توضيح الإجابات رسالة في توضيح إجابات ابن قِبَة (رحمه الله) (الحلقة الرابعة)
توضيح الإجابات
رسالة في توضيح إجابات ابن قِبَة (رحمه الله) في نقض كتاب الإشهاد لأبي زيد العلوي
(الحلقة الرابعة)
الشيخ حميد عبد الجليل الوائلي
↑صفحة ٠↑
فهرس محتويات البحث
تمهيد:.....................٢٣٧
المتن:.....................٢٣٨
قال صاحب الكتاب:.....................٢٣٨
توضيح ما قاله (رحمه الله):.....................٢٣٩
إشكال الزيدي على الغيبة بأنَّها لا وجه لها:.....................٢٣٩
ردّ دعوى الزيدية في الغيبة وبيان وجهها:.....................٢٤٠
كيف ستتعامل الزيدية مع الخارج منهم؟.....................٢٤١
مقالة الزيدية ومقالة أهل الإلحاد من طريق واحد:.....................٢٤١
المتن:.....................٢٤٢
ثم قال صاحب الكتاب:.....................٢٤٢
توضيح ما قاله (رحمه الله):.....................٢٤٣
دعوى الزيدي بعدم جواز الإمامة فيمن لا يعرفون:.....................٢٤٣
ردّ دعوى الزيدي والنقض بإمامة الإمام زين العابدين وولده (عليهم السلام):.....................٢٤٣
إثبات أنَّ المخالف للأئمة (عليهم السلام) على باطل:.....................٢٤٤
الاستدلال على وجود الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه):.....................٢٤٤
المتن:.....................٢٤٥
توضيح ما قاله (رحمه الله):.....................٢٤٦
ردَّ مدَّعيات الزيدي في الوقف:.....................٢٤٦
الإمامة ضرورة في كلِّ زمان:.....................٢٤٦
المتن:.....................٢٤٦
توضيح ما قاله (رحمه الله):.....................٢٥٠
دعوى الزيدي في تمييز الإمام من العترة بالإجماع:.....................٢٥٠
رد دعوى التمييز الإمام بالإجماع:.....................٢٥٠
تفسير العترة بالبرهان والنص:.....................٢٥١
دعوى الزيدي أَّن أمير المؤمنين ليس من العترة:.....................٢٥١
إبطال الزيدي لمذهبه من حيث لا يشعر:.....................٢٥٢
نسيان الزيدي نفسه وإيقاعها فيما ينقض به على الإمامية:.....................٢٥٢
النقض بعلم الغيب وردّه:.....................٢٥٢
ردّ دعوى دلالة آية الاصطفاء على مذهب الزيدي:.....................٢٥٣
رد الاستدلال بعدَّة آيات لنصرة الزيدية وردّها:.....................٢٥٣
المتن:.....................٢٥٤
توضيح ما قاله (رحمه الله):.....................٢٥٨
الإكثار من الآيات لا ينفع ما لم تكن فيها حجَّة وبرهان:.....................٢٥٨
رد دعوى أفضلية الجهاد على العلم في تمييز الإمام:.....................٢٥٨
صفة العترة التي أراد النبي (صلّى الله عليه وآله) التمسُّك بها:.....................٢٥٩
مقام زيد بن علي عند الإمامية:.....................٢٦٠
معنى شهادة الإمام على الأُمَّة:.....................٢٦٠
قول الزيدي بمذهب الإمامية في غيبة الإمام (عليه السلام) دون أن يلتفت:.....................٢٦٠
المتن:.....................٢٦١
توضيح ما قاله (رحمه الله):.....................٢٦٤
إشكالات على مذهب الزيدية ذكرها الشيخ ابن قبة (رحمه الله):.....................٢٦٤
الإشكال الأوَّل: من هو الذي يصلح للإمامة في هذا الزمان، وكيف تعرفونه؟.....................٢٦٤
الإشكال الثاني: هل إمامكم يعرف الحلال والحرام، أو يأخذ من المذاهب الأخرى؟.....................٢٦٥
إبطال دعواهم أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) على مذهب الزيدية:.....................٢٦٧
المتن:.....................٢٦٨
مسألة أخرى:.....................٢٦٩
مسألة أخرى:.....................٢٧٠
مسألة أخرى:.....................٢٧١
توضيح ما قاله (رحمه الله):.....................٢٧٢
ردّ دعوى لزوم الجهاد على الإمام:.....................٢٧٢
الإشكال الثالث: أين من تدَّعي من أئمَّتك قد جاهد؟.....................٢٧٢
النص إن وجب في زمان وجب في كلِّ زمان:.....................٢٧٢
الإشكال الرابع: لا وجه لتقديم العترة على أفراد الأُمَّة على مذهبكم:.....................٢٧٣
دعوى أنَّ الإمامية لا تقول بالجهاد، وردّها:.....................٢٧٤
الإشكال الخامس: لماذا هادَن أمير المؤمنين (عليه السلام) وترك جهاد القوم؟.....................٢٧٤
الإشكال السادس: لماذا صالَح الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية؟.....................٢٧٥
↑صفحة ٠↑
تمهيد:
غيبة الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من أكثر المسائل العقائدية التي تناولها أهل البيت (عليهم السلام) بالبيان والتوضيح، وأجابوا عن الأسئلة المثارة حولها من زمن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وصولاً إلى الإمام الحجة (عجَّل الله فرجه).
