بسم الله الرحمن الرحيم اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا
العدد ١٩/ رجب / ١٤٤٦ هـ

هدم المساجد في زمن الظهور بين المشروعية والمنع

 

هدم المساجد في زمن الظهور
بين المشروعية والمنع

 

الشيخ كاظم القره غولي

 

 

↑صفحة ٠↑

فهرس محتويات البحث

جملة من الروايات في هذا المضمون:.....................٨١
مقدمات قبل البحث:.....................٨٦
لا ربط لمبنى عدم العصمة في الموضوعات بمحلِّ البحث:.....................٨٨
قلنا: هناك فرق كبير من أكثر من جهة:.....................٩٠
ردُّ شبهة هدم المساجد:.....................٩٣
الوجه الأوَّل: عدم وقوع البناء بداعي القربة:.....................٩٣
مراحل توسعة المسجد الحرام:.....................٩٣
مراحل توسعة المسجد النبوي:.....................٩٥
مناقشة هذا الوجه:.....................٩٧
الوجه الثاني: المخالفة للضوابط ولو غير الإلزامية:.....................٩٨
إشكال في ناسخية الحكم المهدوي للشريعة الخاتمة:.....................١٠١
مناقشة هذا الوجه:.....................١٠٢
إشكال ودفع:.....................١٠٣
الثالث: الحفاظ على خصوصية بعض المساجد:.....................١٠٣
مناقشة هذا الوجه:.....................١٠٥
الرابع: احتمال اختلاف الحكم في زمن الظهور:.....................١١٠
قاعدة التبعيَّة لا تنافي التكليف الخاص:.....................١١١
والجواب:.....................١١١
الخامس: عدم شرعية خروجها عن ملكية مالكيتها:.....................١١٧
مناقشة هذا الوجه:.....................١١٨
السادس: محو ما يخلد ذكر الظالمين:.....................١١٨

الخلاصة:..................١١٩

↑صفحة ٠↑

الحمد لله والصلاة والسلام على سيد الأنام نبي الرحمة وعلى آله الكرام، وبعد..
فإنَّ الإيمان بالغيب أساس الدين وقوامه، ولذلك قدم هذا الوصف على غيره من أوصاف المتقين في أول سورة البقرة:
﴿الم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (البقرة: ١-٣).
ومازال الناس يبحثون عن الشواهد والمعززات التي تدعم إيمانهم بالغيب، وإن كانت دلائل المعتقد قطعية، ولذلك لم يكن غريباً أن يطلب حواريو عيسى (عليه السلام) منه أن ينزل الله عليهم مائدة من السماء، نعم كان السؤال بالطريقة السيئة.
﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (المائدة: ١١٢-١١٣).

↑صفحة ٧٩↑

وطبيعة الإنسان أن ما يكون خارجاً عن المألوف يحتاج إلى معززات للإذعان به وشواهد تؤكده، والشواهد القرآنية فضلاً عن الروائية على ذلك ليست قليلة.
فزوجة إبراهيم (عليه السلام) حين بُشِّرت بالولد والحفيد استغربت وتعجبت.
﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ * قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هود: ٧١-٧٢).
ومريم التي لم تشك أن من يخاطبها ويخبرها بأنها ستلد من دون اتصال مع رجل هو ملك مرسل من الله، قالت: ﴿قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (مريم: ٢٠).
والمعزز الحسي يطلبه حتَّى عظام الأنبياء فإنه غير خال من الفائدة.
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (البقرة: ٢٠٦).
ومن هنا طلب زكريا آية على ما بشره الله به من الولد على تقدم العمر.
﴿قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ * قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً﴾ (آل عمران: ٤٠-٤١).
والجانب الغيبي في القضية المهدوية لا شك فيه، في أبعادها المختلفة في الغيبة وطول مدتها والظهور وحتميته وحكم الإمام (عجَّل الله فرجه) وسيرته في دولته، ومن ضمن ما ورد من سيرته بعد قيام دولة الحق أنه (عجَّل الله فرجه) سيقوم بهدم أجزاء من أعظم مساجد المسلمين وإزالة بعضٍ من غيرها من أصله.
ونظراً لأهمية موقع المسجد في الإسلام والقداسة التي تحظى بها بيوت عبادة الرحمن في الإسلام، فإنَّ النفوس قد تشمئز من تصور هدم المساجد، وإن لم تَرُد الروايات التي تحدثت عن ذلك فلا أقل من أنها لا تقبل ظواهرها

↑صفحة ٨٠↑

أو تبحث عن توجيه لها بما يتناسب مع المرتكز في نفوسنا من أهمية المسجد في الإسلام، خصوصاً مع الحث الكبير على بناء المساجد(١) في الموروث الذي بين أيدينا والأمر بتعظيمها(٢)، وهذا ما دعاني إلى إجابة طلب التعرض لهذا المبحث من بعض إخوتي، وأسأل الله أن يكون ما يأتي من البحث نافعاً فيما سأل.
جملة من الروايات في هذا المضمون، ومنها:
الرواية الأولى:
ما رواه النعماني بإسناده عن الإمام الباقر (عليه السلام) في صفة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعد ظهوره.
«ويهدم ما بين المسجد إلى الصفا ويجعله مسلكاً ويهدم المنارة التي على ظهر الكعبة ويلقيها ويقطع أيدي بني شيبة، ويقول: هؤلاء سراق الكعبة»(٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) أورد صاحب الوسائل عدَّة روايات في الجزء ٥، ب٨، أحكام المساجد، ففي صحيحة الحذاء، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة»، قال أبو عبيدة: فمرَّ بي أبو عبد الله (عليه السلام) في طريق مكة وقد سوَّيت بأحجارٍ مسجداً، فقلت له: جعلتُ فداك، نرجو أن يكون هذا من ذاك؟ قال: «نعم».
وفي رواية ثانية: عن السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال: «إنَّ الله إذا أراد أن يصيب أهل الأرض بعذاب قال: لولا الذين يتحابون في ويعمرون مساجدي ويستغفرون بالأسحار، لولاهم لأنزلت عذابي».
وفي ثالثة: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «من بنى مسجداً في الدنيا أعطاه الله بكلِّ شبر منه»، أو قال: «بكل ذراع منه مسيرة أربعين ألف عام من ذهب وفضة ودر وياقوت وزمرد وزبرجد ولؤلؤ...». [نفس المصدر والباب]
(٢) في العلل حدَّثنا علي بن أحمد بن محمد، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله الكوفي عن موسى بن عمران عن عمِّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العلَّة في تعظيم المساجد، فقال: «إنَّما أمر بتعظيم المساجد لأنَّها بيوت الله في الأرض» [علل: ج٢، ص١٢].
(٣) الغيبة للنعماني: ص٢٨٤.

↑صفحة ٨١↑

ولا مشكلة في سند الرواية إلَّا في الحسين بن سليمان الذي لم يرد فيه توثيق، نعم روى جماعة عنه مثل ابن فضال، لكن ذلك لا يخرج الرواية عن الضعف السندي.
وليس في الرواية شيء خاص يثير الاستغراب، أمَّا مقطعها الأوَّل فهو يتناول هدم ما بين المسجد إلى الصفا ويجعله مسلكاً، والمشكلة المتصوّرة فيه أنَّ عنوان المسجدية ربَّما يعم ما سيهدمه الإمام (عجَّل الله فرجه)، فكيف يهدم المسجد؟
لكنَّه مدفوع مع ملاحظة الغاية التي ذكرتها الرواية، فالغاية فتح المسلك ليسهل تحرك الطائف من المطاف إلى المسعى.
أمَّا المقطع الثاني: «ويهدم المنائر التي على ظهر الكعبة»، فالذي يظهر أن منارة ستبنى على ظهر الكعبة وهي التي سيهدمها (عجَّل الله فرجه)، وغير ظاهر أن هناك وجهاً يشرع بناء هذه المنارة فوق ظهر الكعبة، فأين الغرابة في ذلك؟
نعم، هنا احتمال أن يكون المقصود من (على ظهر) هو خلف الكعبة، فلابدَّ حينئذٍ أن تكون المنارة في الجهة المقابلة لباب الكعبة لأنَّها هي التي تناسب أن يقال لها ظهر الكعبة.
لكن يضعف هذا الاحتمال أنَّه (عليه السلام) عبَّر بـ(على) ولفظ على يناسب جهة اليمين والشمال ولا يناسب ما كان خلفها أو أمامها، فيصح أن يقال: على يمينها وعلى شمالها، ولا يناسب أن يقال: على أمامها أو على خلفها، بل المناسب أن يقال: في ظهرها، والأمر ليس مهمًّا.
وأمَّا المقطع الثالث: وهو قطع أيدي بني شيبة فلا ربط له بالموضوع محل البحث مع احتمال أن يراد منعهم من التحكُّم بالكعبة(٤)، خصوصاً وأنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) يضعف هذا الاحتمال ورود روايات تصرِّح بأنَّه (عجَّل الله فرجه) يعلِّق أيدي بني شيبة بعد قطعها على الكعبة، كالحديث المنقول عن غيبة النعماني، عن علي بن الحسين، عن محمد العطار، عن محمد بن الحسن الرازي، عن محمد بن علي الصيرفي، عن محمد بن سنان، عن محمد بن علي الخشعمي، عن سدير الصيرفي عن رجل... عن الباقر (عليه السلام) وفي آخره: «قل لهم (الحجبة في مكة وهم بنو شيبة) قال لكم أبو جعفر: كيف بكم لو قد قطعت أيديكم وأرجلكم وعلَّقت في الكعبة، ثم يقال لكم: نادوا نحن سرّاق الكعبة»، فلمَّا ذهبت لأقوم قال: «إنَّني لست أنا أفعل ذلك، وإنَّما يفعله رجل مني» [بحار الأنوار: ج٥٢، ص٣٤٩].
وبعض الأخبار التالية أيضاً فيها تصريح بأنَّه (عجَّل الله فرجه) يقطع أيديهم ويعلقها على الكعبة.

↑صفحة ٨٢↑

قطع اليد حدٌّ للسرقة بشروط معيَّنة يصعب الالتزام بتحقُّقها في بني شيبة جميعاً أو في أغلبهم، وكيف كان، فالمقطع الثالث لا ربط له بالبحث.
الرواية الثانية:
في الإرشاد عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا قام القائم هدم المسجد الحرام حتَّى يرده إلى أساسه، وحول المقام إلى الموضع الذي كان فيه، وقطع أيدي بني شيبة وعلقها بالكعبة وكتب عليها هؤلاء سراق الكعبة».
الرواية الثالثة:
الفضل بن عبد الرحمن عن ابن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): «القائم يهدم المسجد الحرام حتَّى يرده إلى أساسه، ومسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى أساسه، ويرد البيت إلى موضعه وأقامه على أساسه وقطع أيدي بني شيبة وعلقها على الكعبة»(٥).
الرواية الرابعة:
عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إذا قام القائم (عليه السلام) يهدم ما في الكعبة حتَّى يردها إلى أساسها، ويقيم حجة الله البالغة الواضحة»(٦).
الرواية الخامسة:
عن غيبة الطوسي الفضل عن عبد الرحمن بن أبي هاشم عن علي بن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) بحار الأنوار: ج٥٢، ص٣٣٢.
(٦) الكافي: ج٨، ص٢٣٥، ح٣٢١.

