي (رحمه الله): (وأمَّا أمر ظهوره (عجَّل الله فرجه)... فاعلم أنَّ الدنيا هذه قد خاف فيها من الأعداء، فلمَّا فرَّ من هذه المسمَّاة بالدنيا انتقل إلى الأُولى، والخلق يسيرون إليه، لكنَّه (عليه السلام) سريعُ السير فقطع مسافة في لحظة والناس يسيرون إلى الأُولى يسير بهم التقدير سير السفينة براكبها في هذا النهر الراكد الذي هو الزمان، وكان طرفا الزمان أوَّله وآخره لطيفين للطافة الأجسام الواقفة فيهما

-----------------

(٢٧٠) راجع البحث السادس (ص ١٥١).
(٢٧١) راجع موقع كمال الحيدري/ قسم المرئيَّات/ عنوان المقطع: موقف الحيدري من نظريَّة الشيخ الأحسائي والطباطبائي في زمن ظهور الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه).

(١٨٩)

ولطافة تلك الأمكنة، ووسط الزمان كثيف ككثافة أجسامه وأمكنته، فإذا وصلوا إليه قام بالأمر وظهر الدِّين كلُّه...)(٢٧٢).
وقال السيِّد الطباطبائي (رحمه الله): (... إنَّ يوم الرجعة من مراتب يوم القيامة، وإنْ كان دونه في الظهور لإمكان الشرِّ والفساد فيه في الجملة دون القيامة، ولذلك ربَّما أُلحق به يوم ظهور المهدي (عليه السلام) أيضاً تمام، لظهور الحقِّ فيه أيضاً تمام الظهور وإنْ كان هو أيضاً دون الرجعة، وقد ورد عن أئمَّة أهل البيت: «أيَّام الله ثلاثة: يوم الظهور، ويوم الكرَّة، ويوم القيامة»(٢٧٣)...، وهذا المعنى أعني الاتِّحاد بحسب الحقيقة والاختلاف بحسب المراتب، هو الموجب لما ورد في تفسيرهم (عليهم السلام) بعض الآيات بالقيامة تارةً وبالرجعة أُخرى وبالظهور ثالثة...)(٢٧٤).
فيذهب السيِّد الطباطبائي (رحمه الله) إذن إلى أنَّ عالم القيامة والرجعة والظهور ذات حقيقة وسنخيَّة واحدة.
نعم، يُصرِّح صاحب الدعوى أنَّ الفارق بينه وبينهما هو ذهابهما إلى تحقُّق الظهور في عالم غير الدنيا ومن سنخ الآخرة، وذهابه إلى كونه في عالم الدنيا ولكن عند مرتبة دنيويَّة غير التي نعرفها، وسنقف عند مناقشة ما ذُكِرَ.
ب - التشكيك في تواقيع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
يعتقد صاحب الدعوى أنَّ مقولة التواقيع(٢٧٥) الصادرة عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لا يصحُّ قبولها، لعدم معرفة الخطِّ الكتبي للإمام (عجَّل الله فرجه)، ولذلك لا نطمئنُّ بنسبة ما جاء فيها إليه (عجَّل الله فرجه).

-----------------

(٢٧٢) جوامع الكلم (ج ٨/ ص ٤٢٢/ الرسالة الرشتيَّة).
(٢٧٣) الخصال (ص ١٠٨/ ح ٧٥)؛ وفيه: «أيَّام الله ثلاثة: يوم يقوم القائم...».
(٢٧٤) تفسير الميزان (ج ٢/ ص ١٠٩).
(٢٧٥) التوقيع الشريف مصطلح أُطلق على الرسائل التي كتبها الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وبياناته الصادرة جواباً لأسئلة شيعته أو ابتداءً، وكان يختمها بختمه الشريف، فتصل إليهم عن طريق سفرائه (رضي الله عنهم).

(١٩٠)

وقد جاء عنه أيضاً: (كيف يمكن لنا التثبُّت من التوقيعات الصادرة عن الناحية المقدَّسة عبر السفراء أنَّها للإمام وبخطِّه، فلعلَّ السفراء تعمَّدوا الكذب فيما نقلوه لعدم عصمتهم كحال العادل، فهو ليس معصوماً، فيمكن أنْ يتعمَّد المعصية...)(٢٧٦).
ثالثاً: الفرد الثالث:
وقد انطلقت هذه الحركة بعدَّة من العناوين المشرعنة لها، فقيل في الشخصيَّة: إنَّه أوَّل المهديِّين الاثني عشر، ويستند هذا العنوان إلى رواية الشيخ الطوسي (رحمه الله) في كتاب (الغيبة)، حيث جاء فيه:
أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُفْيَانَ اَلْبَزَوْفَرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سِنَانٍ اَلمَوْصِلِيِّ اَلْعَدْلِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْخَلِيلِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ اَلْمِصْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ اَلْبَاقِرِ، عَنْ أَبِيهِ ذِي اَلثَّفِنَاتِ سَيِّدِ اَلْعَابِدِينَ، عَنْ أَبِيهِ اَلْحُسَيْنِ اَلزَّكِيِّ اَلشَّهِيدِ، عَنْ أَبِيهِ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) - فِي اَللَّيْلَةِ اَلَّتِي كَانَتْ فِيهَا وَفَاتُهُ - لِعَلِيٍّ (عليه السلام): يَا أَبَا اَلْحَسَنِ، أَحْضِرْ صَحِيفَةً وَدَوَاةً. فَأَمْلَا رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) وَصِيَّتَهُ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى هَذَا اَلمَوْضِعِ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ إِمَاماً، وَمِنْ بَعْدِهِمْ اِثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا، فَأَنْتَ يَا عَلِيُّ أَوَّلُ اَلْاِثْنَيْ عَشَرَ إِمَاماً...، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ اَلْحَسَنِ اَلْفَاضِلِ، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ مُحَمَّدٍ اَلمُسْتَحْفَظِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)، فَذَلِكَ اِثْنَا عَشَرَ إِمَاماً، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِ اِثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا...»(٢٧٧)، وبذلك يدَّعي أنَّه ابن الإمام (عجَّل الله فرجه).

-----------------

(٢٧٦) مدوَّنة كتابات في الميزان/ شبهة السيِّد الحيدري باحتمال كذب سفراء الحجَّة (عجَّل الله فرجه) للشيخ ميرزا حسن الجزيري.
(٢٧٧) الغيبة للطوسي (ص ١٥٠ و١٥١/ ح ١١١).

(١٩١)

وكذلك قدَّم نفسه بعناوين أُخَر كعنوان اليماني(٢٧٨) الموعود، والسفير والوزير والوصيِّ، وقد لاقت تلك الدعاوى التأييد من كثيرٍ، حتَّى صارت قبلة توجُّهاتهم ومناصرتهم.
الأُسُس الفكريَّة له:
١ - انتساب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، من خلال وسائط أربعة.
٢ - ادِّعاء العصمة والعلم الموروث عن أهل البيت (عليهم السلام).
٣ - التشبُّه بالنبيِّ عيسى (عليه السلام)، ومعاصرة جميع الأنبياء الماضين (عليهم السلام).
٤ - أنَّه دابَّة الأرض التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، واعتبارها من أشراط الساعة ومن علاماتها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ...﴾ (النمل: ٨٢).
٥ - تحريم تقليد مراجع التقليد وانحصار ذلك به، لأنَّ رايته الوحيدة هي راية هدى.
٦ - ادِّعاء المقامات والكرامات.
واستند في مزاعمه تلك على:
١ - بعض النصوص الدِّينيَّة، والعمل على تطبيقها المصداقي، واعتبار شخصه محور ذلك.
٢ - مداليل بعض الروايات بعد تقطيعها وإخراجها عن سياقها العامِّ.

-----------------

(٢٧٨) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٦٢ - ٢٦٥/ باب ١٤/ ح ١٣) بسنده عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) أَنَّهُ قَالَ: «خُرُوجُ اَلسُّفْيَانِيِّ وَاَلْيَمَانِيِّ وَاَلْخُرَاسَانِيِّ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، نِظَامٌ كَنِظَامِ اَلْخَرَزِ يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضاً...، وَلَيْسَ فِي اَلرَّايَاتِ رَايَةٌ أَهْدَى مِنْ رَايَةِ اَلْيَمَانِيِّ، هِيَ رَايَةُ هُدًى، لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى صَاحِبِكُمْ...، وَإِذَا خَرَجَ اَلْيَمَانِيُّ فَانْهَضْ إِلَيْهِ، فَإِنَّ رَايَتَهُ رَايَةُ هُدًى، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَلْتَوِيَ عَلَيْهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ اَلنَّارِ، لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى اَلْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ».

(١٩٢)

٣ - التفسير الدلالي للنصِّ بالذوق الفرداني الشخصي.
٤ - الاستفادة من الأحلام والاستخارة في التحقيق الموضوعي، وجعل الحجّيَّة لها.
مناقشة النتائج السابقة:
تُعتبَر المهدويَّة على ضوء الأدلَّة المتواترة والمتنوِّعة حقيقة ثابتة غير مسترابة، ولتمثيلاتها المتكثِّرة ولوازمها الخطيرة تُعيِّن على المولى مسؤوليَّة أكيدة تجاه مولاه لإفراغ ذمَّته وتحصيل رضاه، وتأمين سلامته بعد أنْ أثقلت أعباء التكليف كاهله، فلم يكن من بُدٍّ للتمسُّك بطرف الإمامة (السبب المتَّصل بين الأرض والسماء)، ولا يتمُّ هذا الغرض بتشخيصه الموضوعي أو الحكمي، بل لا بدَّ من التعيُّن المصداقي، وليس مصداقه الوهمي، بل الواقعي العيني.
ومن الملاحَظ اختلافه في مشخَّصات الفِرَق الشيعيَّة، فالزيديَّة لم تضبط تعيُّنه بوصفٍ خاصٍّ ينحصر به، فكلُّ فاطمي ذو علم وكمال حامل للسيف يمكن أنْ يكون مهديًّا، وأنَّه سوف يُشخَّص في ظرفه بفرد معيَّن. والإسماعيليَّة لم توقف تسلسل الأئمَّة، وساوت في الفضل بينهم، والحال هذه لا يمنع أنْ يكون أيٌّ منهم مهدي الأُمَّة! فهل تقبل المهدويَّة التعدُّد والتمدُّد المصداقي؟
أمَّا التوجُّهات المعاصرة، فمنهم مَنْ شوَّه معالم الإمامة وكسر هيبتها حتَّى ساوى بينها وبين أهل الصلاح جميعاً، فينعدم المائز والتمييز. ومنهم مَنْ نأى بشخصه ليحبسه في عالم غير عالمنا، وفي ذلك محاذير لا تخفى سنأتي عليها، وعندئذٍ لا داعي من حمل همَّ الضلال في شبهة المصداق. ومنهم مَنْ شخَّص المصداق ولكن بنحوه الخاطئ الموهوم.
ومن هذه المقدِّمة ندعو ألباب الفكر إلى التأمُّل في كلِّ المقولات السابقة، لتستقرَّ ينابيع المعرفة على أرض صلبة، فتحترز من ابتلاع الرَّخاء منها لتهوي بها

(١٩٣)

إلى ظلمات الجهل والأهواء، ومن هنا لم نقبل(٢٧٩) المقولات السابقة للتالي:
١ - لماذا لم نقبل الزيديَّة؟
جوابه: بعد التأمُّل في كلماتهم وعقائدهم في الإمامة رأينا أنَّها ابتنت على ثلاثة أركان:
١ - الوراثة (أنْ يكون فاطميًّا).
٢ - أنْ يدعو إلى نفسه - إمامته -.
٣ - حمل السيف.
ويُسقِط الأوَّل كون الإمامة مقام إلهي أوَّلاً، ثمّ زعامة وتولِّي شؤون أُمَّة وتدبيرها، ولا يعتمد على كونه فاطميًّا فقط، وإلَّا لأصبح كلُّ مَنْ كان من ذرّيَّة الزهراء (عليها السلام) صالحاً للإمامة، فإذا فرضنا فيه التنصيب فإنَّه سبحانه لم يختره لنَسَبه فقط، بل لمؤهِّلاته، وإنْ تنازلنا عن التنصيب فأيضاً لن يكون ملاك اختياره الوراثة.
ونُنبِّه إلى أنَّنا وإنْ كنَّا نعلم أنَّ منصب الإمامة منصباً حكميًّا وليس منصباً وراثيًّا، بيد أنَّه لا يعني ذلك إلغاء المنصب الوراثي، فهو مضافاً إلى المنصب الذاتي.
ويُسقِط الثاني والثالث كونهما مبدأين لإثارة شهوة المُلك والتنازع فيه، وتقدُّم غير واحد يصدق عليه تلك المواصفات، وعندئذٍ ما هو المائز بينهم؟ وكيف نعالج صراعات المُلك؟
٢ - لماذا لم نقبل الإسماعيليَّة؟
ذكرنا في البحث سابق الإشكالات على الباطنيَّة، (وهي تسمية أُخرى

-----------------

(٢٧٩) ينبغي التنبُّه إلى أنَّ ما سنذكره من الردود إنَّما هي جزءٌ من كلٍّ وبعضٌ قليل، وهناك تفاصيل أُخرى يمكن الحديث فيها لردِّ تلك الأفكار والرؤى، ولكن لضيق المقام يتعيَّن الإيجاز والإجمال.

(١٩٤)

للإسماعيليَّة)، وكانت بنحو بطلان المنهج المعرفي الذي يُعتبَر عصب الفكر والعقيدة، وبفساده لا تستقيم الرؤية وتخطأ.
وقبل قليل أيضاً ذكرنا اللَّازم الفاسد لعقيدة الإسماعيليَّة كونها تفسح المجال لتمدُّد الإمامة والتعدُّد المصداقي للمهدويَّة.
ورغم هذا وذاك يمكن التنبيه إلى إشكالات أُخرى ترد عليهم، بل على غيرهم ممَّن خطل قوله من بقيَّة الفِرَق والاتِّجاهات، وإليك ذلك:
(فيما يختصُّ بقول إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام))، وهو أساس ومنطلق عقائدي باطل، فقد ادَّعوا:
١ - أنَّ الإمامة كانت في إسماعيل زمن أبيه، ولا تنتقل الإمامة إلَّا إلى مَنْ يرثه وهي سلالته، فكان انتقالها إلى ابنه محمّد بن إسماعيل وليس إلى أخيه موسى ابن جعفر.
٢ - أنَّ إسماعيل لم يمت، وإنَّما دعوى موته تقيَّة.
٣ - الاعتماد على رواية الصادق (عليه السلام): «مَا بَدَا لِله بَدَاءٌ كَمَا بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ اِبْنِي»(٢٨٠)، ففهموا منها بداء الإمامة من الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى إسماعيل بن جعفر.
أمَّا الأوَّل فيردُّه:
أ - الدليل النقلي من عدم تحقُّق إمامة فعليَّة لإمامين في زمن واحد:
ففي صحيحة اَلْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلْعَلَاءِ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام): تَكُونُ اَلْأَرْضُ لَيْسَ فِيهَا إِمَامٌ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: يَكُونُ إِمَامَانِ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا وَأَحَدُهُمَا صَامِتٌ»(٢٨١).

-----------------

(٢٨٠) التوحيد للصدوق (ص ٣٣٦/ باب ٥٤/ ح ١٠).
(٢٨١) الكافي (ج ١/ ص ١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ١).

(١٩٥)

وليس المقصود من الصامت هو الساكت، بل بمعنى أنَّه ليس إماماً فعليًّا، وهذا خلاف إرادتهم.
ب - لا توجد رواية واحدة من الإمام الصادق (عليه السلام) على إمامة ابنه إسماعيل، ومن هنا قال الصدوق (رحمه الله): (بِمَ قلتم: إنَّ جعفر بن محمّد (عليهما السلام) نصَّ على إسماعيل بالإمامة؟ وما ذلك الخبر؟ ومَنْ رواه؟ ومَنْ تلقَّاه بالقبول؟ فلم يجدوا (الإسماعيليَّة) إلى ذلك سبيلاً، وإنَّما هي حكاية ولَّدها قوم قالوا بإمامة إسماعيل، ليس لها أصل)(٢٨٢).
وكذلك تحدَّى الشيخ المفيد (رحمه الله) من أنْ يأتي الإسماعيليَّة برواية تنصُّ على إمامة إسماعيل(٢٨٣).
وإذا كان كذلك فما هو المسوِّغ للاعتقاد بإمامته، ومن بعده إمامة ابنه محمّد؟! فالنصُّ فيها من إسماعيل معناه نصٌّ من غير إمام على إمامة غيره!
ج - هناك روايات عن الإمام الصادق (عليه السلام) في إمامة ولده موسى (عليه السلام):
روى الكليني والمفيد وابن الصبَّاغ والمجلسي عَنِ اَلْفَيْضِ بْنِ اَلمُخْتَارِ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام): خُذْ بِيَدِي مِنَ اَلنَّارِ، مَنْ لَنَا بَعْدَكَ؟ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، فَقَالَ: «هَذَا صَاحِبُكُمْ، فَتَمَسَّكْ بِهِ»(٢٨٤).
وروى المفيد والطبرسي وغيرهما أنَّ أبا عبد الله (عليه السلام) قال بحقِّ موسى بن جعفر (عليهما السلام): «وَهُوَ اَلْقَائِمُ مَقَامِي، وَاَلْحُجَّةُ لِله تَعَالَى عَلَى كَافَّةِ خَلْقِهِ مِنْ بَعْدِي»(٢٨٥).

-----------------

(٢٨٢) كمال الدِّين (ص ٦٩).
(٢٨٣) راجع قوله (رحمه الله) في: الفصول المختارة (ص ٣٠٨ و٣٠٩).
(٢٨٤) الكافي (ج ١/ ص ٣٠٧/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن موسى (عليه السلام)/ ح ١)؛ الإرشاد (ج ٢/ ص ٢١٧)؛ الفصول المهمَّة (ج ٢/ ص ٩٣٣)؛ بحار الأنوار (ج ٤٨/ ص ١٨/ ح ١٨).
(٢٨٥) الإرشاد (ج ٢/ ص ٢٢٠)؛ إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٤ و١٥).

(١٩٦)

أمَّا الثاني فيردُّه: أنَّ الثابت تاريخيًّا هو موت إسماعيل قبل وفاة الإمام الصادق (عليه السلام)، وقد اختُلِفَ في تحديد سنة وفاة إسماعيل إلَّا أنَّ الصحيح منها هو (سنة ١٤٥هـ)، وقد تُوفِّي الإمام الصادق (عليه السلام) سنة (١٤٨هـ)، وقد كان تشييع جنازة إسماعيل بالنحو التالي:
قبل أنْ يحمل الإمام الصادق (عليه السلام) نعش إسماعيل كشف عن وجهه وأشهد الحاضرين أنَّ هذا الميِّت هو ابنه إسماعيل، وحين قادوا الجنازة من مكانها (المدينة) إلى البقيع، كان الإمام الصادق (عليه السلام) كلَّ حين وحين يأمر أنْ يضعوا الجنازة ويكشف عن وجه إسماعيل ويُشهِد الناس أنَّ هذا المسجَّى هو ابنه إسماعيل(٢٨٦)، فبعد ذلك كيف يُفسَح للقول بإمامته واتِّباعه؟ وأمَّا دعوى حياته بعد موته والخروج من قبره، فهي دعوى تحتاج إلى دليل، ولم تثبت.
أمَّا الثالث فيردُّه: قال الصدوق (رحمه الله) في قوله (عليه السلام): «مَا بَدَا لِله بَدَاءٌ...»: (يقول: ما ظهر لله أمر كما ظهر له في إسماعيل ابني، إذ اخترمه (أهلكه، أماته) ليُعلَم بذلك أنَّه ليس بإمامٍ بعدي)(٢٨٧).
وقد رُوِيَ عن آل البيت (عليهم السلام): «مَهْمَا بَدَا لِله فِي شَيْءٍ فَلَا يَبْدُو لَهُ فِي نَقْلِ نَبِيٍّ عَنْ نُبُوَّتِهِ، وَلَا إِمَامٍ عَنْ إِمَامَتِهِ، وَلَا مُؤْمِنٍ قَدْ أَخَذَ عَهْدَهُ بِالْإِيمَانِ عَنْ إِيمَانِهِ»(٢٨٨).
فيما نعتقده في الإمامة:
ابتنت عقيدة الإماميَّة الاثني عشريَّة - بالاتِّفاق - على الأُسُس التالية:
أ - الأئمَّة اثنا عشر(٢٨٩):
عن ابن عبَّاس: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - وذكر حديثاً طويلاً يقول فيه

-----------------

(٢٨٦) راجع: مناقب آل أبي طالب (ج ١/ ص ٢٢٩).
(٢٨٧) التوحيد للصدوق (ص ٣٣٦/ باب ٥٤/ ح ١٠).
(٢٨٨) الفصول المختارة (ص ٣٠٩).
(٢٨٩) راجع: إرساء المحكمات (ص ٨٥ - ٩١).

(١٩٧)

لفاطمة عند ولادة الحسين (عليه السلام) -: «اَلْأَئِمَّةُ بَعْدِي: اَلْهَادِي عَلِيٌّ، وَاَلمُهْتَدِي اَلْحَسَنُ، وَاَلنَّاصِرُ اَلْحُسَيْنُ، وَاَلمَنْصُورُ عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ، وَاَلشَّافِعُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَاَلنَّفَّاعُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَاَلْأَمِينُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، وَاَلرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى، وَاَلْفَعَّالُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَاَلمُؤْتَمَنُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَاَلْعَلَّامُ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) اَلْقَائِمُ (عليه السلام)»(٢٩٠).
وفي (صحيح مسلم): عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول: «لا يزال الدِّين قائماً حتَّى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش»(٢٩١).
ب - الأئمَّة معصومون:
هناك أدلَّة متنوِّعة على ذلك (عقليَّة، نقليَّة - قرآنيَّة وروائيَّة -):
ومن الأدلَّة العقليَّة:
١ - برهان(٢٩٢) امتناع التسلسل.
٢ - برهان حفظ الشريعة وبيانها.
٣ - برهان وجوب الطاعة.
٤ - برهان نقض الغرض(٢٩٣).

-----------------

(٢٩٠) كمال الدِّين (ص ٢٨٢ - ٢٨٤/ باب ٢٤/ ح ٣٦).
(٢٩١) صحيح مسلم (ج ٦/ ص ٤).
(٢٩٢) راجع: موقع نصوص معاصرة/ البراهين العقليَّة لإثبات عصمة الإمام/ إشكالات وردود/ الشيخ عليّ ربَّاني الكلبايكاني/ ترجمة سرمد عليّ.
(٢٩٣) لتفصيل ذلك راجع: الإلهيَّات على هدى الكتاب والسُّنَّة والعقل للشيخ جعفر السبحاني (ج ٤/ ص ١١٦/ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة)، وعصمة الأنبياء في القرآن الكريم للشيخ جعفر السبحاني.

(١٩٨)

ومن الأدلَّة النقليَّة:
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤).
٢ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩).
٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: ٣٣).
٤ - عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ، أَمَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اَلله وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْضَ»(٢٩٤).
٥ - وعنه (صلَّى الله عليه وآله) أيضاً: «اَلنُّجُومُ أَمَانٌ لِأَهْلِ اَلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ اَلنُّجُومُ ذَهَبَ أَهْلُ اَلسَّمَاءِ، وَأَهْلُ بَيْتِي أَمَانٌ لِأَهْلِ اَلْأَرْضِ، فَإِذَا ذَهَبَ أَهْلُ بَيْتِي ذَهَبَ أَهْلُ اَلْأَرْضِ»(٢٩٥).
٦ - وعنه (صلَّى الله عليه وآله) أيضاً: «إِنَّ اَللهَ (تَعَالَى) جَعَلَ أَهْلَ بَيْتِي كَسَفِينَةِ اَلنَّجَاةِ فِي قَوْمِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ رَغِبَ عَنْهَا غَرِقَ»(٢٩٦)(٢٩٧).
وبعد إثبات الإمامة بالمنظور الشيعي عقليًّا ونقليًّا يتَّضح بطلان مذهب الزيديَّة والإسماعيليَّة الذين يعتقدون بإمامة عدد من الأئمَّة - غير أهل البيت (عليهم السلام) - ولم

-----------------

(٢٩٤) بصائر الدرجات (ص ٤٣٣/ ج ٨/ باب ١٧/ ح ٣).
(٢٩٥) كمال الدِّين (ص ٢٠٥/ باب ٢١/ ح ١٩).
(٢٩٦) أمالي الطوسي (ص ٥٢٦/ ح ١١٦٢/١).
(٢٩٧) وأيضاً راجع المصادر السابقة لتفصيل الأدلَّة.

(١٩٩)

يُنَصّ في حقِّهم العصمة لا بالدلالة المطابقيَّة ولا بالالتزاميَّة. وأيضاً ما يعتقده الدروز في الحاكم(٢٩٨) بأمر الله، وأنَّه أفضل من أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلا أقلَّ هل ورد في حقِّه العصمة كما هو الإمام عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام)؟
ولازم العصمة أنْ يكون قول المعصوم حجَّة على الخلق، وبالتالي ثبوت تنصيبه للإمام الذي بعده.
ج - الأئمَّة منصوص عليهم:
وذلك من خلال الروايات المتواترة في تعيينهم بالأسماء جميعاً، مثل رواية (اللوح الأخضر)(٢٩٩)، مضافاً إلى تعيين كلِّ إمام سابق للإمام اللَّاحق بأمرٍ من الله سبحانه وتعالى ورسوله (صلَّى الله عليه وآله)، خلافاً للزيديَّة الذي استعاضوا عن النصِّ بالصفة، وخلافاً لغيرهم الذين أنكروا النصَّ في تعيين الإمام (كما في دعوى الفرد الأوَّل)(٣٠٠).

-----------------

(٢٩٨) شخصيَّة مهمَّة عند الدروز المعروف بمحمّد بن إسماعيل الدرزي، وأنَّه تجسيد لله، قُتِلَ عام (٤١٠هـ/١٠١٨هـ).
(٢٩٩) عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَنْصَارِيِّ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَمَتَى يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ أَخْلُوَ بِكَ فَأَسْأَلَكَ عَنْهَا؟ قَالَ لَهُ جَابِرٌ: فِي أَيِّ اَلْأَوْقَاتِ أَحْبَبْتَ. فَخَلَا بِهِ أَبِي فِي بَعْضِ اَلْأَوْقَاتِ، فَقَالَ لَهُ: يَا جَابِرُ، أَخْبِرْنِي عَنِ اَللَّوْحِ اَلَّذِي رَأَيْتَهُ فِي يَدِ أُمِّي فَاطِمَةَ (عليها السلام)، وَمَا أَخْبَرَتْكَ بِهِ أُمِّي أَنَّهُ فِي ذَلِكَ اَللَّوْحِ مَكْتُوبٌ. فَقَالَ جَابِرٌ: أَشْهَدُ بِالله أَنِّي دَخَلْتُ عَلَى أُمِّكَ فَاطِمَةَ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهَا) فِي حَيَاةِ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)، فَهَنَّأْتُهَا بِوِلَادَةِ اَلْحُسَيْنِ (عليه السلام)، وَرَأَيْتُ فِي يَدِهَا لَوْحاً أَخْضَرَ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ زُمُرُّدٌ، وَرَأَيْتُ فِيهِ كِتَاباً أَبْيَضَ شِبْهَ نُورِ اَلشَّمْسِ، فَقُلْتُ لَهَا: بِأَبِي وَأُمِّي يَا اِبْنَةَ رَسُولِ اَلله، مَا هَذَا اَللَّوْحُ؟ فَقَالَتْ: هَذَا اَللَّوْحُ أَهْدَاهُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) إِلَى رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)، فِيهِ اِسْمُ أَبِي وَاِسْمُ بَعْلِي وَاِسْمُ اِبْنَيَّ وَأَسْمَاءُ اَلْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِي، فَأَعْطَانِيهِ أَبِي لِيَسُرَّنِي بِذَلِكَ». الغيبة للطوسي (ص ١٤٣ و١٤٤/ ح ١٠٨).
(٣٠٠) راجع: الأئمَّة الاثني عشر للشيخ السبحاني (ص ٣٤ - ٣٧).

(٢٠٠)

د - حتميَّة وجود الإمام (عليه السلام):
وقد دلَّ الدليل على أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة، فقد روى الكليني (رحمه الله) عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلْعَلَاءِ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام): تَكُونُ اَلْأَرْضُ لَيْسَ فِيهَا إِمَامٌ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: يَكُونُ إِمَامَانِ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا وَأَحَدُهُمَا صَامِتٌ»(٣٠١).
وروى الكليني (رحمه الله) أيضاً عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ وَسَعْدَانَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنَّ اَلْأَرْضَ لَا تَخْلُو إِلَّا وَفِيهَا إِمَامٌ، كَيْمَا إِنْ زَادَ اَلمُؤْمِنُونَ شَيْئاً رَدَّهُمْ، وَإِنْ نَقَصُوا شَيْئاً أَتَمَّهُ لَهُمْ»(٣٠٢).
وهناك أدلَّة أُخرى، ووفق ذلك لا يصحُّ عدم الاعتقاد بوجوده وغيبته، إذ لا نعرف بعد الإمام العسكري غيره (عجَّل الله فرجه)، وفي ذلك ردٌّ على كلِّ مَنْ لم يعتقد بوجوده وغيبته.
ووفق ما مرَّ من بيان في هذه الأُسُس يظهر جليًّا الردُّ على الأُسُس المعرفيَّة للفرد الأوَّل صاحب الدعوى، وسنقف عند دعوى الفرد الثاني والثالث.
٣ - لماذا لا نقبل دعوى الفرد الثاني؟
للأُمور التالية:
الأمر الأوَّل: معنى الغيبة:
إنَّ ما نقلناه من النظريَّة السالفة في غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وبالنحو المفارق لما عليه اتِّفاق الإماميَّة في ماهيَّة الغيبة، إنَّما هو القدر الذي عثرنا عليه في تصريحات القائل، ولا شكَّ أنَّ هذا المقدار من البيان لا يكشف المقصود من

-----------------

(٣٠١) الكافي (ج ١/ ص ١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ١).
(٣٠٢) الكافي (ج ١/ ص ١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ٢).

(٢٠١)

النظريَّة، ولا يزيل الغموض عن الدعوى، ولكن يمكن أنْ نُوضِّح بفهمنا بعض الشيء فيها بعنوان (ربَّما):
بدايةً نقول: إنَّ ما ذهب إليه القائل من انتقال المعصوم (عجَّل الله فرجه) إلى نشأة أُخرى منشأه هو: لفظ (الغيبة) الوارد في الروايات، حيث استظهر منه الغيب بمعنى الرفع إلى نشأة غير الأرض، فيظهر أنَّه رجَّح المعنى الاصطلاحي الفلسفي للغيب وهو الملكوت، ليستظهر من لفظ (الغيبة) هو رفعه (عجَّل الله فرجه) إلى مكان آخر غير نشأتنا هذه.
ومن الواضح أنَّ لفظ (الغيبة) حمَّال وجوه، ولا دليل على ما ذَهَبَ إليه، إذ يمكن حمله على معنى الاختفاء وغيبة العنوان والهويَّة.
فقد يكون مراد القائل مرتبةً ونشأةً أُخرى للأرض، وأنَّه (عجَّل الله فرجه) يسكن فيها مُنتَظِراً لبني آدم هناك، ولكنَّها مردودة بما يلي:
١ - هي دعوى غير واضحة، ولا يصحُّ الاعتراض بالمبهم على الواضح الذي عليه إجماع وتسالم الطائفة.
٢ - أنَّها دعوى تفتقر إلى الدليل.
٣ - لوازمها باطلة، (بالنحو التالي):
وذلك للعلم الإجمالي بتحقُّق المشاهدة في عصر الغيبة الصغرى والكبرى لعشرات، بل مئات القَصَص الواردة في لقاء بعض الصلحاء معه (عجَّل الله فرجه)، ومنه مَنْ لا يُشَكُّ في علوِّ مقامه وسموِّ مرتبته العلميَّة، كالسيِّد ابن طاوس والسيِّد بحر العلوم وأضرابهم، ولا مجال لفرض ظرف تحقُّقها في نشأة أُخرى، فيثبت وقوعها في هذه النشأة وعالمنا هذا.
الأمر الثاني: الردُّ على نفي المشاهدة:
ويمكن القول: إنَّ الرواية قويَّة في ذلك الظهور، ولكن مع عدم القرينة

(٢٠٢)

على الخلاف (فإنَّ حجّيَّة الظهور مشروطة بذلك)، ومع أخبار المشاهدة التي بلغت التواتر ومن بينها كانت أخبارٌ من أمثال: (السيِّد بحر العلوم)، فإنَّ القطع بذلك يمنع من الأخذ بالظهور(٣٠٣).
وقد يقال: إنَّ عَلَماً مثل بحر العلوم لا يُرَدُّ قوله فيما لو كان منه، ولكنَّه لم يُصرِّح بالمدلول المطابقي بمشاهدة، وإنَّما ممَّا ذكره من الكلام العامِّ فهم منه الآخرون أنَّه لقاء بصاحب الأمر!
قلنا: صرَّح السيِّد بحر العلوم (رحمه الله) بما جرى معه في اللقاء، وهو وإنْ لم يُصرِّح باسمه (عجَّل الله فرجه) ولكن اهتمام شخصيَّة فقيه عالم ربَّاني بذلك النحو الذي قصَّه من الاهتمام والرهبة والهيبة عند لقائه ذاك، مع تلك الخصوصيَّات من المكان والزمان، يمنع من تعقُّل كون صاحب اللقاء مع السيِّد غير الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه). ثمّ إنَّه لو لم يكن هو المقصود في كلام بحر العلوم (رحمه الله) لنفى الفهم الذي تناقلوه عنه آنذاك.
وإذا قيل: ما المانع من عدم قبول قَصَص المشاهدة، ونفيها بنحو الإطلاق؟
قلنا:
أوَّلاً: فيه مخالفة لتسالم علماء الطائفة، رغم مناقشاتهم العلميَّة في سند وجهة ودلالة الرواية، والخروج بنتيجة إيجابيَّة في واقع المشاهدة، فلا مبرِّر للنفي عندئذٍ.
ثانياً: قد يُفهَم من ذلك النفي تضعيفاً للوجود المهدوي، وتخطئةً في مصداقه - الذي هو عمدة البحث -، إذ إنَّ شخصاً حُرِمَت رعاياه من أدنى مستويات معونته واللقاء به، يُصوِّره بمصداق آخر غير الذي هو واقعه.

-----------------

(٣٠٣) راجع للوقوف مفصَّلاً على حجّيَّة الرواية والمنع من الأخذ بظاهرها: إرساء المحكمات (ص ٢٩ - ٤٤).

(٢٠٣)

فالوجود المهدوي صاحب مقام الإمامة الكبرى الذي فرضته النصوص نحو وجودٍ قويٍّ في حضوره وأثره وتفاعله مع الواقع، فيكون:
وزان تصدير فكرة عدم لقاءه وعدم العناية بحوائج العلماء المفتقرين إلى إرشاده في حفظ الدِّين، أو الضعفاء المحتاجين إلى إغاثته (وفيه تقوية للعقيدة والدِّين) في ظلِّ الغيبة الطويلة، هو وزان القول بعدم وجوده، أو وجودٍ هو غيره.
الأمر الثالث: الردُّ على عدم الاعتراف بالتواقيع الصادرة عنه (عجَّل الله فرجه):
وهاهنا عدَّة ملاحظات:
الملاحظة الأُولى: ما هي دلائل وثاقة السفراء وصدقهم في دعواهم(٣٠٤)؟
إنَّ المسار المعرفي الصحيح للعقل الإنساني هو التدرُّج من الشكِّ إلى اليقين ليبلغ بغيته في إصابة الحقيقة، وهو بعينه ما أسَّس حركة الدعاة والمبلِّغين والسفراء في طول خطِّ التاريخ.
ومن هنا استعان الأنبياء (عليهم السلام) بالمعاجز إثباتاً لحقيقة الابتعاث، وكرامات الأئمَّة (عليهم السلام) وإعلامهم بالغيب لتصديق وصايتهم عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله).
إذ إنَّ مبدأ البرهان على صدق الانتساب والإخبار محفوظ في كلِّ دعوى سواء كانت من نبيٍّ أو وصيٍّ أو سفير أو وكيل.
ومن هنا يُطلَق هذا السؤال: ما هي الدلائل على صدق دعوى السفارة للأربعة (رضي الله عنهم)؟
يمكن الاستعانة بمجموعة من الأدلَّة:

-----------------

(٣٠٤) السفراء الأربعة عن الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) في عصر الغيبة الصغرى، هم: عثمان بن سعيد العمري، ومحمّد بن عثمان العمري، والحسين بن روح النوبختي، وعليُّ بن محمّد السمري (رضي الله عنهم).