وتبعاً لهذا الاهتمام سار علماء الطائفة في بيان غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) ودفع الشبهات والإشكالات المثارة حولها.
وأُلِّفتْ - منذ بدايات عملية التصنيف والكتابة - الرسائلُ والكتبُ حولها.
ومما أُلِّف في رد الشبهات عن الغيبة كتب الفقيه والأصولي أبي جعفر عبد الرحمن بن قبة الرازي (رحمه الله)(١)، إذ إنَّ له العديد من المصنفات في هذا الصدد إلَّا أنَّه لم يصل إلينا شيء مستقل منها.
وفي هذه الحلقات حاولنا قدر الإمكان إبراز تراث هذا الرجل العظيم مع شيء من البيان والتوضيح، ونسلط الضوء على توضيح ما أجاب به (رحمه الله) عن بعض الشبهات المثارة حول الغيبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) تقدَّمت ترجمته في الحلقة الأولى التي نشرت في مجلة الموعود العدد (١٢) وتقدَّمت الحلقة الثانية في العدد (١٤)، والحلقة الثالثة في العدد (١٥)، وهذه الحلقة الرابعة والأخيرة.
↑صفحة ٢٣٧↑
المتن:
قال صاحب الكتاب:
ويقال لهم (لِمَ) استتر إمامكم عن مسترشده؟
فإن قالوا: تقيَّة على نفسه، قيل لهم: فالمسترشد أيضاً يجوز له أن يكون في تقية من طلبه لا سيما إذا كان المسترشد يخاف ويرجو ولا يعلم ما يكون قبل كونه فهو في تقيَّة، وإذا جازت التقية للإمام فهي للمأموم أجوز، وما بال الإمام في تقيَّة من إرشادهم وليس هو في تقيَّة من تناول أموالهم والله يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً﴾ [يس: ٢١] الآية، وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
فهذا مما يدل على أنَّ أهل الباطل عرض الدنيا يطلبون، والذين يتمسَّكون بالكتاب لا يسألون الناس أجراً وهم مهتدون.
ثم قال: وإن قالوا: كذا، قيل: كذا فشيء لا يقوله إلَّا جاهل منقوص، والجواب عمَّا سأل: أنَّ الإمام لم يستتر عن مسترشده إنَّما استتر خوفاً على نفسه من الظالمين.
فأمَّا قوله: فإذا جازت التقيَّة للإمام، فهي للمأموم أجوز، فيقال له: إن كنت تريد أنَّ المأموم يجوز له أن يتَّقي من الظالم ويهرب عنه متى خاف على نفسه كما جاز للإمام، فهذا لعمري جائز، وإن كنت تريد أنَّ المأموم يجوز له أن لا يعتقد إمامة الإمام للتقيَّة، فذلك لا يجوز إذا قرعت الأخبار سمعه وقطعت عذره، لأنَّ الخبر الصحيح يقوم مقام العيان، وليس على القلوب تقيَّة، ولا يعلم ما فيها إلَّا الله.
وأمّا قوله: وما بال الإمام في تقيَّة من إرشادهم وليس في تقيَّة من تناول أموالهم، والله يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً﴾ [يس: ٢١].
↑صفحة ٢٣٨↑
فالجواب عن ذلك إلى آخر الفصل يقال له: إنَّ الإمام ليس في تقيَّة من إرشاد من يريد الإرشاد، وكيف يكون في تقيَّة وقد بيَّن لهم الحقّ وحثَّهم عليه، ودعاهم إليه، وعلَّمهم الحلال والحرام حتَّى شُهروا بذلك وعُرفوا به، وليس يتناول أموالهم، وإنَّما يسألهم الخمس الذي فرضه الله (عزَّ وجلَّ) ليضعه حيث أُمِر أن يضعه، والذي جاء بالخمس هو الرسول، وقد نطق القرآن بذلك قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية. وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية، فإن كان في أخذ المال عيب أو طعن فهو على من ابتدأ به، والله المستعان.
ويقال لصاحب الكتاب: أخبرنا عن الإمام منكم إذا خرج وغلب، هل يأخذ الخمس وهل يجبى الخراج وهل يأخذ الحق من الفيء والمغنم والمعادن وما أشبه ذلك؟ فإن قال: لا، فقد خالف حكم الإسلام، وإن قال: نعم، قيل له: فإن احتجَّ عليه رجلٌ مثلك بقول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً﴾ [يس: ٢١]، وبقوله: ﴿إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية، بأيِّ شيءٍ تجيبه حتَّى تجيبك الإمامية بمثله، وهذا - وفقكم الله - شيء كان الملحدون يطعنون به على المسلمين وما أدري من دلَّسه لهؤلاء.
واعلم - علَّمك الله الخير وجعلك من أهله - إنَّما يعمل بالكتاب والسُنَّة ولا يخالفهما، فإن أمكن خصومنا أن يدلّونا على أنَّه خالف في أخذ ما أخذ الكتاب والسُنَّة، فلعمري أنَّ الحجَّة واضحة لهم، وإن لم يمكنهم ذلك فليعلموا أنَّه ليس في العمل بما يوافق الكتاب والسُنَّة عيب، وهذا بيِّن.