↑صفحة ٨٣↑

أبي حمزة عن أبي بصير في حديث قال: إذا قام القائم دخل الكوفة وأمر بهدم المساجد الأربعة حتَّى يبلغ أساسها ويصيرها عريشاً كعريش موسى، ويكون المساجد كلها جماء، لا شرف لها كما كان على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ويوسع الطريق الأعظم فيصير ستين ذراعاً، ويهدم كل مسجد على الطريق، ويسد كلّ كوَّة إلى الطريق(٧).
الرواية السادسة:
ومن رواية المفضل الطويلة، قال المفضل: يا سيدي فما يصنع بالبيت؟ قال: «ينقضه فلا يدع منه إلَّا القواعد التي هي أول بيت وضع للناس ببكة في عهد آدم (عليه السلام) والذي رفعه إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) منها، وأن الذي بني بعدهما لم يبنه نبي ولا وصي، ثم يبنيه كما يشاء وليعفين آثار الظالمين بمكة والمدينة والعراق وسائر الأقاليم، وليهدمنَّ مسجد الكوفة وليبنيه على بنيانه الأول وليهدمنَّ القصر العتيق، ملعون ملعون من بناه»(٨).
الرواية السابعة:
عن الإرشاد روى أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل أنه قال: «إذا قام القائم سار إلى الكوفة فهدم بها أربعة مساجد ولم يبق مسجد على الأرض له شرف إلَّا هدمها وجعلها جماء ووسع الطريق الأعظم، وكسر كل جناح خارج الطريق، وأبطل الكنيف والميازيب إلى الطرقات، ولا يترك بدعة إلَّا أزالها ولا سنة إلَّا أقامها، ويفتح قسطنطينية والصين وجبال الديلم، فيمكث على ذلك سبع سنين مقدار كل سنة عشر سنين من سنيكم هذه ثم يفعل الله ما يشاء»(٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) بحار الأنوار: ج٥٢، ٣٣٣.
(٨) بحار الأنوار: ج٥٣، ص١١.
(٩) بحار الأنوار: ج٥٢، ص٣٢٩.

↑صفحة ٨٤↑

ويحتمل أن يكون المقصود بـ(مسجد على الأرض له شرف) المسجد الذي له منزلة عند الناس لا باعتبار كونه بيت عبادة، بل باعتبار خصوصية في الباني أو المتولي من ارتباط بسلطة أو مرجعية سياسية أو مذهب أو قومية(١٠)، فيقوم الإمام بإسقاط ذلك كله ويعيد توحيد المعايير.
لكن يضعف هذا الاحتمال أنه قال: «ولم يبق مسجد له شرف إلَّا هدمها»، ولو كان المقصود هدم المسجد لكان المناسب أن يقول: إلَّا هدمه، فضمير الجمع المؤنث يناسب الشرف لا المسجد، ونفس هذا الوجه يضعف الاحتمال التالي فلا تغفل.
ويحتمل أن يكون المقصود المساجد التي بنيت على الطراز الفاخر المرتفع ذات المآذن والقباب والزخارف لا لغرض العبادة، بل للمباهاة أو كرموز سياسية أو طبقية أو مذهبية، وفي اللغة الشرف هو الموضع المرتفع من البناء أو ما يعلو الجدران من الزينة أو القباب أو المآذن أو غيرها من مظاهر التعالي والعلو المعماري.
نعم، يوجد احتمال أن تكون الشين مضمومة والراء مفتوحة وتعني جمع شرفة، وحينئذٍ يعود الضمير (ها) على الشرف لا على المساجد، ويبدو أن هذا الاحتمال هو الأقرب بحسب ظاهر الرواية.
وأمَّا الهدم فالمتبادر إلى الذهن هو هدمها من أساسها للتشذيب عن غير النوازع الدينية الخالصة، ورفع ما ينافي روح التوحيد والبساطة في العبادة.
هذا إذا كان المهدم هو المسجد، أمَّا إذا كان المهدوم هي الشرف فقد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) في صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا تقوم الساعة حتَّى يتباهى الناس في المساجد».
والرواية وإن احتمل بدواً بل قد يقال بالظهور في أنَّ المساجد ظرف للتباهي وليست موضوعاً له، لكن بقرينة روايات أخرى نفهم المراد هو موضوع التباهي كالحديث النبوي: «يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلَّا قليلاً».

↑صفحة ٨٥↑

تكون الغاية أنَّها أدخلت بعد ذلك على المساجد وكان بعض الخلفاء يصلِّي في الشرفة.
ويمكن أن يكون المراد هو الهدم الرمزي أي إسقاط الاعتبار الذي منحه الناس لهذه المواضع بسبب الانحراف وإعادة توجيه الأُمَّة إلى القبلة الحقيقية لله لا إلى الرموز السياسية أو القومية أو الطائفية.
والاحتمال الثالث هو إرادة هدم مظاهر الشرف الدنيوي من قباب ومنائر وزخرفة، فيكون المراد من جعلها جماء جعلها سافلة بلا ارتفاع لا قباب ولا مآذن ولا زخارف.
وهناك روايات ستأتي في طيَّات البحث.
مقدمات قبل البحث:
وقبل البحث هناك أمور لابدَّ من ملاحظتها:
١ - بعد أن ثبتت عصمة الأئمة (عليهم السلام) بنحو القطع والجزم بأدلتها فحينئذٍ لا يرد إشكال على فعل منهم أو قول مادام في البين احتمال ملاءمة ذلك القول أو الفعل للعصمة، فالإشكال لا يرد إلَّا إذا كان المورد والحاكي قطعياً من جهاته الثلاثة أي السند والدلالة والجهة - والمقصود بالجهة أن يكون الإمام قد أراد ما يفهم من كلامه بشكل جدِّي في مقابل التقيَّة مثلاً.
فالدليل القطعي لا يعارضه بشكل مستقر إلَّا الدليل القطعي، ولا يكون الدليل قطعياً في إثبات مؤدَّاه إلَّا إذا كان قطعياً في كل جهاته الثلاثة التي ذكرناها.
والسبب أنَّ أيّ جهة غير قطعية لا تقبل إلَّا بالتعبُّد أي أنَّ الله يتعبَّدنا بمؤدَّاها وإن لم تثبت عندنا وجداناً، والتعبُّد يراد منه دفع العبد للتحرُّك باتِّجاه ما تعبده الله به، والعبد لا يمكن أن يقبل أن يتحرَّك على خلاف ما قطع به فلا يتصوَّر التعبُّد على ما خالف قطعه، وهذا يعني أنَّ التعبُّد سيكون بلا أثر فيكون لغواً واللغو قبيح، والمولى تبارك وتعالى منزَّه عن كلِّ قبيح.

↑صفحة ٨٦↑

وهذا يعني أنَّا لا نحتاج في مقام دفع مثل هذه الشبهة عن الإمام (عجَّل الله فرجه) إلَّا إلى طرح توجيه ممكن في نفسه وإن خالف الظهور جداً، دون حاجة إلى إثباته، نعم يلزم أن لا يقوم دليل قطعي على عدم صحَّة هذا الوجه، ولذا سنكتفي بذكر وجوه ممكنة في نفسها ولم يقم دليل قطعي على خلافها، لأنَّ المفروض أنَّ مورد الإشكال أمر قطعي لا لبس فيه ولا غبار عليه.
نعم، لقائل أن يقول: إنَّ المورد ليس من موارد الفروع ليجري الحديث فيه عن التعبُّد، بل هو مرتبط بفعل من المعصوم (عليه السلام) بعد أن يظهر، فمجرَّد احتمال الخلاف كافٍ في دفع الشبهة بلا حاجة إلى إدخال عدم إمكان التعبُّد في موارد حصول الجزم بالخلاف، فالمورد ليس من الفروع ولا من أصول الاعتقاد ليقبل التعبُّد ولو على أحد المبنيين.
٢ - إنَّ أيًّا من هذه الروايات ليست قطعية السند، ولا يوجد تواتر لفظي أو حتَّى معنوي، والتواتر الإجمالي غير موجود أوَّلاً، وعلى فرض تحقُّقه فإنَّه لا يولد إشكالاً لأنَّ مضامين بعض هذه الروايات لا مشكلة واضحة فيها تنافي ظواهر الشريعة، وغاية ما ينفعنا التواتر الإجمالي أنَّ رواية ما من هذه الروايات قد صدرت من جهة العصمة، وهذا إنَّما يولد إشكالاً إذا لم توجد رواية واحدة من هذه الروايات المتواترة إجمالاً قابلة لأن لا يتنافى مضمونها مع عصمة الإمام (عجَّل الله فرجه).
وهذا يعني أنَّ دلالة الروايات حتَّى لو كانت قطعية وغير مستندة إلى الظهور، فإنَّ حجيَّتها لو تمَّت سنداً فإنَّها لا تضر ما دام صدورها قد ثبت بالتعبُّد، فالجهة الظنية في الدليل تمنع من شمول الأمر بالتعبُّد له فيما إذا كانت قرينة قطعية على خلافه، والقرينة في المقام عصمة المعصوم (عجَّل الله فرجه) والتي ثبتت بدليل قطعي، فتسقط حجيَّة الروايات سنداً إن لم تقبل التوجيه بما لا يتنافى مع العصمة.
هذا إذا قلنا بأنَّ الحجيِّة التعبُّدية تجري في مثلها، وإلَّا فإنَّ مجرَّد كونها محتملة كافٍ في إسقاطها عن التأثير.

↑صفحة ٨٧↑

ثم لا يخفى أنَّ هذا الاحتمال بدوي يزول بمجرَّد ملاحظة المقطوع به على خلافه.
والقطع عندنا ثابت حتَّى بعد ملاحظة هذه الروايات، فالمعصوم قطعاً وجزماً ويقيناً لا يهم بمعصية فضلاً عن أن يرتكبها ولو كانت صغيرة، فكيف بكبيرة بمستوى هدم أجزاء من المسجد الحرام أو المسجد النبوي الشريف؟
ومع استقرار القطع يزول أي احتمال على خلافه.
٣ - لا حاجة إلى أن يتم ردّ واحد على كل موارد الإشكال بالنحو الذي يشملها جميعاً، بل يكفي الاحتمال كما قلنا ويكفي احتمال جواب واحد من مجموع التوجيهات التي ذكرت لهذه الروايات، بل يكفي أن يوجد توجيه ممكن لبعضها وتوجيه آخر ممكن للبعض الآخر، لأنَّ المعارض المفترض لها وفق تصوُّرنا دليل قطعي، ولا يصلح لمعارضة إلَّا ما كان قطعياً من جهاته الثلاثة (السند والدلالة والجهة).
لا ربط لمبنى عدم العصمة في الموضوعات بمحلِّ البحث:
يبدو أنَّ القول بعدم ثبوت العصمة في الموضوعات لا يجدي نفعاً في محل الكلام، فالقول إنَّ فعل الإمام (عجَّل الله فرجه)(١١) ليس حكماً شرعياً وإنَّما هو موضوع طبق عليه حكم شرعي، ولما لم تثبت عصمتهم (عليهم السلام) في الموضوعات فلا مشكلة إنْ حصل خطأ في التطبيق قول في غير محلِّه لوجوه:
١ - لم يثبت الخطأ في محل البحث ليحتاج إلى توجيه بعدم العصمة في الموضوعات، بل كلّ ما في الأمر أنَّه (عليه السلام) سيفعل أمراً مستغرباً وفق ما يُفهم من ظواهر أحكام الشريعة.
٢ - إنَّ أحكامه (عجَّل الله فرجه) مبنية على الواقع لا ما أدَّت إليه الأمارات والطرق الظنية المعتبرة في أوقات أخرى [قبل ظهوره (عجَّل الله فرجه)]، والأمر بهدم مساجد محدَّدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) بهدم المساجد أو أبعاض قسم منها.