(٢٠٤)

أ - التنصيص على وثاقة الأوَّل والثاني:
وإليك بعضاً منها:
- روى الكليني (رحمه الله) بسند صحيح عن أحمد بن إسحاق أنَّه سأل أبا محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، فقال: مَنْ أُعَامِلُ، أَوْ عَمَّنْ آخُذُ، وَقَوْلَ مَنْ أَقْبَلُ، فَقَالَ لَهُ: «اَلْعَمْرِيُّ وَاِبْنُهُ ثِقَتَانِ، فَمَا أَدَّيَا إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّيَانِ، وَمَا قَالَا لَكَ فَعَنِّي يَقُولَانِ، فَاسْمَعْ لَهُمَا وَأَطِعْهُمَا فَإِنَّهُمَا اَلثِّقَتَانِ اَلمَأْمُونَانِ »(٣٠٥).
- وروى الطوسي (رحمه الله)، قال: وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ اَلْفَزَارِيُّ اَلْبَزَّازُ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ اَلشِّيعَةِ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ بِلَالٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ هِلَالٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَكِيمٍ، وَاَلْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ مَشْهُورٍ... عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، قال: «جِئْتُمْ تَسْأَلُونِّي عَنِ اَلْحُجَّةِ مِنْ بَعْدِي»، قَالُوا: نَعَمْ، فَإِذَا غُلاَمٌ كَأَنَّهُ قِطَعُ قَمَرٍ أَشْبَهُ اَلنَّاسِ بِأَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: «هَذَا إِمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي وَخَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ، أَطِيعُوهُ وَلَا تَتَفَرَّقُوا مِنْ بَعْدِي فَتَهْلِكُوا فِي أَدْيَانِكُمْ، أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَهُ مِنْ بَعْدِ يَوْمِكُمْ هَذَا حَتَّى يَتِمَّ لَهُ عُمُرٌ، فَاقْبَلُوا مِنْ عُثْمَانَ مَا يَقُولُهُ، وَاِنْتَهُوا إِلَى أَمْرِهِ، وَاِقْبَلُوا قَوْلَهُ، فَهُوَ خَلِيفَةُ إِمَامِكُمْ، وَاَلْأَمْرُ إِلَيْهِ...»(٣٠٦).
وهناك روايات أُخَر يمنع استعراضها ضيق المقام.
ومن الواضح أنَّ توثيق العمري وابنه بالنصِّ يلازم توثيق النوبختي والسمري من خلال إخراج الوصيَّة عليهما من خلالهما.
ب - نزاهتهم التي يشهد بها تاريخهم:
كان الشيعة إذا حملوا إلى الإمام الهادي (عليه السلام) ما يجب عليهم حمله من

-----------------

(٣٠٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٩ و٣٣٠/ باب في تسمية مَنْ رآه (عليه السلام)/ ح ١).
(٣٠٦) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٧/ ح ٣١٩).

(٢٠٥)

الأموال أنفذوا إلى عثمان العمري، لأنَّه كان وكيلاً ثقةً للإمام الهادي (عليه السلام)، وكان (عليه السلام) يستوثقه ويمدحه بقوله: «هَذَا أَبُو عَمْرٍو اَلثِّقَةُ اَلْأَمِينُ، مَا قَالَهُ لَكُمْ فَعَنِّي يَقُولُهُ، وَمَا أَدَّاهُ إِلَيْكُمْ فَعَنِّي يُؤَدِّيهِ»(٣٠٧)، وبعد وفاة الهادي (عليه السلام) يصبح العمري وكيلاً للعسكري (عليه السلام)، وكان يمدحه في مناسبات كثيرة وأمام الناس، وقال أمام وفد من اليمن: «اِمْضِ يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّكَ اَلْوَكِيلُ وَاَلثِّقَةُ اَلْمَأْمُونُ عَلَى مَالِ اَلله»(٣٠٨)، ممَّا أدَّى مديح العسكريَّين (عليهما السلام) له إلى أنْ يشتهر بين الناس بالجلال والهيبة.
أمَّا السفير الثاني وهو ابن الأوَّل، وكان ضمن دائرة مجتمعه، الذين يعرفونه مُجمِعون على عدالته ووثاقته وأمانته.
والسفير الثالث ابن روح الذي شغل دور الوكالة في عهد محمّد بن عثمان، وامتاز في مقبوليَّة الشيعة له، وعُرِفَ بينهم بفضله ودينه.
وقد نصَّ عليه ابن عثمان، ووجَّه الشيعة بالرجوع إليه من بعده، وقال: (أُمِرْتُ أَنْ أُوصِيَ إِلَى أَبِي اَلْقَاسِمِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ)(٣٠٩).
أمَّا السفير الرابع السمري، فهو كالسابقين عليه ورع تقي مخلِص، فكان أهلاً لتسليم السفارة إليه.
ج - المواقف التي صدرت منهم للتدليل على انتسابهم:
اشتملت السفارة على إبراز دلائل لإثبات صدق دعواهم وتحصيل اطمئنان الناس، حيث كان السفير ينقل إلى الناس أخباراً تقع في المستقبل.
وفي رواية الشيخ الطوسي (رحمه الله): عَنْ أَبِي نَصْرٍ هِبَةِ اَلله بْنِ مُحَمَّدِ اِبْنِ بِنْتِ أُمِّ

-----------------

(٣٠٧) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٤/ ح ٣١٥).
(٣٠٨) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٥ و٣٥٦/ ح ٣١٧).
(٣٠٩) كمال الدِّين (ص ٥٠٣/ باب ٤٥/ ح ٣٣).

(٢٠٦)

كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي جَعْفَرٍ اَلْعَمْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي نَوْبَخْتَ، مِنْهُمْ: أَبُو اَلْحَسَنِ بْنُ كَثِيرٍ اَلنَّوْبَخْتِيُّ (رحمه الله)، وَحَدَّثَتْنِي بِهِ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ اَلْعَمْرِيِّ (رضي الله عنه) أَنَّهُ حَمَلَ إِلَى أَبِي [جَعْفَرٍ] (رضي الله عنه) فِي وَقْتٍ مِنَ اَلْأَوْقَاتِ مَا يُنْفِذُهُ إِلَى صَاحِبِ اَلْأَمْرِ (عليه السلام) مِنْ قُمَّ وَنَوَاحِيهَا، فَلَمَّا وَصَلَ اَلرَّسُولُ إِلَى بَغْدَادَ وَدَخَلَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ وَأَوْصَلَ إِلَيْهِ مَا دُفِعَ إِلَيْهِ وَوَدَّعَهُ وَجَاءَ لِيَنْصَرِفَ، قَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ بَقِيَ شَيْءٌ مِمَّا اُسْتُودِعْتَهُ، فَأَيْنَ هُوَ؟ فَقَالَ لَهُ اَلرَّجُلُ: لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَا سَيِّدِي فِي يَدِي إِلَّا وَقَدْ سَلَّمْتُهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ: بَلَى، قَدْ بَقِيَ شَيْءٌ، فَارْجَعْ إِلَى مَا مَعَكَ وَفَتِّشْهُ وَتَذَكَّرْ مَا دُفِعَ إِلَيْكَ، فَمَضَى اَلرَّجُلُ، فَبَقِيَ أَيَّاماً يَتَذَكَّرُ وَيَبْحَثُ وَيُفَكِّرُ، فَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئاً، وَلَا أَخْبَرَهُ مَنْ كَانَ فِي جُمْلَتِهِ، فَرَجَعَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَقَالَ لَهُ: لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فِي يَدِي مِمَّا سُلِّمَ إِلَيَّ (وَقَدْ حَمَلْتُهُ) إِلَى حَضْرَتِكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنَّهُ يُقَالُ لَكَ: «اَلثَّوْبَانِ اَلسَّرْدَانِيَّانِ اَللَّذَانِ دَفَعَهُمَا إِلَيْكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مَا فَعَلَا؟»، فَقَالَ لَهُ اَلرَّجُلُ: إِي وَاَلله يَا سَيِّدِي لَقَدْ نَسِيتُهُمَا حَتَّى ذَهَبَا عَنْ قَلْبِي، وَلَسْتُ أَدْرِي اَلْآنَ أَيْنَ وَضَعْتُهُمَا، فَمَضَى اَلرَّجُلُ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ كَانَ مَعَهُ إِلَّا فَتَّشَهُ وَحَلَّهُ، وَسَأَلَ مَنْ حَمَلَ إِلَيْهِ شَيْئاً مِنَ اَلمَتَاعِ أَنْ يُفَتِّشَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقِفْ لَهُمَا عَلَى خَبَرٍ، فَرَجَعَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ (فَأَخْبَرَهُ)، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ: يُقَالُ لَكَ: «اِمْضِ إِلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ اَلْقَطَّانِ اَلَّذِي حَمَلْتَ إِلَيْهِ اَلْعِدْلَيْنِ اَلْقُطْنَ فِي دَارِ اَلْقُطْنِ، فَافْتُقْ أَحَدَهُمَا وَهُوَ اَلَّذِي عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّهُمَا فِي جَانِبِهِ»، فَتَحَيَّرَ اَلرَّجُلُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ أَبُو جَعْفَرٍ، وَمَضَى لِوَجْهِهِ إِلَى اَلمَوْضِعِ، فَفَتَقَ اَلْعِدْلَ اَلَّذِي قَالَ لَهُ: اُفْتُقْهُ، فَإِذَا اَلثَّوْبَانِ فِي جَانِبِهِ قَدِ اِنْدَسَّا مَعَ اَلْقُطْنِ، فَأَخَذَهُمَا وَجَاءَ (بِهِمَا) إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَسَلَّمَهُمَا إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: لَقَدْ نَسِيتُهُمَا، لِأَنِّي لَـمَّا شَدَدْتُ اَلمَتَاعَ بَقِيَا، فَجَعَلْتُهُمَا فِي جَانِبِ اَلْعِدْلِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَحْفَظَ لَهُمَا. وَتَحَدَّثَ اَلرَّجُلُ بِمَا رَآهُ وَأَخْبَرَهُ بِهِ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ عَجِيبِ اَلْأَمْرِ اَلَّذِي لَا يَقِفُ إِلَيْهِ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ إِمَامٌ مِنْ قِبَلِ اَلله اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسَّرَائِرَ وَمَا تُخْفِي اَلصُّدُورُ، وَلَمْ

(٢٠٧)

يَكُنْ هَذَا اَلرَّجُلُ يَعْرِفُ أَبَا جَعْفَرٍ، وَإِنَّمَا أُنْفِذَ عَلَى يَدِهِ كَمَا يُنْفِذُ اَلتُّجَّارُ إِلَى أَصْحَابِهِمْ عَلَى يَدِ مَنْ يَثِقُونَ بِهِ، وَلَا كَانَ مَعَهُ تَذْكِرَةٌ سَلَّمَهَا إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ وَلَا كِتَابٌ، لِأَنَّ اَلْأَمْرَ كَانَ حَادًّا (جِدًّا) فِي زَمَانِ اَلمُعْتَضِدِ، وَاَلسَّيْفُ يَقْطُرُ دَماً كَمَا يُقَالُ، وَكَانَ سِرًّا بَيْنَ اَلْخَاصِّ مِنْ أَهْلِ هَذَا اَلشَّأْنِ، وَكَانَ مَا يُحْمَلُ بِهِ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ لَا يَقِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى خَبَرِهِ وَلَا حَالِهِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: اِمْضِ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، فَسَلِّمْ مَا مَعَكَ (مِنْ) غَيْرِ أَنْ يُشْعَرَ بِشَيْءٍ، وَلَا يُدْفَعَ إِلَيْهِ كِتَابٌ، لِئَلَّا يُوقَفَ عَلَى مَا تَحْمِلُهُ مِنْهُ(٣١٠).
وهناك موارد عديدة كانت تُظهِر دلائل الصدق وشواهد الحقِّ من دون سعي للاختبار من قِبَل السائل، كان يُخبِره السفير بما أضمره، أو يُخبِره عن شيء سيحصل له في قادم الأيَّام، أو يدعو له بأمرٍ فيُقضى، وهناك الكثير ممَّا ذُكِرَ في هذا الصدد(٣١١).
الملاحظة الثانية: هل اطَّلع على خطِّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) غير السفراء؟
لقد كان أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام) يعرفون خطَّه وكذلك خطَّ الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) لوجود التشابه بينهما، وفي هذا المضمار رواية حيث كتب أحمد ابن إسحاق الأشعري القمِّي رسالة إلى الإمام العسكري (عليه السلام) طالباً التعرُّف على خطِّه (عليه السلام) للتحرُّز من التقليد، فأجابه (عليه السلام): «يَا أَحْمَدُ، إِنَّ اَلْخَطَّ سَيَخْتَلِفُ عَلَيْكَ مِنْ بَيْنِ اَلْقَلَمِ اَلْغَلِيظِ إِلَى اَلْقَلَمِ اَلدَّقِيقِ، فَلَا تَشُكَّنَّ»(٣١٢).
وقال الطوسي (رحمه الله): (وَكَانَتْ تَوْقِيعَاتُ صَاحِبِ اَلْأَمْرِ (عليه السلام) تَخْرُجُ عَلَى يَدَيْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ وَاِبْنِهِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ إِلَى شِيعَتِهِ وَخَوَاصِّ أَبِيهِ أَبِي

-----------------

(٣١٠) الغيبة للطوسي (ص ٢٩٤ - ٢٩٦/ ح ٢٤٩).
(٣١١) راجع للاطِّلاع على ذلك: كمال الدِّين (ص ٤٧٦ - ٤٧٩/ باب ٤٣/ ح ٢٦).
(٣١٢) الكافي (ج ١/ ص ٥١٣/ باب مولد أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)/ ح ٢٧).

(٢٠٨)

مُحَمَّدٍ (عليه السلام) بِالْأَمْرِ وَاَلنَّهْيِ وَاَلْأَجْوِبَةِ عَمَّا يَسْأَلُ اَلشِّيعَةُ عَنْهُ إِذَا اِحْتَاجَتْ إِلَى اَلسُّؤَالِ فِيهِ بِالْخَطِّ اَلَّذِي كَانَ يَخْرُجُ فِي حَيَاةِ اَلْحَسَنِ (عليه السلام))(٣١٣).
الملاحظة الثالثة: هل يمكن تواطؤ السفراء الأربعة على واقعة مكذوبة أو خاطئة؟
إنَّ التسلسل التاريخي بين السفراء الأربعة لا يُعقَل فيه أنْ يقع بينهم الاتِّفاق على أنْ يُجسِّدوا دوراً واحداً لا يختلفون في إخراجه أو يتخلَّفون حتَّى أنْ ينتهي عند السمري دون الاستمرار في تقليد الأدوار، فينمُّ عن انقيادهم إلى مصدر حقيقي هو المنشأ لحركتهم النيابيَّة ونشاطهم الفاعل في دور السفارة.
الملاحظة الرابعة: ما هو اللَّازم الفاسد لدعوى القائل؟
من الواضح أنَّ نكران صدور التوقيع من الإمام المعصوم من خلال السفراء تكذيب لهم، فإنَّ السفراء لم يأتوا بالكتاب على أنَّه مكتوب بلسان السفير، بل يُصرِّحون (رضي الله عنهم) بأنَّه مكاتبة من الإمام (عجَّل الله فرجه)، وتديُّن السفراء ووثاقتهم يمنع من تعقُّل احتمال قصدهم الكذب والحيلة(٣١٤)، هذا من جهة.
ومن جهة أُخرى فإنَّه تضييع لموروث معصومي فيه الأحكام والعقائد من المعارف الدِّينيَّة التي تدخل ضمن المنظومة الدِّينيَّة المصدَّرة بعنوان الضرورة للبشريَّة.
ومن جهة ثالثة فإنَّ عند قراءة الأخطار الكثيرة المحيطة بشخص السفير من السلطة الحاكمة، والأدوار الكثيرة من التورية والمراقبة للخطِّ الحاكم لحماية السفير منهم، هذا وغيره يدعو إلى التساؤل عن ضرورة هذه المرحلة وتلك الأدوار في توكيد الوجود المهدوي، فإنَّ السفراء في الوقت الذي جعلوا أنفسهم

-----------------

(٣١٣) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٦/ ح ٣١٨).
(٣١٤) إرساء المحكمات (ص ١٦٤).

(٢٠٩)

في معرض الخطر دون أنْ يحصلوا على شيء من حطام الدنيا، كذلك كان قبول العلماء ذوو الخطِّ الأوَّل لهم في التعاملات وأخذ القضايا الأساسيَّة من الإمام عن طريقهم، وعدم صدور شيء قادح لهم من قِبَل العلماء أو الإمام (عجَّل الله فرجه)، ولولا مصداقيَّتهم لم تستدعِ تلك الجهود المضنية في حماية السفارة وحفظها لديمومتها خلال الفترة التي حُدِّدت لها، وإنَّ السخرية منها أو الترديد والتشكيك لهو مصادرة للهدف الربَّاني.
٤ - لماذا لا نقبل دعوى الفرد الثالث؟
من الثابت في المنهج الأصيل لاتِّباع أهل البيت (عليهم السلام)، بل كلِّ منهج علمي رصين، هو اعتبار الدليل بوصلة الحقِّ في كلِّ دعوى، وفي قضيَّة خطيرة كدعوى السفارة والوصاية والبنوَّة النَّسَبيَّة للإمام (عجَّل الله فرجه) تصبح دعامة الدليل فيها آكد وأوضح.
ومن هنا لم يجد الباحثون عن الحقِّ فيها سبيلاً ومخرجاً، وإليك ذلك:
١ - هل تصمد دعوى النيابة أو السفارة أو الوصاية في الغيبة الكبرى؟
ذكرنا قبل قليل التوقيع الذي أخرجه السمري (رضي الله عنه) في آخر حياته: «... فَقَدْ وَقَعَتِ اَلْغَيْبَةُ اَلثَّانِيَةُ (اَلتَّامَةُ)...، وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي اَلمُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ اِدَّعَى اَلمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ اَلسُّفْيَانِيِّ وَاَلصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ...»(٣١٥)، وإنَّ حمل ظهورها على تقييد الامتناع الوقوعي للمشاهدة بدعوى السفارة ومقارباتها واضح لا إشكال فيه، فكيف يقول المدَّعي بذلك؟
ومن هنا قام الدليل على منع أيِّ دعوى من هذا القبيل.
٢ - هل أعلن الأعلام موقفهم من هكذا دعاوى؟
أمَّا العلماء المتقدِّمون فقد كفَّروا مَنِ ادَّعى السفارة والنيابة الخاصَّة، وقد

-----------------

(٣١٥) كمال الدِّين (ص ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤)؛ الغيبة للطوسي (ص ٣٩٥/ ح ٣٦٥).

(٢١٠)

ذكر ذلك الشيخ الطوسي (رحمه الله) عن فتوى ابن قولويه (رحمه الله) في قوله: (لِأَنَّ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنِ اِدَّعَى اَلْأَمْرَ بَعْدَ اَلسَّمُرِيِّ (رحمه الله) فَهُوَ كَافِرٌ مُنَمِّسٌ ضَالٌّ مُضِلٌّ)(٣١٦).
وأمَّا العلماء المتأخِّرون أو المعاصرون، فلم يرد منهم تأييد على هكذا دعوى، بل منعوا ذلك.
٣ - هل قدَّم المدَّعي دليلاً روائيًّا أو إعجازيًّا على صحَّة ما يطلبه؟
ومن الواضح عدم ورود هكذا نصٍّ من الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) على سفارة أو نيابة في الغيبة الكبرى، أو نصٍّ على اسمه أو مواصفاته بنحو يكون هو مصداقاً مستوفياً لها.
وكذلك لم يتحقَّق تقديم معجزة تأييد على المدَّعى.
٤ - هل يمكن إثبات الولد للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
لقد كان من العناوين التي أطلقها المدَّعي أنَّه ابن الإمام النَّسَبي! وعلاوةً على وضوح عدم مصداقيَّة ذلك لكون أُمِّه ذات بعل، فكيف يُقبَل نكاح محرَّم للمعصوم (عليه السلام)؟! فإنَّه لم يثبت عندنا بالأدلَّة النقليَّة الصحيحة زواج الإمام (عجَّل الله فرجه) وأنَّ له أولاد وذرّيَّة، فتبقى المسألة في هذا المضمار مردَّدة مشكوكاً فيها، والروايات التي أثبتت له (عجَّل الله فرجه) الذرّيَّة فهي إمَّا ضعيفة أو غير صالحة الدلالة(٣١٧)، أو أنَّها تُحمَل على زمن خروجه وظهوره (عجَّل الله فرجه)، كما أنَّ ظروف الغيبة وضرورة الحفاظ على سرِّه ووجوده قد يستدعي عدم انكشاف خصوصيَّات ذلك ومنها التزويج والذرّيَّة، فمعهما يتعسَّر أو يتعذَّر الإخفاء.

* * *

-----------------

(٣١٦) الغيبة للطوسي (ص ٤١٢/ ح ٣٨٥).
(٣١٧) راجع: المهدويَّة الخاتمة للسيِّد ضياء الخبَّاز، ففيه استعراض شامل لروايات الذرّيَّة ومناقشتها جميعاً.

(٢١١)

مقدِّمة:
تتميَّز المعرفة الدِّينيَّة بمصدرها الوحياني والمتمثِّل بالقرآن الكريم والسُّنَّة، وليس للنصِّ الدِّيني شَبَهٌ مع غيره من النصوص المعرفيَّة ليكون مادَّةً للنقد والرأي البشري بعد إثبات أصالته الوحيانيَّة - كونه النصُّ المعصوم للتعبير عن الحقيقة المطلقة -.
نعم، برز عدد من مخالفي الفكر التراثي الأصيل، وتناولوا قراءة الدِّين بلغة مخالفة، ولا شكَّ في ارتباط الفكر المهدوي بوشائج لا تنفكُّ عن النصِّ الدِّيني، فهو المنظِّر له بجميع معالمه وحيثيَّاته، ومن هنا نشأت قراءة تصف نفسها بأوصاف التعقُّل وعدم التعصُّب والانفتاح على كلِّ ذي لُبٍّ للوصول إلى المعرفة الواقعيَّة، ممَّا فرض ذلك الوقوف عند هكذا منهج للإحاطة بالقراءات المختلفة العارضة على التشيُّع، بل الإسلام عموماً.
وحاول البعض من المحسوبين على التشيُّع نقد التراث الشيعي وأعلامه المتقدِّمين، إمَّا بنحو تصحيح القراءة، أو بنحو تقليد الفكر الغربي في التعاطي مع التراث، في محاولة للتجديد والامتياز بالعصريَّة ومغادرة القديم، إذ إنَّ في ذات التجديد حركة نحو التكامل والتطوُّر بحسب رأيهم.
ولذلك كان التراث الدِّيني (القرآن والسُّنَّة) مادَّة للنقد والتأسيس لقراءة مختلفة عمَّا تسالم عليه علماء الطائفة والفكر الأصيل للإسلام والتشيُّع.
وينبغي تصنيف تلك القراءة الناقدة إلى شكلين مختلفين بالهدف والمنهج:

(٢١٥)

الشكل الأوَّل: المنهج النقدي الذي غايته تقريب الدِّين من مقوِّلات عصريَّة والحداثة الأُوروبيَّة:
فكان منهجه اعتماد النظريَّات الحداثويَّة في تفسير النصِّ الدِّيني من خلال التأويل ودعوى كشف ملاكات الحكم، فتبنَّوا جملة من الأفكار التنويريَّة والحداثويَّة كعقلنة الدِّين، وعولمة الدِّين، والقول بالتعدُّديَّة الدِّينيَّة، والقراءة الهرمينوطيقيَّة للنصِّ الدِّيني، وبشريَّة القرآن وتاريخانيَّته.
أمثال: عبد الكريم سروش، ومحمّد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان، ومهدي بازركان، والدكتور عليّ شريعتي.
الشكل الثاني: نقدٌ، غايته تنقية التراث الدِّيني ممَّا ليس من الدِّين بحسب زعمهم:
كالخرافات والمغالاة في مقامات النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، وظهور إمام ثاني عشر وحتميَّة النصر الإلهي على يديه... إلخ.
فيعتمد أصحاب هذا المنهج الأدوات التقليديَّة لمحاكاة التراث الدِّيني، واحترام رموزه وشخصيَّاته والاستشهاد بأفكارهم وآرائهم في تحقيق المعرفة الدِّينيَّة.
ويُعتبَر أهمُّ رجالاته: هادي نجم آبادي، محمّد مهدي الخالصي، شريعت سنكلجي، عبد الوهَّاب فريد تنكابني، أبو الفضل البرقعي، حيدر عليّ قليمداران، نعمة صالحي آبادي، إسماعيل الخوئيني، محسن كديوار، كمال الحيدري.
وهذان خطَّان مختلفان مع التشيُّع الأصيل الذي اتَّفقت عليه الطائفة الحقَّة، وهما مختلفان مع بعضهما، ويمكن القول: إنَّ منشأ الاختلاف بين الإصلاحي والتنويري هو التأسيس المعرفي المغاير بينهما، فالثاني من ذوي التكوين الحوزوي الكلاسيكي، أمَّا الأوَّل فهو من ذوي التكوين المختلط للثقافة

(٢١٦)

الغربيَّة، فقد خالطت تعليمهم وارتبطوا بمؤسَّساتهم العلميَّة، وكانوا أكثر معايشةً واطِّلاعاً على رؤاهم ونظريَّاتهم الحداثيَّة.
إذن نحن أمام قراءتين معاصرتين مختلفتين مع ركائز الفكر الشيعي الأصيل، أحدهما يُسمَّى الفكر الحداثوي، والآخر يُسمَّى الفكر الإصلاحي، وإليك التوضيح عنهما:
أوَّلاً: الفكر التنويري الداخلي:
لم تكن الحداثيَّة إبداعاً فكريًّا لها، بل هي تقليد لثقافة أُوروبيَّة ابتدأت منذ قرون وتطوَّرت عبر العقود حتَّى بانت على نحو رؤى فلسفيَّة واثقة وراكزة في حركة المجتمع.
فيتعيَّن بداية الوقوف عندها - كونها المنشأ والمعتمد الفكري للحداثة الشيعيَّة -.
ولتحقيق ذلك ينبغي المرور على مقاطع ثلاث (لَعِبَ فيه (التجديد) للدِّين التقليدي أطواراً فلسفيَّة، تفرض نفسها كحقيقة فكريَّة في ميادين الحياة المختلفة يُحرَز بها الاستقرار المعرفي المؤدِّي إلى السلم الاجتماعي والدِّيني)، وهي: (التنوير، والحداثة، وما بعد الحداثة)، لتُمثِّل بمجموعها فكرة التجديد الدِّيني وغير الدِّيني.
المبادئ التصوريَّة (لأطوار الجدة)(٣١٨):
١ - التنوير:
ويبدأ عصره ما بين القرن السابع والثامن عشر، الذي تحدَّث فيه الفلاسفة عن نور الطبيعة وربطوه بنور العقل وفق مقولة (ديكارت).

-----------------

(٣١٨) موطن انتشار هذه الحركة هي أُوروبا، وقام بنشر الفكر التنويري الكُتَّاب والمفكِّرون الفرنسيُّون، وقد أُطلِقَ عليهم اسم (الموسوعيِّين)، وهم: (هلفيثيوس، ودي لامتري، ودولباخ، وديدرو، وروسو، وفولتير، ومونتسيكيو).

(٢١٧)

واستُعمِلَت كلمة (التنوير) للتعبير عن الفكر والذكاء حتَّى أصبحت تُعبِّر عن موقف فكري يُحرِّك الأخلاق والانتماء السياسي والدِّيني باتِّجاه وعي لضرورة التجديد والتغيير للوثوق بقدرات العقل والذات وعلى أُسُس ومبانٍ وقِيَم معيَّنة.
وقد ورد في تعريفه الاصطلاحي: أنَّه الاستخدام العامُّ لعقل الإنسان في جميع القضايا، وتبنِّي شعار (لا سلطان على العقل إلَّا للعقل)، وهو شجاعة استخدام العقل ولو كان ذلك ضدَّ الدِّين وضدَّ النصِّ(٣١٩).
وقد أُفرِز التنوير كردَّة فعل للظلم والقهر والاستبداد والتعصُّب الذي كانت أُوروبا تعاني منه على أيدي السلطة (المتمثِّلة بالملكيَّة الإقطاعيَّة والدِّين الكنسي)، ومن مظاهر ذلك التعصُّب العنف ضدَّ العلماء وأهل الرأي، فقد حملت الكنيسة رؤى تتعارض مع العلم، واعتبرت أنَّها تُمثِّل الدِّين الواقعي في حين كونها رؤية بشريَّة منحازة لرجال الكنيسة الرومانيَّة ومفاسدهم.
وتلك العلاقة والتعارض خلق خطاباً متشدِّداً خالفه الفلاسفة وعلماء الطبيعة.
وقد عملت الكنيسة على استثمار حاجة الإنسان إلى الاعتقاد وحاجته إلى تفسير الاعتقاد، فاحتكرت كلا الأمرين ونصَّبت نفسها ممثِّلاً عنهما، فحاربت أيَّ اختلاف مع سياستها بعنف، حتَّى تجلَّى ذلك بأشكال من النفي والتعذيب والقتل بصورة قاسية مستندة فيه على نصوص من العهد القديم والعهد الجديد، ومن ذلك ما جاء في (إنجيل يوحنَّا)، ما ورد عن المسيح (عليه السلام): (إنْ كان أحد لا

-----------------

(٣١٩) مصطلح التنوير (مفاهيمه واتِّجاهاته في العالم الإسلامي الحديث)/ محاضرة الدكتور عبد اللطيف الشيرازي الصبَّاغ أُستاذ المِلَل والنِّحَل والمذاهب المعاصرة/ كلّيَّة الآداب/ جامعة المَلِك عبد العزيز.

(٢١٨)

يثبت فيَّ يُطرَح خارجاً كالغصن فيجفُّ ويجمعونه ويطرحونه في النار فيحترق)(٣٢٠).
وكمثال على تعنيف الكنيسة للعلماء في حال مخالفتهم آرائها موقفها من (غاليلو) عندما ذهب إلى القول بمركزيَّة الشمس للكون وليست هي الأرض، فقد اتَّهموه بالكفر والإلحاد، وأنَّ قوله مخالف للكتاب المقدَّس، وأجبروه بالتراجع عن رأيه وقد فعل خوفاً من العقوبات التي تنتظره، فأعلن أمام البابا توبته من قوله، فقال: (أنا غاليلو، وفي السبعين من عمري، سجينٌ جاثٍ على ركبتي، وبحضور فخامتك، وأمامي الكتاب المقدَّس، الذي ألمسه الآن بيدي أُعلن أنِّي لا أُشايع بل ألعن وأحتقرُ خطأ القول وهرطقة الاعتقاد بأنَّ الأرض تدور)، وكذلك اتَّخذوا موقفاً أشدّ مع ما جاء به العالم (جيوردانو برونو) الذي وصف الكون بأنَّه لا نهائي، وأنَّ هناك أشكالاً من الحياة خارج الكرة الأرضيَّة، فغضبت عليه الكنيسة وحكمت عليه بالسجن لثمان سنوات مع التعذيب في محاولة للتوبة من رأيه، حتَّى حكمت عليه بالموت حرقاً، أمام جمهور الناس.
هذا وغيره ساهم بشكل فاعل في إدانة الدِّين واعتباره سبباً للتخلُّف ومعارضاً للعقل والعلم وأهله، فبرز نتيجة ذلك عصر الأنوار، فاستفاد من الفلسفة العقليَّة والتجريبيَّة التي أسَّسها ديكارت وبيكون، ليتغلَّب على السلطة الكنسيَّة ويتفوَّق على أفكارها لينتج مبادئ وأفكاراً أسَّست فكراً وسياسةً وثقافةً وموقفاً كان جزءاً من تاريخ بقي معبِّراً عن نفسه ومؤسِّساً لما بعده بنحو سَرى تأثيره إلى الأديان.
ويمكن تشخيص مميِّزاته ومعالمه بالتالي:
١ - التأسيس لمقولة التسامح الدِّيني، وضرورة فصل الدِّين عن الدولة.

-----------------

(٣٢٠) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ١٧٦/ إنجيل يوحنَّا/ الإصحاح ١٥/ النصُّ ٦).

(٢١٩)

٢ - اعتبار الحسِّ والتجربة كاشفان للحقيقة فقط.
٣ - القول بالنسبيَّة المعرفيَّة.
٤ - بروز ظاهرة النزاع بين القديم والجديد، والوثوق بالأخير.
٥ - الثورة على التقليد، واعتماد العلم والعقل.
٦ - التحوُّل من الفكر الدِّيني إلى الفكر المادِّي، واعتبار الدِّين أحد عناصر الحياة بعد أنْ كان كلَّ الحياة.
٧ - ظهور النقد الدِّيني، والنفور من الدِّين.
٨ - وصف المقدَّسات بأوصاف ساخرة، كوصف الراهب بالدرويش، والطقوس الدِّينيَّة بالخرافات.
٩ - تقديس الطبيعة.
٢ - الحداثة(٣٢١):
هي ذلك المبدأ الفكري الذي يؤمن بقدرة الإنسان على التقدُّم والتطوُّر حتَّى السيطرة التامَّة على الطبيعة، (فأفرز الليبراليَّة والفردانيَّة والحرّيَّة والديمقراطيَّة القائمة على الدستور وحقوق الإنسان)، وهي ذلك الظرف التاريخي الذي شَهِدَ إنجازات صناعيَّة تكنلوجيَّة والكترونيَّة، وكشفيَّة علميَّة، وتأسيس منهجيَّة معرفيَّة متنوِّعة ومختلفة، وبذلك أصبحت الحداثة ممارسة اجتماعيَّة ونمط عيش وواقع موضوعي قائم بذاته يتميَّز بالإبداع والتجديد وديمومة الحركة لتحصيل المزيد منهما، فهي حركة فكريَّة ومجتمعيَّة.

-----------------

(٣٢١) لا نبحث عن لفظ الحداثة واستعمالاته التي اختلفت بلحاظ الأزمنة والمناسبات (حيث تعود صفة الحديث إلى القرن الخامس الميلادي لاستعماله في الدلالة على صراع القدماء والمحدَثين بين الماضي الوثني والحاضر المسيحي في التاريخ الروماني، واستُعمِلَ كمقولة جماليَّة في دلالتها على الحاضر والتطوُّر عن الماضي، وللدلالة على الموضة والرؤية الأفضل للأشياء)، وإنَّما نبحث عن الحداثة بما أنَّها دالَّة عن معنى قيمي ومعياري يفيد تجاوز الماضي وارتباطها بمعاني تُشبِع طموح الإنسان وغروره.

(٢٢٠)

إنَّها الحقبة(٣٢٢) التي أفرزها التنوير، حيث ساهم في تأسيسها وتهيئة الظروف الموضوعيَّة والفكريَّة لها، وبلورة قِيَمها وخاصَّة الاعتقاد بالعقل والعلم وضرورة النقد والحرّيَّة والإصلاح والتجديد الدِّيني.
وقد تكون مشتركاً لفظيًّا، إذ جرى استعمالها للإشارة إلى أوَّل عصر النهضة (القرن ١٥ - ١٦) وحتَّى ما قبل بعد الحداثة(٣٢٣)، واستُعمِلَت أيضاً للدلالة على خصوص المرحلة التي أعقبت عصر التنوير (المؤرَّخ بالقرنين السابع والثامن عشر التنويريَّين).
وإذا لوحظت (الحداثة) باعتبار علاقتها بالفكر الدِّيني، فيمكن أنْ يقال فيه:
إنَّها تمثَّلت - بأواخر القرن الخامس وحتَّى أواخر القرن السابع عشر - تعبيراً عن (الجِدَة) التي تعيش وعياً خاصًّا بما له علاقة مع الماضي، لتُدرِك أنَّ الحاضر إنَّما هو اجتياز القديم للعبور إلى الحديث مع الإقرار بقيمة الماضي، وأنَّه يُمثِّل معياراً للقيمة التي يُنصَح بالاحتذاء بها، ولكن بعد ذلك وبسبب ترسُّبات التنوير بدأ التغيير تجاه الحداثة، حتَّى أخذت الطابع المتطرِّف في أثناء القرن التاسع عشر، وهو وعياً متحرِّراً من الروابط التاريخيَّة، فصارت تشير إلى النهوض بأسباب العقل مستقلّاً للتقدُّم والتحرُّر، ممَّا جعل بعض العلماء يعتبر الحداثة قطعاً للصلة بالتراث أو طلب التجديد أو محو القدسيَّة عن العالم أو العقلنة، وسنذكر المباني الفكريَّة في تأسيسها.

-----------------

(٣٢٢) يقول أحد الباحثين: (يُعَدُّ مصطلح (الحداثة) و(ما بعد الحداثة) بفرعيه من أهمّ المصطلحات التي شاعت وسادت منذ الخمسينيَّات الميلاديَّة من القرن الماضي عند الغرب، ولم يهتدِ أحدٌ بعد إلى تحديد مصدره بدقَّة). المنطلقات الفكريَّة والعقديَّة لدى الحداثيِّين للطعن في مصادر الدِّين (ص ٧/ المبحث الثاني: نشأة الحداثة ومراحل تطوُّرها).
(٣٢٣) وهو مصطلح يُطلَق على فترة فكريَّة وثقافيَّة وفنّيَّة بدأت تقريباً من منتصف القرن العشرين وما زالت إلى اليوم في بعض المجالات.

(٢٢١)

وقد يُتصوَّر أنَّ الكلام من مقولة التاريخ، وبالتالي ليس فيه ما يُرجى سوى الثقافة المعرفيَّة، ولكنَّ الصواب هو ضرورة الوقوف على تلك المباني وأثرها السلبي على قراءة النصِّ الدِّيني، والنتائج المعرفيَّة الخاطئة المترشَّحة منه، وما تؤول إليه من إخفاقات في النهايات، وذلك للاحتراز من واقع يريد بعض المثقَّفين والمفكِّرين الإسلاميِّين إنشاءه، فجمعوا المساعي والدعوات إلى إسلام تنويري وتشيُّع حداثوي.
وقبل بيان مداخل الحداثة السلبيَّة على النصِّ الدِّيني، إليك الأقسام للحداثة، وأيٌّ منها يرتبط بالنصِّ الدِّيني:
أقسام الحداثة:
١ - الحداثة الفلسفيَّة:
ومحورها الفكر والتعقُّل، وعملت على التشكيك في التراث بما فيه من تقاليد ومعتقدات، وأهم رُوَّادها (ديكارت، وكانت، وجون لوك)، ومن الواضح أنَّها نحو يرتبط بالدِّين والنصِّ الدِّيني - وسنُبيِّن ذلك -.
٢ - الحداثة الأدبيَّة:
وقد أبدعت في جهتين: الرومانسيَّة والطبيعة.
٣ - الحداثة الفنّيَّة:
وسعت إلى إبداع تيَّارات فنّيَّة جديدة للتطوير والتجديد في مناحي حياتيَّة مختلفة كالموسيقى والسينما والنحت والرسم.
٤ - الحداثة العلميَّة:
وهي التجديد في العلوم التي تستثمر وتستكشف الطبيعة كالطبِّ والفيزياء والكيمياء.
ويمكن قراءة المباني الفكريَّة للحداثة الفلسفيَّة بالتالي:

(٢٢٢)

١ - الحركة الدائمة التي همُّها توليد الحركة.
٢ - تقديس الجديد (من حيث هو جديد) لا (لأمرٍ ذاتي فيه).
٣ - الاهتمام بالحاضر والرفض التامُّ للماضي.
٤ - التمركز حول الذات.
٥ - تمجيد العقل والسعي نحو العقلنة.
٦ - الشكُّ في صحَّة الكُتُب المقدَّسة، بل كلِّ ما هو ديني.
٧ - قطع الصلة بالتراث التفسيري، وتغلُّب العقل على ما سواه في عمليَّة التفسير.
٥ - التنوير والحداثة في البيت الداخلي(٣٢٤):
وعاشت المذاهب الإسلاميَّة تجارب التحديث الدِّيني، ولم يكن المذهب الشيعي بمعزل عن ذلك حيث شذَّ البعض عن المؤسَّسة الدِّينيَّة الأصيلة الرسميَّة وجعلت لنفسها أُسُساً، لتتشخَّص بعد ذلك بمعالم مختلفة عن المعهود من المذهب الذي تعنونت به.
فكانت معالم الحداثويَّة عندهم بالنحو التالي:
١ - التعقيل الدِّيني: حيث الاعتماد على مرجعيَّة الأخلاق المنطلقة من العقل العملي، فتمَّت قراءتهم للجانب العقدي والفقهي للدِّين وفق المنظومة الأخلاقيَّة المستنتجة من العقل حسب رأيهم، وليست المستنتجة من دلالة النصِّ الدِّيني.
فتمَّ إنتاج الدِّين بوصفه المنظومة الأخلاقيَّة الإنسانيَّة.