توضيح ما قاله (رحمه الله):
إشكال الزيدي على الغيبة بأنَّها لا وجه لها:
يدَّعي صاحب كتاب الإرشاد أنَّ الاستتار من الإمام والغيبة لا وجه لها، لأنَّها لو كانت خوفاً وتقيَّة فالأتباع أحق بالخوف والتقيَّة، فيجوز للمؤتمِّين بالحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه) حسب زعمه أن يتركوا إمامته خوفاً وتقيَّة.
↑صفحة ٢٣٩↑
لأنَّ التقيَّة إذا كانت جائزة للإمام فهي للمأموم أجوز وأولى.
ثم يقول: إذا كانت التقيَّة قائمة ومنعته من إظهار إمامته فلم لم تمنعه من أخذ أموال الخمس من أتباعه، مع أنَّ الله تعالى يخاطب الناس بأن يتبعوا من لا يسألهم أجراً، وليس الذي يغيب عنهم ويأخذ الأجر وهو الخمس منهم، فإنَّ هذا الأخذ للخمس هو أكل للمال بالباطل، وأنَّه طلب للدنيا لا للدين، لأنَّ الذين يتمسَّكون بالكتاب ويسعون للدين لا يأخذون على ذلك الأجر، ويريد بهذا أن يقول لأتباعه: إن قالت لكم الإمامية في الإمامة بقولها فقولوا لهم هكذا، وهذا القول الذي تقول به الإمامية حسب زعمه لا يقول به إلَّا جاهل.
ردّ دعوى الزيدية في الغيبة وبيان وجهها:
فأجابه الشيخ ابن قبة (رحمه الله) قائلاً: إنَّ الإمام (عليه السلام) لم يستتر عن أتباعه وإنَّما استتاره خوفاً من الظالمين(٢).
وأمَّا قوله بجواز التقيَّة للمأموم إذا جازت للإمام، فإن كان قصدك أنَّه يجوز للمأموم أن يتَّقي من الظالم إذا حصل خطر عليه، فهذا ممَّا لا شكَّ في جوازه، وإن كان قصدك أنَّه يتَّقي أي لا يعتقد بإمامة الإمام فهذا غير جائز، لأنَّ الأدلة التي دلَّت على الإمامة تامَّة، وقد وصلت إلى المأموم وعلم بها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) ذكرت العديد من الروايات عدة أسباب للغيبة، منها: خوف القتل، ومما جاء في ذكر هذا السبب، ما رواه الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في كتاب الغيبة ص٣٦٢ بسنده عن زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أن يقوم»، قلت: ولِمَ؟ قال: «يخاف» وأومأ بيده إلى بطنه، ثم قال: «يا زرارة، وهو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته، منهم من يقول: إذا مات أبوه فلا خلف [له]، ومنهم من يقول: هو حمل، ومنهم من يقول: هو غائب، ومنهم من يقول: [ما ولد ومنهم من يقول:] قد ولد قبل وفاة أبيه بسنتين، وهو المنتظر غير أنَّ الله تعالى يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون»، قال: فقلت: جعلت فداك، وإن أدركت ذلك الزمان فأيَّ شيء أعمل؟ فقال: «يا زرارة، إن أدركت ذلك الزمان فادع بهذا الدعاء: اللَّهم عرِّفني نفسك، فإنَّك إن لم تعرِّفني نفسك لم أعرف نبيَّك...».
↑صفحة ٢٤٠↑
حسب الفرض، فيجب عليه الاعتقاد بالإمام والإيمان به، وليس على القلوب تقيَّة، إذ لا يعلم ما فيها إلَّا الله تعالى، فلا معنى لإنكار الإيمان بالإمام بحجَّة التقيَّة بعد قيام الأدلة على إمامته.
وأمّا ما يقوله حول أخذ الخمس، وأنَّه لماذا لا يكون الإمام في تقيَّة منها، فإنَّ الجواب عنه: أنَّ الإمام (عليه السلام) ليس في تقيَّة من بيان الأحكام وبيان الحق والحلال والحرام، وقد بيَّنها لأتباعه، حتَّى عرفت الإمامية واشتهروا بذلك الحق.
وهو (عليه السلام) لا يأخذ أموالهم ولا يتناولها، وإنَّما يسألهم حقّ الله تعالى في أموالهم التي شرَّعها الدين وأمر بها القرآن الكريم والنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، فإن كان في أخذ المال عيب وإشكال فيتوجَّه على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حسب زعمكم، لأنَّه هو الذي أمر بالخمس.
كيف ستتعامل الزيدية مع الخارج منهم؟
وأنتم أيُّها الزيدية، إذا خرج الإمام منكم وصارت له الغلبة، فهل يأخذ الخراج ويجبي الأموال الواجبة من الأخماس وغيرها، أم لا؟
فإن قلتم: لا، فقد عطَّلتم أحكام الله تعالى وخالفتم الإسلام.
وإن قلتم: نعم، فما هو ردّكم على الآيات التي ذكرتم، واتَّهمتم الإمامية بها؟ فما تجيبون به فنحن نجيب به عن شبهتكم بلا زيادة أو نقصان.