↑صفحة ٨٨↑

أو أجزاء محدَّدة منها من هذا القبيل، فإن قيل: إنَّ حكمه اعتماداً على الواقع إنَّما هو في باب القضاء وليس المورد منه، قلنا: إنَّ المورد ليس غريباً جدًّا عن باب القضاء، وفي الرواية عن الصادق (عليه السلام): «بينا الرجل على رأس القائم (عليه السلام) يأمره وينهاه، إذ قال: أديروه، فيديرونه إلى قدامه فيأمر بضرب عنقه، فلا يبقى شيء في الخافقين إلَّا خافه»(١٢).
ولم يكن ذلك متاحاً للنبي (صلّى الله عليه وآله) حتَّى بالنسبة لمن عزم على اغتياله.
فقد روى الطبرسي في الاحتجاج... قال أبو محمد العسكري (عليه السلام): «لقد رامت الفجرة ليلة العقبة قتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على العقبة... فما قدروا على مغالبة ربهم... فدبَّروا عليه أن يقتلوه... حملهم على ذلك حسدهم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام)... ولما عرف أسماءهم بالوحي لم يحدّد لهم حدّاً ولم يأمر القبائل بإحضارهم حتَّى لا يقال: إنَّ محمداً يقتل أصحابه»(١٣).
٣ - إنَّ الروايات قد أكَّدت على حصول هذه الحوادث منه (عجَّل الله فرجه)، فهل تراها تحدِّثنا عن فعل له قبل أكثر من ألف وثلاثمائة سنة ويكون مخالفاً لواقع الشريعة؟ ليس من الحكمة قبول ذلك.
فإن قلت: لِمَ قبلنا ذلك من أنبياء بناء عدم العصمة في الموضوعات أو بناءً على أنَّهم مأمورون بالعمل بالظنون المعتبرة ولو علموا بمخالفتها للواقع كما في قضية حكم داود (عليه السلام) في قضية الغنم التي نفشت في حرث القوم(١٤) على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) بحار الأنوار: ج٥٢، ص٣٥٥.
(١٣) الاحتجاج: ج١، ص٥٩-٦٠.
(١٤) قال تعالى: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ * فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٨-٧٩) في الرواية.
هذا بناءً على أنَّ داود (عليه السلام) أراد أن يحكم بالواقع وسليمان (عليه السلام) حكم وفق الظاهر، وإلَّا فإنَّ الروايات في موروثنا نشير إلى غير ذلك.
قال في الميزان: السياق يعطي أنَّها واقعة واحدة بعينها رفع حكمها إلى داود لكونه هو الملك الحاكم في بني إسرائيل وقد جعله الله خليفة في الأرض كما قال: ﴿يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (ص: ٢٦)، فإذا كان سليمان يداخل في حكم الواقعة فعن إذن منه ولحكمة ما، ولعلَّها إظهار أهليته للخلافة بعد داود، ومن المعلوم أن لا معنى لحكم حاكمين في واقعة واحدة شخصية مع استقلال كل منهما في الحكم ونفوذه، ومن هنا يظهر أنَّ المراد بقوله: (إذ يحكمان) إذ يتناظران أو يتشاوران في الحكم، لا إصدار الحكم النافذ، ويؤيِّده كمال التأييد التعبير بقوله: (إذ يحكمان) على نحو حكاية الحال الماضية كأنَّهما أخذا في الحكم أخذاً تدريجياً لم يتم بعد ولن يتم إلَّا حكماً واحداً نافذاً وكان الظاهر أن يقال: إذ حكما...
ثم يتم كلامه ويضعف احتمال أن يكون حكم سليمان ناسخاً لحكم داود (عليهما السلام) لأنَّ ظاهر حمل الآية لا يساعد عليه، ويضعف بعد ذلك احتمال كون الحكمين عن اجتهاد منهما مع الجهل بحكم الله الواقعي. [الميزان: ج١٤، ص٢٥٣-٢٥٤، طبعة دار إحياء التراث العربي]
وإشارته إلى النسخ قصد بها قول الجبائي، فقد نقل الشيخ الطوسي في التبيان عنه أنَّه قال: «أوحى الله إلى سليمان مما نسخ به حكم داود الذي كان يحكم به من قبل، ولم يكن ذلك عن اجتهاد، لأنَّ الاجتهاد لا يجوز أن يحكم به الأنبياء» [التبيان: ج٧، ص٢٦٧، طبعة مطبعة النعمان].
وعبارة الجبائي الأخيرة (ولم يكن ذلك عن اجتهاد...) ناظرة إلى مبنى ابن الأخشاذ والبلخي والرماني حيث قالوا: يجوز أن يكون ذلك عن الاجتهاد، لأنَّ رأي النبي أفضل من رأي غيره، فكيف يجوز التعبُّد بالتزام حكم غيره من طريق الاجتهاد ويمتنع من حكمه على هذا الوجه... إلى آخر كلامهم. [نفس المصدر والصفحة]

↑صفحة ٨٩↑

قول، (والقول الآخر ما ذكره الجبائي وقال عنه الطوسي في تبيانه وهذا هو الصحيح عندنا).
قلنا: هناك فرق كبير من أكثر من جهة:
الأولى: أنَّ الناس لم تكن تتحمَّل قبله (عجَّل الله فرجه) مثل هذه الأحكام، فإذا ظهر تمَّت الحجَّة على الناس وارتقوا إلى قبول ذلك منه (عجَّل الله فرجه)، فيحكم ولا يسأل عن البيِّنة كما ورد في جملة من الروايات، ففي الرواية عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن عيسى عن يونس عن حريز، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «لن تذهب الدنيا حتَّى يخرج رجل منا أهل البيت يحكم بحكم داود وآل داود لا يسأل الناس بيِّنة»(١٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) الكافي: ج١، ص٣٩٧.

↑صفحة ٩٠↑

وفي وصف لا يسأل الناس بيِّنة واستعمال الفعل المضارع دلالة على أنَّ طريقته كذلك، وإلَّا كان المناسب أن يقال قد لا يسأل أو ربَّما لا يسأل الناس بيِّنة.
وعن أحمد بن محمد عن ابن سنان عن أبان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «لا تذهب الدنيا حتَّى يخرج رجل مني يحكم بحكومة آل داود لا يسأل عن بيِّنة يعطي كل نفس حقها»(١٦).
وهذا الوصف موجود في رواية أبي عبيدة(١٧).
وعن دعوات الراوندي(١٨).
وفي الرواية التي بعدها في البحار في قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ (الرحمن: ٤١).
وفي ح٧٤ «لا يبتغي بيِّنة» وح٨٦ «لا يحتاج إلى بيِّنة».
وفي رواية عرض الإيمان على كل ناصب فإن دخل فيه بحقيقته وإلَّا ضرب عنقه أو يؤدِّي الجزية كما يؤدِّيها اليوم أهل الذمَّة(١٩).
وفي قوله بحقيقته دلالة على أنَّه لا يحكم اعتماداً على ظاهر حال أو بيِّنة ظنية، فإنَّ الإيمان بحقيقته لا يمكن إقامة البيِّنة عليه.
الثانية: أنَّ عمل الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) بالأمارات الظنية ولو خالفها الواقع وعلموا بذلك إنَّما هو من جهة اقتداء الناس بهم، ولما لم يتيسَّر للناس أن يعلموا بالواقع عادة فقد ألزمتهم الشريعة بأن يعملوا بالأمارات الظنية المعتبرة شرعاً ضمن شرائط خاصة، ففي الزنا لم يقبل الشارع المقدس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) بحار الأنوار: ج٥٢، ص٣٢٠.
(١٧) بحار الأنوار: ج٥٢، ص٣٢٠، ح٢٤.
(١٨) بحار الأنوار: ج٥٢، ص٣٢٠، ح٢٥.
(١٩) بحار الأنوار: ج٥٢، ص١٧٥.

↑صفحة ٩١↑

إلَّا بأربعة شهود عدول، ولم يقبل بشهادة النساء منفردات إلَّا فيما يعسر على الرجال الاطِّلاع عليه كبكارة المرأة، ولا منضمَّات إلى الرجال إلَّا في الأمور المالية، وأن تكون شهادة الرجل بشهادة امرأتين، وفي كلِّ ذلك تشترط العدالة ولا تكفي الوثاقة، وإنَّما يكون الاقتداء فيما طبقه المقتدى به في فعله.
أمَّا في دولة آخر الزمان فإنَّه لا مجال لحكم غير المعصوم بعدها حتَّى يرث الله الأرض، فلا حاجة إلى لجوئه (عليه السلام) إلى العمل بالظواهر وترك الواقع.
نعم، لقائل أنْ يقول: إنَّ اتِّساع دولته (عجَّل الله فرجه) يجعل من المستبعد إن لم يكن من المحال (عادة) أن يتصدَّى بشخصه لكلِّ قضايا القضاء، فلابدَّ أن يكون في البلدان قضاة وهؤلاء لا يتيسَّر لهم الاطِّلاع على الواقع، فالمحذور الذي منع الأنبياء والمعصومين من الحكم بالواقع يبقى فيه (عجَّل الله فرجه).
٤ - إنَّ مسألة مثل هدم جزء من المسجد الحرام أو المسجد النبوي من المسائل المهمَّة عند المسلمين، والقيام بهدم جزء منها وتحجيم مساحتها لا يمكن إلَّا أن يكون بعد وضوح الأمر عنده (عجَّل الله فرجه)، ومن المستبعد جداً أن يقع خطأ في هذا المورد وإن جعلناه ممكناً في موارد أخرى.
٥ - بعد أن تعارف لأكثر من ألف وثلاثمائة عام عند المسلمين كون هذه التي ستهدم أجزاء من هذه المساجد لا يبقى مجال لطريق ظني (قد يخطئ الواقع) يحكي عن عدم شرعية توسعة المسجدين ليشملا هذه الزيادة والتوسعة، فأمره (عجَّل الله فرجه) بهدم التوسعة لا يكون معتمداً على طريق ظني معتبر تعبُّداً ويكون قابلاً في الواقع للإصابة والخطأ، فالطريق عنده (عليه السلام) في هذه المسألة منحصر بالعلم الذي لا يتطرَّق إليه الخطأ.
وقبل كل ذلك نحن لا نقبل بهذا المبنى (عدم العصمة في الموضوعات) فيه (عجَّل الله فرجه) وإن قبل به في غيره من الأئمة (عليهم السلام)، وإلَّا فنحن لا نقبله في أي أحد من الأئمة (عليهم السلام) فضلاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

↑صفحة ٩٢↑

ردُّ شبهة هدم المساجد:
وأمَّا دفع هذه الشبهة فهناك جملة من الوجوه:
الوجه الأوَّل: عدم وقوع البناء بداعي القربة:
قد تكون هذه المساجد أو الإضافات والتوسعة التي حصلت لها قد بنيت على غير تقوى الله تعالى، والقرآن حفظ لنا واقعة مسجد ضرار:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (التوبة: ١٠٧).
وقد ذكر الطبرسي في مجمع بيانه أنَّ أبا عامر الفاسق كان قد أرسل إلى المنافقين أن استعدوا وابنوا مسجداً فإنِّي أذهب إلى قيصر وآتي من عنده بجنود وأخرج محمداً من المدينة، فكان هؤلاء المنافقون يتوقَّعون أن يجيئهم أبو عامر فمات قبل أن يبلغ ملك الروم... إلى أن قال: فوجَّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عند قدومه من تبوك عاصم بن عوف العجلاني ومالك بن الدخشم، وكان مالك من بني عمرو بن عوف، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه، وروي أنَّه بعث عمار بن ياسر ووحشياً فعرفاه وأمر بأن يتَّخذ كناسة يلقى فيها الجيف(٢٠).
ونحن نجزم أنَّ كثيراً من المساجد قد بنيت على غير تقوى الله تعالى، ومنها التوسُّعات التي حصلت في المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف.
مراحل توسعة المسجد الحرام:
مرَّت توسعة الحرم المكي الشريف بمراحل تاريخية متعدِّدة ليكون الواقع الحالي (١.٥٠٠.٠٠٠م٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) مجمع البيان: ج٣، ص٧٣، طبعة مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي.