-----------------

(٣٢٤) استُعمِلَ لفظ التنويري والحداثي بالنسبة للشيعة في معنى واحد، لم نجد من خلال البحث في المصادر مَنْ ميَّز بينهما، التنويري أو الحداثي المنسوب للتشيُّع بمعنى واحد، نعم لا شكَّ بالتمييز بين مرحلتين زمانيَّة بالنسبة للعالَم الأُوروبي، وقد أشرنا إلى ذلك.

(٢٢٣)

٢ - التمييز بين جوهر الدِّين والعارض على الدِّين: فاعتبروا الدِّين هو النزعة المعنويَّة التي تُحقِّق الاستقرار المعنوي للإنسان، وتُبعِّد عنه شبح الخوف والقلق والاضطراب، ضمن التأسيس لعلاقة روحيَّة مع الخالق، ضمن عناوين التسليم والتوكُّل والحُبِّ والخوف والعبوديَّة، فذلك هو الجوهر الذي هدف الدِّين الوصول إليه.
٣ - تفصيل حركة الموروث الصوفي والعرفان الإسلامي: كونه ظاهرة تُسكِّن الآلام الروحيَّة للإنسان المعاصر، وهذا هو الدِّين، ولهذا قيل: (المعنويَّة الروحيَّة ليست في مقابل الإلحاد، بل هي في مقابل العبثيَّة والوحشة والقلق والغربة).
٤ - فرض نحو خاصٍّ من العلاقة بين الدِّين وبين الدنيا والآخرة: وهو نحو مغاير لما عليه الدِّين الأصيل، فبما أنَّ هويَّة الدِّين هو المعنويَّة والحقيقة الإيمانيَّة بحسب زعمهم، فلا داعي من تقديم القضايا الدِّينيَّة بقالب التعقُّل والتفلسف وتبريرها بنحوهما. وقد كان لهذا النمط أثر سلبي من حيث الدخول في سجال تاريخي بغية تقديم قراءة تاريخيَّة منسجمة مع مبادئ الدِّين الإمامي، ومن حيث معارضة للحقائق العلميَّة الحديثة، ولذلك يتعيَّن الفصل بين العقل والدِّين، فلكلٍّ منهما اختصاصه ومجاله الخاصُّ به.
وكذلك قالوا: إنَّ الدِّين يلحظ الآخرة وسبيل الخلاص فيها من خلال البناء الأخلاقي الدنيوي، أمَّا الدنيا فيلحظها العقل والعلم والتجربة لبنائها وإعمارها.
٥ - تحرير الدِّين من الشريعة: وبهذا يتَّضح مبدأ التنوير مع البُعد الفقهي، إذ لا أهمّيَّة للطقوس، فهي شكليَّة لا مضمونيَّة، وينبغي ربطها بالغايات التي لحظها الدِّين ومقاصده العليا، فالأشكال السلوكيَّة التي وضعتها الشريعة ليست

(٢٢٤)

فرضاً في حدِّ ذاتها، بل هي تسعى لإنتاج قِيَم عليا وإيصال الإنسان إليها، فالعدالة مثلاً قيمة عليا، وكلُّ ما نقله الدِّين من صورٍ لها في ظرف تاريخي معيَّن إنَّما هو لأجل إبراز تلك القيمة، فلا أهمّيَّة للشكل الذي مثَّل العدالة حينها فإنَّما كان ضمن ظرف تاريخي، وبتبدُّل الزمكان لا مانع من تبدُّل الأشكال، والضرورة في حفظ المضمون والمعنى.
ومن هذا المنطلق يقول شبستري: (إنَّ عدالة عليِّ بن أبي طالب ليست الصورة النهائيَّة للعدالة، بل هي صورة العدالة في زمانه وثقافته وسياقه التاريخي).
إذن الشريعة النصّيَّة إنَّما جاءت لتعليم الإنسان صياغة مقاصدها الجوهريَّة بما ينسجم مع زمانه، ومن هذا المنطلق صار العمل على ليِّ عنق النصِّ لمصلحة المستجدَّات العصريَّة والعلم، فكانت نظريَّات تصبُّ في مصلحة هذا المنطلق من قبيل: (الهرمينوطيقا، وتاريخانيَّة النصِّ الدِّيني، وبشريَّة القرآن)، ولذلك يُمثِّل الفقه والفقهاء الخصم للخطِّ التنويري.
٦ - تبنِّي نظريَّة (لغة الدِّين الرمزيَّة): لإخراج النصِّ الدِّيني من قيمة الإخبارات والاكتفاء بكونها عناصر لفظيَّة تسعى إلى التأثير الإيجابي في نفس السامع، وخلق الداعويَّة للفعل الحسن، والرادعيَّة عن القبيح.
وفي هذا الصدد يقول أحد التنويريِّين: (لا تبحث هذه النزعة التنويريَّة عن حقائق الوجود الميتافيزيقي...، بل كأنَّها تعتبر أنَّ تكثير حجم الحقائق الميتافيزيقيَّة ولصقها بالدِّين يُضخِّم حجم الدِّين فيجعله كثير المدَّعيات ويتكلَّم في قضايا كثيرة ويُرهِق أتباعه بالكثير من مفردات الإيمان والعقيدة...، وهو خروج عن روح الدِّين البسيطة...).
ولا يخفى أنَّ ذلك صراع تنويري من نوع آخر مع أعلام الكلام.

(٢٢٥)

٧ - يُعتبَر الإصلاح الدِّيني (بما ينسجم مع الزمكان ومحاولة معالجة تناسب الدِّين القديم مع الواقع الحديث) مورداً لاهتمامات الفهم الدِّيني، وقد اختزل التنويري هذه المهمَّة وأناطها بالعقل لتكون الريادة له، والخروج من سلطة النصِّ.
٨ - نزع القداسة عن الفهم الدِّيني: فتعرَّض الفهم الدِّيني إلى تمحيص دقيق ومحاكمة خشنة ونقد واسع، وكان ذلك رَحِماً لنظريَّات عدَّة، أمثال: (نظريَّة القبض والبسط (سروش)، ونقد القراءة الرسميَّة للدِّين (شبستري)، وتعدُّد القراءات الدِّينيَّة (شبستري)، وهرمنوطيقيا النصِّ الدِّيني).
المنهج الحداثي في قراءة النصِّ الدِّيني:
ممَّا تقدَّم تنجلي الصفات التي يتحرَّك بها التنويري عند اتِّصاله بالنصِّ الدِّيني، وإليك بيان منهجه المعتمد ضمن متعلَّقات ثلاث:
أ - ما يتعلَّق بالمباني الفكريَّة:
١ - سيادة العقل في العمليَّة التأويليَّة، وحتَّى ما يرتبط بالقضايا الغيبيَّة، وبذلك يترفَّع التنوير عن الاستفادة من السُّنَّة في تفسير القرآن الكريم.
٢ - التصدِّي لتفسير النصِّ من غير أدوات معرفيَّة تُجيز ذلك.
٣ - تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلَّا الله سبحانه والراسخون في العلم.
٤ - القطع بالمراد الإلهي من غير دليل.
٥ - التفسير بالاستحسان والهوى.
٦ - الغموض والتضارب المنهجي.
ب - ما يتعلَّق بقواعد الثبوت:
١ - انعدام أيِّ دليل خالص الصحَّة.
٢ - دعوى عجز علوم الأسناد والرجال للتمييز بين الصحيح ودونه.

(٢٢٦)

٣ - الطعن في طريقة تدوين السُّنَّة النبويَّة.
ج - ما يتعلَّق بعلوم الدلالة:
١ - إسقاط حجّيَّة النصِّ، ونبذ قدسيَّته، ونزع صفة الوحي عنها.
٢ - تسوية النصِّ الدِّيني مع سائر النصوص، وإخضاعها للنقد وعزلها عن مرجعيَّتها.
٣ - جعل نصوصها باطنيَّة محجوبة.
نموذج تنويري عند شريعتي (نظريَّة الأُمَّة والإمامة)(٣٢٥):
ويمكن الإشارة إلى واحدة منها كعيِّنة يُستوضَح بها الأُسلوب التنويري للبيت الداخلي في التفكير وارتباطه بالعقيدة المهدويَّة:
تلحظ النظريَّة فكرة الإمامة ووظيفتها في قيادة الأُمَّة من زاوية علم الاجتماع الدِّيني، ومن خلال التحليل النفسي والمنطقي للمجتمع في حاجته إلى قيادته نحو تكامله وتطوُّره الإنساني، تُؤكِّد ضرورة الحكومة وتعيينها ولكن ليس من خلال التنصيب والتعيين، وكذلك ليس بالشورى والانتخاب، بل من خلال أُطروحة تتأرجح بينهما، وإليك بيان ذلك من خلال ما كتبه الدكتور شريعتي في كتابه (الأُمَّة والإمامة):
(... أحد الأصول الأساسيَّة لعلم النفس البشري عبارة عن تجسيد المعاني المجرَّدة وتحويلها إلى محسوس.
فالإنسان يُريد أنْ يرى (العظمة)، (التضحية)، (الفداء)، (الشرف) و... مجسَّدة في شخصيَّة عظيم وفدائي وشريف.
... الذي أُريد أنْ أقوله: إنَّه - الإمام - (إنسانٌ ما فوق) يتناغم مع حاجة

-----------------

(٣٢٥) للدكتور عليّ شريعتي (١٩٣٣ - ١٩٧٧م)، مفكِّر ايراني إسلامي شيعي، تخرَّج من كلّيَّة الآداب وحاصل على الدكتوراه في تاريخ الأدب الفارسي.

(٢٢٧)

الإنسان الأخلاقيَّة والحياتيَّة الفرديَّة والاجتماعيَّة وحاجته الفكريَّة والنفسيَّة، التي تُشبِعها المعرفة والتطلُّع للأقطاب والنماذج...
وفي ضوء مفهوم الإمام وسيرة ونهج الأئمَّة العملي... يكون الإمام أعمُّ من القائد السياسي، ومن المدير الاجتماعي والبطل والرجل الـ (سوبرمان)، الذي يُوجِّه مجتمعه في حياته اتِّجاهاً خاصًّا...، أي إنَّ القِيَم والمُثُل والفضائل والالتزامات تحوَّلت إلى لحم ودم وجلد حيٍّ في وجوده.
على هذا الأساس فالإمام شخصٌ يُدِلُّ بني الإنسان... ويدعوهم إلى الرقيِّ والمسير على هذا الصراط وبناء الذات...
أمَّا الآن فيبقى أمام البحث الاستفهام التالي:
ما هو الالتزام الذي تتحمَّله الجماعة مقابل الإمام؟... وبالتالي كيف يُعيَّن الإمام؟... الأُسُس الشائعة تاريخيًّا في مختلف النُّظُم والسُّنَن الاجتماعيَّة أو الدساتير لا تخرج عن الصور التالية: النصب، الوراثة، الانتخاب، الغلبة، الثورة، الانقلاب العسكري، الترشيح.
... وهنا تُطرَح المسألة التالية: هل إنَّ (الإمام) يُعيَّن بـ (التنصيب) أم (الانتخاب) أم يُرشَّح من قِبَل النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) أو الإمام السابق؟
والجواب - من وجهة نظري - هو السلب لكلِّ الوجوه الثلاث؛ إذ إنَّ الموقع على نحوين:
موقع يحتلُّه الإنسان نتيجة عمل ارتباطي وعامل خارجي، نظير رئاسة مؤسَّسة، حيث يتمُّ بـ (النصب)... أو (الانتخاب)...
وموقع آخر يتوفَّر عليه أبناء الإنسانيَّة، ولكن لا يتحقَّق لا بالنصب، ولا بالانتخاب، ولا يصدق عليه مفهوم الترشيح... أمَّا في هذا النحو من الموقع فمنشأ الحقِّ هو ذات الشخصيَّة.

(٢٢٨)

في هذا الضوء، فالإمامة حقٌّ ذاتي ناشئ من ماهيَّة الشخص، فمنشؤها ذات الإمام، وليس عاملاً خارجيًّا كالانتخاب أو النصب.
... يقول الشيعة: إنَّ موقع الإمامة كموقع النبوَّة، وهذه المقولة منطقيَّة أيضاً في مقاييس علم الاجتماع السياسي...
إنَّنا لا ينبغي لنا بعد الآن أنْ نتحدَّث عن الإمام والأُمَّة، بل علينا أن نتحدَّث عن دور الناس في تشخيص الإمام والمسؤوليَّة التي يتحمَّلونها إزاء هذا التشخيص، وأنْ نتحدَّث عن دور النبيِّ ورسالته إزاء هذه المسألة الخطيرة...
نأتي الآن لنطرح الاستفهام التالي: للإمام خصوصيَّات إنسانيَّة أرقى ممَّا يتمتَّع به سائر أبناء البشر...، فهل يجب أنْ يتدخَّل اللهُ والنبيُّ في تعريف الناس بهذه الخصوصيَّات أو تحديد تلك الشخصيَّة، أم يجب أنْ نترك مصير الجماهير وموقفها من الإمام بيد الجماهير نفسها، ولا يتدخَّل النبيُّ في هذا المجال، ولا ينبغي له أنْ يتدخَّل؟
... المسألة التي تُطرَح هي: شكل الحكم الديمقراطي، فالديمقراطيَّة إمَّا أنْ تكون ديمقراطيَّة حُرَّة، وإمَّا أنْ تكون ديمقراطيَّة ملتزمة أو موجَّهة.
الحكم الديمقراطي الحرُّ يستلم زمام الأُمور بأصوات الجماهير، ولا يلتزم أمامها إلَّا بإدارتها على ما هي عليه...، أمَّا الديمقراطية الملتزمة فهي حكومة جماعة تبتغي تغيير الجماهير... وسوقها باتِّجاهٍ أفضل.
... ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الإسلام نظام حكم ملتزم، والنبيُّ قائد ملتزم... لا يريد أنْ يُوفِّر الرفاه للجماهير على ما هي عليه، بل هو مصلح، ومغيِّر اجتماعي.
فإذا كان رأي الجمهور فاسداً، فالنبيُّ لا يجعل الرأي ملاكاً لاختيار السبيل، بل سبيله أنْ يلتزم بتغيير هذا الرأي، وهذه هي رسالته ودوره.
... في هذا الضوء فالجماعة السياسيَّة الملتزمة التي تستلم قيادة بلد من

(٢٢٩)

البلدان، خصوصاً في البلدان المتخلِّفة اجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا لا تودع مصير الثورة - بحكم التزامها - بيد ديمقراطيَّة الأصوات التي تُشرى وتُزوَّر بحكم الجهل والتحايل...
لِمَ يجب أنْ لا يُحفَل بالديمقراطيَّة في هذه المرحلة، ويجب الاعتماد على القيادة اللَّائقة...؟
لأنَّ الجماهير لا تزال غير قادرة على تشخيص القيادة اللَّائقة...
مهمَّة الرسالة الإبلاغ، وطرح الفكر والأيديولوجيا، ويمكن أنْ تكتمل هذه المهمَّة خلال حياة النبيِّ... لكن رسالة الإمامة - التي تعني بناء الأُمَّة... - لا يمكن أنْ تتحقَّق عبر جيلٍ واحد فحسب.
لا بدَّ أنْ تستمرَّ رسالة القيادة المؤسِّسة... لا بشكل ديمقراطي، إلى أنْ يبلغ المجتمع رشده السياسي والفكري... ويعمُّ الوعي الجماهير...، وحينئذٍ يمكن للمجتمع أنْ يستلم بنفسه مصير استقلاله... ويُعيِّن مستقبله، وعندئذٍ يشرف المجتمع على أبواب الديمقراطيَّة.
الشيعة يُنكِرون (البيعة والشورى) ويعتمدون (الوصيَّة) بدل ذلك، وأهل السُّنَّة على العكس، فهم يُنكِرون (الوصيَّة) ويعتمدون (الشورى) في الخلافة.
بينما لا يتناقض هذان الأصلان مع بعضهما، وليس أيٌّ منهما مجعولاً وغير إسلامي، فالشورى والإجماع والبيعة يعني: الديمقراطيَّة، قاعدة إسلاميَّة صرَّح بها القرآن الكريم.
كما أنَّ أيَّ مؤرِّخ منصف لا يستطيع إنكار (وصيَّة) الرسول (صلَّى الله عليه وآله) لعليٍّ (عليه السلام).
الوصيَّة؛ لا النصب، ولا الانتخاب، ولا الوراثة، ولا الترشيح... كما يدلُّ

(٢٣٠)

الإنسان الواعي الصالح المريض بالقلب على أفضل أخصَّائي بأمراض القلب، وهذه هي الوصيَّة.
يلزم أنْ تُنفِّذ الجماهير هذه الوصيَّة، وإلَّا فستضلُّ، بينما لا يلزم الناس في (الترشيح) أنْ تُصوِّت برأيها للمرشَّح.
(الوصيَّة) فلسفة سياسيَّة لمرحلة ثوريَّة محدَّدة...، فهي أساس ثوري في نظام الإمامة، الموظَّف بإكمال رسالة قائدة الثورة الاجتماعيَّة عِبر عدَّة أجيال، إلى أنْ يستطيع المجتمع أنْ يقف على قدميه، وتبدأ بعد (نهاية الإمامة أو مرحلة الوصيَّة)... مرحلة البيعة والشورى والإجماع أو الديمقراطيَّة التي هي الصورة الاعتياديَّة المستمرَّة وغير المحدَّدة لقيادة المجتمع.
ومن هنا كان أئمَّة الشيعة أو أوصياء الرسول (اثنا عشر) إماماً لا غير.
بينما يبقى عدد قادة المجتمع بعد وفاة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) إلى نهاية التاريخ غير محدَّد.
لو لم تُنقَض الوصيَّة،... فممَّا لا شكَّ فيه أنَّ غيبة الإمام الأخير لم تقع... ولعاش آخر الأوصياء كما عاش سابقوه، ولمضى في أداء مهمَّة القيادة وانتهت مرحلة الوصيَّة.
وعندئذٍ يكون (عام ٢٥٠هـ)، عام ختام الإمامة بدل أنْ يكون عام الغيبة، ولو كانت قيادة الأُمَّة عبر قرنين ونصف بيد عليٍّ والحسن والحسين... بدل الخلفاء والسلاطين العرب، فسوف تكون لدينا (عام ٢٥٠هـ) أُمَّة متكاملة البناء، تتمتَّع باللياقة التي تُؤهِّلها لاختيار أفضل قائد على أساس مبدأ (الشورى)...
لذا أضحت (الوصيَّة) أصلاً بديهيًّا و(الشورى) - البيعة - أصل إسلامي أيضاً، فالوصيَّة أصل استثنائي، لكن الشورى والبيعة أصل طبيعي... ولكن لم

(٢٣١)

تكن فقد استندوا على الديمقراطيَّة والشورى، بينما الزمان زمان الوصيَّة يعني قيادة الثورة.
ولذا ماتت الديمقراطية، وماتت الشورى أيضاً ميتة أبديَّة...)(٣٢٦).
ونستشفُّ ممَّا ذُكِرَ: أنَّ فكر النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) إلهي المصدر، لا يضلُّ ولا يزل، ويعكس حكمة ربَّانيَّة سامقة لوعي أهداف مجتمعه، فيكون (صلَّى الله عليه وآله) الأقدر في تشخيص الأفضل لقيادة المجتمع، ولكونه هادياً ومربّياً للمجتمع أخذ من منطلق ذلك (الوصيَّة) للأئمَّة (عليهم السلام)، حتَّى يُكمِلوا دور التربية والتعليم والتطوير حتَّى يصبح المجتمع مؤهَّلاً لقيادة نفسه بنفسه.
وبذلك تصير الإمامة عبارة عن تعاقب (١٢ إماماً) جاؤوا للقيادة المجتمعيَّة من خلال وصيَّة نبيِّ الإسلام عليهم، لتكون الأُمَّة (بعد الـ ٢٥٠ سنة من تعاقبهم) مرحلة تاريخيَّة تُنهي خلافة الإمامة بالوصيَّة، لتبتدئ وعي الأُمَّة ونضجها لاستعمال حقِّها الديمقراطي في البيعة.
هذا السيناريو الذي خطَّط إليه الإسلام، ولكن الحُكَّام العرب استبقوا التاريخ فلم تجرِ الأُمور كما خُطِّط لها.
وفي ذلك تأييدٌ للرؤيتين الشيعيَّة والسُّنّيَّة، وعدم تحميل الأخيرة منهما المخالفة والمسؤوليَّة بعد أنْ كانت الخلافة (وصيَّة)، إذ هي إرشاديَّة لا أمريَّة.
ملاحظات وإشكاليَّات على رؤية شريعتي في نظريَّة الأُمَّة والإمامة:
عند قراءة الأُطروحة السابقة تنقدح مجموعة من الإشكالات، نُجمِلها بالتالي:

-----------------

(٣٢٦) الأُمَّة والإمامة (ص ١٠٠ - ٢٣٧).

(٢٣٢)

١ - لم نعلَم الوجه في إصرار شريعتي على استبعاد (التنصيب) وصادحيَّة الأمر الإلهي به، فإذا كان لبغية التوفيق بين القول الشيعي والسُّنِّي، وعقد المراضاة بين المسلمين، فهل الغاية تُبرِّر الوسيلة ليكون اجتهاداً مقابل النصِّ؟!
٢ - دلَّت الأدلَّة النقليَّة المتواترة على وقوع التنصيب(٣٢٧) في حقِّ الإمامة، دون الشورى أو البيعة، بل حتَّى الوصيَّة الإرشاديَّة أو سائر طُرُق التعيين الأُخرى.
٣ - إذا كان الاختيار عبر وصيَّة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وليس اختياراً إلهيًّا - كما يدَّعي شريعتي -، فإنَّه سيبقى للأجيال احتمال انحياز النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) لابن عمِّه وصهره (عليه السلام)، أو لا أقلّ احتمال ملاحظة تلك الصفات عند تعيين الحاكم - ولو من جهة مصالح القبيلة أو العشيرة - خصوصاً وأنَّ الإمامة جاءت في سلالة متعاقبة لبني هاشم، وفي ذلك إبهام وإرباك للفهم الاجتماعي لواقع الوصيَّة - المدَّعاة -.
٤ - القبول بمبدأ حاكميَّة الإنسان لنفسه - ولو بعد حين - فتصل النوبة إلى العقلنة التي تُذعِن بحاكميَّة الإنسان وقدرة عقله على القيادة العالميَّة، وهذا غير صحيح لعدم كمال العقل البشري غير المعصوم.
٥ - لغويَّة الوصاية للأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، إذ الفرض أنَّ فلسفة الوصاية هو مرور الأُمَّة بطور التربية (تحت رعاية المعصوم) لبلوغها إلى النضوج الديمقراطي! فلو تعذَّر النضوج - ولو لأسباب سوء اختيار الأُمَّة - فكيف نُبرِّر عندئذٍ إصرار النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) على الوصيَّة رغم عدم إتيان ولاية المعصوم بأُكُلها؟

-----------------

(٣٢٧) راجع: سورة المائدة الآية ٣ و٥٥ و٦٧؛ وسورة النساء الآية ٥٩، وراجع حديث الغدير وقصَّة سورة البقرة الآية ١٤٢، تُثبِت أنَّ الإمامة جعل وليست اختيار في أيِّ حالٍ. وأيضاً ذُكِرَ هذا المعنى في الآية ٧٣ من سورة الأنبياء وفي الآية ٥ من سورة القَصَص. وراجع حديث الثقلين وغير ذلك من الأدلَّة الكثيرة في هذا المضمار.

(٢٣٣)

وإذا قيل: إنَّ الإشكال سيَّال حتَّى على القول بالتنصيب، لأنَّه تعالى عالم أنَّ الأُمَّة ستتخلَّف ولا تطيع الأمر الإلهي!
قلنا: أوَّلاً: ليست الوصاية الولويَّة علَّة تامَّة لهداية الأُمَّة، وإنَّما تكون في سياق الاختيار وإرادة الهداية لتوفِّر له فرصة الهداية بالوصاية الولويَّة.
ثانياً: الإشكال مندفع بالظهور المهدوي وسيطرة الحكم الإلهي، فحتميَّة استجابة الأُمَّة إلى لوازم التنصيب، بل هو مندفع حتَّى في الزمن المعاصر لوجود الثُّلَّة المؤمنة الخاضعة لأمر الله تعالى والمستفيدة من تحديد المصداق الممثِّل لأمر السماء بالتنصيب، فيكون أمر التنصيب بهذا اللحاظ حِكمي ولو بلحاظ الفرد الواحد المستجيب له.
٦ - عند ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يقع الشكُّ - لا محالة - في بقاء اختصاص صلاحيَّة الحكم بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - بحسب نظريَّة شريعتي -، إذ مَنْ يقول: إنَّ بعد (١٤٠٠ سنة) (من وصاية النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) له (عجَّل الله فرجه) كأفضل قائد اجتماعي) لم تصنع الظروف والأجيال كفاءات تماثل المهدي (عجَّل الله فرجه) في قيادته؟!
٧ - لغويَّة الغيبة، إذ لا يمكن اعتبارها ذات هدف إصلاحي للمجتمع، فما فائدة غيبة الإمام لمئات السنين ليظهر حاكماً لعقد من الزمن - فترة محدَّدة منه - ثمّ ينتهي الأثر المرغوب بموته - فقد فرضت النظريَّة حاجة المجتمع إلى تربية طويلة تتجاوز أجيالاً حتَّى يتحقَّق الصلاح التدريجي -؟
٨ - معارضة النظريَّة لأدلَّة نهاية التاريخ التي ذكرناها سابقاً.
ثانياً: الفكر الإصلاحي الداخلي:
بدايةً ينبغي التعريف المفهومي للإصلاح، ولا يخفى اختلاف متعلَّق الإصلاح، فقد يكون اقتصاديًّا أو سياسيًّا أو اجتماعيًّا أو علميًّا أو دينيًّا أو غير ذلك.

(٢٣٤)

والذي يُمثِّل هذا الاتِّجاه هم: هادي نجم آبادي، محمّد مهدي الخالصي، شريعت سنكلجي، عبد الوهَّاب فريد تنكابني، أبو الفضل البرقعي، حيدر عليّ قليمداران، نعمة صالحي آبادي، إسماعيل الخوئيني، محسن كديوار، كمال الحيدري، وغيرهم.
والمقصود من الإصلاح:
لغةً: نقيض الإفساد، وهو الإتيان بالخير والصواب، يقال: أصلح بين القوم، أي وفَّق وألَّف بينهم بالمودَّة، وأصلح الشيء بعد فساده: أقامه.
اصطلاحاً: (عبارة عن الإتيان بما ينبغي والتحرُّز عمَّا لا ينبغي)(٣٢٨).
وقيل: (الصلاح: هو سلوك طريق الهدى، وقيل: هو استقامة الحال على ما يدعو إليه العقل والشرع)(٣٢٩).
ومن البديهي اعتبار الأنبياء والأوصياء والأولياء (عليهم السلام) (الإصلاح) مسؤوليَّة تلاحقهم ما دامت السماوات والأرض. ومتعلَّقه مختلف، فقد يكون الدِّين، وقد يكون الإنسان، وقد يكون الزمان أو المكان... ويتعامل كلٌّ منهم مع الإصلاح بما يناسب شأنه، فهو مفهوم مشكَّك.
وفيما يرتبط بإصلاح الدِّين والمذهبيَّة، فهو شأن تخصُّصي للأعلام، يمكننا تصنيفه إلى اثنين:
١ - إصلاح غير نقدي، وإنَّما تأصيل وتعميق وتأسيس معرفي من شأنه التوسُّع والتعقُّل والتعمُّق الدِّيني، ممَّا يُحقِّق التفاعل المستمرَّ مع الدِّين، ورفع الحاجات المتجدِّدة لقدرته على مواكبة التطوُّرات المعاصرة، وليس ذلك إلَّا لمقولة الشموليَّة والعالميَّة والخاتميَّة للإسلام.

-----------------

(٣٢٨) تفسير الآلوسي (ج ٧/ ص ٢١٤).
(٣٢٩) موسوعة كشَّاف اصطلاحات الفنون والعلوم (ج ٢/ ص ١٠٩٣).

(٢٣٥)

وقد كان ثُلَّة من أعلام المذهب الإمامي وما زالوا يعملون في هذا السياق، أمثال الروَّاد الأوائل السيِّد محمّد باقر الصدر، والسيِّد محمّد حسين الطباطبائي، والشيخ محمّد تقي مصباح اليزدي، والشيخ عبد الله الجوادي الآملي... وغيرهم آخرين.
٢ - إصلاح نقدي، ويدَّعي المنتمون إليه الإتيان بالخير وإصلاح ما فَسُدَ من فهم للدِّين، ولكن من خلال النقد لما فيه، في محاولة للتبديل والتنقية ممَّا طرأ عليه، والاستفادة من مصادره المعرفيَّة وفق ضوابط تختلف عمَّا هو عليه الفكر التقليدي.
وإنَّ منشأ الحركة الإصلاحيَّة إنَّما على اعتبار الفارق بين الدِّين والفكر الدِّيني، فالأوَّل وحي معصوم مقدَّس، أمَّا الثاني فهو بشري وخاضع لفكر الإنسان القابل للجدل والنقد والاجتهاد والتغيير.
وفي تصوُّرهم للأسباب التي أخذت بالفهم الدِّيني إلى صوب الخرافة والجهل، حتَّى صار عرضةً لنقد الناقدين، ومفتقراً إلى إصلاح المصلحين، فيمكن عدُّها بالتالي:
١ - التوفيق بين قِدَم الشريعة الخاتمة وتطوُّر العصر المتغيِّر، كان ولا بدَّ من بقاء الحركة الاجتهاديَّة وفسح المجال لآليَّاتها الاستنباطيَّة بأنْ تكون على أساس روح النصِّ والآفاق المفترضة له ما دام يُتوقَّع من الدِّين أنْ يكون مجعولاً لخدمة الإنسان.
٢ - أنَّ ما يُوصَف بقداسة النصِّ هو القرآن الكريم فقط لعصمته عن التحريف، أمَّا النصُّ الروائي فهناك عدَّة عوامل(٣٣٠) ساهمت في عدم ثبوت نسبته

-----------------

(٣٣٠) سنذكرها في بحث نظريَّة محوريَّة القرآن ومداريَّة السُّنَّة (ص ٢٣٨).

(٢٣٦)

إلى المعصوم، ولازم ذلك إعادة النظر في المباني العقديَّة والفقهيَّة التي بُنيت عليه، وإيجاد منفذ معرفي بنحو آخر لتأسيس تلك المباني.
٣ - عدم قبول الفكر الشيعي الفعلي بعناصره البنيويَّة وخصوصاً مفردة الإمامة دون فرض الزيادات التراكميَّة التي أُضيفت إلى هذا الفكر حتَّى بدى ما عليه اليوم، إذ لا مقاربة بين إمامة القرن الهجري الأوَّل والثاني مع الإمامة الفعليَّة وما عليه من الأوصاف، والتي كانت فيما بعد القرن الثاني وصفاً للغلوِّ الذي عارضه نفس الأئمَّة (عليهم السلام)، في حين صارت في الحاضر ثوابت وضرورات للفكر الإمامي!
ويمكن عزو الإضافات الدخيلة - بحسب زعمهم - على الثقافة الشيعيَّة إلى عدَّة عوامل:
أ - استعمال الفكر الشيعي للمنهج الاعتزالي في قراءة النصِّ، وإخضاع العصيِّ منه للتأويل، وإثبات قدرة العقل، فبرز عَلَمان للكلام: الشيخ المفيد (٤١٣هـ)، والشريف المرتضى (٤٣٦هـ)، ليصوغاه وفق منهج يعتمد تحكيم العقل والتأويل، وبذلك انحسر النصُّ لسلطة العقل الذي لا يعدو كونه فهماً بشريًّا.
ب - إفرازات الفكر الصوفي التي زَرَّقها في التشيُّع، ممَّا أنتجت مقولات مهمَّة ساهمت في رسم منظومة عقديَّة مختلفة، وخصوصاً للإمامة، وأوضح مثال على ذلك صناعة فكرة الإنسان الكامل الذي فُرِضَ عقيدة تأسيسيَّة لمنظومة الخلق في ظلِّ الإمامة.
ج - استعمال المنهج الفلسفي مع العرفاني لتبرز ظاهرة (الحكمة المتعالية)، وترسم ملامح الفكر الشيعي بمظهر جديد مختلفاً كثيراً عن وجهه الذي عاصر الأئمَّة (عليهم السلام).

(٢٣٧)

ومن البديهي أنْ يُجري كلُّ ذلك تحوُّلات واضحة على المنظومة الفكريَّة للعقل الشيعي، ممَّا دعا مفكِّرين من الإماميَّة إلى إصلاح قصور وإخفاق وتشويه قد طرأ عليه - بحسب دعواهم -.
ويمكن قراءة أهمّ مبانيهم الفكريَّة بالتالي:
١ - النقد للتراث الروائي الشيعي، وإثبات تعارضه مع القرآن أو العقل.
٢ - نفي الولاية التكوينيَّة والعصمة عن الأئمَّة (عليهم السلام).
٣ - نفي وجود الإمام الثاني عشر، أو ظهوره المحتوم.
٤ - تخطئة الإمام (عليه السلام) (بتعدُّد رأيه في المسألة الواحدة)، ونفي التقيَّة كمبرِّر.
٥ - نفي علم الغيب عن المعصوم (عليه السلام)، كما في عدم علم الإمام الحسين (عليه السلام) بمقتله.
٦ - إثبات أنَّ الروَّاد الأوائل كانوا ينظرون إلى الأئمَّة (عليهم السلام) على أنَّهم علماء أبرار.
نظريَّات الإصلاحيِّين:
ونشير إلى اثنتين منها:
النظرية الأُولى: محوريَّة القرآن ومداريَّة السُّنَّة:
تسعى هذه النظريَّة إلى تخليص العقل الشيعي من مرجعيَّته الفكريَّة، وهي المنظومة الروائيَّة، كون أغلبها - بحسب زعمهم - تعرَّضت للدسِّ والتزييف والتزوير، فكان ولا بدَّ من اللجوء لمصدرٍ وحياني أمين، عَصَمَتْه القدرة الإلهيَّة من التحريف.
وإليك بيان الأركان الأساسيَّة للنظريَّة من مختلف أبعادها:
أوَّلاً: عدم إنكار ضرورة الرجوع إلى الرواية، ولكن ليس بنحو تعطيل

(٢٣٨)

القرآن والانكفاء عليها، فيتعيَّن عرض الرواية على القرآن، لينكشف صحَّتها في حال وجود جذر قرآني لها.
ثانياً: خطورة التغييب القرآني، حيث يُنتِج توالد نظريَّات علمائيَّة، يُتوهَّم انتسابها الدِّيني، فيتمُّ تأكيدها وتجذيرها حتَّى تغدو من أركان المذهب.
ثالثاً: الدِّين الواقعي هو ما اعتمد على القرآن الكريم والسُّنَّة المنضبطة، وما يُقدِّمه الأعلام اليوم ليس منه.
رابعاً: نحن نلتزم بحديث الثقلين، وأنَّ السُّنَّة والقرآن وجهان لحقيقة واحدة، ولكن ليست السُّنَّة المحكيَّة، وإنَّما الواقعية، وهي المصداق المعني في الحديث.
خامساً: أنَّ لتلوُّث واختلاط التراث الروائي بالمخطوء والفاسد مناشئ، ومنها:
أ - صراع الخلافة بعد النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) من كيفيَّة تعيين الخليفة، وإلى وصول الحكم إلى بني أُميَّة واستمراره فيهم، كلُّ ذلك استدعى أحداثاً تَطلُب تغطية شرعيَّة لتبدو منسجمة مع دعوى خلافة نبيِّ الإسلام (صلَّى الله عليه وآله)، فكانت الداعويَّة إلى تحشيد جملة من المرويَّات المنسوبة إلى النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) لتغطية حاجتهم.
ب - فعليَّة الحاكميَّة السياسيَّة لبني أُميَّة يَسَّر لهم الترويج بما يخدم سلطانهم بعنوان الحكاية عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فاستعملوا الترهيب والترغيب لتقديس رجال من أحبار اليهود والنصارى واستيراد أفكار منهم على أنَّها من نبيِّ الإسلام (صلَّى الله عليه وآله)، ولا زال يُستخدَم (المال + الأعلام + السلطة) = (الخُمُس + الشهرة والشياع + المرجعيَّة الدِّينيَّة) لتسويق ما ليس من الدِّين على أنَّه دين.
ج - تأثير هويَّات الحضارات على الإسلام الروائي، بعد انفتاح المسلمين على تلك البلاد بسبب الفتوحات، وكذلك وجود الأديان المختلفة فيها، كلُّ

(٢٣٩)

ذلك ساهم في أنْ يكون دورها فاعلاً ومنفعلاً فيه، ممَّا أفرز عندنا إسلاماً بمذاق عرفاني ومشَّائي وإشراقي وتركيبي منهما، أو التشريع لطقوس خرافيَّة.
د - بعد تمكُّن الاختراق الإسرائيلي للموروث السُّنِّي، استطاع اختراق الموروث الشيعي أيضاً، وذلك في فترة الحرّيَّة الفكريَّة المعاصرة للإمام الصادق (عليه السلام) التي استُغلَّت لنشر معارف أهل البيت (عليهم السلام)، ومن الأُمور المسلَّمة في المذهب قيام الموروث الشيعي على (الكافي، ومَنْ لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار - الكُتُب الأربعة - وباقي كُتُب الصدوق والمفيد والطوسي) على الأُصول الأربعمائة(٣٣١).
والدعوى اختراق تلك الأُصول، بل إصابة أغلب الموروث الشيعي بالتزوير.
والشاهد على ذلك عدَّة أُمور:
١ - قال يونس بن عبد الرحمن: (وَافَيْتُ اَلْعِرَاقَ، فَوَجَدْتُ بِهَا قِطْعَةً مِنْ أَصْحَابِ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، وَوَجَدْتُ أَصْحَابَ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) مُتَوَافِرِينَ، فَسَمِعْتُ مِنْهُمْ وَأَخَذْتُ كُتُبَهُمْ، فَعَرَضْتُهَا مِنْ بَعْدُ عَلَى أَبِي اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عليه السلام)،

-----------------

(٣٣١) الأُصول الأربعمائة: وهي الأحاديث التي سُمِّي كلُّ حديث منها بالأصل باصطلاح المحدِّثين (بمعنى الكتاب المعتمد الذي لم يُنتزَع من كتاب آخر، بل سمعه الراوي من المعصوم مباشرةً وحدَّث به)، وتنحصر الأُصول بعصر الإمام الصادق (عليه السلام) وأواخر عصر أبيه الباقر (عليه السلام) وأوائل عصر ابنه الكاظم (عليه السلام) (غالباً - وهناك أقوال أُخَر لتحديد المصطلح)، ورغم أنَّ أحاديث الشيعة تتجاوز عشرات الآلاف حديثاً أُخِذَت من الأئمَّة (عليهم السلام) من زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) وإلى الإمام العسكري (عليه السلام) في شتَّى المجالات المختلفة.
ولكن مُيِّزت هذه الأربعمائة كونها محرزة عن المعصوم كونها منقولة بالمباشرة ولا يوجد بين الراوي والمعصوم (عليه السلام) سلسلة من الناقلين.
راجع: دراسة حول الأُصول الأربعمائة (ص ١١).