مقالة الزيدية ومقالة أهل الإلحاد من طريق واحد:
وهذا الكلام الذي تقولون به هي مقالة أهل الإلحاد ومما يطعنون به على المسلمين.
فإذا كان لديكم على إمامنا ما يخالف به الكتاب والسُنَّة فدلُّونا عليه، أمّا في اتِّباعه للشريعة والكتاب والسُنَّة فليس من العيب اتِّباعهم.
↑صفحة ٢٤١↑
المتن:
ثم قال صاحب الكتاب:
ويقال لهم: نحن لا نجيز الإمامة لمن لا يُعرَف، فهل توجدونا(٣) سبيلاً إلى معرفة صاحبكم الذي تدَّعون حتَّى نجيز له الإمامة كما نجوِّز للموجودين من سائر العترة، وإلَّا فلا سبيل إلى تجويز الإمامة للمعدومين، وكلّ من لم يكن موجوداً فهو معدوم، وقد بطل تجويز الإمامة لمن تدَّعون.
فأقول - وبالله أستعين -: يقال لصاحب الكتاب: هل تشكّ في وجود علي بن الحسين وولده (عليهم السلام) الذين نأتمّ بهم؟
فإذا قال: لا، قيل له: فهل يجوز أن يكونوا أئمة؟
فإن قال: نعم، قيل له: فأنت لا تدري لعلَّنا على صواب في اعتقاد إمامتهم وأنت على خطأ وكفى بهذا حجَّة عليك.
وإن قال: لا، قيل له: فما ينفع من إقامة الدليل على وجود إمامنا، وأنت لا تعترف بإمامة مثل علي بن الحسين (عليهم السلام) مع محلِّه من العلم والفضل عند المخالف والموافق؟
ثم يقال له: إنَّا إنَّما علمنا أنَّ في العترة من يعلم التأويل ويعرف الأحكام بخبر النبي (صلّى الله عليه وآله) الذي قدَّمناه، وبحاجتنا إلى من يعرفنا المراد من القرآن ومن يفصل بين أحكام الله وأحكام الشيطان، ثم علمنا أنَّ الحقّ في هذه الطائفة من وُلد الحسين (عليه السلام)، لما رأينا كل من خالفهم من العترة يعتمد في الحكم والتأويل على ما يعتمد عليه علماء العامة من الرأي والاجتهاد والقياس في الفرائض السمعية التي لا علَّة في التعبُّد بها إلَّا المصلحة، فعَلِمْنا بذلك أنَّ المخالفين لهم مبطلون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) هكذا في المصدر والصحيح (توجدوننا).
↑صفحة ٢٤٢↑
ثم ظهر لنا من علم هذه الطائفة بالحلال والحرام والأحكام ما لم يظهر من غيرهم، ثم ما زالت الأخبار ترد بنص واحد على آخر حتَّى بلغ الحسن بن علي (عليه السلام)، فلما مات ولم يظهر النص والخلف بعده رجعنا إلى الكتب التي كان أسلافنا رووها قبل الغيبة فوجدنا فيها ما يدلّ على أمر الخلف من بعد الحسن (عليه السلام) وأنَّه يغيب عن الناس ويخفى شخصه، وأنَّ الشيعة تختلف وأنَّ الناس يقعون في حيرة من أمره، فعلمنا أنَّ أسلافنا لم يعلموا الغيب وأنَّ الأئمة أعلموهم ذلك بخبر الرسول، فصحَّ عندنا من هذا الوجه بهذه الدلالة كونه(٤) ووجوده وغيبته، فإن كان ههنا حجَّة تدفع ما قلناه فلتظهرها الزيدية، فما بيننا وبين الحق معاندة، والشكر لله.
توضيح ما قاله (رحمه الله):
دعوى الزيدي بعدم جواز الإمامة فيمن لا يعرفون:
يقول: لا نجيز الإمامة لمن لا نعرفه وليس بموجود من العترة، فإمَّا أن تذكروا لنا طريقاً لمعرفة إمامكم حتَّى نجيز له الإمامة أو يثبت بطلان إمامته.
ردّ دعوى الزيدي والنقض بإمامة الإمام زين العابدين وولده (عليهم السلام):
وجوابه: بأنَّك هل تشك في وجود علي بن الحسين وولده (عليهم السلام) الذين نأتم بهم؟
فإذا قال: لا أشكّ، فنقول له: هل يحتمل أن يكونوا أئمة؟
فإذا قال: نعم، فنقول له: فلعلنا على صواب في اعتقادنا إمامتهم وأنت على خطأ، وكفى بهذا حجَّة عليك.
وإذا قال: لا، قيل له: فما فائدة أن نقيم لك دليلاً على وجود إمامنا الحجَّة بن الحسن (عليه السلام)، وأنت لا تعترف بإمامة علي بن الحسن (عليه السلام)، مع ما له من الفضل والعلم عند الموافق والمخالف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) (كان) هنا تامة.
↑صفحة ٢٤٣↑
إثبات أنَّ المخالف للأئمة (عليهم السلام) على باطل:
* إنَّا نعلم أنَّ في العترة من يعلم بالأحكام وتأويل الكتاب وذلك بخبر النبي (صلّى الله عليه وآله) المتقدِّم، ونحن بحاجة إلى من يعلِّمنا أحكام الله تعالى ويميِّزها عن أحكام الشيطان ويفصِّل لنا المراد من آيات القرآن الكريم.