↑صفحة ٩٣↑

ففي عام (١٧هـ) أجرى الخليفة الثاني توسعة كبيرة بعد زيادة عدد المسلمين وأضاف (١١٠٠م٢) الطبري في تاريخ الرسل والملوك؛ البلاذري في فتوح البلدان.
٢ - في عهد الخليفة الثالث سنة (٢٦هـ) وسع المسجد الحرام وبناه بالحجارة المنقوشة والسقوف المزخرفة.
٣ - في عهد عبد الله بن الزبير إثر حريق.
٤ - في عهد عبد الملك بن مروان ثم ابنه الوليد سنة (٧٣هـ) و(٩١هـ) حصلت توسعة كبيرة جداً وهو أول من أدخل الرواق المسقوف في البناء واستعمل زخارف بيزنطية(٢١).
٥ - المنصور الدوانيقي سنة (١٣٧هـ) وقد وسع المسجد ورفع الأروقة(٢٢).
٦ - المهدي العباسي سنة (١٦٠هـ) وقد أجرى أعظم توسعة إلى زمانه حتَّى صارت المساحة النهائية (١٢.٠٠٠م٢)(٢٣).
٧ - السلطان سليم الثاني وابنه مراد الثالث في القرن العاشر الهجري، وقد أجريت خلال هذه الفترة ترميمات وتحسينات لا توسعة كبيرة، وأدخلت أعمدة رخامية ورفعت القباب.
٨ - السلطان عبد المجيد الأول منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وقد أجري ترميم شامل وتوسعة محدودة وأدخل التذهيب والرخام الفاخر(٢٤).
٩ - الملك عبد العزيز آل سعود عام (١٣٤٤هـ) توسعة بسيطة وتسقيف الصحن وتوسيع المطاف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) ابن كثير في البداية والنهاية والمقريزي في الخطط.
(٢٢) السمهودي في وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى.
(٢٣) الفاسي في شفاء الغرام والسمهودي.
(٢٤) خير الدين الزركلي في الأعلام وفي العهد المسعودي أجريت عدَّة توسعات.

↑صفحة ٩٤↑

١٠ - الملك سعود بن عبد العزيز (١٣٧٥هـ) الذي نفذ مشروعاً ضخماً لإزالة الأبنية المجاورة وإضافة مبان جديدة وتحوَّلت المساحة من (١٨.٠٠٠م٢) إلى (١٦٠.٠٠٠م٢).
١١ - الملك فيصل وخالد وفهد وقد بلغت المساحة بعد هذه التوسعات (٣٦٠.٠٠٠م٢).
١٢ - الملك عبد الله بن عبد العزيز أطلق توسعة كبرى في المسعى طولاً وعرضاً ولطوابق ثلاث، حتَّى وصلت الطاقة الاستيعابية إلى مليوني مصلي (نعم، لا علاقة لتطوير المسعى وتوسعته بالموضوع محل البحث والذي هو هدم مساجد أو بعض من مساجد، إذ المسعى ليس من المساجد).
وفي زمن الملك سلمان لا زال العمل جارياً على إكمال توسعة الملك عبد الله.
وبالمجمل أضاف عمر وعثمان (١٥٠٠م٢)، وأضاف الأمويون (٥٠٠٠م٢)، والعباسيون (١٠.٠٠٠م٢).
وتصوّر أن تجري توسعة كبيرة باسم الوليد الذي رمى القرآن بسهم قائلاً له:
إذا ما جئت ربَّك يوم حشر * * * فقل يا ربِّ مزَّقني الوليد
ويمكن تعقُّل أنَّه أجرى التوسعة لوجه الله تعالى، فالذي يتحدَّث بكفر أو ما يلازم الكفر يمكن أن يأتي منه عمل بداعي القربة، لكن ألا نحتمل أنَّ تلك الزيادات لم تكن بداعي القربة؟
والباقون لا يختلفون كثيراً، ولست في مقام الاستنباط ليشكل بأنَّه ربَّما كان هذا العمل صحيحاً، بل يكفيني الاحتمال لتوجيه ما ورد من هدم الإمام (عجَّل الله فرجه) للزيادات.
مراحل توسعة المسجد النبوي:
وأمَّا المسجد النبوي الشريف فقد حصلت فيه توسعات متعددة إذ كان حين بنائه بمساحة (١.٠٥٠م٢).

↑صفحة ٩٥↑

ثم وسَّعه الخليفة الثاني ليصبح بمساحة (٢٥٧٦م٢) تقريباً(٢٥).
ثم وسَّعه الخليفة الثالث ليصبح بمساحة (٤٩٦٢م٢)(٢٦).
ثم وسَّعه الخليفة الثالث ليصبح بمساحة (٨.٦٩٠م٢) كما في البداية والنهاية لابن كثير.
ثم وسَّعه المهدي العباسي ليصبح بمساحة (٨.٩٠٠م٢)(٢٧).
ثم وسَّعه السلطان عبد المجيد الأول ليصبح بمساحة (١٢.٩٠٣م٢)(٢٨).
ثم وسَّعه الملك عبد العزيز والملك سعود ليصبح بمساحة (١٦.٣٢٧م٢).
ثم توسُّعات الملوك فيصل وخالد وفهد ليصبح بمساحة (٩٨.٥٠٠) + الساحات.
ثم وسَّعه الملك عبد الله ليصبح بمساحة مليون متر مربع (بعد الإتمام) وهي التوسعة السعودية الثالثة.
طبعاً تخلَّل بين هذه التوسُّعات عمليات ترميم كما حصل في زمن المماليك على يدِ الأشرف قايتباي.
فهلَّا احتملنا أنَّ بعض عمليات التوسعة لم يرد بها وجه الله تعالى؟
وهناك أمثلة متعدِّدة لزعماء دول إسلامية بنوا مساجد واسعة لدوافع سياسية ورمزية كجامع الفتاح العليم الذي بناه السيسي وافتتح عام (٢٠١٩م) ويتسع لـ(١٧ ألف) مصلٍّ، وقد افتتحه بالتزامن مع كاتدرائية للمسيح، ويعد أحد أكبر مساجد أفريقيا، والسيسي يحكم بنزعة أمنية شديدة العلمانية.
وكذلك جامع الجزائر الأعظم الذي بناه عبد العزيز بوتفليقة وافتتح عام (٢٠١٩م) أيضاً، وهو ثالث أكبر مسجد في العالم وارتفاع المأذنة بلغ (٢٦٥م)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) كما في وفاء الوفاء: ج٢، ص٥٠٢.
(٢٦) نفس المصدر: ص٥١٠.
(٢٧) كما وفاء الوفاء للسمهودي: ج٢.
(٢٨) تاريخ عمارة المسجد النبوي - محمد إلياس عبد الغني.

↑صفحة ٩٦↑

وبوتفليقة لا ديني، ومثلهما المسجد الكبير في تركمانستان (عشق آباد) والذي بناه صبر مراد نيازوف وافتتح عام (٢٠٠٤) وهو يسع لعشرة آلاف مصلٍّ، والمفارقة أنَّ نيازوف كان علمانياً مستبداً وقد ألف كتاباً بديلاً عن القرآن وهو الرخنامة.
فهل بناه وأسَّسه على التقوى؟
ومثلها مسجد نور السلطان في كازاخستان والذي بني على يد نور سلطان نزار باييف وهو أكبر مسجد في آسيا الوسطى وبتصميم عصري فاخر، والمفارقة أن الباني علماني اشتراكي حكم البلاد لمدة طويلة بقبضة أمنية قوية.
إنَّ الباعث لكلِّ هؤلاء وغيرهم من الزعماء هو:
١ - استخدام الدين في صورته الرمزية لأغراض تعزيز الشرعية السياسية.
٢ - امتصاص المعارضة الدينية.
٣ - إبراز الهوية الوطنية - القومية بمظهر إسلامي.
٤ - ترك بصمة شخصية تمجد الزعيم، فهي نوع من عبادة الشخصية مغلفة بالدين.
وكيف لا نقبل من معصوم هدم مثل هذه المساجد التي لم تبنِ على التقوى؟
مناقشة هذا الوجه:
يبقى على هذا الوجه وبعض الوجوه الأخرى أن تحقّق هذه الزيادات قد بدأ قبل خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم يسعَ (عليه السلام) إلى هدم هذه الزيادات ولم يشر إلى أنَّها تستحق الهدم، ولم يرد في كلمات أهل البيت (عليهم السلام) شيء من أنَّ هذه الإضافات تستحق الهدم.

↑صفحة ٩٧↑

هذا مضافاً إلى أنَّ الآية التي تحدَّثت عن هدم مسجد ضرار وفعل النبي (صلّى الله عليه وآله) قد يكون مرتبطاً بأمر زائد على مجرَّد أنَّه لم يؤسِّس على التقوى، بل بني لأجل الإضرار بالمؤمنين ودولتهم ولغاية التفريق بينهم وليكون ملتقى للذين يحاربون الله ورسوله، وأين هذا من مجرَّد البناء لا بداعي القربة إلى الله تعالى؟ كما يحصل بالزيادات.
ثم إنَّ الآية الشريفة نهت عن القيام فيه أبداً، وصيغة النهي ظاهرة في الحرمة وكلمة أبداً تعزِّز هذا الظهور إن لم تحوله إلى نصٍّ قطعي، ولا أعتقد أنَّ أحداً يمكنه الجزم بأنَّ تلك الزيادات أو بعضها قد نهينا عن الصلاة فيه بنحو التحريم، وإلَّا لكان على المعصومين بيانه والإشارة إليه في الوارد عنهم من الأحاديث.
وفوق ذلك كلّه أنَّ إطلاقات الروايات التي تحدَّثت عن فضل هذه المساجد وثواب الصلاة فيها تنصرف إلى المساجد بحدودها التي كانت في زمان صدور هذه الروايات، وقد حصلت عدَّة توسُّعات قبل صدورها.
فظاهر الروايات يشمل هذه الزيادات.
ولذا فإنَّ هذا الوجه غير تام لا أقل في المساجد التي حصلت فيها زيادات على عهد الأئمة المعصومين (عليهم السلام).
نعم، تنفعنا الآية وموردها في إثبات جواز هدم المسجد في الجملة، أمَّا الهدم لمجرَّد أنَّه بُني لا بداعي القُربة فهو مما تصعب استفادته من الآية الشريفة ومن مورد وشأن نزولها.
الوجه الثاني: المخالفة للضوابط ولو غير الإلزامية:
قد يكون الأمر بالهدم لمخالفة بعض الضوابط في المساجد أو لمنافاة مع غاية اتِّخاذها محالًّا للعبادة.
وهذا ما تعرَّضت له جملة من الروايات، فالحكم غير خاص بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).

↑صفحة ٩٨↑

ويبدو أنَّ لعنوان المسجد وارتباطه بالعبادة والتقديس الذي يناله لذلك دخالة في نفرة النفوس من الأمر بتهديم المسجد أو بعض أجزائه، وقد تحوَّلت السيرة كثيراً في كيفية بناء المساجد، وهذه السيرة ليست سيرة عقلائية(٢٩)، بل هي لو كانت فهي سيرة متشرِّعة، لكن يشترط في سيرة المتشرِّعة أن تكون مأخوذة من المعصوم (عليه السلام)، والسيرة على ما هي عليه اليوم من طريقة بناء أكثر المساجد ليست مأخوذة منهم (عليهم السلام).
نعم، فيما هو أوسع من دائرة الشريعة الإسلامية عظَّم الناس محال عباداتهم ولو كانت دياناتهم باطلة ومعتقداتهم غير حقَّة، ولذلك فإنَّ أبرز ما يبقى من المدن الأثرية معابدها كالزقورات(٣٠) والمعابد كمعبد الحضر(٣١)، ومعبد الكرنك(٣٢) في الأقصر بمصر، ومعبد بعلبك(٣٣) في لبنان، وانغكورات(٣٤) في كمبوديا، وأكروبوليس(٣٥) في اليونان وتشيتشن(٣٦) في المكسيك، ومعبد ثيرو فارانجام في مدينة شري رانغام التابعة لولاية تاميل نادو جنوب الهند الذي أنشئ في القرن السادس قبل الميلاد، وقد أتيت بأمثلة لكلِّ القارات التي قامت فيها حضارات، (وأمَّا استراليا وأمريكا الشمالية فلم تقم فيها حضارات)، وهي طريقة استمرت لآلاف السنين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) نعم، هي ظاهرة عقلائية نشأت من تلاقي الحاجة الفطرية للاتِّصال بالمقدَّس مع الحاجة المجتمعية للتنظيم والهوية ومع الطموح السياسي، فإن كفى ذلك في صدق السيرة العقلائية عليها فهي إذن سيرة عقلائية وإلَّا فلا.
(٣٠) بنيت زقورة أور في القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد.
(٣١) بني في بداية القرن الأوَّل الميلادي.
(٣٢) بني عام ١٩٧١ قبل الميلاد واستمر تطويره لـ١٥٠٠ سنة.
(٣٣) بني في القرن الأوَّل أو الثاني الميلادي وكان أكبر معبد في الأمبراطورية الرومانية.
(٣٤) بني في القرن الثاني عشر الميلادي وكان معبداً هندوسياً ثم تحوَّل إلى معبد بوذي.
(٣٥) بني في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد.
(٣٦) بني بين القرنين الثامن والثاني عشر الميلاديين.