(٢٤٠)

فَأَنْكَرَ مِنْهَا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَادِيثِ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام))(٣٣٢)، وهناك مرويات أُخر من هذا القبيل.
٢ - صرَّح السيِّد محمّد باقر الصدر (رحمه الله): (كلَّما ابتعد الشخص عن زمن صدور النصِّ وامتدَّ الفاصل الزمني بينه وبين عصر الكتاب والسُّنَّة بكلِّ ما يحمله هذا الامتداد من مضاعفات كضياع جملة من الأحاديث... ودخول شيء كثير من الدسِّ والافتراء في مجاميع الروايات، الأمر الذي يتطلَّب عناية بالغة في التمحيص والتدقيق)(٣٣٣).
٣ - وجود إضافات في مصادر روائيَّة شيعيَّة مهمَّة كـ (الوسائل، ومستدرك الوسائل، والوافي، وبحار الأنوار)، وهي معتمدة عندهم ولم تكن موجودة في المصنَّفات القديمة (للكليني والصدوق والطوسي)، فلا تفسير لوجودها إلَّا أخذها من مصادر غير أمينة.
سادساً: انقسم المسلمون إلى فريقين:
الأوَّل: وهم القرآنيُّون المهمِلون للسُّنَّة مطلقاً (خشية التحريف)، واعتبار القرآن المصدر المعرفي الوحيد للدِّين.
الثاني: وهم المهمِلون للقرآن الكريم إمَّا بنحو مطلق أو جزئي.
والأوَّل هم الأخباريُّون الذين اعتمدوا على الروايات لمرجعيَّتهم المعرفيَّة.
والثاني يرجعون إلى القرآن ولكن بنحو شبه نادر، وذلك عند وقوع تعارض بين الأخبار الصحيحة السند حصراً، ليكون المرجِّح لأحدها هو القرآن، والصحيح عندهم في (محوريَّة القرآن ومداريَّة السُّنَّة) أي كون القرآن قطباً والروايات تدور حول قطبها.

-----------------

(٣٣٢) رجال الكشِّي (ج ٢/ ص ٤٨٩ و٤٩٠/ ح ٤٠١).
(٣٣٣) الفتاوى الواضحة (ص ٥).

(٢٤١)

سابعاً: محوريَّة القرآن تعني كونه المصدر الأصلي للمعارف الدِّينيَّة، فهو المعتمد في تشكيل وتبيين القواعد والقوانين الدستوريَّة في المنظومة الإسلاميَّة، والروايات لا يُقبَل منها إلَّا ما وافق تلك القواعد والقوانين، فيكون (القرآن) مرجعاً للتصحيح.
النظريَّة الثانية: القراءة المنسيَّة:
التي تدعو إلى إعادة قراءة الأئمَّة (عليهم السلام) وفق المعطيات الأُولى من عهد النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) والأئمَّة (عليهم السلام)، لينكشف مغالاة الفكر اللَّاحق في قراءتهم (عليهم السلام) ونسبة الأوصاف إليهم - من العصمة والعلم اللَّدنِّي والولاية التكوينيَّة - التي طالما تبرَّأ منها أهل البيت (عليهم السلام) وحذَّرت القائل بها من المغالاة، وأنَّ واقع الحال هو كونهم علماء أبرار أتقياء وليس أكثر من ذلك(٣٣٤)، ونُرجِع الإجابة على هذه الشبهة إلى كتاب: وهم القراءة المنسيَّة (محاكمة علميَّة لنظريَّة علماء أبرار) للشيخ أحمد سلمان.
ولضيق المقام سنكتفي بإلقاء الضوء على ما قيل في النظريَّة الأُولى.
الردُّ(٣٣٥) على (محوريَّة القرآن ومداريَّة السُّنَّة):
ما تقدَّم ذكره بعنوان الإصلاح والتقويم للفكر الأُصولي مردودٌ عندنا لجهات نستعرضها بمحورين:
المحور الأوَّل من الردِّ: لا جديد في هذه النظريَّة:
لم تكن لدعوى النظريَّة (محوريَّة القرآن...) ميزة عن سابقها من الأفكار المطروحة في هذا الصدد، حتَّى يصدق عليها كونها نظريَّة للمتكلِّم، إذ يُشترَط في

-----------------

(٣٣٤) راجع: القراءة المنسيَّة (ص ١٥ - ٧٩).
(٣٣٥) ردٌّ مستلٌّ من بحث العلَّامة السيِّد أحمد الإشكوري في سلسلة من الحلقات العلميَّة المتسلسلة تحت عنوان: (نظريَّة محوريَّة القرآن ومداريَّة السُّنَّة (على اليوتيوب).

(٢٤٢)

صدق النظريَّة كونها فكرة إبداعيَّة جديدة غير مسبوقة، مع بيان النقص والخلل فيما يقابلها ويخالفها، وكلُّ ذلك بنحو جلي واضح لا خفاء فيه.
وقد فقدت هذه الأُطروحة ذلك، وفيه سلباً لدعوى الإصلاح، وتبياناً لواقع الفكر الإمامي الأصيل، فهي من الأُطروحات القديمة في الفكر الإسلامي (السُّنِّي والشيعي) على السواء عند علماء التفسير، فهناك عناوين متعدِّدة في سياق المصدر المعرفي للدِّين، وهل ينحصر بالقرآن الكريم أو بالسُّنَّة أو بهما معاً؟ ومن هنا انطلقت نظريَّات مختلفة، كما في (حسبنا كتاب الله، القرآنيِّين، الإخباريِّين، إنَّ كلّاً منهما مصدر مستقلٌّ في المعرفة، تفسير القرآن بالقرآن)(٣٣٦).
وما ذُكِرَ في (محوريَّة القرآن...) هو مطابقٌ لما قدَّمه السيِّد الطباطبائي (رحمه الله) في منهج تفسيره (تفسير القرآن بالقرآن) مع فوارق غير جوهريَّة بينهما، ولذلك يجدر الوقوف عند نظريَّة العلَّامة (رحمه الله) لأبطال دعوى النظريَّة، وبيان كيف تعامل الطباطبائي (رحمه الله) مع السُّنَّة بنحوها العامِّ ومع الضعيف منها بنحوها الخاصِّ، لتتَّضح أصالة العقل الإمامي، وكيف اعتُمِدَ القرآن الكريم كمصدر معرفي للدِّين، ودور السُّنَّة فيه بعد القول بتفسير القرآن بالقرآن.
ويمكن أنْ يقال في تعريف نظريَّة العلَّامة (رحمه الله): هو أنْ تُفسِّر الآيات القرآنيَّة بعضها للبعض الآخر، أي جعلها شاهداً لبعضها على الآخر، فيستدلُّ المفسِّر على هذه الآية مثلاً بتلك الآية بهدف معرفة مراد الله تعالى من القرآن

-----------------

(٣٣٦) إنَّ لكلِّ أُطروحة ممَّا ذُكِرَ معنى مغاير للآخر؛ فإنَّ (حسبنا كتاب الله) تعطيل للسُّنَّة مطلقاً، سواء الواقعيَّة أو المحكيَّة. أمَّا القرآنيُّون فهو تعطيل لخصوص السُّنَّة المحكيَّة. أمَّا المنهج الإخباري فإنَّ السُّنَّة فيه هي المحور ولابُدّيَّة عرض القرآن الكريم عليها، لعدم حجّيَّة ظهوراته علينا، فهو لسان مضامين عميقة ومطالب غامضة لم تخاطب إلَّا الراسخين في العلم.

(٢٤٣)

الكريم(٣٣٧)، كما قد قيل في أنَّ الباء في كلمة (بالقرآن) هي إمَّا تكون للاستعانة، وإمَّا تكون باء السببيَّة(٣٣٨).
قراءة الطباطبائي (رحمه الله) لواقع السُّنَّة وعلاقتها مع القرآن الكريم(٣٣٩):
١ - لم تُعطِّل نظريَّة (تفسير القرآن بالقرآن) السَّنَّة (الأعمّ من الواقعيَّة والمحكيَّة)، بل اعتبرتها السبيل إلى المعرفة الدِّينيَّة القرآنيَّة، وقد استدلَّ بشواهد قرآنيَّة لكشف قيمتها المعرفيَّة، ومنها(٣٤٠):
أ - قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤)، وقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ أي لتُفسِّر، دلالة على دور السُّنَّة في تفسير القرآن الكريم(٣٤١).
والتبيان إنَّما يكون بالأساليب المتعارفة - الأعمّ من الخبر القطعي وخبر الآحاد -، وفي مطلق الأزمنة - الأعمّ من الحاضر والاستقبال -.
ب - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ...﴾ (الجمعة: ٢)، وواضح دلالة (تعليم

-----------------

(٣٣٧) المنهج الأثري في تفسير القرآن الكريم (ص ٦٥).
(٣٣٨) المباني التفسيريَّة (ص ٢٨٨).
(٣٣٩) فالطريقة المرضيَّة في بحث معاني الآيات القرآنيَّة هي أنْ يُفسَّر بعضها ببعض، ويستظهر ما يمكن استظهاره منها بالتدبُّر وإرجاع المتشابهات إلى المحكمات، وهو الذي جرى عليه أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، غير أنَّ ذلك لا يُغني عن الاستفادة من القرائن العقليَّة والروائيَّة والتاريخيَّة عند الحاجَّة، فإنَّها تضيء السبيل للمفسِّر وتكشف له بعض الحقائق التي قد تشكل عليه بمجرَّد الرجوع إلى الآيات وحدها. راجع: تفسير الميزان (ج ٣/ ص ٧٤).
(٣٤٠) تفسير الميزان (ج ١/ ص ١١).
(٣٤١) وإنْ قلتَ: إنَّ مفاد هذه الآيات الاعتماد على السُّنَّة وإلغاء القرآن.
قلتُ: هذه الآيات مفادها المنهج التكاملي بين القرآن والسُّنَّة، والدور الإيجابي للسُّنَّة في فهم القرآن، وليس جعلها المصدر المعرفي الوحيد وإلغاء القرآن.

(٢٤٤)

الكتاب) أي تفسير القرآن ورفع غموض ألفاظه.
ج - وكذلك في هذا المضمار قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، والآية وردت في موردٍ خاصٍّ، ولكن (المورد لا يُخصِّص الوارد)، ممَّا يُعمِّم نفوذ كلِّ أمر أو نهي للنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، سواء كان بنحو الخبر القطعي أو المحكي، والأعمُّ من الحال والاستقبال.
د - قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ...﴾ (الأحزاب: ٢١)، والتأسِّي هو الاقتداء، والاقتداء هو الاتِّباع، وهو أعمُّ من أنْ يكون عمليًّا أو قوليًّا، وبذلك تكون للسُّنَّة تمام الحجّيَّة.
هـ - اعتماد الطباطبائي (رحمه الله) في قبول الرواية مسلك الوثوق(٣٤٢)، وفي ذلك دلالة واضحة على قيميَّة السُّنَّة - الأعمّ من الواقعيَّة والمحكيَّة - عنده (رحمه الله).
دور السُّنَّة في فهم النصِّ القرآني:
ولذلك يمكن قراءة أدوار السُّنَّة بالنحو التالي:
١ - بيان تفاصيل كلّيَّات القرآن الكريم من الأحكام والمعارف العقديَّة والأخلاقيَّة.
٢ - الكشف عن الواقع القَصَصي القرآني، وأسباب النزول للآيات، ومن الواضح أنَّ لذلك تأثيراً أساسيًّا على عمليَّة تفسير القرآن بالقرآن.

-----------------

(٣٤٢) فرق بين منهج الوثاقة والوثوق في تمحيص الروايات المباركة، فالأوَّل يعمل على دراسة السند لينظر إلى أجزاء سلسلتها فرداً فرداً، للتحقيق في سلامة ووثاقة كلٍّ منهم على حِدَة، وهو مبنى السيِّد الخوئي (قدّس سرّه)، ولذلك نجده قد ضعَّف العديد من الروايات المتسالمة عند المشهور لقبولهم مسلك الوثوق. أمَّا الثاني فيعمل على وثاقة نفس الرواية من حيث مجموعة قرائن تراكميَّة أنتجت الاطمئنان بصحَّة الرواية، كما لو كان مضمونها غير مخالف للقرآن الكريم أو السُّنَّة القطعيَّة أو العقل القطعي، وهو مبنى السيِّد الطباطبائي (قدّس سرّه).

(٢٤٥)

٣ - القيام بدور التعليم في الهداية إلى أغراض القرآن ومقاصده، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: ٢).
٤ - الإرشاد إلى كيفيَّة التفسير بمنهج (تفسير القرآن بالقرآن)، إذ إنَّه ليس بالمنهج الواضح الهيِّن.
٥ - تشخيص المصداق المعني في إشارات القرآن الكريم العامَّة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: ٣٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥).
٦ - تحديد الناسخ والمنسوخ.
٧ - الاستعانة بالرواية في وصول عقل المفسِّر إلى عمق مراد الآية والتوسُّع في مداليلها كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ...﴾ (النساء: ١٠١)، ومن ظاهر الآية قد يُفهَم لزوم القصر في حال الخوف حصراً، ولكنَّنا نجد أنَّ الرواية المباركة قد وسَّعت في المورد، وأنَّ الخوف ليس قيداً لموضوع الحكم، وإنَّما ذكر أحد مصاديق السفر، وهو أعمّ من كونه مقروناً بالخوف أو ليس كذلك.
ونستشفُّ ممَّا مرَّ أنَّ نظريَّة (تفسير القرآن بالقرآن) لا تزهد بالروايات المباركة، بل تحرص على الاستعانة بها في عمليَّة التفسير، ولا يقال: إنَّ طبيعتها الاغتناء بالقرآن والكفاف به عمَّا سواه فلا محلَّ إلى الاستفادة من الروايات، لأنَّ الجمع بينهما في اكتساب التفسير ليس من قبيل (مانعة جمعٍ)، كما هو حال الأدلَّة العقليَّة والعلميَّة الداخلة في عمليَّة التفسير.
إذن نظريَّة تفسير القرآن بالقرآن حقيقة مركَّبة من عناصر وأحدها السُّنَّة الأعمّ من الواقعيَّة والمحكيَّة.

(٢٤٦)

المحور الثاني من الردِّ: ما المقصود من عرض الروايات على القرآن، والواقعيَّة في ذلك؟
١ - أنَّ المداريَّة المطروحة في النظريَّة يمكن أنْ نفهم لها معاني ثلاث:
أ - أنَّ كلَّ خبر إنَّما يصير حجَّة إذا وافق القرآن الكريم وكان له شاهداً منه، وإلَّا فليس بحجَّة.
ووفق ذلك، فإنَّ الروايات التي تحمل تفاصيل على الأحكام ليست حجَّة، لخلوِّ القرآن منها، كما في تفاصيل عدد الركعات وشروط الصلاة وأجزائها، ولا يمكن القول بذلك.
ب - أنَّ كلَّ خبر إنَّما يكون حجَّة فيما لو لم يُخالف لفظ القرآن على مستوى التباين أو العموم والخصوص من وجه.
ج - أنْ لا يكون الخبر مخالفاً لروح القرآن، وإلَّا لم يكن حجَّة، وهذا رأي السيِّد الصدر (رحمه الله) والسيِّد السيستاني (دام ظلّه).
وإذا كان كذلك فلا معنى لدعوى طرح نظريَّة جديدة، أو الدعوة إلى رفع اليد عن السُّنَّة المحكيَّة، بعد كونه منهجاً معمولاً به عند أعلامنا وقبولهم للسُّنَّة الأعمّ من المحكيَّة والواقعيَّة.
٢ - لم يُقدِّم صاحب النظريَّة دليلاً مقبولاً على دعوى ابتلاء الموروث الروائي بالإسرائيليَّات وغيرها، وأنَّ معظم الروايَّات ليست حقيقيَّة وليست صحيحة. وفيما يرتبط بدعواه - مرض السُّنَّة - ذكر أُموراً خمسة رئيسيَّة لإثبات ذلك:
أ - مرَّت السُّنَّة بعد موت النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) بأزمة المنع من التدوين، ولم يتمّ التدوين لاحقاً إلَّا بأقلام مأجورة أُمويَّة وسياسيَّة.
ب - تأثير المدوَّن السُّنِّي على الشيعي من جهة، وتأثير الثقافات غير

(٢٤٧)

الإسلاميَّة على الإسلاميَّة بسبب تداخل الثقافات جراء الغزوات والفتوحات الإسلاميَّة من جهة أُخرى، كلُّ ذلك يستدعي انفتاح الشيعة على الآخرين والتأثُّر بهم وتلوُّث تراثهم بالوضع وتسلسل المقولات الأجنبيَّة عنه إليه.
ج - تأثير الموروث الشيعي القديم على الحركة الاجتهاديَّة الجديدة، إذ لم يتحرَّر الخوئي (رحمه الله) وما بعده من الأعلام من تأثيرات القدماء كالطوسي وابن إدريس وغيرهما، بل تحرَّكوا بعقليَّة تبعيَّة معتمدة على الماضي.
د - إشارة الروايات إلى ظاهرة الوضع والدسِّ، ممَّا يدلُّ على انتشار تلك الظاهرة، وتأثُّر الموروث الروائي بها.
هـ - استخراج روايات من تراثنا - رغم كونها صحيحة السند إلَّا أنَّها فاحشة الدلالة - للبرهنة على سقم الموروث الشيعي، وعجز الأساليب المعتمدة لتنقية السُّنَّة، ولذلك كان الفارق كبيراً بين اعتماد المنهج السندي ومنهج العرض على القرآن في غربلة الرواية.
ما هو الواقع في الموروث الروائي الشيعي؟
أوَّلاً: يتعيَّن التأكيد أوَّلاً على أنَّ الموروث الروائي الشيعي لم يمرّ بأزمة المنع من التدوين، وتلك المشكلة اختصَّ بها الموروث السُّنِّي، وإليك التفصيل في تاريخ تدوين السُّنَّة:
كان المسلمون في عهد النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) يعتمد رواية حديثه الشريف بنحو المشافهة غالباً (كونه الأُسلوب المتعارف عليه آنذاك)، وإنَّما يتمُّ ذلك من خلال حفظ الحديث بعد الاستماع إليه، وأقرَّه (صلَّى الله عليه وآله).
وقد ثبت ذلك تاريخيًّا عن علماء الحديث من أهل السُّنَّة، فقد ورد عن عبد الله بن عمرو، قال: كنت أكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) أُريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلَّ شيء تسمعه ورسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) بشر يتكلَّم في

(٢٤٨)

الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: «اُكتب فوَالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلَّا حقٌّ»(٣٤٣).
وقد ابتُلِيَ أهل السُّنَّة بمشكلة إتلاف ما تمَّ حفظه من رصيد نبوي مدوَّن، ثمّ مُنِعَ التدوين، فقد رُوِيَ عن يحيى بن جعدة، قال: (أراد عمر أنْ يكتب السُّنَّة ثمّ بدا له أنْ لا يكتبها، ثمّ كتب إلى الأمصار: من كان عنده شيء من ذلك فليمحه)(٣٤٤).
وقد قام بعد ذلك القرار إلى جمع ما عند الصحابة من الحديث، وعرَّضه للإتلاف بالحرق، وبقي المنع قائماً حتَّى خلافة عمر بن عبد العزيز(٣٤٥).
أمَّا التدوين عند أهل البيت (عليهم السلام) فقد شرع به أمير المؤمنين (عليه السلام) منذ عهد النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، واستمرَّ حتَّى الإمام محمّد بن الحسن (عجَّل الله فرجه)، فقد روى الكليني عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَقَدْ كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَى رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) كُلَّ يَوْمٍ دَخْلَةً وَكُلَّ لَيْلَةٍ دَخْلَةً، فَيُخَلِّينِي فِيهَا، أَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ، وَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) أَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ ذَلِكَ بِأَحَدٍ مِنَ اَلنَّاسِ غَيْرِي...، فَمَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) آيَةٌ مِنَ اَلْقُرْآنِ إِلَّا أَقْرَأَنِيهَا وَأَمْلَاهَا عَلَيَّ، فَكَتَبْتُهَا بِخَطِّي، وَعَلَّمَنِي تَأْوِيلَهَا وَتَفْسِيرَهَا وَنَاسِخَهَا وَمَنْسُوخَهَا وَمُحْكَمَهَا وَمُتَشَابِهَهَا وَخَاصَّهَا وَعَامَّهَا، وَدَعَا اَللهَ أَنْ يُعْطِيَنِي فَهْمَهَا وَحِفْظَهَا، فَمَا نَسِيتُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اَلله، وَلَا عِلْماً أَمْلَاهُ عَلَيَّ وَكَتَبْتُهُ مُنْذُ دَعَا اَللهَ لِي بِمَا دَعَا...، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اَلله، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مُنْذُ دَعَوْتَ اَللهَ لِي بِمَا دَعَوْتَ لَمْ أَنْسَ شَيْئاً، وَلَمْ يَفُتْنِي شَيْءٌ لَمْ أَكْتُبْهُ، أَفَتَتَخَوَّفُ عَلَيَّ اَلنِّسْيَانَ فِيمَا بَعْدُ،

-----------------

(٣٤٣) سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ١٧٦/ ح ٣٦٤٦).
(٣٤٤) كنز العُمَّال (ج ١٠/ ص ٢٩٢/ ح ٢٩٤٧٦).
(٣٤٥) وقد اختُلِفَ في المصادر المعرفيَّة التي اعتمدها أصحاب الصحاح والمسانيد، فهل كان بجمع ما حفظته الصدور، أو أنَّ هناك مدوَّنات صغيرة احتفظ بها الصحابة وتوارثها الأبناء والتلاميذ وتناقلتها أيدي الرواة. راجع: الصحوة للبياتي (ص ٤٢ - ٥٥)، وأُصول الحديث للفضلي (ص ٤٣).

(٢٤٩)

فَقَالَ: لَا لَسْتُ أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ اَلنِّسْيَانَ وَاَلْجَهْلَ»(٣٤٦)، فكان الحديث محميًّا محفوظاً ببركة أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد زيد عليه بمرويَّاتهم وأقوالهم التي تناولت مختلف فروع الحياة، وبنحو كثيف مُشبَع.
وبعد أنْ كان الحثُّ من المعصومين (عليهم السلام) على الكتابة والحفظ بالتدوين، عمد أتباع أهل البيت (عليهم السلام) إلى ذلك، من خلال:
أ - المدوَّنات الروائيَّة المباشرة، التي يرويها مؤلِّفها عن الإمام مباشرةً أو يرويها عمَّن يرويه عن الإمام مباشرةً، وهي ما يُسمَّى بـ (الأُصول الأربعمائة)، التي ذكرناها سابقاً.
ب - كُتُب الحديث الأُخرى (غير الأُصول الأربعمائة)، وقد أُلِّفت في عهد الأئمَّة (عليهم السلام) أيضاً، (وتمتاز السابقة عنها بالتزام رواتها بالتقيُّد بالنقل عن الإمام مباشرةً أو عن راوي عنهم مباشرةً) التي يروي فيها مؤلِّفها عن المعصوم (عليه السلام) بالواسطة المتعدِّدة.
ج - إعداد وتأليف كُتُب الحديث الكبيرة، التي جُمِعَ فيها مدوَّنات الحديث التي ذكرناها سابقاً، وتتميَّز بتنظيمها وتصنيفها وتبويبها، فتذكر الأسناد ووسائط النقل، وتُصنِّف وفق المعارف الأُصوليَّة أو الفرعيَّة بأبوابها المختلفة، فكانت الكُتُب الأربعة (الكافي، ومَنْ لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار) وغيرها.
ومن الملاحَظ إحاطة التراث الشيعي بعدم التخلُّف عن المواصلة مع المعصوم في كلِّ زمان، فلا تلحقه شبهة الانحراف عن الجادَّة بسبب المنع من التدوين وما يمكن أنْ يلحقه من هكذا تخلُّف، بل لا تلحقه شبهة التأثُّر بما أصاب التراث السُّنِّي أو انحراف الديانات الأُخرى بسبب التداخل في

-----------------

(٣٤٦) الكافي (ج ١/ ص ٦٢ - ٦٤/ باب اختلاف الحديث/ ح ١).

(٢٥٠)

الثقافات، كون حماية هذا التراث من وظائف المعصومين من الأئمَّة (عليهم السلام)، وأيضاً في عهد الغيبة الكبرى قد بلغت الحركة العلميَّة طور النضج المعرفي بالمقدار الذي يتحرَّز عن التعرُّض للاختراق وتفشِّي الدسِّ فيه.
ثانياً: أمَّا فيما يخصُّ الحركة العلميَّة الاجتهاديَّة المعاصرة، وأنَّها تابعة للفهم الاجتهادي القديم وتابعة له، وبالتالي ستكون الحركة المعاصرة جموديَّة وغير قابلة للتفاعل مع حاجة العصر والتوسُّع الزمكاني، فنقول:
أ - لو تمَّ الإشكال فإنَّه سيلحق الفهم القرآني أيضاً، إذ يكون فهماً متأثِّراً بحركة القدماء، وسيمدُّ أيضاً بظلاله على التفسير، فيكون الإشكال مسجَّلاً حتَّى على صاحب النظريَّة.
ب - لا نُسلِّم كون الحركة العلميَّة للقدماء تمتدُّ إلى حركة الاجتهاد الفعلي، بل هي حركة علميَّة تكامليَّة تلحظ عدَّة عناصر لتكاملها، كملاحظة سيرة المتشرِّعة والعقلاء، والإجماع، والشهرة، والمباني الأُصوليَّة والرجاليَّة، والانفتاح على آليَّات جديدة لم تكن معهودة سابقاً، وذلك للاستمرار بالتكامل المعرفي وعدم الجمود.
ثالثاً: أنَّ دعوى عدم جدوائيَّة السُّبُل المعتمدة لاقتناء الرواية من قِبَل أصحاب منهج السند، وإعراضهم عن منهج العرض على القرآن، هو قول مجانب للواقع تماماً ومفتقر للدليل، بل الدليل على المخالفة.
يعمد الأُصولي إلى البحث والتحقيق في الرواية، وليس السند هو العنصر الوحيد في ذلك، بل هناك عناصر أُخرى، والعرض على القرآن أحدها، إذ ليس هو بنحو نادر وعند التعارض أو ضعف السند، بل هو دائم وشامل لها ولأضدادها.
وكذلك من سُبُل التحقيق الروائي: ملاحظة التقيَّة والإرادة الجدّيَّة والاستعماليَّة، ومطابقة المدلول للعقل القطعي والعقلائي... وغير ذلك.

(٢٥١)

إذن للمنهج السندي تحقيق في أبعاد متعدِّدة للرواية، وأحدها البُعد الرجالي.
رابعاً: أنَّ لازم القول بانحصار القبول بالسُّنَّة الواقعيَّة التعطيل، فهي من جهة نادرة جدًّا، ومن جهة أُخرى تحقَّق العلم الإجمالي بوجود بعض من أفراد السُّنَّة المحكيَّة مصداقاً للواقعيَّة، فيكون إبطال المحكيَّة بنحو الموجبة الكلّيَّة إبطالاً للواقعيَّة.
خامساً: لم تذكر النظريَّة معياراً للعرض على القرآن! بل هي نظريَّة فضفاضة لا تفيد إلَّا الغموض والجهل.
سادساً: وأمَّا الروايات التي استُدِلَّ بها لإثبات وقوع الدسِّ في الموروث الشيعي، فتصير مسنداً لتأسيس النظريَّة، فنتساءل عن كيفيَّة قبول صاحب النظريَّة لها؟
إذ ليس هو السند لأنَّه لا يقبل السند، وليس هو العقل، لأنَّه لم يدَّعِ ذلك، بل هو العرض على القرآن الكريم، ومن ذلك يلزم محذور الدور!
لأنَّ تلك الروايات تُقوِّم النظريَّة (محوريَّة القرآن...)، والقرآن يُقوِّم تلك الروايات، فصار أحدهما مقوِّماً للآخر.
سابعاً: قامت الدعوى على نسبة التدليس(٣٤٧) إلى الموروث الشيعي منذ عهد الأئمَّة (عليهم السلام)، والمفروض حرصهم (عليهم السلام) على حماية الصادر منهم كما هو الحال في إنشائه وإيصاله إلى الأفراد، فهل المانع من ذلك الإهمال أو العجز أو سلبهما لانتفاء الموضوع؟
لا شكَّ في تعيُّن الأخير، لانتفاء الأوَّلين في حقِّ الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام).

* * *

-----------------

(٣٤٧) عندما نناقش قضيَّة التدليس، فليست دعوانا على انعدامه، ولكن الكلام في كونه الأغلب أو الموجبة الكلّيَّة، ممَّا يستدعي رفع اليد عنه للتحرُّز من الوقوع في الدِّين البشري.

(٢٥٢)

المجتمع العادل!

تُعتبَر العدالة قيمة إنسانيَّة ومطلب بشري عامٌّ لما تنشده من غاية سامية، وهو ثابتٌ في وجدانها إذ لا تفتأ عن إرادة بلوغه، ولذلك صار شعاراً للحكومات كلَّما تصدَّت للحكم والسلطة، للاحتجاج به على استحقاق تولِّي إدارة المجتمع بدعوى قدرتها على تحقيقه، كونه المطلب الأساسي الدخيل في كلِّ حاجة له.
ومن هنا كانت فكرة الحكومة المهدويَّة كضرورة اجتماعيَّة تُحقِّق ما عجزت عنه مَنْ كان قبلها، فالبحث هو عن واقع هذه الحكومة وقدرتها على تحقيق دعوى العدالة، خصوصاً مع ما نشهده من عجز المتصدِّين، حتَّى غدت العدالة كحكم يوشك العقل البشري على الجزم باستحالة تحقُّقه، فهل تتمكَّن الدولة المهدويَّة منه؟!
وفي صدد بيان ذلك نجد تأثُّر العدالة الاجتماعيَّة بعناصر عديدة - خارجيَّة وداخليَّة - يتعيَّن التحقيق فيها للبتِّ بحكم واقعيَّة العدالة المترقَّبة للحكومة الإسلاميَّة في عهد إمامها الموعود، وعندئذٍ ينقدح السؤال في عدَّة جهاتٍ كأركان أساسيَّة في هذا المضمار، ثمّ استعراضها بنحو إشكالات على ما نلتزم به من مكنة الحكومة المهدويَّة من العدالة المترقَّبة، وإليك ذلك:
أوَّلاً: كيف نُثبِت العدالة لحكومة لم تترشَّح من إرادة المجتمع، بل عيَّنت نفسها بنفسها، وهو ما صرَّحت به النظريَّة الدِّينيَّة من أنَّ حكومة الإمام المعصوم (عليه السلام) غير خاضعة للانتخاب، بل هي تنصيب إلهي محتوم على الأُمَّة؟

(٢٥٥)

ثانياً: كيف يمكن تنزيه المنظومة الحاكمة للمهدي (عجَّل الله فرجه) بأجهزتها الثلاث (التشريعيَّة، والتنفيذيَّة، والقضائيَّة) لدعوى الاحتراز من الفساد القانوني والتجاوز على الحقوق؟
ثالثاً: لو تنزَّلنا جدلاً بقبول الحكومة العادلة، فهل يمكن للمجتمع التفاعل الحقيقي مع المنهج العادل، والاستجابة التامَّة له في تفاصيل تعايش بعضهم مع البعض الآخر وفي جزئيَّات حياتهم؟
إذن ينبغي التحقيق في هذه الجهات الثلاث لتمام دعوى عدالة الحكومة المهدويَّة، وإليك ذلك:
الجهة الأولى: كيف يلحظ الفكر الدِّيني عدالة الحكومة المنصَّبة (غير الديمقراطيَّة) في ظلِّ الإشكال السابق؟
إنَّ ثبوت الولاية السياسيَّة للمعصوم (عليه السلام) على أساس التنصيب السماوي له، يسهم بإثارة تحفُّظات على مقولة العدالة في حكم يسلب حقَّ الأُمَّة في اختيار حاكمها، وإجحاف إرادتها، فالتأسيس في هكذا حكومة هو دعوة إلى زعامة مستبدَّة ومخالف لثمار الديمقراطيَّة الحديثة.
ولا شكَّ باستيلاء الوهم واشتباه الواقع في هذه الملاحظة، وإليك بيان ذلك من جهات:
الجهة الأُولى: تعتمد الانتخابات الديمقراطيَّة على ترشيح النُّخَب المتعلِّمة والمقتدرة على التصدِّي لإدارة البلد وتأمين كافَّة احتياجاته من الأمن واستثمار خيراته وتوفير الحاجات الضروريَّة لأبنائه... وإلخ من ضرورات الحكم، وتعريف الناخبين تلك المميِّزات التي يدَّعي المرشَّح حيازته لها من خلال تاريخه وسمعته وبرنامجه الانتخابي، فيأتي دور الناخب بالبحث عن واقع الدعوى ثمّ الإدلاء بصوته بعمليَّة الاقتراع.