* ونعلم أنَّ الحق في هذه الطائفة وهو في خصوص ولد الحسين (عليه السلام)، وذلك لأنَّنا رأينا أنَّ كل من خالفهم رجع إلى العامة واعتمد في الحلال والحرام على القياس والرأي، مع أنَّها أحكام شرعية لا يجوز فيها ذلك، فعلمنا بعلمنا هذا أنَّ المخالف لهم باطل.
* وكذلك ظهر لنا من علم هذه الطائفة ما لم يظهر من غيرهم.
الاستدلال على وجود الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه):
وما زالت الأخبار الدالة على إمامتهم والتي تنص عليهم واحداً بعد واحد إلى أن وصلت إلى الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)، فلمَّا مات ولم يظهر من بعده أحد من العترة كظهور آبائه ووجدنا في الكتب التي رواها أسلافنا وقوع الغيبة فيه وأنَّ الروايات ذكرت ذلك قبل ولادته ووجوده (عجَّل الله فرجه)، وأنَّه يغيب على الناس ويخفى شخصه(٥)، ويقع في الشيعة الحيرة والخلاف، ونحن نعلم أنَّ رواتنا وأسلافنا لا يعلمون الغيب، فعلمنا أنَّ هذا من الأئمة (عليهم السلام) بخبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فهو الذي أعلمهم بما يكون فيه، فصحَّ عندنا الدليل على وجوده وغيبته، فإذا كان لدى الزيدية حجَّة تدفع حجَّتنا ودليل أقوى من دليلنا فليقدِّموه كي ننظر فيه، فنحن لا نعاند الحق بل نقتفي أثره والشكر لله تعالى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) تقدَّم في هامش سابق الرواية في ذلك.
↑صفحة ٢٤٤↑
المتن:
ثم رجع صاحب الكتاب إلى أن يعارضنا بما تدَّعيه الواقفة على موسى بن جعفر ونحن(٦) فلم نقف على أحد ونسأل الفصل بين الواقفين، وقد بينَّا أنَّا علمنا أنَّ موسى (عليه السلام) قد مات بمثل ما علمنا أنَّ جعفراً (عليه السلام) مات وأنَّ الشك في موت أحدهما يدعو إلى الشكِّ في موت الآخر، وأنَّه قد وقف على جعفر (عليه السلام) قوم أنكرت الواقفة على موسى عليهم، وكذلك أنكرت قول الواقفة على(٧) أمير المؤمنين (عليه السلام).
فقلنا لهم: يا هؤلاء حجَّتكم على أولئك هي حجَّتنا عليكم، فقولوا: كيف شئتم تحجُّوا أنفسكم.
ثم حكى(٨) عنَّا أنَّا كنَّا نقول للواقفة: إنَّ الإمام لا يكون إلَّا ظاهراً موجوداً.
وهذه حكاية من لا يعرف أقاويل خصمه، وما زالت الإمامية تعتقد أنَّ الإمام لا يكون إلَّا ظاهراً مكشوفاً أو باطناً مغموراً، وأخبارهم في ذلك أشهر وأظهر من أن تخفى، ووضع الأصول الفاسدة للخصوم أمر لا يعجز عنه أحد ولكنَّه قبيح بذي الدين والفضل والعلم، ولو لم يكن في هذا المعنى إلَّا خبر كميل بن زياد(٩) لكفى.
(ثم قال: فإن قالوا: كذا، قيل لهم: كذا - لشيء لا نقوله -، وحجَّتنا ما سمعتم وفيها كفاية والحمد لله(١٠)).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦) في هامش النسخة المعتمدة: من كلام أبي جعفر ابن قبة في دفع المعارضة.
(٧) في هامش النسخة المعتمدة: في هامش بعض النسخ الظاهر أنَّ الصواب (الواقفة على محمد بن أمير المؤمنين).
(٨) في هامش النسخة المعتمدة: يعني أبا زيد العلوي.
(٩) في هامش النسخة المعتمدة: سيجيء الخبر في باب ما أخبر به أمير المؤمنين (عليه السلام) من وقوع الغيبة.
(١٠) هذا المقطع غير موجود في نسخة انتشارات المكتبة الحيدرية.
↑صفحة ٢٤٥↑
توضيح ما قاله (رحمه الله):
ردَّ مدَّعيات الزيدي في الوقف:
وقد تقدَّم أنَّ الشيخ ابن قبة (رحمه الله) قد ردَّ هذا الكلام مفصَّلاً، ودليلنا على هؤلاء أنَّ ما تجيبون به عمَّن تعتقدون إمامته نجيب به نحن فأنتم تعتقدون بإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وتعتقدون بموته، فبنفس ما تعلمون به موته نحن نعلم موت بقية الأئمة (عليهم السلام)، والتفصيل تقدَّم.