↑صفحة ٩٩↑

وهناك جملة من الروايات تحدَّثت عن بعض المخالفات للضوابط الشرعية في بناء بعض المساجد:
١ - في الفقيه وقال أبو جعفر (عليه السلام): «أوَّل ما يبدأ به قائمنا سقوف المساجد فيكسرها ويأمر بها فيجعل عريشاً كعريش موسى»(٣٧).
والعريش ما يستظل به، ويمكن أن يكون المراد أنَّه (عجَّل الله فرجه) يرفع السقوف ثم يضع بدلاً عنها أخشاباً تغطى بالقش أو سعف النخيل أو العشب المجدول.
٢ - وفيه أيضاً: كان علي (عليه السلام) إذا رأى المحاريب في المساجد كسرها ويقول: «كأنَّها مذابح اليهود»(٣٨)، ومثلها مع اختلاف يسير ما جاء في العلل الجزء الثاني، ب٧.
ومذابح اليهود أماكن خاصة في معابدهم تجعل فيها القرابين وتقدّم فيها الشعائر، وغالباً ما تكون مشرفة مرتفعة مزيَّنة وترمز إلى التقديس المبالغ فيه للمكان.
٣ - وفي رواية ثالثة: رأى علي (عليه السلام) مسجداً بالكوفة قد شرف، قال: «كأنَّه بيعة، إنَّ المساجد لا تشرف، تبنى جُمًّا»(٣٩).
و«لا تشرف» يراد به لا تزيَّن وترفع على وجه الفخر أو التفاخر المعماري، وشبَّهه (عليه السلام) بالبيعة التي هي الكنيسة، وقصد من حيث العلو والزينة والتشريف، ويمكن أن يكون المقصود لا تبنى لها شُرَف.
و«جُم» أصل الكلمة تعني الكثرة من غير ترتيب متكلَّف والمراد تبنى ببساطة، وكيف كان ففي الرواية نقد لاختلاط الطابع التعبُّدي البسيط بطابع الاستعلاء الدنيوي، ومن هذا الفهم وجَّه الفيض الكاشاني ما ورد من المنع،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) من لا يحضره الفقيه: ج١، ح٧٠٦.
(٣٨) نفس المصدر: ح٧٠٧.
(٣٩) نفس المصدر: ح٧٠٨؛ علل الشرائع: ج٢، باب٨.

↑صفحة ١٠٠↑

عن الوقف على المساجد(٤٠) بقوله: (والمستفاد من الخبر تعليل المنع بالتشبُّه بالمجوس، ولعلَّ الأصل فيه خفَّة مؤونة المساجد وعدم افتقارها إلى الوقف إذا بنيت كما ينبغي، وإنَّما افتقرت إليه للتعدِّي عن حدِّها)(٤١).
ومحلِّ الاستشهاد في كلامه عبارته الأخيرة.
٤ - وفي الرواية أنَّ علياً (عليه السلام) مرَّ على منارة طويلة وأمر بهدمها، ثم قال: لا ترفع المنارة إلَّا مع سطح المسجد(٤٢).
إشكال في ناسخية الحكم المهدوي للشريعة الخاتمة:
قال شيخنا الطبرسي في كتاب إعلام الورى: فإن قيل: إذا حصل الإجماع على أن لا نبي بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأنتم قد زعمتم أنَّ القائم (عليه السلام) إذا قام لم يقبل الجزية من أهل الكتاب، وأنَّه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقَّه في الدين، وأمر بهدم المساجد والمشاهد وأنَّه يحكم بحكم داود (عليه السلام)، لا يسأل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠) وسُئل - أي الصادق (عليه السلام) - عن الوقوف على المساجد، فقال: «لا يجوز، فإنَّ المجوس أوقفوا على بيوت النار» [من لا يحضره الفقيه: ج١، ح٧١٩].
وروى الشيخ في التهذيب عن العباس بن عامر عن أبي الصحارى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: رجل اشترى داراً فبقيت عرصة فبناها بيت غلة، أتوقف على المسجد؟ فقال: «إنَّ المجوس أوقفوا على بيت النار» [التهذيب: ج٢، ص٣٧٦].
(٤١) وهناك روايات دلَّت على استحباب الوقف والصدقة الجارية عموماً، وخبر المنع [كما يقول الحر العاملي في الوسائل: ج٥، باب٦٦، من أبواب أحكام المساجد] غير صريح في المنع، بل يحتمل إرادة الجواز، والاستدلال عليه بالأولوية لما مرَّ من الأمر بعمارة المساجد والإسراج فيها وكنسها وغير ذلك، والوقف وسيلة إلى جميع ما ذكر، ولفظ «لا» في الحديث الأوَّل (ما رواه الفقيه) موجود في بعض النسخ وغير موجود في بعضها، وعلى تقدير وجودها يحتمل أن يكون المراد أنَّه لا يجوز الوقف على المسجد لأنَّه لا يملك، بل يجب كون الوقف على المسلمين ليصرف في مصالح مساجدهم، وقد حمله العلامة والشهيد على الوقف للتزويق والزخرفة، وحمله بعضهم على الوقف لتقريب القربان وعلى وقف الأولاد لخدمتها كما في الشرع السابق والله أعلم. [وسائل الشيعة: ج٥، أبواب أحكام المساجد، ب٦٦، ص٢٩٢، طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث الإسلامي]
(٤٢) الفقيه: ج١، ح٧٢٢.

↑صفحة ١٠١↑

الناس بيِّنة، وأشباه ذلك مما ورد في آثاركم، وهذا قد يكون نسخاً للشريعة وإبطالاً لأحكامها، فقد أثبتم معنى النبوَّة وإن لم تتلفَّظوا باسمها، فما جوابكم عنها؟
الجواب: أنَّا لم نعرف ما تضمَّنه السؤال من أنَّه (عليه السلام) لا يقبل الجزية من أهل الكتاب وأنَّه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقَّه في الدين، فإن كان قد ورد بذلك خبر فهو غير مقطوع به، فأمَّا هدم المساجد والمشاهد فقد يجوز أن يختصّ بما بني بعد ذلك على غير تقوى الله تعالى، وعلى خلاف ما أمر الله سبحانه به، وهذا مشروع قد فعله النبي (صلّى الله عليه وآله)... إلى آخر كلامه (رضوان الله عليه) والذي بيَّن فيه أنَّه لا شيء من ذلك موجب لنسخ حكم الإسلام.
مناقشة هذا الوجه:
يرد على هذا الوجه أيضاً أنَّه لا يقبل به كوجه يمكن من خلاله توجيه كل عمليات الهدم التي تحدَّثت عنها الروايات في زمانه (عجَّل الله فرجه)، لأنَّه ينقض عليه بأنَّ بعضاً من عمليات الهدم تشمل ما حصل من زيادة على عهد المعصوم حضوراً، بل وتصدِّياً، كالزيادات التي وقعت قبل خلافة علي (عليه السلام) دون إنكار أو محاولة لتغيير أو حتَّى إشارة إلى أنَّ حقّ هذه الزيادات أن تزال وترجع تلك المساجد إلى أساساتها التي بنيت قبل حصول هذه الزيادات.
نعم، قد يقال بأنَّ علياً والحسن (عليهما السلام) في فترة خلافتهما قد انشغلا بالفتن التي استمرَّت طيلة فترة خلافتهما، ولذلك لم تسعفهما الظروف لتولِّي هدم الزيادات وإعادة البناء، فلا ينقض بعدم تصدِّيهما لذلك وهما خليفتان، لكن يمكن أن يدفع بمحاولة أو حتَّى إشارة في كلام، وعلي (عليه السلام) لم يتيسَّر له المنع عن صلاة التراويح المبتدعة في شهر رمضان لكنَّه أراد ذلك وحفظت لنا الروايات أنَّه (عليه السلام) بيَّن أنَّها بدعة لم تكن على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعنوان أنَّها مستحبة بعنوانها(٤٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣) في شرح نهج البلاغة: روي أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لما اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن ينصب لهم إماماً يصلِّي بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم وعرَّفهم أنَّ ذلك خلاف السُنَّة، فتركوه واجتمعوا لأنفسهم وقدَّموا بعضهم، فبعث إليهم ابنه الحسن (عليه السلام)، فدخل عليهم المسجد ومعه الدرَّة، فلمَّا رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا: وا عمراه، وهذا القول: روي... إنَّما هو جزء من كلام السيد المرتضى الذي أورده ابن أبي الحديد. [شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج٣، ص١٧٨، طبعة دار إحياء التراث العربي]

↑صفحة ١٠٢↑

هذا فضلاً عن سكوت بقية الأئمة (عليهم السلام) عن ذلك واكتفوا ببيان أنَّ الإمام الثاني عشر سيتصدَّى لعملية هدم بعض المساجد وهدم أجزاء من بعضها الآخر.
إشكال ودفع:
أمَّا الإشكال فهو أنَّ الأئمة (عليهم السلام) وإن لم يتعرَّضوا لبيان حال الزيادة إلَّا أنَّه قد يقال: بأنَّ مجرَّد تعرُّضهم لبيان أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) سيهدمها أو أجزاء منها كافٍ في بيان أنَّ هدمها سائغ وفق القواعد العامة.
لكن يدفعه: أنَّ ذلك غير كافٍ، إذ لا ملازمة بين الأمرين، خصوصاً مع ما سيأتي من احتمال التكليف الخاص للحجة (عجَّل الله فرجه).
والحاصل أنَّه لا يمكن السكون لهذا الوجه أيضاً.
الثالث: الحفاظ على خصوصية بعض المساجد:
هناك وجه يجري في بعض المساجد دون غيرها وهو أنَّه قد ثبتت الخصوصية لبعض المساجد كالمسجد الحرام(٤٤) والمسجد النبوي ومسجد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤) في رواية الفقيه بسند معتبر عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: «من صلَّى في المسجد الحرام صلاة مكتوبة قبل الله منه كل صلاة صلاها منذ يوم وجبت عليه الصلاة، وكلّ صلاة يصلِّيها إلى أن يموت» [الفقيه: ج١، ح٦٨١].
وفي رواية خالد بن ماد القلانسي وهي تامة السند أيضاً عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «مكَّة حرم الله وحرم رسوله وحرم علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، الصلاة فيها بمائة ألف صلاة والدرهم فيها بمائة ألف درهم والمدينة حرم الله وحرم رسوله وحرم علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، الصلاة فيها بعشرة آلاف صلاة، والدرهم فيها بعشرة آلاف درهم، والكوفة حرم الله وحرم رسوله وحرم علي بن أبي طالب (عليهما السلام) والصلاة فيها بألف صلاة» وسكت عن الدرهم. [الفقيه: ج١، ح٦٨٠].
ويحتمل قوياً أن يراد بمكة المسجد الحرام وبالمدينة المسجد النبوي وبالكوفة مسجدها بقرينة مقدار الثواب المذكور في الرواية إذ إنَّه مذكور في روايات أخرى للمساجد، وبقرينة كراهة الإقامة في مكَّة لأكثر من سنة كما في رواية الكافي ولا ينسجم ذلك إذا كانت كل صلاة فيها تعدل مائة ألف صلاة، مضافاً إلى ما ورد في التفريق بين الصلاة في المدينة والصلاة في المسجد النبوي وهي معتبرة لا أقل بأحد طريقيها، فعن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الصلاة في المدينة هل هي مثل الصلاة في مسجد رسول الله؟ قال: «لا، إنَّ الصلاة في مسجد رسول الله ألف صلاة والصلاة في المدينة مثل الصلاة في سائر البلدان» [وسائل مع استحباب الإكثار من الصلاة في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ح٩].
كما أنَّ الروايات تعرَّضت لبيان حدود مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وواضح أنَّ هذا السؤال بعد حدوث التوسعة، هذا أوَّلاً، وثانياً الظاهر أنَّ الحدود مورد السؤال إنَّما هي للحصول على الخصوصية التي لا توجد خارجها ففي صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألته عن حدِّ مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: «الأسطوانة التي عند رأس القبر إلى الأسطوانتين من وراء المنبر عن يمين القبلة وكان من وراء القبلة طريق تمر به الشاة ويمر الرجل منحرفاً وكان ساحة المسجد من البلاط إلى الصحن». [وسائل أبواب أحكام المساجد: باب ٥٨، ح١].
والأسطوانات إنَّما تكون وسط المسجد لأنَّها تجعل ليحمل عليها السقف فلا تكون الأسطوانة حدّاً إلَّا إذا توسَّع المسجد خارج الحدود، فكيف تجعل ثلاث أسطوانات حدّاً للمسجد إذا لم يكن بناؤه قد توسَّع عن حدِّه؟
ومثلها رواية أبي بصير المرادي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «حدِّ الروضة في مسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى طرف الظلال، وحدّ المسجد إلى الأسطوانتين عن يمين المنبر إلى الطريق مما يلي السوق» [نفس المصدر والباب، ح٣].
ولا مشكلة في السند إلَّا من جهة أبي بصير المرادي أي ليث بن البختري وقد وثقه كل من الشيخ الطوسي والنجاشي بل اعتمد المشهور روايته.