(٢٥٦)

فيكون جوهر العمليَّة الديمقراطيَّة هو ترشيح الأكفأ على تأمين مصالح البلد والمجتمع ليبلغ التصدِّي لتلك الوظيفة.
وفي واقع الحال فإنَّ ظاهرة تنصيب الإمام المعصوم (عليه السلام) تُمثِّل ذلك الجوهر بصورة تختزل تلك المقدَّمات الكاشفة، فالتنصيب السماوي عبارة عن كاشفيَّة لواقع لن تستطيع المكنة البشريَّة (مهما بلغت من تنبُّه وتفكُّر) في إصابته، وفرق بين التنصيب المستبطن لمعنى التعسُّف والمصادرة، وبين الكاشفيَّة، وأنَّ الأوَّل يقتضي أنْ تكون آثار السلطنة والحاكميَّة وحقُّ الطاعة والانقياد معلولة له، وبخلافه الثاني فإنَّ علَّتها مؤهِّلات الحاكم ومميِّزاته التي لا يفتأ عاقل عن قصدها لتأمين الحكم العادل.
إذن الولاية السياسيَّة للإمام المعصوم (عليه السلام) لم تثبت من حيث التنصيب فقط، بل لاتِّصافه (عليه السلام) بطاقات الحكم والقيادة، وحيث إنَّ الأُمَّة محجوبة عن تشخيص ذلك فجاء دور التنصيب الكاشف.
الجهة الثانية: لا غنى للمنظومة السياسيَّة من وجود السلطة التشريعيَّة والتنفيذيَّة والقضائيَّة، وهي سلطات لا يمكن نجاح أدائها مطلقاً إلَّا بمواصفات أهمُّها العلم بالواقع والنزاهة بأعلى مستوياتها، وقد ثبت في محلِّه إحراز الإمام المعصوم (عليه السلام) لصفتي العلم بالواقع وكذلك عصمته المطلقة، ممَّا يُؤكِّد اختصاصه بقدرة لا نظير لها في إنجاح المشروع السياسي لقيادة الأُمَّة.
فيتعيَّن اصطفاءه، وبما أنَّ التنصيب كاشفٌ عنه، فلا حزازة في سبيل يهتدي من خلاله الفرد إلى استقراره وضمان حقوقه في دولة العدل.
الجهة الثالثة: لا تنافي بين الانتخاب والتنصيب، حيث إنَّ التنصيب كسائر الأحكام الشرعيَّة التي يُعلَن فيها عن إرادة المولى تبارك وتعالى بأمرٍ، ويبقى القبول والتنجيز شأن المكلَّف، إذ إنَّ الحكومة السماويَّة لا تُفرَض على الأُمَّة

(٢٥٧)

بالقهر والغلبة، وإنَّما هي ثابتة في ذمَّة المجتمع لا يتمُّ تنجيزها الفعلي إلَّا بقرار الأُمَّة وقبولها وإعلان البيعة، وهذا ما حدث مع جميع الحكومات المعصومة كحكومة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) والإمام عليٍّ (عليه السلام) وابنه الحسن المجتبى (عليه السلام).
وكذلك سيكون الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، وهذه إحدى أسباب الغيبة، وذلك لعدم استعداد الأُمَّة البشريَّة لاستقبال حكومة المعصوم (عليه السلام)، فمتى ما تمَّ الاستعداد ولو من خلال البعض الذي سيُقدِّم الولاء والخضوع لحكومة السماء ساهم ذلك في تعجيل الظهور المبارك.
الجهة الثانية: السلطات الثلاث في منظومة الحكم المهدوي:
وهي: (السلطة التشريعيَّة، والتنفيذيَّة، والقضائيَّة)، وإليك تفصيل ذلك:
أ - السلطة التشريعيَّة:
لا شكَّ في دور القانون والدستور العادل الذي يحكم بين الناس في المساهمة بشكل فاعل وواضح في بسط العدل بينهم، ولكن لا ينبغي إطلاق دعوى عدالة القانون الإسلامي والتسليم بذلك دون الإصغاء إلى ما يقال في المادَّة الدستوريَّة له، وبالتالي البناء على عدالة الدولة المهدويَّة!
فينبغي استعراض النقود الواردة على الدستور الدِّيني، للتأمُّل فيما يمكن أنْ يقال فيها بنحو من التحليل والبرهان، وبعد الوصول إلى معالجتها، والتأسيس لمنظومة فكريَّة ثابتة علميًّا في عدالة التشريع، أمكن بلورة الدستور لإبرازه كأحد أعمدة بناء الدولة العادلة القادرة على رعاية المجتمع العادل.
ويمكن استعراض الإشكالات الواردة على التشريع من خلال النموذج الكاشف عن ملابساتها، بالنحو التالي:
١ - لا يمكن وصف التشريع الإسلامي بالعادل، لتضمُّنه أحكاماً مجحفة وقاسية وهمجيَّة تبعث على الاشمئزاز، من قبيل الإعدام والجلد وقطع الأيدي،

(٢٥٨)

بل هيمنة النزعة الذكوريَّة على أحكام الأحوال الشخصيَّة كما في الإرث والطلاق وتعدُّد الزوجات وغير ذلك.
٢ - أكَّدت النظريَّات الحديثة على ضرورة الاهتمام بنفسيَّة المجرم الذي تعرَّض لضغوطات مختلفة دفعت به إلى الجريمة، ممَّا يستدعي تفهُّم مشاكله وتقنين ما ينسجم مع علاجه وإصلاحه، وبخلافه الدِّين حيث أهمل ذلك، ويتعامل بإجحاف وظلم لحقوق المتجاوزين - وهي طبقة ضعيفة ومريضة -.
٣ - مصادرة القانون الدِّيني لحرّيَّات الأفراد واعتبار بعض الأفعال جريمة تستحقُّ العقوبة الصارمة - كما في الزنا - الحاصل برضا طرفين، وقد يكونان محبَّين لبعضهما ويتَّجهان لإنشاء علاقة إنسانيَّة، فالمفروض احترام حرّيَّتهما الشخصيَّة، ولكن الدِّين يُهدِر كرامتهما بتجريمهما وإصدار عقوبة الحدِّ، الحاكمة بالقتل أو الجَلد أو الرجم (بحسب المورد)!
٤ - يتأرجح التشريع الدِّيني بين المتناقضين، فهو من جهة يُقِرُّ بـ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦) ليُمضي حرّيَّة الفكر والمعتقد، ومن جهة أُخرى يحاكم مَنْ يرتدُّ عن دين الإسلام ويفرض عليه عقوبة الردَّة!
والنتيجة أنَّ الدستور الدِّيني (الإسلامي) ظالمٌ ولا يصلح لحكم المجتمع المعاصر، فلا يمكن وصف الدولة المهدويَّة بالعدالة بعد اعتمادها على قانون وردت على مفرداته الكثير من الإشكالات السالفة، إلَّا إذا فرضنا إتيان الإمام ابن الحسن (عجَّل الله فرجه) بدين جديد يعفُّ فيه عن تلك الخروقات الإنسانيَّة.
وقد يُؤيِّد ذلك الفرض ما ورد في بعض الأخبار، كما في قول الإمام الباقر (عليه السلام): «إِنَّ قَائِمَنَا إِذَا قَامَ دَعَا اَلنَّاسَ إِلَى أَمْرٍ جَدِيدٍ كَمَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)، وَإِنَّ اَلْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»(٣٤٨).

-----------------

(٣٤٨) الغيبة للنعماني (ص ٣٣٦/ باب ٢٢/ ح ١).

(٢٥٩)

ملاحظة ونظر في عدالة التشريع:
بدايةً ينبغي التعريف بمفردة العدل كي ينكشف المعنى الذي نتعامل معه ونطلبه دون إبهام.
(العدل: هو إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وظاهره هو اختصاصه بما إذا كان في البين حقٌّ، وإلَّا فلا مورد له، فإعطاء الفضل والنِّعَم، مع تفضيل بعض على بعض، لا ينافي العدالة ولا يكون ظلماً...، نعم لا بدَّ أنْ يكون التفضيل والتبعيض لحكمة ومصلحة)(٣٤٩).
قد يختلف معنى العدل باتِّجاه الفرد عن العدل باتِّجاه كافَّة المجتمع في الجملة، وكذلك العدل كظاهرة اجتماعية عامَّة، ويمكن اعتبار مصطلح (الحكومة العادلة) و(العدل الاجتماعي) من ظواهر التمدُّن والتطوُّر البشري.
(الحكومة العادلة...: هي التي يكون لها من النظم والقوانين والأعمال ما يُمكِّن كلَّ فرد من أفراد الأُمَّة أنْ يُرقي نفسه على قدر استعداده في دائرة عمله)(٣٥٠).
وبذلك يكون دور الحكومة العادلة هو إتاحة فُرَص التكامل لجميع أطياف المجتمع، وتوفير الخدمات التي تُعتبَر من ضمن الحاجات الضروريَّة والطبيعيَّة للفرد الإنساني كالغذاء والصحَّة والتعليم وغيرها، والاستفادة من ثروات البلد بنحو يستوفي الحاجات الضروريَّة وإمكانيَّة ومواهب كلِّ فرد بالمقدار الذي يستحقُّه.
العدل الاجتماعي:
وهو حركة الأفراد (كمجتمع) العادلة، أي أنْ يعمل الناس بموجب

-----------------

(٣٤٩) بداية المعارف الإلهيَّة (ج ١/ ص ٩٩).
(٣٥٠) فيض الخاطر (ج ٦/ ص ٢٦٣).

(٢٦٠)

العدل ويتلبَّسوا به ويسعوا إلى تطبيقه في دوائر حياتهم المختلفة (الأُسرة، العمل، الشارع، المؤسَّسات كافَّة...)، وهذا ما أشارت إليه الآية المباركة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ...﴾ (الحديد: ٢٥)، فهي تشير من جهة إلى دور الأنبياء (عليهم السلام) في بسط الحكومة العادلة، ومن جهة أُخرى تشير إلى دور الناس ووعيهم للعدل وتنفيذهم لحدوده وجعله نهجاً في حياتهم.
إذن نخلُص من ذلك أنَّ مفهوم مفردة العدل هو إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، ولكن الاختلاف في متعلَّقات العدل، فقد نلحظه فرديًّا، وقد يكون حكومتيًّا، وقد يكون اجتماعيًّا، إلَّا أنَّه ينبغي التمييز هاهنا بين مفردتين: العدل والمساواة، إذ ليس كلاهما واحداً، فالنسبة بينهما العموم والخصوص من وجه، وإذا كان العدل معتمداً على إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، فإنَّ معنى المساواة هو التوزيع لشيء ما بالتساوي، وبذلك لا يطَّرد العدل معه لأنَّه سيكون في كثير من الموارد ظلماً وجوراً، كما لو ساوى الخالق سبحانه بين المحسن والمسيء بالعطاء والجزاء.
المعايير التشخيصيَّة:
بعد أنْ كان الحقُّ هو المعيار في مقولة العدل، استدعى ذلك تشخيصه لتعيين الواقع وتمييزه من بين الظلم والعدل، وقد أُطلقت نظريَّات في مبدئه الماهوي، لا بأس باستعراض أهمّها(٣٥١) وبيان المختار منها، وكذلك أُسُسه الفكريَّة المقوِّمة له، لنلاحق كلَّ مورد انسلخ عنه حتَّى نصفه بالظلم.
قد ورد في مبدئه التصوُّري:
١ - نظريَّة المنفعة:
من أهمّ المؤسِّسين لها (بينثام، وآستين، وليونز، وروز...)، وتذهب إلى أنَّ

-----------------

(٣٥١) سنذكر نظريَّتين للفلسفة الغربيَّة، وهما الأكثر اشتهاراً في الثقافة الغربيَّة.

(٢٦١)

الحقَّ جعلٌ قانوني يُفرَضُ لإيصال المنفعة إلى الشخص، فينشأ حقًّا له وتكليفاً على طرفٍ آخر، لتحقيق ذلك التفاعل المنفعي بين الأطراف.
وبسبب الإخفاق في هذه الضابطة، حيث انتُقِدَت أنْ ليس كلُّ منفعة هي متعيِّنة لشخص بعينه وقاضية بالتكليف الكاشف عن الحقِّ، فهناك منافع عامَّة تصل إلى أشخاص غير متعيِّنين كما في قانون الضرائب وقانون عدم التعرُّض لأرواح الناس، ممَّا لا يجعل ذلك آحاد أفراد الناس أصحاب حقٍّ.
ومن هنا اعتمد أصحاب هذا الرأي نحواً آخر مغايراً، فقالوا: إنَّ كلَّ منفعة تنبثق عن تكليف لا يمكن أنْ تكون عبارة عن محتوى الحقِّ، بل إنَّ الحقَّ إنَّما يتمُّ التأسيس له فيما لو كان الذي يحصل على المنفعة متَّصفاً بصفتين:
١ - وصول المنفعة إلى المنتفع بنحو مباشر.
٢ - أنْ يكون الغرض من سَنِّ القانون هو إيصال تلك المنفعة إليه مباشرةً.
ولكنَّنا لا نقبل هذا المعيار للحقِّ، لورود عدَّة إشكالات قادحة فيه، ومنها: استحالة المنفعة لبعض أهل الحقِّ كما في الواجب سبحانه وتعالى، وكذلك وجود حقوق لا تقبل فكرة التكليف (المقوِّم للحقِّ) مثل: حقِّ الحرّيَّة والسلطة والحصانة.
٢ - نظريَّة الاختيار:
ويُعتبَر الفيلسوف إيمانوئيل كانط (١٧٢٤ - ١٨٠٤م) المؤسِّس لاتِّجاهها التقليدي الذي طوَّره بعد ذلك الفيلسوف (اتش.ال.اي هارت) (١٩٠٧ - ١٩٩٢م).
ويعتقد كانط أنَّ الإنسان يمتلك خصِّيصة طبيعيَّة، وهي الإرادة التي تمتدُّ إلى تأسيس مبدأ الحرّيَّة المطلقة، وأنَّ قيميَّة القانون الوضعي إنَّما تكون عند

(٢٦٢)

مراعاة تلك الخصائص الطبيعيَّة للإنسان، ولكن بما أنَّ مبدأ الأمن الاجتماعي خاضع لتحديد الحرّيَّات عند تزاحمها وتصادمها أمكن للقانون تحديد الحقوق والتكاليف لذلك الغرض، ومن هنا جاءت مقولة الحقِّ.
وفي هذا الصدد يقول: (إنَّ الحقَّ عبارة عن جميع الشروط التي يمكن أنْ يتحدَّد بموازاتها اختيار الشخص (المكلَّف) في ضوء القانون العامِّ لإرادة الإنسان الحرَّة مع اختيار الآخر (صاحب الحقِّ))(٣٥٢).
وأيضاً يرد على هذا القول إشكالات نختصر منها الآتي:
إنَّ بموجب الحرّيَّة المزمعة يستطيع صاحب الحقِّ اختيار إسقاط حقِّه، وبدون ذلك تُعتبَر النظريَّة ساقطة عن الاعتبار، لأنَّ الاختيار هو المقوِّم، في حين نحن نجد أنَّ بعض الحقوق غير قابلة للإسقاط من قبيل: حقِّ الحياة والأمن على النفس، والحرّيَّة، وغير ذلك.
٣ - النظريَّة الإسلاميَّة:
وقد ورد فيها: الحقُّ هو (سلطنة مجعولة من قِبَل الشارع للإنسان، من حيث تعنونه بعنوانٍ خاصٍّ على إنسان آخر، أو جماعة من الناس، أو شيء من الأشياء...
وهو عبارة عن الثبوت في التشريع الإلهي، سواءٌ في ذلك الأحكام التأسيسيَّة أو الإمضائيَّة التكليفيَّة أو الوضعيَّة، وسواء في ذلك ما كان منها سنخ الأحكام بالمعنى الأخصِّ، والحقوق بالمعنى الأخصِّ.
والحقُّ - بهذا المعنى - مأخوذ من (التحقق) في صقع الجعل الإلهي للشريعة على البشر. أمَّا الحقُّ بالمعنى الأخصِّ الذي هو من سنخ الملك، فالظاهر أنَّه مأخوذ من (الاستحقاق))(٣٥٣).

-----------------

(٣٥٢) التحدّيات الماثلة أمام أهمّ النظريَّات الفلسفيَّة في الغرب حول مفهوم الحقِّ/ محمّد حسين طالبي/ مجلَّة الاستغراب/ موقع المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيَّة.
(٣٥٣) حقوق الزوجيَّة ويليه حقُّ العمل للمرأة (ص ٩ - ١٢).

(٢٦٣)

وقد ورد على معنى الملكيَّة (في الحقِّ) إشكال، لأنَّ متعلَّق المُلك أعمّ من الفعل والعين، أمَّا الحقُّ فمتعلَّقه خصوص الفعل. إضافةً إلى كون المُلك سلطة قويَّة على المملوك، أمَّا الحقُّ فسلطته ضعيفة، إذ لا يسمح له بالتصرُّف في المستحقِّ إلَّا بمقدار ما أجاز له المعتبِر.
إذن: يمكن اعتماد السلطة الجعليَّة في تفسير الحقِّ (فهو الجامع له)، ولكن ينبغي التدقيق في جهات هذا المعنى ليتَّضح ويكتمل التصوُّر فيما نحن فيه، فينبغي ملاحظة:
أوَّلاً: متابعة الحقِّ وعلاقته مع خصوص الإنسان(٣٥٤):
كي يتَّجه البحث لما يمكن أنْ يقال في تأثير الشريعة الدِّينيَّة عليه، وتمييز الظالم من العادل فيها.
ولذلك سيُلاحَظ الحقُّ المقابل للتكليف، لينتفع صاحب الحقِّ به من خلال امتثال المكلَّف باتِّجاهه في تحقيق ذلك، فكانت الشريعة الإلهيَّة عبارة عن منظومة متعدِّدة من التكاليف المرتبطة بين أطراف مختلفة، لكسب كلٍّ منها المنفعة، فالإنسان يُلاحِق استيفاء حقِّه لإحراز منفعته كاملاً.
عندئذٍ ينقدح سؤال جوهري حول الضابطة لجعل الحقِّ بما يُحرِز حمايتها من المنقصة - الحاكمة بالظلم -.
يُعتبَر التناسب والتناسق بين الحقِّ وبين هويَّة المستحقِّ هو الضرورة المحرزة، وهو عين مفهوم العدل (أخذ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه)، أي بما يلائمه ويكون كفؤاً لهويَّته وطبيعته.
ثانياً: هويَّة الجاعل والمجعول له:
ينبغي التمييز بين رؤيتين تُعتبَران الأُسُّ الفكري لمقولة حقوق الإنسان:

-----------------

(٣٥٤) وردت معاني متعدِّدة للحقِّ (لغويًّا، قرآنيًّا، فلسفيًّا، فقهيًّا)، ولذلك متعلَّقات مختلفة، والمعنيُّ به هنا هو الحقُّ الذي يستدعي التكليف.

(٢٦٤)

الرؤية المادّيَّة التي تتَّسم بملاحظة الوجود والإنسان كظاهرة طبيعيَّة لا تتجاوز معرفتها الحسَّ والمادَّة والتجريبيَّات، والرؤية الإلهي الميتافيزيقيَّة التي تستوعب البُعد الحسِّي المادِّي لتمتدَّ إلى البُعد الغيبي والماورائي، وبذلك تكون قراءتها للإنسان مغايرة تماماً عن القراءة المادّيَّة له، فهي تعترف بمبدئه كوجود أعلى لا متناهي في جميع أنحاء الكمال المطلق، والذي أوجد العالم المادِّي (ومنه الإنسان) من العدم وصوَّره ابتداعاً بتفاصيل دقيقة محكمة متقنة... ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه: ٥٠) دون استحقاق، بل رحمة وجوداً وكرماً، فكان الخلق به حدوثاً وبقاءً، «وَيَحْدُونِي عَلَى مَسْأَلَتِكَ تَفَضُّلُكَ عَلَى مَنْ أَقْبَلَ بِوَجْهِه إِلَيْكَ، وَوَفَدَ بِحُسْنِ ظَنِّهِ إِلَيْكَ، إِذْ جَمِيعُ إِحْسَانِكَ تَفَضُّلٌ، وَإِذْ كُلُّ نِعَمِكَ اِبْتِدَاءٌ»(٣٥٥).
إنَّ واقع العلاقة بين الخالق سبحانه ومخلوقه الإنسان قائم على المالكيَّة الحقيقيَّة والربوبيَّة التي لا تنفكُّ عنه سبحانه طرفة عين بالضرورة، فإذا كان كذلك، انقطع السبيل إلى تصوُّر حقٍّ للإنسان دون جعلٍ من خالقه، إذ بعد أنْ كان هو البارئ والمالك والمدبِّر، فالحكم له أو عليه حقٌّ ثابت له سبحانه، ومن هذا المنطلق كانت فحوى تعريف الحقِّ المتقدِّم.
إذا ثبت اختصاص الباري سبحانه في جعل حقٍّ للإنسان، اقتضى ذلك التأكيد على أنَّ منطلقات الذات المقدَّسة عند تعيينه له إنَّما سيكون العلم والحكمة، وذلك يستدعي إبراز الماهيَّة الإنسانيَّة التي صنعها الخالق وبما يتناسب معها عيَّن الحقَّ لها وبنحو لا يتصوَّر فيه الظلم، لتنزُّه الذات الإلهيَّة عنه بحكم العقل والنقل(٣٥٦).

-----------------

(٣٥٥) الصحيفة السجَّاديَّة (ص ٧٦/ الدعاء ٣٤).
(٣٥٦) ذُكِرَ في محلِّه من علم الكلام الأدلَّة المفصَّلة على تنزُّه الباري عن الظلم واستحالته في حقِّه.

(٢٦٥)

يقول الشيخ جوادي آملي: (يلزم انحصار حقِّ وضع حقوق الإنسان بيد الله تعالى؛ لأنَّه الوجود الوحيد العالِم بحقوق الإنسان الواقعيَّة. وترك هكذا أمرٍ لأيِّ مصدر آخر غير الله - حتَّى الإنسان نفسه - لا ينتج سوى الظلم وزوال الحقِّ... إذا لم يضع الله حقوقه ولم يُرسِل الأنبياء لتبليغها، ألَا يحقُّ للإنسان الاعتراض والقول بأنَّنا يا ربُّ لا نعلم بأسرار العالم ولم يكن ذلك باستطاعتنا، فلماذا لم تهدنا ولم تُبلِّغنا حقوقنا الواقعيَّة؟ من هنا نستنتج بأنَّ وضع وإبلاغ الحقوق من قِبَل الله تُعَدُّ من حقوق الإنسان المسلَّمة...)(٣٥٧).
عند البحث عن هويَّة الإنسان - برؤية إلهيَّة - سنواجه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً...﴾ (البقرة: ٣٠) فكانت الخلافة مشروعاً مقدَّساً للإنسان، واقعه التكريم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: ٧٠)، ولازمه التسخير الكوني واستملاك الأرض ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرضِ جَمِيعاً﴾ (البقرة: ٢٩)، وفرضه استغراب الملائكة من هكذا خلق ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ...﴾ (البقرة: ٣٠) وعداوة إبليس ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٣٤)، ثمّ توعَّد الثأر ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (ص: ٨٢).
لا شكَّ في توشُّج الهويَّة وإثقالها بالمسؤوليَّات والتحدّيات، ممَّا يُرغِم الفكر بضرورة التبنِّي، ومُسكَة الأطراف المتنازعة والموائمة على حدٍّ سواء، فتعترف البداهة بالخضوع لمؤسِّس تلك المنظومة ذي الصناعة العلميَّة الحكميَّة.
فكانت الحاجة إلى إرسال الأنبياء والرُّسُل (عليهم السلام)، وإنزال الكتاب السماوي، وتشريع قانون يلحظ خصوصيَّات الهويَّة الإنسانيَّة، والسُّبُل لتهذيبه

-----------------

(٣٥٧) الحقُّ والتكليف في الإسلام (ص ١٥١ و١٥٢).

(٢٦٦)

وتأديبه وتطويره نحو كماله، والظرف الذي سيتحرَّك به وهو اجتماع أفراده في بوتقة المجتمع.
وكلُّ ذلك ضمن دائرة العدالة، كيما تُحفَظ تلك الحقوق التي أسَّسها خالق الإنسان لمصنوعه المتميِّز، ولولا ذلك لصار نقضاً للغرض، وهو خلاف الحكمة التي دلَّ العقل والنقل عليها.
إذن لا مندوحة من الاعتراف بعدالة الشريعة، وتناسبها بجميع خصوصيَّاتها مع الإنسان، سيَّما أنَّ واقع وجود الإنسان لا يرتبط بعالم الدنيا فقط، بل الأعمّ من الدنيا والآخرة التي لا يعلم بقوانين نشأتها وإحراز السلامة فيها سوى الله سبحانه ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الواقعة: ٦١).
ثالثاً: مبدأ العقوبة لا ينافي عدالة التشريع:
ينبغي التأمُّل في غاية تشريع العقوبات لينكشف مدى تقاطعها مع عدالة الدستور الدِّيني، والغايات المتصوَّرة فيها إنَّما هي بنحوين:
١ - تشريع العقوبة بدافع الانتقام والتشفِّي، من قبيل تشفِّي المظلوم من عقوبة الظالم، ولا يمكن تصوُّر هذا المعنى في حقِّ الشارع المقدَّس، لأنَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١) فلا يعترضه وصفٌ ممَّا يُصيب الوجودات الممكنة كالانفعال والتأثُّر والاسترخاء، لأنَّها صفات يلازمها الفقر والحاجة والتغيُّر والتبدُّل. علاوةً على أنَّه غنيٌّ عن الانتفاع بالانتقام والتشفِّي ﴿... وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٧).
٢ - تشريع العقوبة بدافع الضبط الأمني للمجتمع واستقراره، بل صيانة الفرد وحمايته من الإخلال في كرامته الإنسانيَّة، والانتقاص من حظوظه الدنيويَّة أو الأُخروية، كما في شرب الخمر، وتناول الحبوب المخدِّرة، أو القتل والسرقة... إلخ، وهذا ما تفعله السلطة القضائيَّة في القوانين الوضعيَّة.

(٢٦٧)

ولا شكَّ أنَّ هذا النحو ممدوح مطلوب، لأنَّه ضمانٌ للأفراد بنحويه الاجتماعي أو الشخصي، وهو غاية الشريعة عند سَنِّ العقوبات، فإنَّ الحكم الشرعي بلحاظاته المختلفة لا ينفكُّ عن ملاك المصلحة أو المفسدة، وفي الالتزام به نفعٌ اعتبره الشارع حقًّا للإنسان، وتعمل العقوبة على عدم التهاون فيه والمحرّكيَّة نحو الامتثال، وقديماً قالوا: (من أمن العقوبة أساء الأدب)(٣٥٨).
ولذلك من حقِّ الإنسان تأمين منظومة العقوبات لإحكام القانون الذي يُحفَظ به الحقوق والواجبات، فلا ملازمة بين نصِّ العقوبات ونفي العدالة التشريعيَّة، بل العكس هو الصحيح، فإنَّ تعيين الحقِّ لصاحبه لا يمكن إيجاده إلَّا إذا لازمه تكليف، والتكليف المنفلت من الحساب والعقاب يفقد قيمته وأثره، ولذلك تُعتبَر العقوبة جزءاً لا ينفكُّ في فلسفة الحقوق.
رابعاً: قسوة العقوبات لا تتعارض مع القانون العادل:
بعد أنْ ثبت ضرورة العقوبة في التحاقها بالتكليف الموجب لإقامة الحقِّ، لقناعة كلِّ فردٍ في حصول استحقاقه لتأنس النفس بالعدل، يأتي الكلام في التفصيل بكيفِ العقوبة، حيث قيل: إنْ كان ولا بدَّ من عقوبةٍ فيمكن الاكتفاء بنحوها الأيسر والأكثر رفقاً، في حين تبالغ شريعة الإسلام في إيلام المعتدي بأساليب مختلفة.
ولكن رأينا على الخلاف، وإليك البيان:
١ - لا تنحصر الشريعة الإسلاميَّة بالعقوبات الموجعة كما تستهجنه الدعوى، بل تتنوَّع بالتفاصيل الهادئة في التعاطي مع المخالفات وبأساليب تربويَّة رُوعيت فيها دقائق الآثار على نفسيَّة المكلَّف، وحتَّى ما يشمل العقوبات

-----------------

(٣٥٨) شرح نهج البلاغة للسيِّد عبَّاس عليّ الموسوي (ج ٤/ ص ٣٦١).

(٢٦٨)

الشديدة فقد تضمَّنت شروطاً تعجيزيَّة في إثباتها، لإدامة الأثر التربوي دون الوضعي.
٢ - بعد التسليم بحكمة المشرِّع تتَّضح ضرورة الإيلام وقسوة العقوبة في بعض مواردها، لعدم تأثير العقوبات المخفَّفة في التزكية وتحصيل الردع وإلَّا صار نقضاً للغرض، وما نشهده من اعتداء وسلبٍ وقهر رغم حاكميَّة القانون الوضعي يُؤكِّد قولنا، لذلك لا يجوز الاستخفاف بالآثار الوضعيَّة والمجتمعيَّة للجرائم والعمل على إحداث تناسب بين خطورة الجريمة والعقاب للأمن منها.
٣ - أنَّ المبالغة في حماية حقوق المجرم والإشفاق عليه إنَّما هو إجحافٌ وتدليسٌ، فالعدل في إنصاف المتضرِّر والمعتدى عليه، إذ قد تصل معاناة المجني عليه إلى المكابدة والحرمان ما تبقَّى من حياته، كما في اليتيم الذي قُتِلَ والده، والذي فُقِأَت عيناه، أو نُهِبَ ماله الذي أفنى السنين في جمعه... إلخ، فينبغي استحضار الجريمة وآثارها ليتَّضح أنَّ قسوة العقوبة هي عين الحكمة والمصلحة، سيَّما إذا تمَّت المقارنة بينها وبين مفاسد تركها أو حتَّى تخفيفها.
٤ - عَمِلَ الإسلام قبل تقرير العقوبات على إعداد برنامج تهذيبي متكامل، من حيث التكوين (فخَلَقَ الإنسان ذا عقلٍ وفطرة ووجدان وضمير ومشاعر، كلُّ ذلك يدعو إلى الفضيلة والاستقامة)، ومن حيث التشريع (فأرسل الأنبياء والرُّسُل (عليهم السلام)، وأنزل الكُتُب السماويَّة، والشريعة ذات برنامج تعليمي وتأديبي وتربوي)، فإذا تقدَّم الفرد والحال هذه نحو الرذيلة والجريمة، فليس ذلك إلَّا لأنَّ نفسه مريضة لا تهوى الحقَّ وتميل إلى الباطل! ممَّا يُؤكِّد استحقاقه للتأديب والمجازاة على سوء سريرته وفعله.
إلى هنا تمَّ إثبات عدالة التشريع من خلال ضمان معيار العدالة فيها، والذي هو الحقُّ، وأنَّه مكفول للإنسان باعتباره مخلوقٌ لله سبحانه، وبذلك

(٢٦٩)

يكون قد راعى في خلقه كلَّ ما يضمن إرادته الحكيمة فيه، ومن جملة ذلك (الحقُّ) وتقنين كلِّ ما يكفله.
ومن أراد التفصيل المسهب في خصوصيَّات مفردات ذلك التشريع كما في (فلسفة كلِّ عقوبة بنحوها الجزئي، أو دعوى ذكوريَّة الفقه، وإجحاف قانون الأحوال الشخصيَّة بالمرأة)، فليراجع المطوَّلات(٣٥٩).
وأمَّا قولنا في شبهة إهمال شخصيَّة المجرم وعدم الاتِّفاق مع النظريَّة الحديثة في تحليلها هو:
إنَّ المُلاحَظ في تشريع العقوبة ثلاث جهات ممَّا يدفع الإشكال:
فالأُولى في ملاحظة تكوين النفس، فهي ذات قوى تعمل على إصدار الأفعال الخارجيَّة والإرادات (كالقوَّة الشهويَّة، والغضبيَّة، والعقليَّة)، وللنفس أيضاً مراتب (النفس الأمَّارة، واللوَّامة، والملهمة، والمطمئنَّة). إضافةً إلى نوازع الخير كالصلحاء الذي يدعون إلى عمل الخير ونبذ الشرِّ ويمارسون وظيفة الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام)، وهكذا دور القرآن الكريم وأدعية المعصومين (عليهم السلام) التي تُجسِّد دروساً توعويَّة تربويَّة تعبويَّة نحو الصلاح. ورغم كلِّ ذلك فإنَّ الجاني يتجاوز السُّبُل النفسيَّة له والخارجيَّة المحيطة به إلى الخطيئة والجريمة.
والحال هذه لا يُبرِّر له ممارساته الخاطئة بذريعة التأثُّر بالأسباب الفاسدة، لوجود التكافؤ مع الأسباب الصالحة.
والثانية هي ملاحظة ما ينسجم مع هذه النفس الأمَّارة من علاج يشفي خبث السريرة - إذ ذكرنا سابقاً أنَّ العقاب رُوعي فيه حكمة المشرِّع وعلمه بالأصلح الأنفع لطبيعة خِلقة الإنسان -، أو لا أقلَّ يحمي المجتمع منها. فتعمل

-----------------

(٣٥٩) من قبيل بحث (المرأة) للعلَّامة السيِّد أحمد الإشكوري، مخطوط.

(٢٧٠)

العقوبة على شفاء النفس العليلة، وأيضاً حماية المجتمع وحقوق الآخرين، أو الثاني منهما فقط إنْ لم تتمكَّن من كليهما.
أمَّا الثالثة فهي ملاحظة أطراف المسؤوليَّة، إذ ليس الجاني هو مَنْ يتحمَّل المسؤوليَّة منفرداً، فتعمل الشريعة على ملاحظة الأسباب المساهمة في صدور الفعل ممَّا يوجب دفع العقوبة غالباً، وذلك وفق قاعدة (الحدود تُدرَأ بالشُّبُهات)(٣٦٠).
وفيما ورد من قبح العقاب الذي يصادر حرّيَّة الإنسان كما في (الزانيين)، فإنَّه مبنى فاسد، إذ لا نرتضي بمبدأ الحرّيَّة المطلقة، فإنَّ الإنسان خليفة الله سبحانه بمعنى كونه وكيلاً له، والوكيل يراعي في تصرُّفاته إرادة الأصيل فتكون حرّيَّته مقنَّنة. وأيضاً الاتِّفاق على الخطأ لا يبيحه، ومن الواضح خطيئة الزنا لأضراره النفسيَّة والاجتماعيَّة.
وهكذا الأمر في عقوبة الردَّة، لأنَّ المرتدَّ يُمثِّل حرباً للإسلام، وتهديد الأمن العقدي للمجتمع الإسلامي، وحفظ الأمن والكيان أمرٌ مشروعٌ عند جميع القوانين الوضعيَّة والاعتبارات الإنسانيَّة.
إنَّ عمليَّة الارتداد دون رادع قوي تُمكِّن كلَّ مَنْ يريد التشكيك بالدِّين وزعزته أنْ يعتنقه ثمّ يُعلِن براءته منه، وفي ذلك تضعيفٌ له وزعزعة لإيمان الآخرين.
وعدم تأمين الإسلام وحمايته يُطمِع الكفر بالإطاحة به من خلال الارتداد، قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى

-----------------

(٣٦٠) معنى القاعدة هو عدم إقامة الحدِّ على العمل الجنائي الذي يقع اشتباهاً، فالمراد من الشبهة هنا هو تحقُّق العمل الذي عليه الحدُّ مع الجهل بالموضوع أو الحكم. (موقع شبكة المعارف الإسلاميَّة).

(٢٧١)

الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران: ٧٢)، وليست الآية المباركة مختصَّةً بالمرتدِّ الملِّي، لعدم تخصيص الوارد بخصوص المورد، ولا يخفى أثر المرتدِّ الفطري السلبي الأكبر من الملِّي على المسلمين.
إضافةً إلى أنَّ كلَّ الردود الأخيرة التي خصَّصناها بالبيان هي أيضاً مشمولة بالبيان العامِّ الذي ذكرناه بدايةً من حقِّ الباري سبحانه في ما يُقدِّره لمخلوقه كونه مملوكه بملكيَّة حقيقيَّة غير اعتباريَّة، وكونه لا ينفكُّ عن تدبيره، وأنَّه سبحانه العالم الحكيم المطلق، إذن لا معبِّر لتصوُّرات الظلم أو الإجحاف في جزئيَّات تشريعه المقدَّس.
السلطتان التنفيذيَّة والقضائيَّة في عصر الظهور:
من الواضح الذي لا شكَّ فيه اعتماد السلطتين التنفيذيَّة والقضائيَّة على الحقِّ والعدل بأقصى درجاته في دولة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وذلك للروايات المتواترة التي تنصُّ على ملئه للأرض عدلاً وقسطاً بعد امتلائها ظلماً وجوراً.
ويمكن إعطاء صورة مشابهة لذلك ومصداق جلي لتحقيق العدالة هو ما تجلَّى من عدالة أمير المؤمنين (عليه السلام) أثناء حكومته بلاد المسلمين (٣٥ - ٤٠هـ)، وذلك على أساس كون الأئمَّة (عليهم السلام) من نور واحد، عن النبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله): «إِنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) أَوْحَى إِلَيَّ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي: ... يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي خَلَقْتُ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَاَلْحَسَنَ وَاَلْحُسَيْنَ وَاَلْأَئِمَّةَ مِنْ نُورٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ عَرَضْتُ وَلَايَتَهُمْ عَلَى اَلمَلَائِكَةِ، فَمَنْ قَبِلَهَا كَانَ مِنَ اَلمُقَرَّبِينَ، وَمَنْ جَحَدَهَا كَانَ مِنَ اَلْكَافِرِينَ»(٣٦١).
إضافةً إلى أنَّ مقوِّمات الإمامة واحدة، ممَّا يستدعي اتِّحاد المبادئ والأُسُس الفكريَّة لمشروعهم الربَّاني. وإنَّ أهمّ دعامة لهذا المشروع هي: التقوى حيث

-----------------

(٣٦١) الغيبة للنعماني (ص ٩٤ و٩٥/ باب ٤/ ح ٢٤).

(٢٧٢)

حشَّد القرآن الكريم والروايات المباركات النفس الإنسانيَّة لها، كونها المنطلق إلى كلِّ خير، حتَّى بلغت عمقاً في وجود الإمام (عليه السلام) لتتقرَّر بنحو العصمة ولتكون شرطاً مقوِّماً لإمامته.
وعندئذٍ سيكون جليًّا كون المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) ثابتاً على قاعدة رصينة تُؤمِّن حركاته وفعَّاليَّاته وقراراته ضمن مبدأ العدالة، ولن يسمح ورعه وتقواه أنْ يزلَّ عنها قيد أنملة لطرفة عين، وهذا ما ينعكس على أجهزة دولته المباركة للسلطتين معاً (التنفيذيَّة والقضائيَّة)، من حيث التأسيس ودوام المتابعة لأدائها.
وبذلك لنا أنْ ننظر إلى معالم دولته الكريمة من نافذة الحكومة العلويَّة المباركة التي عبَّر عنها أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَاَلله لَوْ أُعْطِيتُ اَلْأَقَالِيمَ اَلسَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اَللهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ، وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا»(٣٦٢).
ب - مبادئ تأسيس الجهاز التنفيذي (السلطة التنفيذيَّة):
تُعتبَر نزاهة وأمانة (السلطة التنفيذيَّة) من الأركان الأساسيَّة في تحقيق الدولة العادلة كونها الجهاز التطبيقي لموادِّ الدولة القانونيَّة، واللسان الناطق واليد العمليَّة للفكر الدِّيني النظري، إذ تستدعي العدالة الواقعيَّة المادَّة القانونيَّة العادلة (الدستور) مع القدرة على التطبيق من خلال الوزارات بمختلف فروعها لترجمة ذلك الدستور خارجاً، ولا يمكن تحقيق ذلك إلَّا برؤساء وقادة يحرصون على الالتزام الكامل بالقانون العادل، وعلى رأس ذلك يأتي دور القضاء لمتابعة ومحاسبة كلِّ زلل حاصل وانحراف عن التطبيق العادل - وسنأتي عليه -.
وذكرنا أنَّنا من خلال انضباط الجهاز الحاكم بجميع تخصُّصاته في دولة

-----------------

(٣٦٢) نهج البلاغة (ص ٣٤٧/ ح ٢٢٤).