الإمامة ضرورة في كلِّ زمان:
أمَّا ما ادَّعاه من نسبة القول إلينا: إنَّ الإمام لابدَّ أن يكون ظاهراً موجوداً، فهذا ما لم نقل به، ومن ينسبه إلينا فهو لا يعرف عقيدتنا وأقوالنا وجاهلٌ بها، فالإمامية تعتقد أنَّ الإمامة ضرورة في كلِّ زمان سواء كان الإمام ظاهراً مشهوراً أو باطناً وغائباً مغموراً، والأخبار التي رووها مشهورة في ذلك، فادِّعاء عقيدة لا نقول بها هو من الوضع والدس، وهذا لا يعجز منه أحد، فبإمكان كلّ أحد أن يكذب على خصمه.
ويكفي في ذلك حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل(١١): «... اللَّهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجَّة (إمّا) ظاهر مشهور أو خاف مغمور لئلَّا تبطل حجج الله وبيِّناته».
المتن:
ثم قال: ليس الأمر كما تتوهَّمون في بني هاشم لأنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) دلَّ أُمَّته على عترته بإجماعنا وإجماعكم التي هي خاصَّته التي لا يقرب أحد منه (عليه السلام) كقربهم، فهي لهم دون الطلقاء وأبناء الطلقاء ويستحقها واحد منهم في كلِّ زمان إذ كان الإمام لا يكون إلَّا واحداً بلزوم الكتاب والدعاء إلى إقامته بدلالة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) في كمال الدين للشيخ الصدوق: ص٣٢١.
↑صفحة ٢٤٦↑
الرسول (صلّى الله عليه وآله) عليهم «أنَّهم لا يفارقون الكتاب حتَّى يردوا عليَّ الحوض»، وهذا إجماع، والذي اعتللتم به من بني هاشم ليس هم من ذرية الرسول (صلّى الله عليه وآله) وإن كانت لهم ولادة، لأنَّ كلّ بني ابنة ينتمون إلى عصبتهم(١٢) ما خلا ولد فاطمة، فإنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عصبتهم وأبوهم، والذرية هم الولد لقول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].
فأقول - وبالله أعتصم -: إنَّ هذا الأمر لا يصح بإجماعنا وإيَّاكم عليه، وإنَّما يصحّ بالدليل والبرهان، فما دليلك على ما ادَّعيت، وعلى أنَّ الإجماع بيننا إنَّما هو في ثلاثة: أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام)، ولم يذكر الرسول (صلّى الله عليه وآله) ذريَّته وإنَّما ذكر عترته، فملتم أنتم إلى بعض العترة دون بعض بلا حجَّة وبيان أكثر من الدعوى، واحتججنا نحن بما رواه أسلافنا عن جماعة حتَّى انتهى خبرهم إلى نص الحسين بن علي (عليه السلام) على علي ابنه ونصَّ عليٌ على محمد، ونصَّ محمدٌ على جعفر، ثم استدللنا على صحَّة إمامة هؤلاء دون غيرهم ممن كان في عصرهم من العترة بما ظهر من علمهم بالدين وفضلهم في أنفسهم، وقد حمل العلم عنهم الأولياء والأعداء، وذلك مبثوث في الأمصار، معروف عند نَقَلة الأخبار، وبالعلم تتبيَّن الحجَّة من المحجوج، والإمام من المأموم، والتابع من المتبوع، وأين دليلكم يا معشر الزيدية على ما تدَّعون؟
ثم قال صاحب الكتاب: ولو جازت الإمامة لسائر بني هاشم مع الحسن والحسين (عليهم السلام) لجازت لبني عبد مناف مع بني هاشم، ولو جازت لبني عبد مناف مع بني هاشم لجازت لسائر ولد قصي، ثم مدَّ في هذا القول، فيقال له: أيُّها المحتج عن الزيدية، إنَّ هذا لشيء لا يُستحَق بالقرابة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) في هامش النسخة المعتمدة: أي ينتسبون، وعصبة الرجل - محركة -: بنوه وقرابته لأبيه وإنَّما سمُّوا عصبة لأنَّهم عصبوا به أي أحاطوا به، فالأب طرف والابن طرف والعم جانب والأخ جانب (الصحاح)، والعصبة اسم جنس يطلق على الواحد والكثير؛ وقال الفيروزآبادي: العصبة: الذين يرثون الرجل عن كلالة من غير والد ولا ولد، فأمَّا في الفرائض فكلّ من لم يكن له فريضة مسمَّاة فهو عصبة.
↑صفحة ٢٤٧↑
وإنَّما يستحق بالفضل والعلم، ويصح بالنص والتوقيف، فلو جازت الإمامة لأقرب رجلٍ من العترة لقرابته لجازت لأبعدهم، فأفصل بينك وبين من ادَّعى ذلك وأظهر حجَّتك، وأفصل الآن بينك وبين من قال: ولو جازت لولد الحسن لجازت لولد جعفر، ولو جازت لهم لجازت لولد العباس، وهذا فصل لا تأتي به الزيدية أبداً إلَّا أن تفزع إلى فصلنا وحجَّتنا وهو النص من واحد على واحد وظهور العلم بالحلال والحرام.
ثمَّ قال صاحب الكتاب: وإن اعتلّوا بعلي (عليه السلام) فقالوا: ما تقولون فيه، أهو من العترة أم لا؟
قيل لهم: ليس هو من العترة، ولكنَّه بان من العترة ومن سائر القرابة بالنصوص عليه يوم الغدير بإجماع.