↑صفحة ١٠٣↑

الكوفة، ولذا كان الثواب المستحق على الصلاة فيها مختلفاً عن ثواب الصلاة في غيرها، والخصوصية لا تقف على الثواب فقط، بل قد تنعكس على أعمال أخرى كقبول الصلوات الأخرى، أو ثبوت استحباب خاص(٤٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥) في صحيحة العلاء بن رزين التي رواها عبد الله بن جعفر في قرب الإسناد، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «تصلِّي في المسجد الذي عندكم الذي تسمُّونه مسجد السهلة ونحن نسمِّيه مسجد الثرى»؟ قلت: إنِّي لأصلِّي فيه جعلت فداك، قال: «ائته فإنَّه لم يأته مكروب إلَّا فرَّج الله كربته»، أو قال: «قضى الله حاجته، وفيه زبرجدة فيها صورة كل نبي وكل وصي» [وسائل أحكام المساجد: باب ٤٩، ح٧].

↑صفحة ١٠٤↑

والخصوصية التي وردت في الروايات شملت المسجد الحرام، ومسجد الخيف، والمسجد النبوي، ومسجد الكوفة، والمسجد الأقصى، ومسجد السهلة، ومسجد قبا، ومسجد الفضيخ، ومسجد الفتح، ومسجد براثا، ومسجد غدير خم.
ويمكن استظهار هذا الوجه من الروايات التي جاء فيها: «ويرد البيت إلى موضعه».
مناقشة هذا الوجه:
قد يشكل على هذا الوجه بأنَّ الزيادة قد نصَّ على دخولها في المسجد الحرام مما يعني أنَّ المدار على التسمية الفعلية والحدود القائمة والتي تشمل الزيادات اللاحقة وليس على التحديد التاريخي الذي لا يشمل الزيادات، وقد نقل صاحب الوسائل في ذلك روايتين:
١ - حسنة أو صحيحة جميل بن دراج، قال: قال له الطيار وأنا حاضر: هذا الذي زيد هو من المسجد الحرام؟ قال: نعم، إنَّهم لم يبلغوا بعد مسجد إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)(٤٦).
ومجهولية الطيار لا تضر باعتبار الرواية لأنَّه ليس جزءاً من سندها، فجميل بن دراج لم ينقل عنه، بل نقل كلام الصادق (عليه السلام) للطيار.
٢ - صحيحة الحسين بن نعيم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما زاد في المسجد الحرام عن الصلاة فيه، فقال: «إنَّ إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) حدّا المسجد ما بين الصفا والمروة، فكان الناس يحجُّون من المسجد إلى الصفا»(٤٧).
لكن هذا الإشكال مردود من جهة أنَّ نفس الروايتين علَّلتا الحكم بأنَّ حدود المسجد الأصلية شاملة للزيادة التي أضيفت لاحقاً للمسجد الحرام،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦) وسائل باب استحباب الصلاة فيما زيد في المسجد الحرام: ج٣، ح١، ص٥٤١.
(٤٧) وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي: ج٥، ص٢٧٨، ح٦٥٤٠/٤.

↑صفحة ١٠٥↑

فكيف يكون الهدم لأجل الرجوع إلى حدود المسجد مع أنَّ المهدوم جزء منه؟ هذا أوَّلاً.
وثانياً: لم يعلم أنَّ الحدود التي حدَّدها إبراهيم (عليه السلام) للمسجد تشمل كل الزيادات الحالية وما ربَّما يضاف على المسجد الحرام، فإنَّ الرواية الأولى ذكرت أنَّ التوسعة إلى زمان الصادق (عليه السلام) لم تصل إلى حدود ما حدَّده إبراهيم (عليه السلام)، لكن من قال: إنَّ ما حدَّده إبراهيم يشمل كل الزيادات الحالية والمستقبلية إن حصلت؟
والرواية الثانية (صحيحة الحسين بن نعيم) ذكرت التحديد من جهة الصفا والمروة ولم تذكر التحديد من بقية الجهات، وإنَّ ما سيحصل من الزيادة داخل ضمن حدود ما حدَّده إبراهيم (عليه السلام).
ومع ذلك نصَّت الروايات التي نقلناها في أوَّل البحث أنَّ الإمام (عليه السلام) يهدم ما بين المسجد إلى الصفا ويجعله مسلكاً ويهدم المنارة التي على ظهر الكعبة(٤٨)، فإذا كان حدِّ المسجد إلى الصفا فإنَّ الهدم سيكون داخل المسجد.
هذا مضافاً إلى أنَّ عدداً من الروايات(٤٩) ذكرت أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يهدم المسجد ويردّه إلى أساسه، فالملحوظ ليس الحدود التي حدَّها إبراهيم (عليه السلام).
وثالثاً: مع الإغماض عن ذلك فإنَّ غاية ما تدل عليه أنَّ زيادة المسجد الحرام تدخل فيه، ولا دلالة فيها على أنَّ الزيادة في المسجد النبوي الشريف أو بقية المساجد التاريخية والتي لها خصوصية تكون داخلة فيها، بل لا تدلَّ على أنَّ الزيادة في المسجد الحرام - خارج حدود ما ذكرته الرواية - داخلة فيه.
هذا مضافاً إلى ما تحدث من الروايات عن حدود المسجد الحرام دون التعرُّض لاستحباب الصلاة فيه، وقد نقل صاحب الوسائل روايتين:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) غيبة النعماني: ص٢٨٤.
(٤٩) الرواية الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة في أوَّل البحث.

↑صفحة ١٠٦↑

١ - صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: كان خط إبراهيم بمكة ما بين الحزورة(٥٠) إلى المسعى، فذلك الذي كان خط إبراهيم (عليه السلام) يعني المسجد(٥١).
٢ - صحيحة الحسن بن نعمان، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما زادوا في المسجد الحرام، فقال: «إنَّ إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) حدّا المسجد الحرام ما بين الصفا والمروة»(٥٢).
نعم، لا يلتزم بالخصوصية للحدِّ الأوَّل دون التوسعة بالنسبة للمساجد التي هي مسجد القبيلة أو مسجد السوق أو المسجد الجامع في أي مدينة، لأنَّ صدق العنوان لا يتحدَّد بالحدود الأولى لإنشائه، بل يصدق العنوان عليه وعلى الزيادة لو حصلت.
وكيف كان، فإنَّ هناك خصوصية متيقّنة أو محتملة لبعض المساجد، وربَّما كانت هذه الخصوصية ثابتة للمسجد بحدود معيَّنة لا تشمل الزيادة التي أنشئت في وقت لاحق، والإمام (عليه السلام) حين يظهر يرجع المساجد إلى حدودها القديمة لأجل ذلك.
قد يقال: إنَّ صحيحة عبد الله بن سنان والتي ذكرت في طيَّات البحث تنفي الخصوصية للمسجد التاريخي لأنَّ فيها: (ثم إنَّ المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول الله، لو أمرت بالمسجد فزيد فيه، فقال: «نعم»، فأمر به فزيد فيه وبناه بالسعيدة، ثم إنَّ المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول الله، لو أمرت بالمسجد فزيد فيه، فقال: «نعم»، فأمر به فزيد فيه... الخبر)(٥٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠) الحزورة: اسم موضع مشهور في مكة القديمة وكان يعد من أسواق قريش المركزية يقع في الجهة الغربية الجنوبية من المسجد الحرام، تقريباً في المنطقة التي أصبحت لاحقاً سوق السويقة وقريب من باب إبراهيم حالياً.
(٥١) نفس المصدر: ح٣.
(٥٢) نفس المصدر: ح٢.
(٥٣) الكافي: ج٣، باب بناء مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله)، ح١.

↑صفحة ١٠٧↑

وظاهر الرواية أنَّ الزيادتين قبل ضمِّهما لم تكونا جزءاً من المسجد والخصوصية غير شاملة لهما، ثم بعد الضم صارتا جزءاً وشملتهما الخصوصية، وقد يستنتج من ذلك أنَّ الخصوصية تدور مدار الواقع الفعلي ضيقاً واتِّساعاً، وإذا قبلنا بذلك أمكن قبوله في بقية الأماكن، فلا يأتي وجه دفع الإشكال من خلال الالتزام بأنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يريد أن يرجع المساجد إلى حدودها الأصلية لأجل الحفاظ على الخصوصية.
ويرده: أنَّ ذلك إن جرى في مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) فليس من الضرورة أن يجري في غيره من المساجد، فغاية ما يثبته هذا الوجه أنَّ الخصوصية لم تقتصر على الحدود الأولى للمسجد النبوي، وغير محدودة بها(٥٤)، وليس من الضروري أن يجري ذلك على المسجد الحرام مثلاً.
نعم، هناك إشكال آخر تقدَّمت الإشارة إليه مفاده حصول توسعة في المسجد الحرام والمسجد النبوي في زمن الحضور، فقد وسع المسجد الحرام في زمن الخليفة الثاني عام (١٧هـ) والخليفة الثالث عام (٢٦هـ) وفي زمن عبد الله بن الزبير بعد الحريق الذي نشب في المسجد الحرام وعبد الملك بن مروان عام (٧٣هـ) وابنه الوليد عام (٩١هـ) وفي زمن المنصور الذي تولَّى الحكم عام (١٣٧هـ) والمهدي العباسي سنة (١٦٠هـ).
ووسع المسجد النبوي في عهد الخليفة الثاني والخليفة الثالث والوليد بن عبد الملك والمهدي العباسي وكلها حصلت في زمن الحضور، ولم نجد تنبيهاً من الأئمة (عليهم السلام) إلى أنَّ الخصوصية المطلوبة لا تحقِّقها الزيادات.
ونفس سكوتهم (عليهم السلام) يكشف عن الإمضاء الذي يستبطن الجزئية وما لها من أثر الخصوصية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤) بل لا يمكننا الجزم بأنَّ أية زيادة جديدة ستشملها الخصوصية، بل غاية ما يستفاد من الرواية أنَّ الزيادتين اللَّتين حصلتا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد شملتهما الخصوصية، ولم يثبت ذلك لكلِّ زيادة وتوسعة ستحصل في المستقبل.