(٢٧٣)

الإمام عليٍّ (عليه السلام)، وإحكامه (عليه السلام) لتلك المسيرة، أمكننا تصوُّر نموذج مشابه له في الدولة المهدويَّة بغضِّ النظر عن عشرات الروايات الناصَّة على حكومة العدل الإلهي في عصر الظهور.
وإليك أداء المعصوم (عليه السلام) في هذا المضمار من خلال التوجيهات الصادرة منه إلى مالك الأشتر الوالي على بلد من بلاد المسلمين من قبيل:
إرادة تسليم الحكم إلى قادة (وهم الولاة آنذاك) نزيهين، يمتلكون إرادة الحكم العادل، ولذلك كان التأكيد على استبعاد العناصر الفاسدة السابقة في الحكم على تولِّيها مناصب جديدة، وفي ذلك قال (عليه السلام): «إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي اَلْآثَامِ فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ اَلْأَثَمَةِ وَإِخْوَانُ اَلظَّلَمَةِ، وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ اَلْخَلَفِ»(٣٦٣).
ورغم هذا التوجيه إلَّا أنَّ هناك حُكَّاماً في (عهد دولة أمير المؤمنين (عليه السلام)) استلموا الحكم لم يلتزموا بذلك ممَّا أوجب حدوث بعض الإخفاقات، ولكن في مقابل ذلك لا يُتصوَّر هذا النحو في الحكومة المهدويَّة، لورود روايات تُخبِر بوجود ثُلَّة منتخبة تناصر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وتلازمه، وتكون خير قادة على التمكين من الحكم العادل.
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اَلْقَائِمِ (عليه السلام) وَأَصْحَابِهِ فِي نَجَفِ اَلْكُوفَةِ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ اَلطَّيْرَ قَدْ فَنِيَتْ أَزْوَادُهُمْ، وَخَلُقَتْ ثِيَابُهُمْ، قَدْ أَثَّرَ اَلسُّجُودُ بِجِبَاهِهِمْ، لُيُوثٌ بِالنَّهَارِ، رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ، كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ زُبَرُ اَلْحَدِيدِ، يُعْطَى اَلرَّجُلُ مِنْهُمْ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلاً...»(٣٦٤).
وممَّا جاء فيهم أيضاً: «لَهُمْ دَوِيٌّ فِي صَلَاتِهِمْ كَدَوِيِّ اَلنَّحْلِ...، رُهْبَانٌ

-----------------

(٣٦٣) نهج البلاغة (ص ٤٣٠/ ح ٥٣ عهده (عليه السلام) إلى مالك الأشتر).
(٣٦٤) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٣٨٦/ ح ٢٠٢)، عن سرور أهل الإيمان (ص ٧٠).

(٢٧٤)

بِاللَّيْلِ، لُيُوثٌ بِالنَّهَارِ، هُمْ أَطْوَعُ لَهُ مِنَ اَلْأَمَةِ لِسَيِّدِهَا، كَالمَصَابِيحِ، كَأَنَّ قُلُوبَهُمُ اَلْقَنَادِيلُ، وَهُمْ مِنْ خَشْيَةِ اَلله مُشْفِقُونَ...» (٣٦٥).
وكذلك سأل أبو بصير الإمام الصادق (عليه السلام): جُعِلْتُ فِدَاكَ، لَيْسَ عَلَى اَلْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مُؤْمِنٌ غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: «بَلَى، وَلَكِنْ هَذِهِ [اَلْعِدَّةُ] اَلَّتِي يُخْرِجُ اَللهُ فِيهَا اَلْقَائِمَ (عليه السلام)، هُمُ اَلنُّجَبَاءُ وَاَلْقُضَاةُ وَاَلْحُكَّامُ وَاَلْفُقَهَاءُ فِي اَلدِّينِ، يَمْسَحُ بُطُونَهُمْ وَظُهُورَهُمْ فَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ حُكْمٌ»(٣٦٦).
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ هَارُونَ اَلْعِجْلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ صَاحِبَ هَذَا اَلْأَمْرِ مَحْفُوظَةٌ لَهُ أَصْحَابُهُ لَوْ ذَهَبَ اَلنَّاسُ جَمِيعاً أَتَى اَللهُ لَهُ بِأَصْحَابِهِ، وَهُمُ اَلَّذِينَ قَالَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، وَهُمُ اَلَّذِينَ قَالَ اَللهُ فِيهِمْ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]»(٣٦٧).
إضافةً إلى ذلك فإنَّه (عجَّل الله فرجه) صاحب القيادة المعصومة سيكون ناظراً عليهم، عارفاً بالواقع الذي يقتضي العدل فيعمل به، لأنَّ الظاهر من الروايات أنَّه (عجَّل الله فرجه) لن يتعامل مع الناس على أساس الظاهر الذي يمكن أنْ تفوت به الحقيقة، فَعَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «إِذَا قَامَ اَلْقَائِمُ (عليه السلام) لَمْ يَقُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اَلرَّحْمَنِ إِلَّا عَرَفَهُ صَالِحٌ هُوَ أَمْ طَالِحٌ، لِأَنَّ فِيهِ آيَةً لِلْمُتَوَسِّمِينَ، وَهِيَ بِسَبِيلٍ مُقِيمٍ»(٣٦٨).
ورُوِيَ في (كمال الدِّين) بإسناده عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «سَيَأْتِي فِي مَسْجِدِكُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً - يَعْنِي مَسْجِدَ مَكَّةَ -

-----------------

(٣٦٥) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٣٠٧ و٣٠٨/ ح ٨٢)، عن سرور أهل الإيمان (ص ٩٧).
(٣٦٦) دلائل الإمامة (ص ٥٦٢/ ح ٥٢٦/١٣٠).
(٣٦٧) الغيبة للنعماني (ص ٣٣٠/ باب ٢٠/ ح ١٢).
(٣٦٨) كمال الدِّين (ص ٦٧١/ باب ٥٨/ ح ٢٠).

(٢٧٥)

يَعْلَمُ أَهْلُ مَكَّةَ أَنَّهُ لَمْ يَلِدْهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلَا أَجْدَادُهُمْ، عَلَيْهِمُ اَلسُّيُوفُ، مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ سَيْفٍ كَلِمَةٌ تَفْتَحُ أَلْفَ كَلِمَةٍ، فَيَبْعَثُ اَللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رِيحاً فَتُنَادِي بِكُلِّ وَادٍ: هَذَا اَلمَهْدِيُّ يَقْضِي بِقَضَاءِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ (عليهما السلام)، [وَ]لَا يُرِيدُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً»(٣٦٩).
وإنَّ المراد من حكم داود وسليمان (عليهما السلام) أنَّهما كانا في قضائهما لا يسألان البيِّنة، فكذلك المهدي (عجَّل الله فرجه) فإنَّه سيحكم بعلمه الذي لا يتخلَّف عن الواقع.
وكلُّ ذلك سيُؤمِّن منظومة متكاملة من جهة الدستور العادل والحاكم والقاضي العادل.
ج - مبادئ تأسيس الجهاز القضائي:
في نظام الدولة المدنيَّة (التي تنطلق على أساس تأمين المساواة والعدل بين أفراد مجتمعها) ضرورة استقلال السلطة القضائيَّة، واحترام ومراعاة جميع مؤسَّسات الدولة ذلك، ليعمل القضاء في الشأن المعروض عليه دون تحيُّز، ودون تقييد أو تأثيرات فاسدة، أو إغراءات أو قيود أو ضغوط وتهديد أو أيِّ نحو من أنحاء التدخُّل والتأثير المخالف للحقيقة، لأيِّ سبب ومن أيِّ جهة.
فينفرد القضاء في حكمه والولاية على جميع المسائل المناطة به، ولا يُسمَح لغيره التدخُّل بتخفيف أو تعديل للأحكام الصادرة منه.
ولحجم مسؤوليَّة القضاء أصدر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عدَّة ضوابط تُميِّز صاحب القضاء لضمان إدارة المسؤوليَّة بنحوها المطلوب، وهي بالنحو التالي:
١ - أنْ يكون عالماً، خبيراً في أحوال مجتمعه، وضليعاً فيما يصلح شأنهم وسُبُل معالجة مشاكلهم، ولذلك يُوصي (عليه السلام) مالك الأشتر: «اِخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ اَلنَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ اَلْأُمُورُ».

-----------------

(٣٦٩) كمال الدِّين (ص ٦٧١/ باب ٥٨/ ح ١٩).

(٢٧٦)

٢ - أنْ يكون قنوعاً، ورعاً عن الحرام، فيقول (عليه السلام) فيه: «وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ»، وبذلك يقطع السبيل أمام الرشوة والابتزاز.
٣ - أنْ يكون نبهاً دقيقاً صبوراً، ليمكنه إصابة الحقِّ وعدم التعجُّل في القضاء، وفي ذلك يقول (عليه السلام): «وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ، وَأَوْقَفَهُمْ فِي اَلشُّبُهَاتِ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ».
٤ - البذل والإغداق عليه كيما يستقرُّ في حال معاشي مناسب، يحميه من الزلل والانزلاق في الباطل لتحصيل الكفاف والمنفعة المادّيَّة، وفي ذلك يقول (عليه السلام): «ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ، وَافْسَحْ لَهُ فِي اَلْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى اَلنَّاسِ...».
٥ - أنْ يكون من أهل الدِّين والحياء، ناشئاً في بيئة صالحة ليُؤمَن زيغه وطغيان النفس لسوء المنشأ (الوراثة والتربية)، فيقول (عليه السلام): «وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ اَلتَّجْرِبَةِ وَاَلْحَيَاءِ مِنْ أَهْلِ اَلْبُيُوتَاتِ اَلصَّالِحَةِ وَاَلْقَدَمِ فِي اَلْإِسْلَامِ».
٦ - أنْ يكون حسن السيرة وذا تاريخ نزيه ومشهود له بين أهله وناسه بالصلاح، فليس المعيار بالانتخاب الفراسة وحسن الظنِّ، إذ يمكن إيهامهما والتغرير، فيقول (عليه السلام): «ثُمَّ لَا يَكُنِ اِخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاِسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ اَلظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ اَلرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ اَلْوُلَاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ اَلنَّصِيحَةِ وَاَلْأَمَانَةِ شَيْءٌ، وَلَكِنِ اِخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي اَلْعَامَّةِ أَثَراً، وَأَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهاً»(٣٧٠).
وكذلك الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) سيكون جهازه القضائي، بل إنَّ الحكم الفقهي لدى الإماميَّة يقضي شرط الاجتهاد والعدالة في مَنْ يتولى القضاء.

-----------------

(٣٧٠) راجع: نهج البلاغة (ص ٤٢٦ - ٤٤٥/ ح ٥٣ عهده (عليه السلام) إلى مالك الأشتر).

(٢٧٧)

الجهة الثالثة: مجتمع الحكومة المهدويَّة:
إنَّ للأفكار جذوراً وخلفيَّةً تتحكَّم في نشوئها ومن ثَمَّ رسوخها، وفي تشكيلة المجتمع الإنساني المعاصر (من الأهواء والأذواق والعادات والثقافات والقناعات المختلفة مع بعضها البعض بنحو عامٍّ، ومع الفكر الدِّيني بنحو خاصٍّ) داعوية إلى التشكيك في قدرة المشروع المهدوي إلى قيادة تلك التعدُّديَّة المطلقة، فانقدح السؤال حول إمكانيَّة تفاعل المجتمع مع المنهج الحكومتي العادل للمعصوم (عجَّل الله فرجه)، واستجابتهم له في تعايشهم مع بعضهم البعض، خصوصاً إذا لاحظنا حياتهم الخاصَّة!
فصار لزاماً التحقيق في تلك الإشكاليَّة بما ينسجم مع محدوديَّة المقام، وذلك بالبيان التالي:
ذكرنا في البحث الثالث المشروع الإلهي في عزمه على صناعة الإنسان تحت عنوان ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، وبيَّنَّا أنَّه عنوان مشكَّك ذو مصاديق متباينة، ومدلوله المطابقي على أفراد الإنسان العامِّ (المجتمع) هو من قبيل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ...﴾ (الأنعام: ١٦٥)، وفي (تفسير العيَّاشي) عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «لَا نَقُولُ دَرَجَةً وَاحِدَةً، إِنَّ اَللهَ يَقُولُ: دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، إِنَّمَا تَفَاضَلَ اَلْقَوْمُ بِالْأَعْمَالِ»(٣٧١).
وبذلك يكون كلُّ فردٍ مستخلَف عنه سبحانه في التصرُّف بملكه وعمارة أرضه ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا...﴾ (هود: ٦١)، وكلٌّ بحسبه وفق ما آتاه الله سبحانه من قوَّة بدنيَّة وعقليَّة وروحيَّة ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ (الأنعام: ١٦٥)، ليكون وجود

-----------------

(٣٧١) تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ٣٨٨/ ح ١٤٧).

(٢٧٨)

القوى وتفاوتها مادَّة للاختبار والامتحان في الدنيا به يتمُّ التمايز بين البشر في الآخرة عند استخدامها وفق الإرادة الإلهيَّة، لتتمَّ بذلك الخلافة، لأنَّ الوكيل لا يتجاوز إرادة الأصيل، (عندئذٍ يكون بين أفراد الإنسان درجات في العمل تسبقها درجات في تفاوت القوى).
إنَّ هذا المشروع الربَّاني قابل للتنفيذ من خلال عناصر تكوينيَّة ذاتيَّة للإنسان، فالميل إلى الخالق سبحانه والتديُّن فطري ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ...﴾ (الروم: ٣٠)، عَنْ عَبْدِ اَلله بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اَلله (عزَّ وجلَّ): ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، مَا تِلْكَ اَلْفِطْرَةُ؟ قَالَ: «هِيَ اَلْإِسْلَامُ، فَطَرَهُمُ اَللهُ حِينَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ عَلَى اَلتَّوْحِيدِ»(٣٧٢).
وأيضاً يشير القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (الروم: ٣٣).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ»(٣٧٣)، أي أرسل سبحانه الرُّسُل واحداً بعد واحد ليطالبوهم بما تستدعيه فطرتهم وتسوقهم إليه جبلَّتهم.
فالإنسان بطبعه الأوَّلي يميلُ إلى خالقه وطاعته إلَّا أنَّ الكفر والمعصية يعرضان عليه لأسباب خارجيَّة عنه، كالتربية الفاسدة والمجتمع الفاسد وأسباب الإغواء وإثارة الغرائز وطغيانها، وعند الظهور المبارك سيوفر (عجَّل الله فرجه) البيئة الصالحة، وأسباب الإيمان والهداية، لتتوافق الهداية التكوينيَّة والتشريعيَّة

-----------------

(٣٧٢) الكافي (ج ٢/ ص ١٢/ باب فطرة الخلق على التوحيد/ ح ٢).
(٣٧٣) نهج البلاغة (ص ٤٣/ الخطبة ١).

(٢٧٩)

وينسجم التكوين مع التشريع، (أي تتَّحد إرادة الإنسان واختياره التكويني مع إرادة التشريع والمولى (عزَّ وجلَّ))، وفي ذلك تحقيق لغرض الخلقة.
ويمكن تصوُّر بناء المعصوم (عجَّل الله فرجه) الإيمان والأخلاق للمجتمع من خلال:
١ - تبصرة أفراد المجتمع وتوعيتهم ورفع مستواهم الإدراكي للإقبال على الصواب والحقِّ بعد تمييزهما بنحو البصيرة القلبيَّة، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُؤُوسِ اَلْعِبَادِ، فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ، وَأَكْمَلَ بِهِ أَحْلَامَهُمْ»(٣٧٤)، وفُسِّر ذلك بنحوين:
الأوَّل: وضع جارحته الخاصَّة بنحو المعجزة على رؤوس جميع العباد.
الثاني: أنْ تكون اليد كناية عن القوَّة التي يبسطها على كلِّ البلاد والعباد، وبذلك يجمع العقول ويكمل الأخلاق.
٢ - إنهاء معاقِل الظلمة، وإخماد أسباب الفساد الضالَّة والمضلَّة، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: «إِنَّ رَسُولَ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) سَارَ فِي أُمَّتِهِ بِالمَنِّ، كَانَ يَتَأَلَّفُ اَلنَّاسَ، وَاَلْقَائِمُ يَسِيرُ بِالْقَتْلِ، بِذَاكَ أُمِرَ فِي اَلْكِتَابِ اَلَّذِي مَعَهُ أَنْ يَسِيرَ بِالْقَتْلِ وَلَا يَسْتَتِيبَ أَحَداً، وَيْلٌ لِمَنْ نَاوَاهُ»(٣٧٥).
وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ (الرحمن: ٤١) عن الإمام الصادق (عليه السلام): «نَزَلَتْ فِي اَلْقَائِمِ، يَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ، فَيَخْبِطُهُمْ بِالسَّيْفِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ خَبْطاً»(٣٧٦)، فلا يُقال:

-----------------

(٣٧٤) مختصر بصائر الدرجات (ص ١١٧)؛ ولكن ورد في الكافي (ج ١/ ص ٢٥/ كتاب العقل والجهل/ ح ٢١) بهذا اللفظ: «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ اَللهُ يَدَهُ عَلَى رُؤُوسِ اَلْعِبَادِ، فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ، وَكَمَلَتْ بِهِ أَحْلَامُهُمْ»، حيث نصَّت على أنَّ الواضع هو الله سبحانه وتعالى وليس الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
(٣٧٥) الغيبة للنعماني (ص ٢٣٦ و٢٣٧/ باب ١٣/ ح ١٤).
(٣٧٦) الغيبة للنعماني (ص ٢٤٨ و٢٤٩/ باب ١٣/ ح ٣٩).

(٢٨٠)

كيف أنَّه (عجَّل الله فرجه) يُسرف في القتل حيث إنَّه ينظر بعين الله تعالى ويعمل بعلمه بالواقع فيُشخِّص الذي لا تُرجى هدايته فعلاً، فلا يكون بقاؤه إلَّا إضراراً وإضلالاً للعباد.
وقد صرَّح القرآن بذلك فقال: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ (الإسراء: ٣٣).
٣ - تعريف المجتمع بالعقائد الحقَّة في التوحيد والمعاد، ممَّا يُساهم في خضوعهم لإرادة المولى تبارك وتعالى.
٤ - تعريف الناس بالأخلاق والفضائل وتأثيرها الإيجابي، وتهذيبهم وتأديبهم.
٥ - إعمال القانون العادل الذي يكفل محاسبة كلِّ مَنْ يُقدِم على اقتراف الموبقات ممَّا يُساهم بنحو كبير في الردع والسير على جادَّة الاستقامة.
ولا شكَّ أنَّ كلَّ ذلك سيتمُّ بأساليب حديثة وفاعلة ومؤثِّرة في النفوس كتسخير الإعلام، والمؤسَّسات التعليميَّة والتربويَّة، والدوائر الخدميَّة، والمنصَّات الخطابيَّة، والدور العباديَّة، وتحريك المشاعر والوجدان من خلال إحياء الشعائر والمناسك، وبذلك يخضع المجتمع لدورة مكثَّفة من التطهير والتهذيب وتزكية النفس، وبذلك يتكيَّف مع الأُطروحة المهدويَّة ولن يجد ضيقاً في التفاعل معها على المستوى الفردي الشخصي أو الاجتماعي.

* * *

(٢٨١)

لا تَكِلُّ دقائق الأفهام عن رصد الظاهرة المهدويَّة من مختلف أبعادها، لتمتدَّ مدارك العقل إلى عمق المنظومة المهدويَّة، فيتمُّ الوعي والإثبات لحديث الفكر الوحياني عنها، ولذلك تتوالى استفهامات حول قضايا جوهريَّة في زواياها، ومنها فكرة الظهور، من قبيل:
الاستفهام الأوَّل: إذا كان ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لا يتمُّ إلَّا وفق شروط ومنها بلوغ المجتمع استعداداً لقبول الأُطروحة الإلهيَّة والخضوع لإرادة السماء، فكيف تحثُّ الروايات على ترقُّب الظهور بإيجابيَّة رغم عزوف المجتمع عن التديُّن، وميله إلى جهات غير دينية كالعلمانيَّة والليبراليَّة؟!
وبعبارة أُخرى: إذا كان الظهور معلولاً للعلَّة التامَّة، والتي تتألَّف من (وجود المقتضي - وهو الإمام المعصوم القادر على إقامة المشروع الإلهي -، وتحقُّق الشرط - وهو كافَّة أسباب الظهور -، ورفع المانع(٣٧٧) - وهو فساد المجتمع ونفوره الدِّيني -)، فإذا كان أحد أجزاء العلَّة مفقوداً فكيف يتمُّ الظهور المبارك المعلول إلى علَّته؟!
الاستفهام الثاني: توجيه النصِّ الدِّيني نحو الأمل والانتظار وتوقُّع الظهور في أيِّ وقتٍ، والتحذير من اليأس منه، فأيُّهما أقرب إلى العقل (خصوصاً عند ملاحظة ملابسات القضيَّة كطول الغيبة، وقوَّة الحكومات الظالمة)، توقُّع الظهور أو اليأس منه؟

-----------------

(٣٧٧) ملاحظة: إنَّ المانع هو شرطٌ ولكن بصفته العدميَّة، فيكون فساد المجتمع ونفوره الدِّيني مانعاً وعدم الفساد والنفور الدِّيني شرطاً، إذن تؤول الموانع إلى شروط عدميَّة.

(٢٨٥)

الاستفهام الثالث: ما هي غاية الظهور؟ فهل دوره تهيئة أسباب السعادة الدنيويَّة باستقرار البشريَّة وأمنها المطلق والظرف العادل، ثمّ يرتحل عنه بالموت الذي يلاحق كلَّ حيٍّ؟
إنَّ التساؤلات المتصوَّرة هاهنا ثلاثة:
أ - حاكميَّة المجتمع (عقب حكومة الإمام (عجَّل الله فرجه)) لنفسه بعد بلوغه العصمة، فيكون مقتدراً على إكمال حكم الله في الأرض والحفاظ على مكاسب الظهور المبارك.
ب - حاكميَّة الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) وفق عقيدة الرجعة.
ج - بلوغ نهاية العالم بقيام يوم القيامة بمجرَّد أنْ يَفنى قطب عالم الإمكان.
فيما يخصُّ الاستفهامات السالفة يمكن تصوُّر أجوبتها بالآتي:
جواب الاستفهام الأوَّل، وهو: كيف تحثُّ الروايات على ترقُّب الظهور بإيجابيَّة رغم عزوف المجتمع عن الدِّين؟
ولمعرفة الجواب بشكل تفصيلي لا بدَّ من استعراض ثلاث نقاط مهمَّة:
النقطة الأُولى: بدايةً لا بدَّ من التفريق بين الشرط (بناءً على مرجع المانع إلى شرط عدمي) والظرف، وأنَّ الشروط تُمثِّل جزءاً للعلَّة، فلا يمكن توقُّع الأثر من دونها لقانون العلّيَّة من عدم الاختلاف أو التخلُّف، فإنَّ قوانينها ثابتة لا يُؤثِّر فيها الزمان أو المكان، أمَّا الظرف فهو يُعبِّر عن الوسيلة أو الطبيعة التي تُصاغ فيها الأشياء، لذا فهي غير محكومة بسياق ثابت، وقابلة للتكيُّف والتغيُّر بحسب المؤثِّرات الفاعلة فيها.
وأنَّ الفساد والانحلال الاجتماعي وعناده وتمرُّده على الدِّين لا يُمثِّل بالنسبة إلى الظهور المهدوي إلَّا ظرفاً ودلالةً على الطبيعة العامَّة التي تحكم زمان

(٢٨٦)

الظهور، ولذلك ليست هي جزء العلَّة حتَّى يقال: إنَّ بفقدها كشرط - عدمي - يُفقِدنا إمكانيَّة القول بالظهور المبارك، بل يمكن أنْ يتمَّ الظهور ليكون معالِجاً ومغيِّراً لظرفه الفاسد.
النقطة الثانية: من المفاهيم الأساسيَّة المرتبطة بالفكرة المهدويَّة المباركة هي أنْ يأتي ليُصلِح ما أفسده الناس، ويكون مشروعه إصلاحيًّا، وهذا ما أشارت إليه الروايات المباركة، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله): «أَبْشِرُوا بِالمَهْدِيِّ - قَالَ ثَلَاثاً -، يَخْرُجُ عَلَى حِينِ اِخْتِلَافٍ مِنَ اَلنَّاسِ وَزِلْزَالٍ شَدِيدٍ، يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً، يَمْلَأُ (قُلُوبَ) عِبَادِهِ عِبَادَةً، وَيَسَعُهُمْ عَدْلُهُ»(٣٧٨)، إذن لم ترتبط فكرة الظهور بالوجدان الشيعي على أساس جاهزيَّة المجتمع واستعداده المجموعي الظاهري العامِّ للدِّين والتديُّن.
النقطة الثالثة: وجود النواة الإيمانيَّة الكامنة عند بعض من المجتمع يمكن أنْ يكون كافياً لإقامة المشروع الإلهي وبسط التوحيد، كما في الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) إذ بُعِثَ في مجتمع جاهلي، وَصَفَتْه السيِّدة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها المعروفة: «... وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ اَلنَّارِ، فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا نَبِيُّهُ، تَعْبُدُونَ اَلْأَصْنَامَ، وَتَسْتَقْسِمُونَ بِالْأَزْلَامِ، مَذْقَةَ اَلشَّارِبِ، وَنُهْزَةَ اَلطَّامِعِ، وَقُبْسَةَ اَلْعَجْلَانِ، وَمُوْطِئَ اَلْأَقْدَامِ، تَشْرَبُونَ اَلرَّنْقَ، وَتَقْتَاتُونَ اَلْقِدَّةَ، أَذِلَّةً خَاشِعِينَ...»(٣٧٩).
فكان يُخيَّم عليه الضعف والخضوع للشيطان والرذيلة والشرك بأوضح مصاديقه من عبادة الأصنام، ورغم ذلك استطاع نبيُّ الإسلام (صلَّى الله عليه وآله) أنْ يبعث فيه روح الإيمان والاستقامة، وسيكون كذلك الإمام الموعود (عجَّل الله فرجه) فإنَّ له دوراً

-----------------

(٣٧٨) الغيبة للطوسي (ص ١٧٩/ ح ١٣٧).
(٣٧٩) دلائل الإمامة (ص ١١٤ و١١٥/ ح ٣٦/٣٦).

(٢٨٧)

إصلاحيًّا يُعالِج فيه النفوس والأهواء، فليس المبنى على إقامة الحجَّة إلَّا بعد استفراغ الجهد في الدعوة إلى الهداية.
ويُؤيِّد ذلك النهج القرآني في إمهال المخالفين والعاصين لاستتابتهم - ولا شكَّ في كونه (عجَّل الله فرجه) ممثِّلاً لذلك المنهج الربَّاني -، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٩)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: ٥٣).
انتهاء أمد قبول التوبة:
نعم، ليست مهلة التوبة ممتدَّة دون أجل، بل عَمِدَ القرآن الكريم إلى تحذير مخالفيه من موعد إذا بلغه أحدهم فلن تبقى له توبة، وذلك في موردين:
الأوَّل: عند نزول الموت: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ (النساء: ١٨).
الثاني: عند نزول العذاب: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * الْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: ٩٠ و٩١).
ولكنَّه قد يقال: إنَّ ما حدث لقوم يونس (عليه السلام) يخالف ما ذكرته، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَوْ لَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (يونس: ٩٨)، حيث إنَّ توبتهم قُبِلَت من الله سبحانه وتعالى بعد رؤيتهم للعذاب.
إلَّا أنَّه يمكن الجواب:
أوَّلاً: أنَّ قبول التوبة في قوم يونس (عليه السلام) أمرٌ مستثنى من السُّنَّة الإلهيَّة التي أشرنا إليها في الموردين.

(٢٨٨)

ثانياً: أنَّ ما كان في قوم يونس (عليه السلام) ليس نزول العذاب، وإنَّما مقدَّمات العذاب، والتوبة كانت حين رؤية مقدَّمات العذاب لا نزوله الفعلي، فهي خارجة عن مورد البحث.
وليست غاية التوبة هنا تحديدٌ لسعة رحمته تعالى وعفوه ولطفه بالإنسان، وإنَّما هي كاشفٌ عن أنَّ صدور التوبة بعد ذاك الحين ليس حقيقة صادقة، ممَّا يُعبِّر عن سوء السريرة وخبث الذات(٣٨٠).
ويوافق أيضاً روايات الأئمَّة (عليهم السلام) عن جيش الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ما قرَّره القرآن الكريم في حال العصاة وأهل الفساد.
فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «... لَا يَأْتُونَ عَلَى أَهْلِ دِينٍ إِلَّا دَعَوْهُمْ إِلَى اَلله (عزَّ وجلَّ)، وَإِلَى اَلْإِسْلَامِ، وَاَلْإِقْرَارِ بِمُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله)، وَاَلتَّوْحِيدِ، وَوَلَايَتِنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ، فَمَنْ أَجَابَ مِنْهُمْ وَدَخَلَ فِي اَلْإِسْلَامِ تَرَكُوهُ...»(٣٨١).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) فيما يخطب به الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعد ظهوره: «... يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنَّا نَسْتَنْصِرُ اَللهَ فَمَنْ أَجَابَنَا مِنَ اَلنَّاسِ...، فَأَنْشُدُ اَللهَ مَنْ سَمِعَ كَلَامِي اَلْيَوْمَ لَـمَّا بَلَّغَ اَلشَّاهِدُ مِنْكُمُ اَلْغَائِبَ، وَأَسْأَلُكُمْ بِحَقِّ اَلله... إِلَّا أَعَنْتُمُونَا وَمَنَعْتُمُونَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا...»(٣٨٢).
ثمّ إنَّ إغلاق باب التوبة وعدم استمرار فرصة الهداية على (مَنْ عاصر الظهور) يستدعي الظلم مع ملاحظة (مَنْ يعاصر الإمام بعد الظهور) وينعم بهدايته ووجوده المبارك لكلِّ الأبعاد الحياتيَّة وعرض الهداية عليهم مستمرًّا مع التوبة!

-----------------

(٣٨٠) مركز الأبحاث العقائديَّة/الأسئلة والأجوبة/العنوان: (المبالغة بالقول في قتله (عجَّل الله فرجه) للأعداء).
(٣٨١) مختصر بصائر الدرجات (ص ١١).
(٣٨٢) الغيبة للنعماني (ص ٢٩٠/ باب ١٤/ ح ٦٧).

(٢٨٩)

فلماذا هذا التمييز بين الفئتين؟ والأنسب إعذار الفريق الأوَّل بعد أنْ حُرِمُوا من معاصرة الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) والتنعُّم بهدايته، واستولت عليهم أمواج الفتن وأضلَّتهم الجهات والمدارس الفكريَّة المختلفة.
ولذلك فإنَّ عدالة الإمام (عجَّل الله فرجه) تقتضي عدم الاختصاص بفئة دون غيرها بل هي عامَّة شاملة، ومن مصاديق العدل سعة فضاء التوبة، وتمديد حوار الفكر والمحاججة حتَّى إتمام الحجَّة.
وما جاء في بعض الروايات من أنَّه (عجَّل الله فرجه) لا يستتيب أحداً، فَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ اَلثُّمَالِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام) يَقُولُ: «... يَقُومُ (أي القائم) بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَسُنَّةٍ جَدِيدَةٍ، وَقَضَاءٍ جَدِيدٍ، عَلَى اَلْعَرَبِ شَدِيدٌ، لَيْسَ شَأْنُهُ إِلَّا اَلْقَتْلَ، وَلَا يَسْتَتِيبُ أَحَداً، وَلَا تَأْخُذُهُ فِي اَلله لَوْمَةُ لَائِمٍ»(٣٨٣)، ممَّا يعني عدم قبوله التوبة بعد ظهوره، فيُجاب عنه:
بأنَّ الروايات في هذا الصدد مضطربة، فبعضها تقول: «لَا يَسْتَنِيبُ أَحَداً»(٣٨٤)، وفي نُسَخ أُخرى غير ذلك(٣٨٥).
مضافاً إلى أنَّه يمكن حملها على نهاية عصر الظهور، بعد اتِّضاح الحُجَج والأدلَّة الدامغة على الحقِّ والحقيقة ممَّا لا يدع مجالاً للشكِّ والشبهة في الفرد والمجتمع، فحينذاك يمكن أنْ نفهم عدم قبول توبة الجاحد المعاند، أمَّا في بداية الظهور ولفترات طويلة فإنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) بنفسه القدسيَّة يدعو إلى الحوار والمحاججة ويُجيب على الشُّبُهات، وهذا أكبر دليل على قبول التوبة، كما سبق ذكرها.

-----------------

(٣٨٣) الغيبة للنعماني (ص ٢٣٩ و٢٤٠/ باب ١٣/ ح ٢٢).
(٣٨٤) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٣٤٨ و٣٤٩/ ح ٩٩).
(٣٨٥) راجع: الغيبة للنعماني (ص ٢٦٣/ باب ١٤/ ح ١٣).

(٢٩٠)

النقطة الرابعة:

تستبطن كلُّ عمليَّة تغيير التدرُّج، ولذلك لا يعني قبول المجتمع بالمشروع المهدوي دفعة واحدة حتَّى يُفترَض قاعدة جماهيريَّة عريضة من الهداة المهديِّين، فهو مشروع ربَّاني إصلاحي يبدأ اعتماداً على القوَّة الإلهيَّة التي يملكها الإمام (عجَّل الله فرجه)، ومن ثَمَّ بالتربيَّة والتعليم والتدريج يفرض نفسه على الجميع.
إذن الظهور بداية لإعادة تشكيل المجتمع وليس ظرفاً لاستقبال مجتمعٍ متكاملٍ منذ اللحظة الأُولى.
النقطة الخامسة:

الجانب الإلهي في المشروع المهدوي، حيث يعتمد عليه الإمام (عجَّل الله فرجه) ليدعم التدخُّل الإلهي المباشر الحقَّ كما دعم مشروع ظهور الإسلام المبارك، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ٩ و١٠).
إذن لا يُعتبَر المشروع من السنخ البشري البحت حتَّى يعتمد كلّيًّا على الظروف الطبيعيَّة حتَّى يُفترَض الصلاح الجزئي ليُعتمَد عليه في إقامة مشروع السماء.
أمَّا جواب الاستفهام الثاني، وهو: كيف نتفهَّم حثَّ الروايات على الانتظار والترقُّب والأمل بالإصلاح وظهور المنقذ، مع أنَّ الوجدان يقضي باليأس والهزيمة حينما يشاهد الإنسان عناء البشريَّة وتخبُّطها في الظلمات والظلم الفظيع؟
وللجواب على ذلك نقول: إنَّ ثقافة الأمل والتفاؤل هي ثقافة قرآنيَّة غايتها تربية إنسان إيجابي على الدوام، قال تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ

(٢٩١)

الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: ٨٧)، وقال تعالى: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (الحجر: ٥٥ و٥٦)... إلخ من النصوص الدِّينيَّة (القرآنيَّة والروائيَّة) التي حفل بها الموروث الإسلامي لتحشيد وتأصيل ثقافة الأمل والتفاؤل.
والثقافة تُعبِّر عن ظاهرة مؤثِّرة، واهتمَّ بها علماء الاجتماع، وعرَّفوها بأنحاء، وقد يكون أشملها تعريف العالِم الأنثروبولوجي البريطاني (ادوارد تايلور) بقوله: (إنَّها الكلُّ المركَّب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفنَّ والأخلاق والقانون والأعراف والقدرات والعادات الأُخرى التي يكتسبها الإنسان...)(٣٨٦)، وقد ذُكِرَ أنَّ لعلماء النفس تقريراً في التأثير المستحكم للثقافة على الإنسان (فهي تصنع سلوكيَّات مؤثِّرة في التنظيمات التفاعليَّة في الدماغ).
ومن هنا يمكننا أنْ نفهم الحرص الدِّيني على تأسيس ثقافة باتِّجاه الأمل والتحذير من اليأس والإحباط، سيَّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار كونها ثقافة معصومة عن الخطأ ممَّا يدفَعُ إلى التلبُّس بها واستطلاع تمظهراتها، وهل لاحظ الدِّين الأمل بنحو ظرفٍ خاصٍّ كما لو كانت بوادر السعة والانفراج واضحة وقريبة، أو بنحوه المطلق كما في قضيَّة الظهور المهدوي الذي مضى على غيبته ما يقارب (١٢٠٠ عام)؟
ومن خلال قراءة الروايات في شأن الحثِّ على الانتظار للظهور المبارك (والذي هو عبارة أُخرى عن الأمل والتفاعل الإيجابي مع الظرف) نجدها كاشفة عن الإرادة المطلقة في ترسيخ ظاهرة التفاؤل والأمل ممَّا يُنتِج الترقُّب والتوقُّع المستمرَّين للظهور المبارك.

-----------------

(٣٨٦) الموقع العربي الأوَّل في الأنثروبولوجيا/ العنوان: تايلور والمفهوم العالمي للثقافة.

(٢٩٢)

نصوص دينيَّة باعثة للأمل:
وإليك بعضٌ من تلك النصوص التعبويَّة للإيجابيَّة:
١ - ما ورد في الزيارة الجامعة المرويَّة عن الإمام الهادي (عليه السلام): «أُشْهِدُ اَللهَ وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي... مُؤْمِنٌ بِإِيَابِكُمْ، مُصَدِّقٌ بِرَجْعَتِكُمْ، مُنْتَظِرٌ لِأَمْرِكُمْ، مُرْتَقِبٌ لِدَوْلَتِكُمْ»(٣٨٧).
٢ - وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّ مَنِ انْتَظَرَ أَمْرَنَا وصَبَرَ عَلَى مَا يَرَى مِنَ الأَذَى والْخَوْفِ هُوَ غَداً فِي زُمْرَتِنَا»(٣٨٨).
٣ - وعنه (عليه السلام): «مَنْ مَاتَ مُنْتَظِراً لِهَذَا اَلْأَمْرِ كَانَ كَمَنْ كَانَ مَعَ اَلْقَائِمِ فِي فُسْطَاطِهِ، لَا بَلْ كَانَ كَالضَّارِبِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) بِالسَّيْفِ»(٣٨٩).
٤ - وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما سُئِلَ: أَيُّ اَلْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اَلله (عزَّ وجلَّ)، قَالَ: «اِنْتِظَارُ اَلْفَرَجِ»(٣٩٠).
٥ - وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «... وَاعْلَمُوا أَنَّ اَلمُنْتَظِرَ لِهَذَا اَلْأَمْرِ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ اَلصَّائِمِ اَلْقَائِمِ...»(٣٩١).
ومن ذلك يتجلَّى الذوق الدِّيني في انتخاب الصفة الإيجابيَّة للمؤمن وتثقيفه على التلبُّس بها، بغضِّ النظر عن ظروف متعلَّق الأمل والرجاء. وبذلك يتأكَّد النحو الذي يسلكه الفكر الدِّيني باتِّجاه القضايا التي يتعايش معها الفرد، ولا يسعُ العقل - والحال هذه - انتهاج ما يخالف هذه الرؤية إذا كان مؤمناً

-----------------

(٣٨٧) من لا يحضره الفقيه (ج ٢/ ص ٦١٤/ ح ٣٢١٣).
(٣٨٨) الكافي (ج ٨/ ص ٣٧/ ح ٧).
(٣٨٩) كمال الدِّين (ص ٣٣٨/ باب ٣٣/ ح ١١).
(٣٩٠) من لا يحضره الفقيه (ج ٤/ ص ٣٨٣/ ح ٥٨٣٣).
(٣٩١) الكافي (ج ٣/ ص ٢٢٢/ باب الكتمان/ ح ٤).