فأقول: - وبالله أستعين -:
يقال لصاحب الكتاب: أمَّا نصوص يوم الغدير فصحيح وأمَّا إنكارك أن يكون أمير المؤمنين من العترة فعظيم، فدلَّنا على أيِّ شيء تعوّل فيما تدَّعي؟
فإنَّ أهل اللغة يشهدون أنَّ العم وابن العم من العترة، ثم أقول: إنَّ صاحب الكتاب نقض بكلامه هذا مذهبه لأنَّه معتقد أنَّ أمير المؤمنين ممن خلَّفه الرسول في أُمَّته ويقول في ذلك: إنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) خلَّف في أُمَّته الكتاب والعترة، وأنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ليس من العترة، وإذا لم يكن من العترة فليس ممن خلَّفه الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وهذا متناقضٌ كما ترى، اللَّهم إلَّا أن يقول: إنَّه (صلّى الله عليه وآله) خلَّف العترة فينا بعد أن قُتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فنسأله أن يفصل بينه وبين من قال وخلف الكتاب فينا منذ ذلك الوقت لأنَّ الكتاب والعترة خلِّفاً معاً، والخبر ناطق بذلك شاهد به، ولله المنَّة.
ثم أقبل صاحب الكتاب بما هو حجَّة عليه، فقال: ونسأل من ادَّعى الإمامة لبعض دون بعض إقامة الحجَّة، ونسي نفسه وتفرَّده بادِّعائها لولد الحسن والحسين (عليهم السلام) دون غيرهم، ثم قال: فإن أحالوا على الأباطيل من
↑صفحة ٢٤٨↑
علم الغيب وأشباه ذلك من الخرافات وما لا دليل لهم عليه دون الدعوى عورضوا بمثل ذلك لبعض، فجاز أنَّ العترة من الظالمين لأنفسهم إن كان الدعوى هو الدليل.
فيقال لصاحب الكتاب: قد أكثرت في ذكر علم الغيب، والغيب لا يعلمه إلَّا الله، وما ادَّعاه لبشر إلَّا مشرك كافر، وقد قلنا لك ولأصحابك: دليلنا على ما ندَّعي الفهم والعلم، فإن كان لكم مثله فأظهروه وإن لم يكن إلَّا التشنيع والتقوُّل وتقريع الجميع بقول قوم غلاة فالأمر سهل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم قال صاحب الكتاب: ثم رجعنا إلى إيضاح حجَّة الزيدية بقول الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] الآية.
فيقال له: نحن نسلِّم لك أنَّ هذه الآية نزلت في العترة، فما برهانك على أنَّ السابق بالخيرات هم ولد الحسن والحسين دون غيرهم من سائر العترة؟
فإنَّك لست تريد إلَّا التشنيع على خصومك وتدَّعي لنفسك.
ثم قال: قال الله (عزَّ وجلَّ) وذكر الخاصّة والعامَّة من أُمَّة نبيِّه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً﴾ [آل عمران: ١٠٣] الآية.
ثم قال: انقضت مخاطبة العامَّة، ثم استأنف مخاطبة الخاصة فقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] - إلى قوله للخاصة - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فقال: هم ذريَّة إبراهيم (عليه السلام) دون سائر الناس، ثم المسلمون دون من أشرك من ذرية إبراهيم (عليه السلام) قبل إسلامه وجعلهم شهداء على الناس، فقال: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا﴾ - إلى قوله - ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٧-٧٨] وهذا سبيل الخاصة من ذرية إبراهيم (عليه السلام)، ثم اعتلَّ بآيات كثيرة تشبه هذه الآيات من القرآن.
↑صفحة ٢٤٩↑
فيقال له: أيُّها المحتجّ، أنت تعلم أنَّ المعتزلة وسائر فِرَق الأُمَّة تنازعك في تأويل هذه الآيات أشد منازعة، وأنت فليس تأتي بأكثر من الدعوى، ونحن نسلِّم لك ما ادَّعيت ونسألك الحجَّة فيما تفرَّدت به من أنَّ هؤلاء هم ولد الحسن والحسين (عليهم السلام) دون غيرهم، فإلى متى تأتي بالدعوى وتعرض عن الحجَّة؟
وتهول علينا بقراءة القرآن وتوهم أنَّ لك في قراءته حجَّة ليست لخصومك؟
والله المستعان.
توضيح ما قاله (رحمه الله):
دعوى الزيدي في تمييز الإمام من العترة بالإجماع:
يقول صاحب كتاب الإشهاد: إنَّ العترة التي نصَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) عليها هي عُصبَته، المحيطون به وهم أبناء الآباء، فلمَّا نصَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) على عترته، فإنَّه لا يريد منهم خصوص بني هاشم، بل الجميع في مقابل الطلقاء وأبناء الطلقاء، ومن هذه العترة يستحقها واحد لأنَّ الإمام لا يكون إلَّا واحداً في كلِّ زمان، والذي يفصل بين المحق والمبطل هو الإجماع، فلولا أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) دلَّ على عترته، ولولا الإجماع لما كانوا عترته لأنَّ عترة الرجل هم عصبته، وبنو هاشم ليسوا من صلبه ولا من ذريَّته، لولا أنَّه (صلّى الله عليه وآله) دلَّ على ذلك.