↑صفحة ١٠٨↑

فإن قيل بالتقيَّة أمكن قبولها بالنسبة لغير أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) لأنَّ الحديث عن نفي دخول ما زيد في المسجدين يخالف كل المذاهب الفقهية الأخرى كما يخالف رأي السلطات الحاكمة.
وإن قيل بأنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً كان يعيش التقيَّة، وقبلنا ذلك جدلاً (لأنَّه على خلاف ما نقل من سيرته)(٥٥) خلال (٢٥ سنة) بعد رحلة النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، رد بأنَّه (عليه السلام) خلال فترة حكمه أيضاً لم يتحدَّث بشيء عن ذلك ولا الحسن (عليه السلام) في الأشهر التي استلم الخلافة فيها بعد رحيل والده.
بل لم يرد عن الباقر (عليه السلام) في فترة ضعف الدولة الأموية والصادق (عليه السلام) في تلك الفترة وفي بداية الدولة العباسية، بل حتَّى بقية الأئمة (عليهم السلام) لم يرد منهم ضمن دائرة الأتباع الضيِّقة شيء في ذلك، والتقيَّة إنَّما تمنع من الحديث في دائرة قد يخرج منها شيء إلى الآخرين، فكما وردت روايات عن مكانة الأئمة وأسمائهم وأحقيَّتهم بالخلافة وتحديد أرض فدك بكل أرض الإسلام يمكن أن يأتينا حديث عن حدود الخصوصية.
بل يمكن أن يقال: إنَّ المورد ليس من موارد التقيَّة، لأنَّ الحديث ليس عن شرعية التوسعة وإنَّما عن انتفاء الخصوصية عن الزيادة وليس في ذلك نوع معارضة للحكم أو مخالفة لتوجُّهات الحاكم.
وطول مدَّة حضور الإمام وغيبته مع إمكان الاتِّصال به من خلال السفراء في الغيبة الصغرى والتي امتدَّت لأكثر من (٣٠٠ سنة) مع عدم ورود شيء في شعيرة وعبادة مهمة مثل الحج والصلاة في مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) يثبت بلا تردُّد عدم الصدور، الذي هو ظاهر في انتفاء الخصوصية عن الزيادات.
وهذا الإشكال وارد على هذا التوجيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) وكيف نتصوَّر التقيَّة في مسألة جزئية مع أنَّه لم يتَّق في بيان ما يضرب أصل شرعية خلافة غيره، «لقد تقمَّصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أنَّ محلِّي منها محلّ القطب من الرحى».

↑صفحة ١٠٩↑

ويعزِّزه أنَّ الروايات الواردة في فضل المسجد الحرام والمسجد النبوي أغلبها ورد عن الأئمة (عليهم السلام) بعد التوسُّعات المتعدِّدة والتي منها توسعة الوليد وأبيه عبد الملك وكانت أكبر التوسعات إلى ذلك الزمن، وهذه الروايات ظاهرة في المسجدين بحدَّيهما اللذين كانا على عهد الأئمة (عليهم السلام).
الرابع: احتمال اختلاف الحكم في زمن الظهور:
قد يكون ذلك لاختلاف التكليف بين زمان ظهوره (عجَّل الله فرجه) وما قبله من الزمان، ولذلك نظائر كالصلاة في المساجد المظلَّلة والمساجد المصوَّرة، وبتعبير أدق كون التكليف خاصّاً(٥٦).
ففي صحيحة الحلبي أو حسنته بإبراهيم بن هاشم، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المساجد المظلَّلة أيكره الصلاة فيها؟ قال: «نعم، ولكن لا يضركم اليوم، ولو قد كان العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك...» الخبر(٥٧)،(٥٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٦) وإنَّما قلت: بتعبير أدق لأنَّ اختلاف الحكم في زمان قد يكون لاختلال حيثية في الموضوع أو طروّ عنوان ثانوي يرتفع معه الحكم الأوَّلي، أمَّا التكليف الخاص فهو غير مرتبط بشيء من ذلك.
(٥٧) الكافي: ج٣، ص٣٦٨.
(٥٨) وهذا متوافق مع ما ورد في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يَقُولُ: «إِنَّ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله) بَنَى مَسْجِدَه بِالسَّمِيطِ ثُمَّ إِنَّ المُسْلِمِينَ كَثُرُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، لَوْ أَمَرْتَ بِالمَسْجِدِ فَزِيدَ فِيه، فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِه فَزِيدَ فِيه وبَنَاه بِالسَّعِيدَةِ، ثُمَّ إِنَّ المُسْلِمِينَ كَثُرُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، لَوْ أَمَرْتَ بِالمَسْجِدِ فَزِيدَ فِيه، فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِه فَزِيدَ فِيه وبَنَى جِدَارَه بِالأُنْثَى والذَّكَرِ، ثُمَّ اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحَرُّ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، لَوْ أَمَرْتَ بِالمَسْجِدِ، فَظُلِّلَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِه فَأُقِيمَتْ فِيه سَوَارٍ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ، ثُمَّ طُرِحَتْ عَلَيْه الْعَوَارِضُ والْخَصَفُ والإِذْخِرُ، فَعَاشُوا فِيه حَتَّى أَصَابَتْهُمُ الأَمْطَارُ، فَجَعَلَ المَسْجِدُ يَكِفُ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله لَوْ أَمَرْتَ بِالمَسْجِدِ فَطُيِّنَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله): لَا عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى (عليه السلام)، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله)». [الكافي: ج٣، باب بناء مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله)، ح١].
والسميط لبنة لبنة، والسعيدة لبنة ونصف، والذكر والأنثى لبنتان مخالفتان.
وهذه الثلاثة تشير إلى عرض الحائط حيث كان يزيد في كلِّ مرَّة.

↑صفحة ١١٠↑

وفي رواية عمرو بن جميع، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصلاة في المساجد المصوَّرة، فقال: «أكره ذلك، ولكن لا يضركم ذلك اليوم، ولو قد قام العدل رأيتم كيف يصنع في ذلك»(٥٩).
وهذا الوجه لا غبار عليه، بل هو أقوى الوجوه.
قاعدة التبعيَّة لا تنافي التكليف الخاص:
قد يقال: إنَّ مشهور فقهائنا قد التزم بأنَّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد التي في متعلقاتها، فالصلاة مثلاً تردع عن مخالفة الشريعة ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: ٤٥)، والصيام يعين على التقوى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣)، والمصالح آثار تكوينية للأفعال، فألزمنا الله تعالى بإتيان تلك الأفعال لتصل إلينا مصالحها، وما دامت آثاراً تكوينية والأحكام كلية، فهذه الآثار ذات طابع عمومي (بمعنى أنَّها في ترتبها لا تختص بفاعل دون آخر) تشمل المعصوم (عليه السلام) وغيره، والتكليف الخاص يشكل نوع خرق ونقض لقاعدة التبعية، فكيف نلتزم بالتكليف الخاص؟
والجواب:
أوَّلاً: أنَّها لم تثبت كقاعدة عند جملة من الفقهاء، وكيف يلتزم بها والقرآن يحدِّثنا عن تحريم كعقوبة، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾ (النساء: ١٦٠).
فإنَّ قلت: إنَّ الآية تتحدَّث عن بني إسرائيل وما جرى عليهم قد لا يجري علينا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩) الكافي: ج٣، ص٣٦٩.

↑صفحة ١١١↑

قلت: إنَّ قاعدة التبعية ليست قاعدة شرعية لنحتمل اختصاصها بشريعتنا دون شريعة أخرى، بل هي قاعدة عقلية يستدل عليها بقاعدة اللطف (عند القائل بها منَّا، والعامَّة يستدلّون عليها من ضمن ما استدلُّوا به بأدلة شرعية)(٦٠)، والقواعد العقلية لا يمكن أن تختص بشريعة دون شريعة أخرى ولا بزمان دون زمان آخر.
كما أنَّ وجود الأوامر الاختبارية ينفي وجود قاعدة التبعيَّة العقلية، لأنَّها لا تكون قاعدة إلَّا إذا كانت كليَّة ولا تكون كلية إلَّا إذا لم توجد حالة واحدة مخالفة، والحال أنَّ هناك جملة من موارد الأحكام الامتحانية، كأمر إبراهيم (عليه السلام) بذبح ولده في القصة المعروفة، وقصة جنود طالوت وتسويغ أخذ غرفة من ماء النهر دون الزيادة(٦١)، والدخول سُجَّداً من باب حطة(٦٢)، وتحريم الصيد يوم السبت(٦٣)، وليس هذا محلّ التفصيل.
بل مجرَّد احتمال الأوامر الامتحانية ينفي وجود قاعدة كلِّية.
ثانياً: أنَّ من التزم بقاعدة التبعيَّة لا يمنع من اختصاص المعصوم بتكليف خاص، وكيف يمنع منه والقرآن صريح في اختصاص النبي (صلّى الله عليه وآله) ببعض الأحكام كالزواج من أكثر من أربع نساء.
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠) كوصف نفسه بالرحمة في القرآن، ورحمته تقتضي أن تكون أحكامه تابعة للمصالح والمفاسد.
ومع ذلك لا تختص النتيجة بشريعة النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) لأنَّه حينما وصف نفسه بالرحمة فإنَّه لا تقتصر رحمته على ظرف زماني خاص.
وهكذا أدلَّة أخرى اعتمد على وصف الله تعالى نفسه بوصف يقتضي التبعية.
(٦١) ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (البقرة: ٢٤٩).
(٦٢) ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: ٥٨).
﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً﴾ (النساء: ١٥٤).
(٦٣) ﴿وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ (النساء: ١٥٤).

↑صفحة ١١٢↑

مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ (الأحزاب: ٥٠).
فالآية تصرِّح باختصاص الحكم بالنبي (صلّى الله عليه وآله).
ومن أمثلة ذلك وجوب صلاة الليل عليه (صلّى الله عليه وآله)، ففي الرواية عن الصادق (عليه السلام): «إنَّ الله فرض على النبي (صلّى الله عليه وآله) صلاة الليل دون غيره، فقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، ثمَّ قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزَّمِّل: ٢٠]».
وفي صحاح العامَّة عن مسروق، قال: (سألت عائشة: يا أمه، أكان النبي [(صلّى الله عليه وآله)] يفرض عليه شيء من قيام الليل؟ قالت: نعم، كان الله فرض عليه قيام اللَّيل، فقلت: ما كان أشدّ ذلك عليه! قالت: وكان يختار ما يخفف عنه).
ومن أمثلته حرمة النوم على جنابة، فعن الصادق (عليه السلام) أيضاً:
«كان النبي (صلّى الله عليه وآله) لا ينام جنباً أبداً، وكان يغتسل ثم ينام...، وذلك فرض عليه وليس على الأُمَّة».
ووجوب غُسل الجمعة، فعنه (عليه السلام): «الغُسل يوم الجمعة واجب على النبي (صلّى الله عليه وآله)، مسنون لغيره».
ثالثاً: أنَّ الحكمة من خلقتنا هي الاستكمال، وطريق الاستكمال هو الابتلاء.
﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الكهف: ٧).
﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الملك: ٢).