(٢٩٣)

بحكمة وعصمة صاحب الشريعة سبحانه وتعالى ومن أوكلهم عنه من النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) والأئمَّة (عليهم السلام).
مناشئ أُخرى باعثة للأمل:
نعم يمكن تلمُّس مبادئ أُخرى لتُؤكِّد للعقل ما قرَّره الشرع من ضرورة الأمل المستمرِّ بالظهور، وإبعاد شبح اليأس عنه، ووثوقه بعقلائيَّة الأمل ومنطقيَّته.
وإليك ذلك:
١ - إذا كانت القدرة الإلهيَّة متساوية النسبة إلى الجميع - كما قرَّره الدليل في محلِّه - فلا مجال لاحتمال العجز على الظهور المهدوي، لأنَّه موكول إلى إرادته سبحانه والقدرة التي لا يُعجِزها ولا يحدُّها شيء.
٢ - أثبتت التجربة والتاريخ على وقوع الأمر الإلهي وإنْ أحاطت به الموانع بدواً، كما في إنزال العذاب الإلهي على الطغاة والأقوام المعاندين للأنبياء (عليهم السلام) كما في هلاك قوم نوح، وقوم لوط، وقوم هود، وثمود، وشعيب (عليهم السلام)، وغيرهم.
فرغم الصبر الإلهي والإمهال الطويل كما عبَّر القرآن الكريم عن دعوة نوح (عليه السلام) التي استمرَّت (٩٥٠ عام): ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ١٤)، ولكن القضاء الإلهي عندما يحين يُعبِّر عنه القرآن الكريم: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (القمر: ٥٠).
ورُوِيَ عن الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) فيما ورد عنه إلى الشيخ المفيد (رحمه الله): «فَلْيَعْمَلْ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْكُمْ بِمَا يَقْرُبُ بِهِ مِنْ مَحَبَّتِنَا، وَيَتَجَنَّبُ مَا يُدْنِيهِ مِنْ كَرَاهَتِنَا وَسَخَطِنَا، فَإِنَّ أَمْرَنَا بَغْتَةٌ فُجَاءَةٌ...»(٣٩٢).

-----------------

(٣٩٢) الاحتجاج (ج ٢/ ص ٣٢٣ و٣٢٤).

(٢٩٤)

وكما في بناء سفينة نوح (عليه السلام) التي استغرقت وفق بعض المرويَّات (٣٠ سنة)، وثمَّ تشييدها على اليابسة في ملابسات غير طبيعيَّة ولا يتعقَّلها عقل أو منطق، ولذلك كانت محطَّ سخرية وتهكُّم قومه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: ٣٦ - ٣٨).
أو محرقة إبراهيم (عليه السلام) التي قُذِفَ إليها بالمنجنيق لسعة وعظمة لهيبها الذي لا يمكن إيصال الهدف إليها إلَّا بحيلة، مخافة التهامها الخطير، ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء: ٦٨ - ٧٠).
حيث لا يتوقَّف إبرام الأمر الإلهي على السُّنَن الطبيعيَّة، كيف ذاك وهو ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: ٨٢)، فكيف يستبعد العقل والحال هذه الظهور المهدوي، ويتمسَّك باليأس منه، لكونه أكثر دلالة وحجَّة؟!
٣ - التفسير العلمي والفلسفي والكلامي لكلِّ ما يُحتمَل كونه مانعاً من تعقُّل الظهور، كما في غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) منذ مئات السنين، وما يستدعي ذلك أيضاً طول عمره الشريف، فيلزم استهجان بقاء حياته بعد كلِّ تلك السنين، وبإزالة الغموض أو التوهُّمات في استحالة الوقائع الآنفة يتَّضح عدم العلاقة بين اليأس والعقل والمنطق، وإنَّما هي مشاكل نفسيَّة وشُبُهات فكريَّة.

(٢٩٥)

جواب الاستفهام الثالث، وهو: ما هي غاية الظهور؟
ذكرنا سابقاً(٣٩٣) ببلوغ نهاية التاريخ الاستقرار العالمي والانضباط والأمن والأمان، من خلال الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) (وفق عقيدتنا)، وهو المصلح الذي تبلغ به البشريَّة الكمال المترقَّب لها، وفيما نحن بصدده هاهنا هو البيان التفصيلي لتلك النتائج المجملة والتي قرَّرنا مقدَّماتها التصوُّريَّة أيضاً فيما سبق(٣٩٤)، ليبقى تشخيص أبعاد تلك الغاية من خلال التساؤلات الفرعيَّة للاستفهام الثالث المطروق هنا، وبالتسلسل التالي:
التساؤل الأوَّل: فكرة المجتمع المعصوم ونقدها:
هل إنَّ غاية ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) هو تهيئة المقدَّمات والأسباب الموجبة لوصول المجتمع إلى كماله والعصمة، وبالتالي يصير مؤهَّلاً إلى الانفكاك والاستغناء عن قيادة الإمام المعصوم (عجَّل الله فرجه)، فيحكم نفسه بنفسه؟ وهي نظريَّة (المجتمع المعصوم)؟
لقد تبنَّى البعض (فكرة المجتمع المعصوم) المترشَّحة من حكومة الأولياء الصالحين، وبالبيان التالي:
أخرج في (البحار) نقلاً عن (غيبة الشيخ) عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) عن آبائه، عَنْ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) فِي اَللَّيْلَةِ اَلَّتِي كَانَتْ فِيهَا وَفَاتُهُ لِعَلِيٍّ (عليه السلام): يَا أَبَا اَلْحَسَنِ، أَحْضِرْ صَحِيفَةً وَدَوَاةً، فَأَمْلَى رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) وَصِيَّتَهُ حَتَّى اِنْتَهَى [إِلَى] هَذَا اَلمَوْضِعِ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ إِمَاماً، وَمَنْ بَعْدَهُمْ اِثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا، فَأَنْتَ يَا عَلِيُّ أَوَّلُ اَلْاِثْنَيْ عَشَرَ اَلْإِمَامِ...»،

-----------------

(٣٩٣) راجع البحث الخامس (ص ١١٩).
(٣٩٤) راجع البحث التاسع (ص ٢٧٨) الجهة الثالثة منه؛ وهذا البحث (في جواب القضيَّة الأُولى).

(٢٩٦)

وَسَاقَ اَلْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: «وَلْيُسَلِّمْهَا اَلْحَسَنُ (يعني الإمام العسكري) (عليه السلام) إِلَى اِبْنِهِ مُحَمَّدٍ اَلمُسْتَحْفَظِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صَلَى اَللهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ)، فَذَلِكَ اِثْنَا عَشَرَ إِمَاماً، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِ اِثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا، فَإِذَا حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَلْيُسَلِّمْهَا إِلَى اِبْنِهِ أَوَّلِ اَلمَهْدِيِّينَ، لَهُ ثَلَاثَةُ أَسَامِي: اِسْمٌ كَاسْمِي وَاِسْمِ أَبِي وَهُوَ عَبْدُ اَلله، وَأَحْمَدُ، وَاَلْاِسْمُ اَلثَّالِثُ اَلمَهْدِيُّ، وَهُوَ أَوَّلُ اَلمُؤْمِنِينَ»(٣٩٥)، وسيكون بعد موت الإمام (عجَّل الله فرجه) أولياء يُمثِّلون دور الحُجَج يعملون بنظامه (عجَّل الله فرجه) إلى نهاية البشريَّة، وهو ما يُراد من قوله: (إنَّه ليس بعد دولة المهدي (عجَّل الله فرجه) دولة)، أي منظومة الحكومة المهدويَّة ستبقى حاكمة ونافذة عالميًّا.
وكذلك فإنَّ أخبار الأولياء قابلة للإثبات، ومنه نقول: إنَّ إحدى الوظائف الرئيسيَّة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعد ظهوره هو تأسيس القواعد العامَّة المركَّزة والبعيدة الأمد لتربية البشريَّة في الخطِّ الطويل، تربية تدريجيَّة لكي تصل إلى المجتمع المعصوم، وهذه التربية لن يأخذ بزمامها إلَّا الإنسان الصالح حين يصبح رئيساً للدولة، ومثل هذا الرجل لا يعرفه إلَّا الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ولذلك سيقوم بتعيينه كوليِّ عهد خلال حياته - رُبَّما في العام الأخير من عمره الشريف -، ليكون بعد ذلك هو الرئيس الأعلى للدولة العالميَّة العادلة بعده، والحاكم الأوَّل لفترة حكم (الأولياء الصالحين).
يرجع ذلك إلى أنَّ البشريَّة كلَّها مهما كانت قد سارت بخطوات نحو التكامل، إلَّا أنَّه لم يصل إلى درجة العصمة، وبقيت هنا وهناك في أطراف العالَم مجتمعات متخلِّفة عن الركب، وسيكون حكم الأولياء الصالحين فترة تمهيديَّة أو انتقاليَّة يُوصِل المجتمع العالمي إلى عصر العصمة، حيث يكون الرأي العامُّ المتَّفق

-----------------

(٣٩٥) بحار الأنوار (ج ٥٣/ ص ١٤٧ و١٤٨/ ح ٦)، عن الغيبة للطوسي (ص ١٥٠ و١٥١/ ح ١١١). وهناك روايات أُخَر شبيهة لما اخترناه من بين ما ذكره صاحب النظريَّة.

(٢٩٧)

معصوماً، وستوكل الرئاسة إلى الانتخاب أو الشورى، حيث يكون الأفراد كلُّهم من ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ...﴾ (الشورى: ٣٦ - ٣٨)، وستوضع الشورى موضع التنفيذ، وببدء الشورى يكون عصر حكم الأولياء الصالحين قد انتهى، ولكن الحُكَّام الجُدُد المنتخبين سيكونون أولياء صالحين أيضاً، فالحاكم المنتخب سيكون في ضمن مجتمع رأيه العامُّ معصوماً (بالعصمة غير الواجبة)(٣٩٦).
نقد الفكرة:
ولكن لا يسعنا قبول تلك النظريَّة لأسباب أهمّها:
١ - لم تُحدِّد النظريَّة نقطة بلوغ البشريَّة لتُمثِّل مسار الغاية، فإنَّ فرض البقاء إلى ما شاء الله بنحو مُبهَم (وكأنَّ الهدف هو البقاء أطول فترة ممكنة بعد الظهور تعويضاً عن الفترة القاسية الطويلة التي مرَّت بها البشريَّة فيما قبل الفرج بالظهور) منافٍ للحكمة الإلهيَّة، ولا يناسب فرض الغاية للخلق التي يُعيَّن واقعها الانتهاء بمجرَّد البلوغ.
٢ - فرض النظريَّة تحقيق غرض الخلقة (كمال المجتمع وعصمته) على يد غير المعصوم (عجَّل الله فرجه) وهو الأدنى، فكيف يتقدَّم الأدنى على الأشرف في إصابة شرافة الغاية، وهل إنَّ الأدنى قادرٌ على تحقيق الأشرف؟
٣ - استناد النظريَّة على جملة من الروايات الضعيفة الساقطة عن الاعتبار، من قبيل ما أوردناه عنها في التقرير برواية (أوَّل المهديِّين).
حيث يرد عليها:

-----------------

(٣٩٦) ملخَّص ما ذُكِرَ في: موسوعة الإمام المهدي (عليه السلام)، تاريخ ما بعد الظهور (ج ٣/ ص ٦٤٠/ القسم الثالث: العالم بعد المهدي (عليه السلام)).

(٢٩٨)

أ - ضعف السند(٣٩٧)، لاعتمادها على مجاهيل، وهم: (عليُّ بن سنان الموصلي العدل، عليُّ بن الحسين، أحمد بن محمّد بن الخليل، جعفر بن أحمد المصري، عمُّه الحسن بن عليٍّ، عن أبيه).
ب - عدم اتِّفاق مضمون الرواية (اثنا عشر مهديًّا) مع الروايات المتواترة، نعم ورد هذا المضمون في روايات آحاد، وهي لا تعتمد عليها عقيدة.
ج - تخلخل معنى الرواية وعدم استقامته، حيث افترضت كون القائل هو النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) ويقول (صلَّى الله عليه وآله) على أوَّل المهديِّين: «لَهُ ثَلَاثَةُ أَسَامِي: اِسْمٌ كَاسْمِي وَاِسْمِ أَبِي»، فيكون اسم أوَّل مهدي (محمّد بن عبد الله)، والمفروض أنَّه ابن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فكيف يكون ابن عبد الله؟!
٤ - تعارضها مع مضمون روايات الرجعة(٣٩٨) البالغة الشهرة والتواتر.
٥ - لم تُبيِّن النظريَّة علَّة عجز الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عن إبلاغ أُطروحته لكلِّ أجزاء المعمورة والتأثير التامِّ فيهم، وبخلافه قدرة المهديِّين من بعده؟ فلماذا اقتصرت عوامل القوَّة والقدرة عليهم دونه (عجَّل الله فرجه)؟!
التساؤل الثاني: عقيدة الرجعة:
في نفس السياق السابق من الاستفهام عن غاية الظهور المبارك، وهل كونه شاملاً لتهيئة مقدَّمات دولة العدل فقط، ثمّ يُكمِل ما ابتدأه (عجَّل الله فرجه) غيره من الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) - بعد تضعيف فرض النظريَّة السابقة -، أو أنَّه يُشرِع في تأسيس دولته العادلة فعلاً ويحفظ ديمومتها بقيَّة المعصومين (عليهم السلام) باعتبار

-----------------

(٣٩٧) سند الرواية الذي أورده الشيخ الطوسي (رحمه الله) في كتاب (الغيبة): (أخبرنا جماعة، عن أبي عبد الله الحسين بن عليِّ بن سفيان البزوفري، عن عليِّ بن سنان الموصلي العدل، عن عليِّ بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن الخليل، عن جعفر بن أحمد المصري، عن عمِّه الحسن بن عليٍّ، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن أبيه الباقر...).
(٣٩٨) ورد مجموعة من الإشكالات عليها، وسنتعرَّض لردِّها في القادم من البحث.

(٢٩٩)

انحصار الخلود بواجب الوجود (عزَّ وجلَّ)، وغيره خاضع للسُّنَّة الإلهيَّة: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القَصَص: ٨٨).
جاءت عقيدة الرجعة لتُقدِّم أيديولوجيَّة تعالج متعلَّقات الظهور المبارك، وترسم مشخَّصات معيَّنة لغايته، وإليك تفاصيل ذلك:
تعتقد الشيعة بتحقُّق رجعة البعض إلى الحياة الدنيا بعد موتهم، قال الشيخ المفيد (رحمه الله): (اتَّفقت الإماميَّة على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، وإنْ كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف)(٣٩٩).
ليكون ذلك معاصراً للظهور المبارك على اختلافٍ في توقيته الفعلي، فقد ذهب بعض إلى كونه حاصلاً قبل الظهور بأشهُر، حيث يرجع البعض (ممَّن محض الإيمان أو محض الكفر) ليكون ذلك موطِّئاً للظهور المبارك ومؤيِّداً له، روى القمِّي (رحمه الله) بسند صحيح عَنِ اِبْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) يَقُولُ: إِذَا سَأَلْتُمُ اَللهَ فَاسْأَلُوهُ اَلْوَسِيلَةَ...»، قَالَ: «فَيَخْلُقُ اَللهُ خَلْقاً يَوْمَئِذٍ يَمْلَأُ بِهِمُ اَلْجَنَّةَ»، قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «طُوبَى لَهُمْ إِنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا غُمُومَ اَلدُّنْيَا وَهُمُومَهَا...، قَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾»، قَالَ: «يُنَادِي اَلمُنَادِي بِاسْمِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام) وَاِسْمِِ أَبِيهِ (عليه السلام)، قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤١ و٤٢]»، قَالَ: «صَيْحَةُ اَلْقَائِمِ مِنَ اَلسَّمَاءِ، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾»، قَالَ: «هِيَ اَلرَّجْعَةُ»(٤٠٠).
وقد فسَّروا هذه الرواية بقولهم: بحسب هذا البيان للآية تطابق يوم الصيحة السماويَّة للظهور من يوم خروج الأموات من القبور راجعين إلى الدنيا أي بدء وقوع الرجعة.

-----------------

(٣٩٩) أوائل المقالات (ص ٤٦).
(٤٠٠) تفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٣٢٤ - ٣٢٧).

(٣٠٠)

وروى الشيخ المفيد (رحمه الله) في (الإرشاد) عن الإمام الصادق (عليه السلام): «... وَإِذَا آنَ قِيَامُهُ مُطِرَ اَلنَّاسُ جُمَادَى اَلْآخِرَةَ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ رَجَبٍ مَطَراً لَمْ يَرَ اَلْخَلَائِقُ مِثْلَهُ، فَيُنْبِتُ اَللهُ بِهِ لُحُومَ اَلمُؤْمِنِينَ وَأَبْدَانَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُقْبِلِينَ مِنْ قِبَلِ جُهَيْنَةَ يَنْفُضُونَ شُعُورَهُمْ مِنَ اَلتُّرَابِ»(٤٠١).
واستدلُّوا بهذه الرواية وأمثالها أنَّ زمن الظهور واقع بعد الرجعة، لوجود توقيتات لظهوره المبارك في زمن متأخِّر عن (جمادي ورجب) كما في رواية اَلْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلْكُوفِيِّ، عَنْ وُهَيْبِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): «يُنَادَى بِاسْمِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام) فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَيَقُومُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ اَلْيَوْمُ اَلَّذِي قُتِلَ فِيهِ اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام)...»(٤٠٢).
ولكن ذهب آخرون إلى تحقُّقها بعد الظهور المبارك من خلال دلالة روايات أُخرى: سُئِلَ اَلْإِمَامُ اَلصَّادِقُ (عليه السلام) عَنِ اَلرَّجْعَةِ أَحَقٌّ هِيَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَوَّلُ مَنْ يَخْرُجُ؟ قَالَ: «اَلْحُسَيْنُ (عليه السلام)، يَخْرُجُ عَلَى أَثَرِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)»، قُلْتُ: وَمَعَهُ اَلنَّاسُ كُلُّهُمْ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ كَمَا ذَكَرَ اَللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ: ١٨]، قَوْماً بَعْدَ قَوْمٍ»(٤٠٣).
وَعَنْهُ (عليه السلام): «وَيُقْبِلُ اَلْحُسَيْنُ (عليه السلام) فِي أَصْحَابِهِ اَلَّذِينَ قُتِلُوا مَعَهُ...، فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ اَلْقَائِمُ (عليه السلام) اَلْخَاتَمَ، فَيَكُونُ اَلْحُسَيْنُ (عليه السلام) هُوَ اَلَّذِي يَلي غُسْلَهُ وَكَفْنَهُ وَحَنُوطَهُ وَيُوَارِي بِهِ فِي حُفْرَتِهِ»(٤٠٤).

-----------------

(٤٠١) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٨١).
(٤٠٢) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٧٩).
(٤٠٣) مختصر بصائر الدرجات (ص ٤٨).
(٤٠٤) مختصر بصائر الدرجات (ص ٤٨ و٤٩).

(٣٠١)

وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «وَاَلله لَيَمْلِكَنَّ رَجُلٌ مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَيَزْدَادُ تِسْعاً»، قَالَ: قُلْتُ: فَمَتَى ذَلِكَ؟ قَالَ: «بَعْدَ مَوْتِ اَلْقَائِمِ»، قَالَ: قُلْتُ: وَكَمْ يَقُومُ اَلْقَائِمِ فِي عَالَمِهِ حَتَّى يَمُوتَ؟ قَالَ: «تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً...»(٤٠٥).
ويمكن أنْ يُجمَع بين الروايات برجوع بعض الأموات من غير المعصومين (عليهم السلام) قبل الظهور، ومن ثَمَّ بعد قيام المهدي (عجَّل الله فرجه) يرجع بعض المعصومين (عليهم السلام) أو كلُّهم بحسب اختلاف الروايات في ذلك.
ثمّ إنَّه (عجَّل الله فرجه) سيكون له أمدٌ محدودٌ في حكمه ويليه الأئمَّة المعصومون (عليهم السلام) لاستمرار قيادة دولة العدل التي أرسى قواعدها وشيَّد أركانها بعد أنْ هيَّأ مقدَّماتها حتَّى أوصلها إلى النتيجة المرجوَّة عند الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام) والأولياء.
فلسفة الرجعة:
في التقدير الإلهي ليس بالضرورة اكتشاف ما بإزائه من مصلحة، فيمكن قبوله دون كشف الأسرار اعتماداً على حكمة الربِّ سبحانه وتعالى، فكما توقَّفت الكثير من الأوامر التشريعيَّة والتكوينيَّة في خانة المجاهيل بالنسبة إلى الإنسان، فلا مانع أنْ تكون قضيَّة الرجعة من بين ذلك أيضاً، ولكن يمكن أنْ يُتوجَّس فيها بعض الاحتمالات المرتبطة بالقضيَّة المهدويَّة، وذلك:
١ - دعم المشروع المهدوي من خلال تأييده بالخوارق، حيث رجوع أموات لهم ثقلهم الاجتماعي ممَّا يخلق داعويَّة على الخضوع للقضيَّة المهدويَّة.
٢ - إدامة الحكومة العادلة بعد فرض موت المعصوم (عجَّل الله فرجه) ليأتي خليفةً له (عجَّل الله فرجه) بنفس المواصفات والقيادة الربَّانيَّة المعصومة، فإنَّ البشريَّة طال انتظارها واستضعافها وإذلالها واستنزاف طاقاتها ممَّا يُؤيِّد فكرة ضرورة بقاء الحكم

-----------------

(٤٠٥) تفسير العيَّاشي (ج ٢/ ص ٣٢٦/ ح ٢٤).

(٣٠٢)

العادل لإحداث تناسب بين العهدين، ولا سبيل إلى ذلك إلَّا بخيارين: إمَّا خلود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) (وذلك محال)، وإمَّا إرجاع المعصومين (عليهم السلام) لإمساك المعصوم بزمام المقدَّرات البشريَّة (وذلك هو بالرجعة).
٣ - تحقيق غرض الخلقة لبعض الموجودات، (وذلك ممَّن محضوا الإيمان أو الكفر محضاً ليكون ذلك مسوِّغاً لنيل منزلة الرجعة)، وهو تحقيق الكمال الإنساني اللَّائق بهم، وذلك لعدم اتِّساع آجالهم لذلك بسبب القتل أو الموت الذي تعرَّضوا له أوَّلاً، ولكون الحكومة المهدويَّة منظومة متكاملة في الاقتدار على إثارة النفوس وتهيئة عوامل إخراج المواهب من حيِّز القوَّة إلى الفعل.
التساؤل الثالث: تصوُّرات لنهاية التاريخ:
إنَّ التصوُّرات لنهاية التاريخ والكون بعد الظهور المبارك لصيرورته غايةً بها يُدرَك المأمول، يتوقَّف على إدراك التالي:
أوَّلاً: الغاية (سُنَّة إلهيَّة).
ثانياً: خاتميَّة الولاية للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
ثالثاً: مقتضيات الحكمة الإلهيَّة.
أوَّلاً: الغاية (سُنَّة إلهيَّة):
تستدعي مقولة الحكمة تحديد غايات لكلِّ فعل، ومن هنا أُطلِقَ بحث في محلِّه (أفعال الله سبحانه معلَّلة بالغايات)، وقد تمَّ هناك التفصيل في معنى الغاية، وأنَّها غاية الفعل وليس الفاعل، وذلك لتنزيهه سبحانه عن النقص والحاجة إلى الغاية.
وليس بحثنا هنا في هذه الجهات، وإنَّما نُخصِّص الكلام فيما يرتبط بالشأن المهدوي، وعليه ينبغي معرفة أنَّ لحاظ الغاية متعدِّد، فقد يكون:
أ - الغاية من المنظومة التكوينيَّة.

(٣٠٣)

ب - الغاية من خلق الإنسان.
ج - الغاية من النبوَّة والإمامة.
إنَّ جميع هذه الغايات ترتبط ببعضها وتُؤلِّف نسيجاً محكماً، رغم كونها متغايرة عن بعضها البعض، وقد تكلَّمنا فيما سبق عن غاية الإنسان والخلافة الإلهيَّة - فراجع -، وما يعنينا هنا هو الغاية من المنظومة التكوينيَّة، والتي تعتبر الإنسان المجموعي هو أحد أجزائها.
وتعمد الرؤية الكونيَّة الدِّينيَّة إلى رسم مسار لكلِّ موجود كوني يضمن الانسجام والترابط مع بقيَّة الأجزاء، فلكلِّ موجود كمال خاصٌّ به، ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ...﴾ (السجدة: ٧)، حتَّى يتمثَّل الكون أجمع بمقولة (ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان)(٤٠٦)، ليعتبر الكون وحدة مترابطة متناسقة يُؤثِّر كلٌّ منها بالآخر ليبلغ به أرقى معان الجمال والكمال والإبداع.
وقد ورد في (تفسير الميزان): (قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، الآية بظاهر لفظها عامَّة لا تختصُّ بزمان دون زمان أو بمكان أو بواقعة خاصَّة، فالمراد بالبرِّ والبحر معناهما المعروف، ويستوعبان سطح الكرة الأرضيَّة.
والمراد بالفساد الظاهر المصائب والبلايا الظاهرة فيهما الشاملة لمنطقة من مناطق الأرض من الزلازل وقطع الأمطار والسنين والأمراض السارية

-----------------

(٤٠٦) عبارة منسوبة للفيلسوف الإسلامي (أبي حامد الغزالي) تعبيراً عن الرضا بحكمة الله تعالى في خلقه، وللتأكيد على أنَّ ما قدَّره الله هو الأفضل في إطار علمه وحكمته المطلقين، وهو معنى إيجابي، بخلاف ما فهمه البعض من معنى سلبي استدعى إشكاله على الشيخ الغزالي، ونحن بالتأكيد لا نريد ذلك المعنى السلبي المنفِّر.

(٣٠٤)

والحروب والغارات وارتفاع الأمن، وبالجملة كلُّ ما يُفسِد النظام الصالح الجاري في العالم الأرضي سواء كان مستنداً إلى اختيار بعض الناس أو غير مستند إليه. فكلُّ ذلك فساد ظاهر في البرِّ أو البحر مخلٌّ بطيب العيش الإنساني.
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، أي بسبب أعمالهم التي يعملونها من شرك أو معصية، وقد تقدَّم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرضِ﴾ (الأعراف: ٩٦)، وأيضاً في مباحث النبوَّة... أنَّ بين أعمال الناس والحوادث الكونيَّة رابطة مستقيمة يتأثَّر إحداهما من صلاح الأُخرى وفسادها)(٤٠٧).
إذن تُعتبَر الرؤية الكونيَّة الدِّينيَّة أيديولوجيا ذات مميِّزات، من قبيل: قدرتها في الإثبات العقلي المنطقي والفلسفي، وكونها تُقدِّر الحياة بطابع قيمي وترفض العبثيَّة واللَّاهدفيَّة، عندئذٍ تفرض الحيويَّة والتفاؤل وأمل الأهداف في النفس الإنسانيَّة، وتفرض احترام المجتمع الإنساني وضرورة الالتزام بالواجب والحقوق فيما بينهم، فيُعزِّز ذلك مسؤوليَّة الفرد والمجتمع ليعيش العالَم انضباطاً مستقيماً يتَّجه نحو قِبلة الخالق سبحانه.
إنَّ هذا يدلُّ على معنى (الانسجام بين الإرادة التكوينيَّة والتشريعيَّة)، وهو الانسجام بين المشيئة الإلهية التي بها أوجد الله الكون وكلَّ ما فيه بنظامٍ محكم وقوانين طبيعيَّة، (مثل قوانين الفيزياء والكيمياء والأحياء وغيرها من العلوم الطبيعيَّة)، وبين الإرادة الإلهيَّة المتعلَّقة بالتشريعات الدِّينيَّة التي أنزلها سبحانه وتعالى على يد الأنبياء والمرسَلين (عليهم السلام) وحفظها الأئمَّة والأوصياء (عليهم السلام)، والغاية من ذلك هو التأكيد على عدم عبثيَّة التشريع، وتوافقه مع النظام الفطري للإنسان والنظام الكوني في كلِّ أبعاده. وفي حال الصدق والانطباق - بينهما -

-----------------

(٤٠٧) تفسير الميزان (ج ١٦/ ص ١٩٥ و١٩٦).

(٣٠٥)

تؤول النتيجة إلى استقرار أجزاء الكون والتوازن المرغوب وتحقيق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرضِ﴾ (الأعراف: ٩٦).
ومن الواضح أنَّ تلك الغاية لم تتحقَّق منذ خلق آدم (عليه السلام) وإلى الآن ليبقى الخلق بمنظومته منتظراً من خالقه تحقيق ما لأجله خُلِقَت المنظومة الكونيَّة بتفاصيلها.
عندئذٍ يأتي الحديث عن الغاية من بعثة الأنبياء (عليهم السلام) ونصب الأوصياء (عليهم السلام) في سياق تحقيق الغاية للكون.
الغاية من النبوَّة والإمامة:
لا نُكرِّر الحديث في أهداف النبوَّة لما مرَّ سابقاً بيانه(٤٠٨)، ولكن نقتصر على التأكيد في خصوص متعلَّق البحث هنا، وهو أنَّ أولياء الله سبحانه الصالحين لما يلحظه ربُّ التكوين والتشريع من اقتدار فيهم على تحقيق الإرادة الإلهيَّة أوكل إليهم شأن الخليقة لبلوغ الهدف ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ...﴾ (الأنعام: ١٢٤)، فبعث في أُمَّتنا نبيِّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله) وجعل الأئمَّة (عليهم السلام) من بعده لإكمال المهمَّة التي أُنيط بها فعَمِلَ الاثنا عشر بوظيفة واحدة وفق حلقات تكامليَّة مُترتِّبة طوليًّا للوصول إلى نتيجة مشروعهم الإلهي الواحد على يد الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، فيُحقِّق غاية النظام الكوني الذي عبَّر عنه القرآن الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦).
فالغاية سُنَّة إلهيَّة ثابتة في خلايا مملكته، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ (فاطر: ٤٣).

-----------------

(٤٠٨) تقدَّم في البحث الثالث (ص ٥٧/ المحور الثاني: ضرورة بعثة الأنبياء (عليهم السلام)).

(٣٠٦)

ثانياً: خاتميَّة الولاية للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
مرَّ الكلام فيما تقدَّم(٤٠٩) عن معنى الخاتميَّة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وإليك مزيد من البيان:
تعتمد هذه الرؤية على أنَّ للإمام القائم (عجَّل الله فرجه) مقاماً يستدعي تحقيق غرض خلق المنظومة الكونيَّة دون سواه، وذلك مقام الولاية العظمى الخاتمة.
ويرى بعض الأعلام أنَّ الولاية هي السبيل لمعرفة الحضرة الإلهيَّة والوصول إلى القرب الإلهي، لأنَّه سبحانه قد جعل اسمه (الظاهر والباطن) في وليِّه، فكان (عجَّل الله فرجه) حقيقة باطنه وصورة ظاهره، لتكون الولاية بذلك جهة لقبول الفيض منه سبحانه، والإمامة جهة إيصال الفيض إلى الخلق.
لقد ألقى الباري سبحانه مقادير الأُمور إلى وليِّه الأعظم ليخلفه في التصرُّف في المُلك والملكوت، وأجازه في التصرُّف وخزائن ملكه وملكوته.
ويأخذ مقام الولاية التأييد والقوَّة والقدرة وكلَّ ما يفيضه سبحانه عليه من الباطن، فلا يمكن لسائر خلقه وبما فيهم بقيَّة الأولياء الوصول إلى الله سبحانه إلَّا بفضل وجهد الولاية، وهي المرتبة الأخيرة من المراتب، ويُسمَّى صاحبها بـ (خاتم الأولياء)، فيكون مقامه أقرب المقامات.
وفي ذلك قالوا: إنَّ الله سبحانه يحفظ بالوليِّ خلقه كما يحفظ الختمُ الخزائنَ.
وبذلك يبقى العالم محفوظاً ببركة الخليفة.
وقيل أيضاً: إنَّ (الخاتم هو الذي قطع المقامات بأسرها، وبلغ نهاية الكمال...، ويختلُّ بموته نظام العالم، وهو المهدي الموعود في آخر الزمان)(٤١٠).
وجاء في كتاب (شرح الأسماء الحسنى): (وقد ظهر وجه تسميته بالخاتم

-----------------

(٤٠٩) راجع البحث الخامس (ص ١٣٣).
(٤١٠) اصطلاحات الصوفيَّة (ص ٢٤).

(٣٠٧)

من كونه غاية للكلِّ...، وهنا وجه آخر للتسمية، وهو أنَّ كلَّ كمال وجمال وجلال فيما دونه خزانتها عنده...)(٤١١).
وينبغي الالتفات إلى لحاظين في مقام ولاية الختم:
١ - أنَّ الولاية المطلقة عبارة عن مرتبة جامعة لجميع أسمائه وصفاته تعالى، فتكون مرتبة حائزة على الاسم الأعظم.
٢ - أنَّ الله سبحانه جعل الواسطة سُنَّة للتجلِّي إلى خلقه، ولذلك كان جبرئيل (عليه السلام) واسطة بينه سبحانه وبين أنبيائه (عليهم السلام)، والأنبياء (عليهم السلام) واسطة بينه وبين مخلوقاته، فكذلك كان الوليُّ الخاتم واسطة بينه سبحانه وبين أوليائه.
وليس الختم بمعنى الأخير زماناً فقط، وإنَّما هو المستوفي لمقام العيان على أساس الخاتم بمراتب الشرف والكمال.
واستشهد العرفاء على أنَّ خاتم الأنبياء والرُّسُل هو محمّد (صلَّى الله عليه وآله) بنصوص منها: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اَللهُ رُوحِي»(٤١٢)، «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اَللهُ نُورِي»(٤١٣)، وذكرنا فيما سبق نصوصاً أُخرى على هذا المعنى، وفي هذا المعنى قالوا: (إنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) قبل أنْ يأتي إلى هذا العالم كان نبيًّا، وخاتم الأنبياء باعتباره الصادر الأوَّل، ليقوم بأمرين: يقبل الفيض من الله بالولاية، ويوصله إلى الخلق بالنبوَّة، فالولاية باطن النبوَّة...)(٤١٤).
فيكون معنى خاتم الأنبياء أنَّ مرجع جميع الأنبياء والرُّسُل (عليهم السلام) إليه (صلَّى الله عليه وآله)، كونه وجوداً في عالم الأرواح قبل وجوده المادِّي الدنيوي، (وقد ورد

-----------------

(٤١١) شرح الأسماء الحسنى للسبزواري (ص ٢٠٣).
(٤١٢) ينابيع المودَّة (ج ١/ ص ٤٥/ ح ٤).
(٤١٣) المصدر السابق.
(٤١٤) الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٨٧٦).

(٣٠٨)

أنَّه (صلَّى الله عليه وآله) بُعِثَ وهو روح إلى الأنبياء (عليهم السلام) وهم أرواح فدعاهم إلى التوحيد)، وأنَّ سائر الأنبياء (عليهم السلام) لا يصلون إلى مراتب الحقِّ سبحانه إلَّا من خلال مقام ولاية النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، فهو الذي يمدُّهم من الباطن، لأنَّه (صلَّى الله عليه وآله) المظهر لأسماء الله جميعاً لامتلاكه الاسم الأعظم لكونه خاتم الأنبياء (عليهم السلام).
وهذا المعنى من الخاتميَّة يأتي في خاتم الأولياء، والذي يكون رجوع جميع الأولياء والأوصياء إليه، عدا مَنْ أخرجهم النصُّ وهم أهل الكساء، وهو الذي يفيض على أرواحهم وأنفسهم ما شاء الله من العلوم والمعارف والحقائق، وهو مقام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فهو خاتم الأوصياء (عليهم السلام)، فَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْعَلَوِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي طَرِيفٌ أَبُو نَصْرٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى صَاحِبِ اَلزَّمَانِ (عليه السلام)، فَقَالَ: «عَلَيَّ بِالصَّنْدَلِ اَلْأَحْمَرِ»، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَتَعْرِفُنِي؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، فَقُلْتُ: أَنْتَ سَيِّدِي وَاِبْنُ سَيِّدِي، فَقَالَ: «لَيْسَ عَنْ هَذَا سَأَلْتُكَ»، قَالَ طَرِيفٌ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِيَ اَللهُ فِدَاكَ، فَبَيِّنْ لِي، قَالَ: «أَنَا خَاتَمُ اَلْأَوْصِيَاءِ، وَبِي يَدْفَعُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) اَلْبَلَاءَ عَنْ أَهْلِي وَشِيعَتِي»(٤١٥).
وقد بيَّنَّا فيما سبق ما ينفع في هذا المقام - فراجع -، وذكرنا أنَّ الحكمة الإلهيَّة تستدعي القول بذلك، فإنَّ الملاك في اختيار الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حاملاً لمشروع القيام، وإنشاء دولة العدل إنَّما هو (الحكمة الإلهيَّة بمعيَّة العلم بحيثيَّة تقييديَّة)(٤١٦).
ويمكن الإطناب في ذلك من خلال مقولة: (عالم المُلك وعالم الملكوت)(٤١٧)، فإنَّهما عالَمان متغايران ولكن لأحدهما - الملكوت - تأثير في الآخر

-----------------

(٤١٥) كمال الدِّين (ص ٤٤١/ باب ٤٣/ ح ١٢).
(٤١٦) راجع البحث الخامس (ص ١٣٧/ التمييز بين صفتي العلم والحكمة...).
(٤١٧) عالم المُلك هو العالم المادِّي الذي نعيش فيه ونُدرِكه بالحواسِّ الخمسة، ويُعرَف بعالم الشهادة، ويعتمد على القوانين الفيزيائيَّة والطبيعيَّة، ومن أهمّ صفاته أنَّه محدود بالزمكان، ويتَّسم بالتغيُّر والفناء.
أمَّا عالم الملكوت: هو العالم الغيبي، ويُدرَك بالقلب وبالبصيرة، ويُنظَر إليه أنَّه عالم الأرواح والمعاني، ويشمل الملائكة والأرواح والغيب الذي لا يُدرَك بالحواسِّ، وأهمُّ صفاته عدم المحدوديَّة بالزمكان، والبقاء والدوام.