↑صفحة ١١٣↑

وكلَّما كان الابتلاء أشد وأثقل على النفس كان أكثر تمحيصاً وكشف عن مستوى انقياد العبد لربِّه ودرجة تلبُّسه بلباس العبودية، وعدم علمك بوجود مصلحة فيما أمرت به يجعل الامتثال أشق مما علمت أنَّ فيه مصلحة دنيوية لك، نعم قد تستدعي حكمة التخفيف على العباد أن يكون التكليف أقلّ وطأة على النفس من خلال تعليقه بما فيه مصلحة دنيوية للعبد، لكن لا على نحو اللزوم في كل مورد.
رابعاً: كون التكاليف مشرعة بنحو القضية الحقيقية جعل الملحوظ فيها المصالح النوعية (بناء على التبعيَّة) وهذا لا ينافي انتفاء تلك المصالح أو مزاحمتها بما هو ساوٍ أو حتَّى أهم منها في بعض الحالات.
ولذلك جاءت العناوين الثانوية (وهي كلية أيضاً)، لكن يمكن أن نتصوَّر المزاحمة في حالات جزئية لا تقتضي تغيُّر التكليف لعامة المكلَّفين، لكن لا مانع من أن تجعل تكليف شخص معيَّن - وهو المعصوم - مغايراً، فيكون فرق المعصوم عن غيره أنَّه يمكن أن يصل إليه خطاب خاص به ويعلم به دون بقيَّة المكلَّفين، وبذلك يمكن أن يكون تكليفه مغايراً لتكليف بقيَّة المكلَّفين.
هذا مضافاً إلى أنَّ التبعيَّة على فرض التسليم بعموميتها تعني أنَّ الحكم مناسب للمفسدة والمصلحة التي في نوع المتعلّق لا تخصُّه، مثل وجود (١٠٠٠) متعلّق لحكم و(٩٠٠) منها تحقِّق مصلحة ما، ومائة لا تحقّقها أو حتَّى تترتَّب عليها مفسدة غالبة على تلك المصلحة، فصدور الحكم لكلِّ الألف إنَّما لوحظ فيه حاصل المجموع، ووجود (٩٠٠) مصلحة جزئية يجعل مجموع الألف ذا مصلحة (وليس كل واحد منها) تسوِّغ صدور حكم كلِّي يشمل الجميع، رغم أنَّ مائة منها لا توفِّر المصلحة، بل قد تكون ذات مفسدة.
فإذا قيل: لِم لَم يشرع الحكم للتسعمائة منفردة عن المائة الباقية؟
قلنا: إنَّ تطبيق الأحكام مهمّة العبد وليست مهمة الربّ، والعبيد غارقون في الجهل، وقد يصعب عليهم، بل كثيراً ما يصعب عليهم تمييز ما

↑صفحة ١١٤↑

كان حاصل المترتِّب عليه (بعد الكسر والانكسار) مصلحة عمَّا لم يكن كذلك، فيكون الشارع المقدَّس الذي يريد لهم أن يصلوا إلى ما فيه مصالحهم بين أن يأمرهم بجميع الألف لوجود (٩٠٠) مورد ذوات مصالح أو لا يأمر بشيء منها لوجود مائة مورد لا مصلحة فيها، وترك التسعمائة لأجل المائة خلاف الحكمة، بل حتَّى لو كانت المائة ذات مفسدة فإنَّها قد لا تمنع من الأمر بالتسعمائة.
وليست المسألة دائرة مدار العدد بالنحو الذي يرجِّح الحكم الذي تقتضيه ملاكات أو مصالح الأكثر دائماً، بل المدار مجموع المصلحة في طرف في مقابل مجموع المفسدة أو حتَّى عدم المصلحة في الطرف الآخر، فرُبَّ مفسدة في فعل جزئي (واحد) خارجي، لها من الأهمية ما تدعو لتحريمها ولو تزاحمت مع مائة مفسدة صغيرة، كقتل نفس محترمة تزاحمها خسارة كل شخص (من ألف) مبلغاً من المال.
والحاصل: أنَّ التبعية إنَّما هي للمصالح في النوع، والأحكام المترتِّبة على تلك المصالح الكلية، وحينئذٍ يمكن تصوُّر أنَّ مورداً خاصّاً فيه مصلحة ترجِّح على المفسدة العامة، ويعرف العموم ذلك بحكم الإحاطة الوجودية بالأشياء وما يترتَّب عليها فيكون تكليفه مختلفاً عن تكليف غيره.
فإنَّ إحاطة الجهل بالناس والتي استدعت أن تصب التكاليف على موضوعات كلية لا تجري في شخص المعصوم (عليه السلام).
وهل يعني ذلك أن يفتح المجال للناس فتكون تكاليف بعضهم خاصة إذا علموا بترتُّب المصالح في موارد خاصة وعدم ترتُّبها؟
الجواب: كلَّا، فإنَّ المصالح عبارة عن حكم في عالم التشريع وليست عللاً يدور التكليف مدارها.
والحكم كما بحث في محلِّه لا تعمَّم ولا تخصُّص الأحكام الشرعية، أي أنَّ الأحكام لا تدور مدارها.

↑صفحة ١١٥↑

فغاية الخلقة الابتلاء وافق المصلحة أم لم يوافقها، بل حتَّى لو خالفها، وبعد أن شرَّع الحكم دون تقييد بترتُّب مصلحة في لسان دليل ذلك الحكم وجب على كل المكلَّفين امتثاله ولو خالف المصلحة.
والذي يتولَّى إدراك ترتُّب المصالح وعدمه هو المشرِّع وهو الله تبارك وتعالى والذي لا يشذّ عن علمه شيء ثم أصدر حكمه، وعلمنا من الخارج أنَّ الأحكام تابعة للمصالح من جهة وعدم ترتُّب تلك المصلحة من جهة أخرى لا يسوغ لنا ترك الامتثال.
هذا فضلاً عن صعوبة الإحاطة بكلِّ المصالح والمفاسد المترتِّبة على الفعل والتي يكون الحكم موافقاً للحاصل النهائي منها بعد الكسر والانكسار، فغير المعصوم لا يتيسَّر له ذلك، وتقييد الأحكام بالمصالح والمفاسد التي يوكل تحديدها إلى المكلَّف يجعل كل أحكام الشريعة في مهب الريح، فضلاً عن صعوبة تحديد العقوبات الدنيوية الرادعة على المخالفين والتي اقتضت حكمة الله تقديمها إلى الدنيا مع أنَّ الأصل في العقوبات أن تكون في الدار الآخرة لا الدنيا، لكن الباري (جلَّ وعلا) يعلم أنَّ ترك الحدود والعقوبات في الدنيا سيجعل أكثر الناس من أُمَّةٍ واحدة على الكفر إلَّا ما رَحِم ربِّي، فبرحمته شرَّع الحدود في الدنيا وضمَّ إليها آثاراً تكوينية مناسبة للفعل في الحسن والسوء.
وهذا يعني أنَّ ثبوت التكليف الخاص بالمعصومين (عليهم السلام) لا يسوغ إمكانه بالنسبة لعامة المكلَّفين.
ولا أدل على ذلك من قولهم: إنَّ الأصل وحدة التكليف بين المعصوم وغيره، فإنَّ ذلك يعني أنَّه يمكن اختلاف التكليف، فإذا شككنا في تكليف للمعصوم أنَّه خاص به أو أنَّه يشمل غيره حملنا المورد على الأصل وهو وحدة التكليف.
لكن ألا ينافي ذلك ما ثبت بالأدلة من أنَّه قدوة لغيرهم؟
﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١)؟

↑صفحة ١١٦↑

الجواب: لا منافاة في ذلك لأن جعلهم (عليهم السلام) قدوة لغيرهم متحدِّد بحدود الجعل الإلهي، وقد يكون الجعل مطلقاً شاملاً لكلِّ مورد وقد يكون محدوداً بحدود خاصَّة، فالمتَّبع هو حدود ذلك الجعل والتي قد تأتي في نفس دليل وجوب الاقتداء، وقد تبيَّن بأدلَّة خارجة خاصَّة تقيِّد إطلاق أدلَّة وجوب الاقتداء.
ولدينا جملة من هذه الموارد كما هو مذكور في محلِّه، كوجوب صلاة اللَّيل وجواز الجمع بين أكثر من أربع زوجات لشخص النبي (صلّى الله عليه وآله)، وليس هذا محل جمعها.
وهذا بحث كلامي طويل اختصرته جدّاً لمناسبة المقام.
الخامس: عدم شرعية خروجها عن ملكية مالكيتها:
إنَّ قسماً من الأراضي التي ضمَّت إلى المساجد بعد التوسعة كانت مملوكة لساكنيها، وكان الحكَّام أو المتصدُّون للتوسعة في الأيَّام الأولى يعطون عوضاً لهم، لكن في عهد عبد الملك بن مروان أكره بعض أهل الدور على بيعها ببدل، وفي زمن المهدي العباسي نزعت بيوت كثيرة من أصحابها بالإكراه، وقيل: إنَّه دفع بعد ذلك للجميع، لكن الأمر لم يخل من تعسف في التقدير أو التنفيذ.
وفي العهد السعودي انتزعت ملكيَّات ضخمة من البيوت والمحلَّات والموقوفات الخاصَّة والأحياء السكنية كحي الشامية والمسفلة وغيرهما، وتمَّ ذلك عن طريق لجنة حكومية تقدر قيمة العقار وتدفع تعويضاً وإن لم يرضَ المالك، والدولة لم تنكر ملكيتها لكنَّها اعتبرت المصلحة العامة مبرِّراً شرعياً ووضعت أنظمة تعويض.
وقد يكون تصدِّي الإمام (عجَّل الله فرجه) لهدم هذه الإضافات أو حتَّى بعضها لأنَّ انتزاع الملكية أو تبديل الوقفية لم يكن موافقاً للضوابط الشرعية.

↑صفحة ١١٧↑

وهذا يجري في كلِّ مسجد لم يتحقَّق خروج ملكه عن مالكه بسبب شرعي.
وقد يرتبط الإشكال بالبناء (أدوات وأجرة عمل)، كما لو اشتريت الأدوات والمواد بمال محرَّم أو انتزعت من ملاكها بسبب غير شرعي.
مناقشة هذا الوجه:
لكن هذا الوجه يرد عليه نفس الإشكال الذي أوردناه على وجوه سابقة وهو أنَّ سكوت الأئمة (عليهم السلام) في زمن الحضور وربَّما في الغيبة الصغرى أيضاً لم يشيروا إلى ذلك، وسكوتهم عن صلوات تؤدّى في هذه الزيادات ومكث فيها ومرور عليها، ولو كان المحذور غصبية المكان لما جاز شيء من ذلك، فكيف يسكت الأئمة (عليهم السلام) عن شيء من ذلك؟
نعم، لا يجري هذا الإشكال بالنسبة للحائط والسقف الذي لا يطاف فوقه ولا يصلَّى عليه.
السادس: محو ما يخلد ذكر الظالمين:
قد تكون الحكمة في الهدم أنَّه تعارف من كثير من الحُكَّام الظالمين أنَّهم يجرون توسعة للمساجد المعروفة كالمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريفين ويبنون مساجد ضخمة لتكون أثراً ومنقبة تحفظها الأيَّام لهم، والإمام (عجَّل الله فرجه) لا يريد أن يبقى أثر للظالمين، ولا يعفى أثرهم إلَّا بإزالة تلك الأبنية.
وفي رواية المفضَّل المتقدِّمة دلالة واضحة على ذلك، والتي جاء فيها قول المفضل: يا سيدي فما يصنع بالبيت؟ قال: «ينقضه فلا يدع منه إلَّا القواعد التي هي ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦] في عهد آدم (عليه السلام)، والذي رفعه إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)، وأنَّ الذي بني بعدهما لم يبنه نبي ولا وصي، ثم يبنيه كما يشاء، وليعفين آثار الظالمين بمكَّة والمدينة والعراق وسائر الأقاليم، وليهدمنَّ مسجد الكوفة وليبنيه على بنيانه الأوَّل...» الخبر.

↑صفحة ١١٨↑

لكن الإنصاف أنَّ هذا ليس وجهاً لجواز الهدم في عرض الوجوه الأخرى، وإنَّما يصلح أن يكون حِكمة للهدم بعد ثبوت جوازه، فغاية ما تدل عليه هذه الرواية أنَّه يجوز الهدم، فيأتي السؤال كيف يجوز هدم بيوت الله؟ ولا تنفعنا الرواية هنا لتوجيه الجواز إذا قلنا: إنَّه لا يجوز هدم المساجد.
كما يرد عليه: أنَّ كثيراً من المنازل والمتاجر قد رضي أهلها بالعوض، فلا وجه لهدم جميع الزيادات لأجل عدم رضا مالكي الأرض الحقيقيين بانتزاعها منهم.
الخلاصة:
إنَّ أوجه الوجوه الذي ذكرت لدفع الشبهة وحلِّ الإشكال هو الالتزام بالتكليف الخاص للإمام (عجَّل الله فرجه)، ولا يوجد وجه يجعل تصحيح هدم المساجد أو بعض من بعضها منه (عجَّل الله فرجه) محالاً، وغير قابل للتوجيه.
وكلّ الوجوه التي ذكرت لتوجيه فعله (عجَّل الله فرجه) هي محاولات لجعل فعله (عجَّل الله فرجه) موافقاً للقواعد، إلَّا الوجه الذي يقول: إنَّ ذلك حكم خاص بالإمام الحجة (عجَّل الله فرجه).

↑صفحة ١١٩↑

العدد ١٩/ رجب / ١٤٤٦ هـ : ٢٠٢٦/٠٦/٠٣ : ٣٤ : ٠
: الشيخ كاظم القره غولّي
التعليقات:
لا توجد تعليقات.