(٣٠٩)

- المُلك - بنحوٍ يرسم الخارطة للأحداث الاستراتيجيَّة لهذا العالَم.
نعم، ليس بينهما تطابق من جميع الجهات، مثلاً: وجود النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) الذي سأل عنه جابر بن عبد الله عندما قال للنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله): أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَ اَللهُ تَعَالَى مَا هُوَ؟ فَقَالَ: «نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ، خَلَقَهُ اَللهُ ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ كُلَّ خَيْرٍ»(٤١٨)، في حين أنَّه (صلَّى الله عليه وآله) كان في عالم المُلك متأخِّراً عن وجود الأنبياء والمرسَلين (عليهم السلام)، إذن العلاقة بين المُلك والملكوت وطيدةٌ ولكن ليست بنحو العينيَّة، فكلُّ ما للأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) من مناصب وأدوارٍ في العالَم المُلكي إنَّما تفرَّع على وجود مزيَّة في العالم الملكوتي من سنخ المرتبة والمنزلة التي يتمتَّع بها المعصوم في هذا العالم - لا يزيد ولا ينقص -. نعم لهذا العالم قوانين مادّيَّة تحكمه استدعت كون السفير السماوي ذا جسدٍ ومادَّةٍ متفاعلاً مع قوانين الطين، قال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (إبراهيم: ١١)، ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٨).
لذلك كان للنبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) منزلة الخاتميَّة للدِّين الأكمل لما له من منزله ودرجة وشرافة، فكان له التأثير النوراني في بقيَّة الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) وغيرهم، ليكون هو واسطة الفيض بينه سبحانه وبين بقيَّة الوجودات، والوجودات النورانيَّة، وكلُّ ذلك في عالم الأرواح. نعم يخلفه فيما بعد واسطة الفيض للعالم المادِّي المسانخ له وفي كلِّ زمان حجَّة الذي عبَّرت عنه الرواية: «إِنَّ اَلْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ...»(٤١٩).

-----------------

(٤١٨) بحار الأنوار (ج ١٥/ ص ٢٤/ ح ٤٣).
(٤١٩) الكافي (ج ١/ ص ١٧٩/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ٩).

(٣١٠)

وما ذكرناه يأتي في واقع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فهو لولا منزلته ومزيَّته في عالم الأرواح وتقدُّمه فيه على غيره - ما خلا النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وأصحاب الكساء (عليهم السلام) - لما كان خاتماً للأولياء، ولما تحقَّق (غرض خلقة التكوين وإقامة العدل ووصول البشريَّة إلى موافقة إرادتهم التكوينيَّة مع إرادة الله التشريعيَّة) على يديه وببركته.
وتشير الروايات إلى هذا المعنى، فقد ورد في (الغيبة للنعماني)، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي وَعَبْدُ اَلله بْنُ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله): «إِنَّ اَللهَ (عزَّ وجلَّ) اِخْتَارَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ شَيْئاً...»، إلى أنْ قال: «وَتَكْمِلَةُ اِثْنَيْ عَشَرَ إِمَاماً مِنْ وُلْدِ اَلْحُسَيْنِ، تَاسِعُهُمْ بَاطِنُهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُهُمْ، وَهُوَ أَفْضَلُهُمْ، وَهُوَ قَائِمُهُمْ»(٤٢٠).
وعَنْ خَلَّادِ بْنِ اَلصَّفَّارِ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): هَلْ وُلِدَ اَلْقَائِمُ؟ فَقَالَ: «لَا، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَخَدَمْتُهُ أَيَّامَ حَيَاتِي»(٤٢١).
وعنه (عليه السلام) أيضاً: «... وَسَيِّدُنَا اَلْقَائِمُ (صَلَوَاتُ اَلله عَلَيْهِ) مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى اَلْكَعْبَةِ وَيَقُولُ: يَا مَعْشَرَ اَلْخَلَائِقِ، أَلَا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ وَشِيثٍ، فَهَا أَنَا ذَا آدَمُ وَشِيثٌ...»(٤٢٢).

-----------------

(٤٢٠) الغيبة للنعماني (ص ٧٣/ باب ٤/ ح ٧)؛ ذكر الشيخ الطوسي (رحمه الله) في الرسائل العشر (ص ٣٢٣) تأويل للرواية لا يوافق ما قلناه، ولكنَّه تأويل ضعيف.
وقد ذكرنا في (ص ١٣٩) الجمع بين القول بأفضليَّة أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو نفس رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وبين القول بتفوُّق الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في المنزلة.
(٤٢١) الغيبة للنعماني (ص ٢٥٢/ باب ١٣/ ح ٤٦).
(٤٢٢) مختصر بصائر الدرجات (ص ١٨٤).

(٣١١)

وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «... أَمَا إِنِّي لَوْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ لَاسْتَبْقَيْتُ نَفْسِي لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ»(٤٢٣).
ثالثاً: مقتضيات الحكمة الإلهيَّة:
وبالبيان المتقدِّم ظهر أنَّ الغاية للمنظومة التكوينيَّة من مقتضيات الحكمة الإلهيَّة حيث لا يُتصوَّر في حقِّه العبث والإهمال، فكذلك الحال في بعثة الأنبياء (عليهم السلام) وتنصيب الأوصياء (عليهم السلام) لنفس الغرض والفرض المتقدِّم.
وفي السياق ذاته كان فرض تحقيق غرض الخلقة، وإقامة دولة العدل، واتِّحاد الإرادتين (التشريعيَّة والتكوينيَّة) على يد خاتم الأولياء (عجَّل الله فرجه)، إذ لم يكن جزافاً وصدفةً جَعْلَه في مقامٍ تشرئبُّ إليه أعناق الخلائق لإنقاذها من الفساد والضلال إلى أمان الهداية والعدالة المترقَّبة على يديه، وهو الحائز على مقام الولاية الخاتمة.
ولذلك يصعب تصوُّر المعنيين التاليين:
١ - أنَّه (عجَّل الله فرجه) واسطة لتأسيس مقدَّمات الغاية فقط، ثمّ يأتي من بعده مَنْ يُحقِّق (واقع غاية الخلق): ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، سواء كان ذلك بالمجتمع المعصوم، أو الأولياء الصالحين، أو برجعة المعصومين (عليهم السلام).
٢ - بقاء عالم التكوين بعد تحقُّق غايته دون تحديد منتهى له، فإنَّ ذلك الأمد - لبقائه - الذي لا منتهى معلوم له ينافي الحكمة في تعيين الغايات والتي فرضناها فيما سبق سُنَّة إلهيَّة. وكذلك هو منافٍ لمعنى الغاية في حدِّ نفسه، فإنَّ الغاية تعني أنَّ ذا الغاية يُحقِّق التمام والانتهاء ببلوغها، وإلَّا لم يصدق عليها غاية.

-----------------

(٤٢٣) الغيبة للنعماني (ص ٢٨١ و٢٨٢/ باب ١٤/ ح ٥٠).

(٣١٢)

فإذا كان كذلك تعيَّن القول بانتهاء العالَم بمجرَّد بلوغه الهدف المنشود على يدي صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)، ويظهر أنَّ ذلك سيكون بعد إتمام الأمر وموت الإمام (عجَّل الله فرجه) ليفنى العالم فيما بعده، وقد يُستشَفُّ ذلك من بعض الروايات التي تربط بين ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) وعلامات الساعة الكبرى المماثلة لعلامات الظهور المبارك، فقد رُوِيَ في (عيون الحِكَم): «عَشَرَةُ أَشْيَاءَ مِنْ عَلَامَاتِ اَلسَّاعَةِ: طُلُوعُ اَلشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَاَلدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ اَلْأَرْضِ، وَثَلَاثَةُ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ اَلْعَرَبِ، وَخُرُوجُ عِيسَى (عليه السلام)، وَخُرُوجُ اَلمَهْدِيِّ مِنْ وُلْدِي، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَيَكُونُ فِي آخِرِ ذَلِكَ اَلزَّمَانِ خُرُوجُ نَارٍ مِنَ اَلْيَمَنِ مِنْ قَعْرِ اَلْأَرْضِ لَا تَدَعُ خَلْفَهَا أَحَداً تَسُوقُ اَلنَّاسَ إِلَى اَلمَحْشَرِ»(٤٢٤).
وَعَنِ اَلمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ سَيِّدِيَ اَلصَّادِقَ (عليه السلام): هَلْ لِلْمَأْمُولِ اَلمُنْتَظَرِ اَلمَهْدِيِّ (عليه السلام) مِنْ وَقْتٍ مُوَقَّتٍ يَعْلَمُهُ اَلنَّاسُ؟ فَقَالَ: «حَاشَ لِله أَنْ يُوَقِّتَ ظُهُورَهُ بِوَقْتٍ يَعْلَمُهُ شِيعَتُنَا»، قُلْتُ: يَا سَيِّدِي، وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ هُوَ اَلسَّاعَةُ اَلَّتِي قَالَ اَللهُ تَعَالَى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ...﴾ اَلْآيَةَ [الأعراف: ١٨٧]، وَهُوَ اَلسَّاعَةُ اَلَّتِي قَالَ اَللهُ تَعَالَى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢]،... وَقَالَ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا...﴾ اَلْآيَةَ [محمّد: ١٨]...»(٤٢٥).

* * *

-----------------

(٤٢٤) عيون الحِكَم والمواعظ (ص ٣٤٣ و٣٤٤).
(٤٢٥) مختصر بصائر الدرجات (ص ١٧٩).

(٣١٣)

المصادر والمراجع

١ - القرآن الكريم.
٢ - الإبهاج في شرح المنهاج: عليُّ بن عبد الكافي السبكي/ ط ١/ ١٤٠٤هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٣ - اتِّجاه الدِّين في مناحي الحياة: السيِّد محمّد باقر السيستاني/ ط ٢/ ١٤٣٩هـ.
٤ - الاحتجاج: أحمد بن عليٍّ الطبرسي/ تعليق وملاحظات: محمّد باقر الخرسان/ ١٣٨٦هـ/ دار النعمان/ النجف الأشرف.
٥ - الأحكام السلطانيَّة والولايات الدِّينيَّة: عليُّ بن محمّد البغدادي الماوردي/ ط ٢/ ١٣٨٦هـ/ دار التعاون/ مكَّة المكرَّمة.
٦ - إحياء علوم الدِّين: أبو حامد الغزالي/ دار الكتاب العربي/ بيروت.
٧ - إرساء المحكمات وتبديد الشُّبهات في العقيدة المهدويَّة: الشيخ كاظم القره غولي/ ط ١/ ١٤٤١هـ/ مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ النجف الأشرف.
٨ - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقِّ من علم الأُصول: محمّد بن عليٍّ الشوكاني/ تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ دار الكتاب العربي.
٩ - الإرشاد: الشيخ المفيد/ تحقيق: مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام)/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.

(٣١٥)

١٠ - اصطلاحات الصوفيَّة: عبد الرزَّاق الكاشاني/ تحقيق وتصحيح: عاصم إبراهيم الكيالي/ ط ١/ ١٤٢٦هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
١١ - أُصول الحديث: الدكتور عبد الهادي الفضلي/ ط ٣/ ١٤٢١هـ/ مؤسَّسة أُمِّ القرى/ بيروت.
١٢ - أُصول الفقه: محمّد أبو النور زهير/ المكتبة الأزهريَّة للتراث.
١٣ - أعلام الهداية: المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)/ ط ٢/ ١٤٢٥هـ.
١٤ - إعلام الورى بأعلام الهدى: الفضل بن الحسن الطبرسي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث/ قمّ المشرَّفة.
١٥ - أعيان الشيعة: السيِّد محسن الأمين/ تحقيق وتخريج: حسن الأمين/ دار التعارف للمطبوعات/ بيروت.
١٦ - إكمال المعلِّم بفوائد مسلم: عياض بن موسى اليحصبي السبتي/ تحقيق: الدكتور يحيى إسماعيل/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ دار الوفاء/ مصر.
١٧ - الإلهيَّات على هدى الكتاب والسُّنَّة والعقل: الشيخ السبحاني/ ط ٣/ ١٤١٢هـ/ المركز العالمي للدراسات الإسلاميَّة/ قمّ.
١٨ - الأمالي: الشيخ الصدوق/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مركز الطباعة والنشر في مؤسَّسة البعثة/ قمّ.
١٩ - الأمالي: الشيخ الطوسي/ تحقيق: مؤسَّسة البعثة/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ دار الثقافة/ قمّ.
٢٠ - الأُمَّة والإمامة: الدكتور عليّ شريعتي/ مراجعة: حسين عليّ شعيب/ ط ٢/ ١٤٢٨هـ/ دار الأمير للثقافة والعلوم/ بيروت.
٢١ - أنوار الملكوت في شرح الياقوت: العلَّامة الحلِّي/ ط ٢/ ١٣٦٣ش/ الناشر: الشريف الرضي/ قمّ.

(٣١٦)

٢٢ - أوائل المقالات: الشيخ المفيد/ تحقيق: الشيخ إبراهيم الأنصاري/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٢٣ - الإيمان والكفر في الكتاب والسُّنَّة: الشيخ السبحاني.
٢٤ - الأئمَّة الاثني عشر: الشيخ السبحاني.
٢٥ - بحار الأنوار الجامعة لدُرَر أخبار الأئمَّة الأطهار: العلَّامة المجلسي/ تحقيق: يحيى العابدي الزنجاني وعبد الرحيم الربَّاني الشيرازي/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
٢٦ - البحر الزخَّار (مسند البزَّار): أبو بكر أحمد بن عمرو العتكي المعروف بالبزَّار/ تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله وآخرون/ ط ١/ ١٩٨٨م - ٢٠٠٩م/ مكتبة العلوم والحِكَم/ المدينة المنوَّرة.
٢٧ - بحوث في المِلَل والنِّحَل: الشيخ السبحاني/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ مؤسَّسة الإمام الصادق (عليه السلام)/ قمّ.
٢٨ - بداية المعارف الإلهيَّة في شرح عقائد الإماميَّة: السيِّد محسن الخزَّازي/ ط ٥/ ١٤١٨هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقمّ المشرَّفة.
٢٩ - بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمّد (عليهم السلام): محمّد بن الحسن ابن فرُّوخ (الصفَّار)/ تصحيح وتعليق وتقديم: الحاج ميرزا حسن كوجه باغي/ ١٤٠٤هـ/ منشورات الأعلمي/ طهران.
٣٠ - تاج العروس: مرتضى الزبيدي/ تحقيق: عليّ شيري/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٣١ - تاريخ الحضارات العامِّ: اندريه إيمار وجانبين أوبايه.
٣٢ - تاريخ بغداد أو مدينة السلام: الخطيب البغدادي/ دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.

(٣١٧)

٣٣ - التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة: محمّد بن أحمد القرطبي/ خرَّج أحاديثه وعلَّق عليه: الداني بن منير آل زهوي/ ١٤٢٣هـ/ المكتبة العصريَّة/ بيروت.
٣٤ - تسنيم في تفسير القرآن: الشيخ الجوادي الآملي/ تعريب: السيِّد عبد المطَّلب رضا/ تحقيق: الشيخ محمّد عبد المنعم الخاقاني/ ط ٢/ ١٤٣٢هـ/ دار الإسراء/ بيروت.
٣٥ - تفسير الآلوسي (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم): شهاب الدِّين محمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي/ تحقيق: عليّ عبد الباري عطيَّة/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٣٦ - تفسير الأمثل: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي.
٣٧ - تفسير الأوراسي: الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي/ ط ١/ ١٤٢٦هـ/ دار البصائر.
٣٨ - تفسير التبيان: الشيخ الطوسي/ تحقيق: أحمد حبيب قصير العاملي/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ مكتب الإعلام الإسلامي.
٣٩ - تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن): محمّد بن جرير الطبري/ تقديم: الشيخ خليل الميس/ ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطَّار/ ١٤١٥هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٤٠ - تفسير العيَّاشي: محمّد بن مسعود العيَّاشي/ تحقيق: السيِّد هاشم الرسولي المحلَّاتي/ المكتبة العلميَّة الإسلاميَّة/ طهران.
٤١ - تفسير القمِّي: عليُّ بن إبراهيم القمِّي/ تصحيح وتعليق وتقديم: السيِّد طيِّب الموسوي الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة دار الكتاب/ قم.
٤٢ - تفسير الميزان: العلَّامة الطباطبائي/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.

(٣١٨)

٤٣ - التنقيح في شرح العروة الوثقى: تقرير بحث السيِّد الخوئي للغروي/ ط ٢/ ١٤٢٦هـ/ مؤسَّسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدّس سرّه).
٤٤ - التوحيد: الشيخ الصدوق/ تحقيق وتصحيح: هاشم حسيني طهراني/ ط ١/ جماعة المدرِّسين في الحوزة العلميَّة/ قمّ.
٤٥ - توضيح المراد تعليقة على شرح تجريد الاعتقاد: السيِّد هاشم الحسيني الطهراني/ المطبعة: المصطفوي.
٤٦ - الجمع بين رجال الصحيحين: محمّد بن طاهر المقدسي المعروف بـ (ابن القيسراني)/ ط ٢/ ١٤٠٥هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٤٧ - جوامع الكلم: أحمد بن زين الدِّين الأحسائي/ ١٤٣٠هـ/ مطبعة الغدير/ البصرة.
٤٨ - الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة: المحقِّق الشيخ يوسف البحراني/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قمّ.
٤٩ - الحقُّ والتكليف في الإسلام: الشيخ الجوادي الآملي/ تعريب: السيِّد هاشم الميلاني/ ط ١/ ١٤٤٤هـ/ المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيَّة/ النجف الأشرف.
٥٠ - حقوق الزوجيَّة ويليه حقُّ العمل للمرأة: الشيخ محمّد مهدي شمس الدِّين/ ط ١/ ١٩٩٦م/ المؤسَّسة الدوليَّة للدراسات والنشر/ بيروت.
٥١ - الخرائج والجرائح: قطب الدِّين الراوندي/ بإشراف: السيِّد محمّد باقر الموحِّد الأبطحي/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ قمّ.
٥٢ - الخصال: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٣٦٢ش/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقمّ المشرَّفة.
٥٣ - دراسات في علم الكلام الجديد: حسن يوسفيان/ ترجمة: محمّد حسن زراقط/ ٢٠١٦م/ مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي/ بيروت.

(٣١٩)

٥٤ - دراسة حول الأُصول الأربعمائة: السيِّد محمّد حسين الحسيني الجلالي/ ١٣٩٤هـ/ مركز انتشارات الأعلمي/ طهران.
٥٥ - دلائل الإمامة: محمّد بن جرير الطبري الشيعي/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ مؤسَّسة البعثة/ قمّ.
٥٦ - دلائل الصدق لنهج الحقِّ: الشيخ محمّد حسن المظفَّر/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث/ قمّ.
٥٧ - ديانات الأسرار والعبادات الغامضة في التاريخ: الدكتور حسين الشيخ/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ دار العلوم العربيَّة/ بيروت.
٥٨ - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: أحمد بن عبد الله الطبري (المحبُّ الطبري)/ ١٣٥٦هـ/ مكتبة القدسي لصاحبها حسام الدِّين القدسي/ القاهرة.
٥٩ - رجال الكشِّي (اختيار معرفة الرجال): الشيخ الطوسي/ تحقيق: السيِّد مهدي الرجائي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.
٦٠ - ردُّ المحتار على الدُّرِّ المختار: محمّد أمين الشهير بـ (ابن عابدين)/ ط ٢/ ١٣٨٦هـ/ شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
٦١ - رسائل إخوان الصفاء وخلَّان الوفاء: ط ١/ ١٤١٢هـ/ الدار الإسلاميَّة/ بيروت.
٦٢ - الرسائل العشر: الشيخ الطوسي/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقمّ المشرَّفة.
٦٣ - رسائل المرتضى: الشريف المرتضى/ تقديم: السيِّد أحمد الحسيني/ إعداد: السيِّد مهدي الرجائي/ ١٤٠٥هـ/ دار القرآن الكريم/ قم.
٦٤ - الروضة البهيَّة في شرح اللمعة الدمشقيَّة: الشهيد الثاني/ تحقيق:

(٣٢٠)

السيِّد محمّد كلانتر/ ط ١ و٢/ ١٣٨٦ و١٣٩٨هـ/ منشورات جامعة النجف الدِّينيَّة.
٦٥ - سرور أهل الإيمان في علامات صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه): السيِّد بهاء الدِّين عليّ النيلي النجفي/ ط ١/ ١٤٢٦هـ/ دليل ما/ قمّ.
٦٦ - سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها: محمّد ناصر الدِّين الأشقودري الألباني/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مكتبة المعارف/ الرياض.
٦٧ - سُنَن ابن ماجة: أبو عبد الله محمّد بن يزيد القزويني (ابن ماجة)/ تحقيق وترقيم وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي/ دار الفكر/ بيروت.
٦٨ - سُنَن أبي داود: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني/ تحقيق وتعليق: سعيد محمّد اللحَّام/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٦٩ - سُنَن الترمذي: أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة الترمذي/ تحقيق وتصحيح: عبد الوَّهاب عبد اللطيف/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٧٠ - شُبُهات وردود: السيِّد سامي البدري/ ط ٢/ ١٤١٧هـ/ نشر حبيب.
٧١ - شرح إحقاق الحقِّ: السيِّد شهاب الدِّين المرعشي النجفي/ تصحيح: السيِّد إبراهيم الميانجي/ منشورات مكتبة آية الله المرعشي/ قمّ.
٧٢ - شرح إحقاق الحقِّ: السيِّد شهاب الدِّين المرعشي النجفي/ تصحيح: السيِّد إبراهيم الميانجي/ منشورات مكتبة آية الله المرعشي/ قمّ.
٧٣ - شرح أُصول الكافي: مولى محمّد صالح المازندراني/ تعليق: الميرزا أبو الحسن الشعراني/ ضبط وتصحيح: السيِّد عليّ عاشور/ ط ١/ ١٤٢١هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.

(٣٢١)

٧٤ - شرح الأسماء الحسنى: المولى هادي السبزواري/ منشورات مكتبة بصيرتي/ قمّ.
٧٥ - شرح الباب الحادي عشر: العلَّامة الحلِّي/ شرح: مقداد بن عبد الله السيوري/ حقَّقه وعلَّق عليه: الشيخ عليّ النظامي الهمداني/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقمّ المشرَّفة.
٧٦ - شرح البدخشي (منهاج العقول): محمّد بن الحسن البدخشي/ مطبعة محمّد عليّ صبيح وأولاده بالأزهر بمصر.
٧٧ - شرح المقاصد في علم الكلام: سعد الدِّين التفتازاني/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ الشريف الرضي/ أُوفست/ قمّ.
٧٨ - شرح صحيح مسلم: النووي/ ١٤٠٧هـ/ دار الكتاب العربي/ بيروت.
٧٩ - شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي/ تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم/ ط ١/ ١٣٧٨هـ/ دار إحياء الكُتُب العربيَّة/ بيروت.
٨٠ - شرح نهج البلاغة: السيِّد عبَّاس عليّ الموسوي/ ط ١/ ١٣٧٦ش/ دار الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) - دار المحجَّة البيضاء.
٨١ - الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربيَّة): إسماعيل بن حمَّاد الجوهري/ تحقيق: أحمد عبد الغفور العطَّار/ ط ٤/ ١٤٠٧هـ/ دار العلم للملايين/ بيروت.
٨٢ - الصحوة (رحلتي إلى الثقلين): صباح عليّ الباتي.
٨٣ - صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري الجعفي/ ط ٢/ ١٤١٠هـ/ أوقاف مصر.
٨٤ - صحيح الجامع الصغير وزياداته: محمّد ناصر الدِّين الأشقودري الألباني/ المكتب الإسلامي.

(٣٢٢)

٨٥ - صحيح مسلم: مسلم بن الحجَّاج بن مسلم القشيري النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
٨٦ - الصحيفة السجَّاديَّة: تحقيق: محمّد باقر الأبطحي/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مطبعة نمونه/ مؤسَّسة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ومؤسَّسة الأنصاريان/ قمّ.
٨٧ - الصراط السويِّ في سؤالات الصحابة للنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله): أبو البراء محمّد بن عبد المنعم آل علاوة.
٨٨ - الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة: نور الله التستري/ تحقيق: السيِّد جلال الدِّين المحدِّث/ مطبعة نهضت/ ١٣٦٧ش.
٨٩ - الصواعق المحرقة في الردِّ على أهل البدع والزندقة: أحمد بن حجر الهيتمي المكّي/ خرَّج أحاديثه وعلَّق حواشيه وقدَّم له: عبد الوهَّاب عبد اللطيف/ ط ٢/ ١٣٨٥هـ/ مكتبة القاهرة لصاحبها عليّ يوسف سليمان/ القاهرة.
٩٠ - العقد الثمين في تبيين أحكام سيرة الأئمَّة الهاديين: الإمام عبد الله ابن حمزة بن سليمان (إمام للزيديَّة).
٩١ - عقد الدُّرَر في أخبار المنتظَر: يوسف بن يحيى المقدسي/ تحقيق: عبد الفتَّاح محمّد الحلو/ ط ١/ ١٣٩٩هـ/ مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
٩٢ - عِلَل الشرائع: الشيخ الصدوق/ تقديم: السيِّد محمّد صادق بحر العلوم/ ١٣٨٥هـ/ منشورات المكتبة الحيدريَّة ومطبعتها/ النجف الأشرف.
٩٣ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري: بدر الدِّين أبو محمّد محمود ابن أحمد العيني/ دار إحياء التراث العربي.
٩٤ - عون المعبود شرح سُنَن أبي داود: محمّد شمس الحقِّ العظيم آبادي/ ط ٢/ ١٤١٥هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.

(٣٢٣)

٩٥ - عيون أخبار الرضا (عليه السلام): الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٩٦ - عيون الحِكَم والمواعظ: عليُّ بن محمّد الليثي الواسطي/ تحقيق: الشيخ حسين الحسيني البيرجندي/ ط ١/ دار الحديث/ قمّ.
٩٧ - غاية المرام في علم الكلام: سيف الدِّين الآمدي/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٩٨ - الغيبة: ابن أبي زينب النعماني/ تحقيق: فارس حسُّون كريم/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ أنوار الهدى.
٩٩ - الغيبة: الشيخ الطوسي/ تحقيق: عبد الله الطهراني وعليّ أحمد ناصح/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مطبعة بهمن/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
١٠٠ - فتاوى السبكي: عليُّ بن عبد الكافي السبكي/ دار المعرفة/ بيروت.
١٠١ - الفتاوى الميسَّرة: السيِّد عليٌّ السيستاني/ ط ٣/ ١٤١٧هـ.
١٠٢ - الفتاوى الهنديَّة: جماعة من العلماء/ ط ٢/ ١٣١٠هـ/ المطبعة الكبرى الأميريَّة ببولاق مصر.
١٠٣ - الفتاوى الواضحة: السيِّد محمّد باقر الصدر.
١٠٤ - فتح الباري شرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني/ ط ٢/ دار المعرفة/ بيروت.
١٠٥ - الفتن: أبو عبد الله نعيم بن حمَّاد المروزي/ تحقيق وتقديم: سهيل زكار/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
١٠٦ - الفتوحات الإسلاميَّة: أحمد زيني دحلان/ ط ١٣٢٣هـ/ مصر.
١٠٧ - فِرَق الشيعة: الحسن بن موسى النوبختي/ ١٤٠٤هـ/ دار الأضواء/ بيروت.

(٣٢٤)

١٠٨ - الفصول المختارة: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
١٠٩ - الفصول المهمَّة في معرفة الأئمَّة: عليُّ بن محمّد أحمد المالكي المكّي (ابن الصبَّاغ)/ تحقيق: سامي الغريري/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دار الحديث/ قمّ.
١١٠ - الفضائل: شاذان بن جبرئيل القمِّي (ابن شاذان)/ ١٣٨١هـ/ منشورات المطبعة الحيدريَّة ومكتبتها/ النجف الأشرف.
١١١ - في ظلال القرآن: سيِّد قطب/ ط ٣٥/ ١٤٢٥هـ/ دار الشروق/ بيروت.
١١٢ - فيض الباري على صحيح البخاري (ومعه حاشية البدر الساري إلى فيض الباري): محمّد أنور شاه الكشميري الهندي الديوبندي/ تحقيق: محمّد بدر عالم الميرتهي/ ط ١/ ١٤٢٦هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
١١٣ - فيض الخاطر: أحمد أمين/ ١٣٦٤هـ/ مكتبة النهضة المصريَّة/ القاهرة.
١١٤ - فيض القدير شرح الجامع الصغير: محمّد عبد الرؤوف المناوي/ تصحيح: أحمد عبد السلام/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
١١٥ - القراءة المنسيَّة: الدكتور محسن كديور/ تعريب وتقديم وحواشي: الدكتور سعد رستم/ ط ١/ ٢٠١١م/ مؤسَّسة الانتشار العربي/ بيروت.
١١٦ - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث: محمّد جمال الدِّين الحلَّاق القاسمي/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
١١٧ - قوت القلوب في معاملة المحبوب: محمّد بن عليِّ بن عطيَّة الحارثي المشهور بأبي طالب المكّي/ ضبطه وصحَّحه: باسل عيون السود/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.

(٣٢٥)

١١٨ - الكافي: الشيخ الكليني/ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٥/ ١٣٦٣ش/ مطبعة حيدري/ دار الكُتُب الإسلاميَّة/ طهران.
١١٩ - كتاب الطهارة: الشيخ الأنصاري/ تحقيق: لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مطبعة مؤسَّسة الهادي (عليه السلام)/ قمّ.
١٢٠ - الكتاب المقدَّس، العهد الجديد: الكنيسة/ ١٩٨٠م/ دار الكتاب المقدَّس.
١٢١ - الكتاب المقدَّس، العهد القديم: الكنيسة/ ١٩٨٠م/ دار الكتاب المقدَّس.
١٢٢ - كتاب سُلَيم: سُلَيم بن قيس الهلالي الكوفي/ تحقيق: محمّد باقر الأنصاري الزنجاني/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دليل ما.
١٢٣ - كمال الدِّين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
١٢٤ - كنز العُمَّال في سُنَن الأقوال والأفعال: علاء الدِّين عليّ المتَّقي بن حسام الدِّين الهندي البرهان فوري (المتَّقي الهندي)/ ضبط وتفسير: الشيخ بكري حيَّاني/ تصحيح وفهرسة: الشيخ صفوة السقَّا/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
١٢٥ - گوهر مراد: عبد الرزَّاق اللَّاهيجي/ ط ١/ ١٣٨٣ش/ نشر سايه/ طهران.
١٢٦ - لا بديل عن الدِّين: مرتضى المطهَّري/ ٢٠١٥م/ مركز المعارف للتأليف والتحقيق.
١٢٧ - لسان العرب: أبو الفضل جمال الدِّين محمّد بن مكرم الإفريقي المصري (ابن منظور)/ ١٤٠٥هـ/ نشر أدب الحوزة/ قمّ.

(٣٢٦)

١٢٨ - لوامع الأنوار البهيَّة وسواطع الأسرار الأثريَّة: شمس الدِّين محمّد بن أحمد السفاريني الحنبلي/ ط ٢/ ١٤٠٢هـ/ مؤسَّسة الخافقين ومكتبتها/ دمشق.
١٢٩ - مأزق الإمامة في الفكر الإسلامي: الدكتور عليّ الزميع/ مركز نهوض للدراسات والبحوث.
١٣٠ - المباني التفسيريَّة: عبَّاس الزنجاني.
١٣١ - مجلَّة تراثنا: مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.
١٣٢ - المحلَّى: أبو محمّد عليُّ بن أحمد بن سعيد بن حزم/ دار الفكر.
١٣٣ - مختصر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلِّي/ ط ١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
١٣٤ - مذاهب الإسلاميِّين: الدكتور عبد الرحمن بدوي/ ط ١/ ١٩٧٣م/ دار العلم للملايين/ بيروت.
١٣٥ - المستدرك على الصحيحين (وبذيله التلخيص للذهبي): أبو عبد الله الحاكم النيسابوري/ إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي/ دار المعرفة/ بيروت.
١٣٦ - مشكاة المصابيح: محمّد بن عبد الله الخطيب التبريزي/ تحقيق: محمّد ناصر الدِّين الألباني/ ط ٣/ ١٩٨٥م/ المكتب الإسلامي/ بيروت.
١٣٧ - المصنَّف: ابن أبي شيبة/ تحقيق وتعليق: سعيد اللحَّام/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ دار الفكر/ بيروت.
١٣٨ - معالم السُّنَن (شرح سُنَن أبي داود): حمد بن محمّد البستي المعروف بـ (الخطَّابي)/ ط ١/ ١٣٥١هـ/ المطبعة العلميَّة/ حلب.
١٣٩ - المفردات في غريب القرآن: أبو القاسم الحسين بن محمّد المعروف

(٣٢٧)

بالراغب الأصفهاني/ تحقيق: صفوان عدنان داوودي/ ط ٢/ ١٤٢٧هـ/ طليعة النور.
١٤٠ - مقدَّمة فتح الباري: ابن حجر العسقلاني/ ط ١/ ١٤٠٨هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
١٤١ - المقنعة: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٠هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قمّ.
١٤٢ - مكارم الأخلاق: حسن بن الفضل الطبرسي/ ط ٦/ ١٣٩٢هـ/ منشورات الشريف الرضي.
١٤٣ - المِلَل والنِّحَل: الشهرستاني/ دار المعرفة/ بيروت.
١٤٤ - مَنْ لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٢/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
١٤٥ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف: ابن قيِّم الجوزيَّة/ تحقيق: يحيى بن عبد الله الثمالي/ ط ٤/ ١٤٤٠هـ/ دار عطاءات العلم/ الرياض.
١٤٦ - مناقب آل أبي طالب: محمّد بن عليِّ بن شهرآشوب المازندراني/ ١٣٧٦هـ/ المكتبة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
١٤٧ - مناقب الإمام الشافعي: محمّد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم أبو الحسن الآبري السجستاني/ تحقيق: جمال عزون/ ط ١/ ١٤٣٠هـ/ الدار الأثريَّة.
١٤٨ - المناهج التفسيريَّة في علوم القرآن: الشيخ السبحاني/ مؤسَّسة الإمام الصادق (عليه السلام).
١٤٩ - المنقذ في الأديان (دراسة تاريخيَّة مقارنة): نور ناجح حسين/

(٣٢٨)

ط ١/ ١٤٤٠هـ/ مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ النجف الأشرف.
١٥٠ - المنهج الأثري في تفسير القرآن الكريم (حقيقته ومصادره وتطبيقاته): هدى جاسم محمّد أبو طبرة/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ بوستان كتاب/ قمّ.
١٥١ - المهدويَّة الخاتمة: السيِّد ضياء الخبَّاز.
١٥٢ - موسوعة الإمام المهدي (عليه السلام)، تاريخ ما بعد الظهور: السيِّد محمّد الصدر/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ دار التعارف للمطبوعات/ بيروت.
١٥٣ - موسوعة الفلسفة والفلاسفة: الدكتور عبد المنعم الحفني/ مكتبة مدبولي.
١٥٤ - موسوعة المِلَل والأديان: مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ علوي بن عبد القادر السقَّاف/ ١٤٣٣هـ.
١٥٥ - موسوعة كشَّاف اصطلاحات الفنون والعلوم: محمّد عليّ التهانوي/ ط ١/ ١٩٩٦م/ مكتبة لبنان ناشرون/ بيروت.
١٥٦ - نهاية التاريخ والإنسان الأخير: فرانسيس فوكوياما/ تعريب: الدكتور فؤاد شاهين وآخرون/ ١٩٩٣م/ مركز الإنماء القومي/ بيروت.
١٥٧ - نهاية السول شرح منهاج الوصول في علم الأُصول: جمال الدِّين عبد الرحيم الإسنوي/ ضبطه وصحَّحه ووضع حواشيه: عبد القادر محمّد عليّ/ ط ١/ ١٤٢٠هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
١٥٨ - النهاية في الفتن والملاحم: ابن كثير/ تحقيق: محمّد عبد العزيز/ ١٤٠٨هـ/ دار الجيل/ بيروت.
١٥٩ - نهج البلاغة: خُطَب أمير المؤمنين (عليه السلام)/ ما اختاره وجمعه:

(٣٢٩)

الشريف الرضي/ تحقيق: الدكتور صبحي صالح/ ط ١/ ١٣٨٧هـ، وبشرح محمّد عبدة/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ دار الذخائر/ قمّ.
١٦٠ - الهداية في الأُصول والفروع: الشيخ الصدوق/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ مطبعة اعتماد/ مؤسَّسة الإمام الهادي (عليه السلام).
١٦١ - هويَّة التشيُّع: الشيخ أحمد الوائلي/ ط ٣/ ١٤١٤هـ/ دار الصفوة/ بيروت.
١٦٢ - ينابيع المودَّة لذوي القربى: سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي/ تحقيق: السيِّد عليّ جمال أشرف الحسيني/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ دار الأُسوة.

* * *

(٣٣٠)