رد دعوى التمييز الإمام بالإجماع:
إنَّ أمر الإمامة لا يصح بالإجماع، حتَّى ولو كان إجماعنا وإجماعكم، وإنَّما يصح بالدليل والحجَّة والبرهان، على أنَّه لو سلَّمنا الإجماع فهو في ثلاثة من الأئمة (عليهم السلام) فما دليلك على غيرهم عندك؟
↑صفحة ٢٥٠↑
تفسير العترة بالبرهان والنص:
ثم إنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) لم يذكر ذريَّته وإنَّما ذكر عترته، وقد عرف بنفسه عن عترته، ولكنَّكم ملتم إلى بعض العترة دون بعضها بلا حجَّة أو برهان.
أمَّا نحن فقلنا بالعترة وحدَّدنا الواحد منهم للإمامة بالبرهان والنص من كلِّ واحد منهم على الآخر من ولد الحسين (عليه السلام)، وبعد النص عليهم دلّنا على إمامة الواحد منهم ما ظهر عليه من العلم بالدين والفضل في النفس الذي أقرَّ به ونقله عنهم الولي والعدو، وهذا مما لا ينكر، وبالعلم تثبت الحجَّة ويتبيَّن الحق من الباطل، فأين دليلكم أيُّها الزيدية على ما تدَّعون.
وقال الزيدي: ولو جازت الإمامة لسائر بني هاشم لجازت لبني عبد مناف، ولو جازت لهم لجازت لبني لسائر ولد قصي، وهكذا...
وجوابه: أنَّ الإمامة لا تثبت بالقرابة فقط وإنَّما تثبت بالعلم والفضل والنص والتوقُّف، فبالنص وظهور العلم بالحلال والحرام تثبت، إذ لو جازت الإمامة بعنوان القرابة لأحد وإن كان الأقرب فهي تجوز بنفس الملاك للأبعد، فلابدَّ من مميِّز يميِّز هذه القرابة عن تلك، ولا مميز إلَّا النص، فإمَّا أن تقرّوا به وتقروا بالحق أو لا يمكنكم إثبات الإمامة أبداً.
دعوى الزيدي أنَّ أمير المؤمنين ليس من العترة:
ثم قال: إن تمسَّكت الإمامية بعلي (عليه السلام) وقالت هل هو من العترة أم لا؟
نقول لهم: ليس من العترة ولكنَّه صار منها بالنص عليه يوم الغدير وبالإجماع.
وجوابه:
١ - أمَّا نصوص الغدير فصحيحة.
٢ - أمَّا إنكارك أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) من العترة فهذا أمرٌ عظيم، وما هو دليلك على عدم عدّ أمير المؤمنين (عليه السلام) من العترة؟
فإنَّ أهل اللغة يقولون: إنَّ العم وابن العم من العترة.
↑صفحة ٢٥١↑
إبطال الزيدي لمذهبه من حيث لا يشعر:
بل إنَّك أيُّها الزيدي قد نقضت مذهبك بكلامك هذا، فأنت ممن يعتقد أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أُمَّته، والنبي (صلّى الله عليه وآله) قد خلَّف في الأُمَّة الكتاب والعترة، فكيف تدَّعي أنَّه ليس من العترة؟!
لأنَّه لو لم يكن من العترة فلابدَّ أن لا يكون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد جعله خليفة له، لأنَّه ما جعل له خليفة من غير العترة، فكلامك موجب لوقوعك في التناقض.
إن قال: إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إنَّما خلَّف فينا العترة بعد أمير المؤمنين (عليه السلام) فخلافة العترة تبدأ بعد مقتل أمير المؤمنين (عليه السلام).
قلنا: يلزم الفصل بين وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) وخلافة العترة بعد أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومعناه بقاء القرآن الكريم بلا عترة، مع أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: «لا يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض».
نسيان الزيدي نفسه وإيقاعها فيما ينقض به على الإمامية:
ثم إنَّ صاحب كتاب الإشهاد نسي نفسه فصار يطالب الإمامية بالدليل على جعل الإمامة في واحد من العترة من ولد الحسين (عليه السلام)، ونسي أنَّه جعلها في ولد الحسن والحسين (عليهم السلام) دون سائر العترة.
النقض بعلم الغيب وردّه:
ثم بدأ يتحدَّث بما لا يليق وأكثر من الحديث عن علم الغيب وكأنَّنا نستدل على إمامتهم بعلم الغيب!
حتَّى قال: إنَّه لو جازت الإمامة بادِّعاء الغيب لجاز أن تُعارَضَ الإمامية بمثل دعواهم وجاز أن تكون العترة من الظالمين لأنَّ الدعوى عين الدليل.
وجوابه: قد أكثرت من الحديث عن علم الغيب الذي لا يعلمه إلَّا الله
↑صفحة ٢٥٢↑
تعالى، وما ادَّعاه أحد من البشر إلَّا مشرك أو كافر(١٣).
وقد تقدَّم أنَّ الإمامة تثبت بالعلم والفهم في الحلال والحرام والوصية، فإذا كان عندك أو عند أصحابك ما تثبت به مثل هذا لمن تدَّعي إمامته فهاته، وإلَّا فإنَّ من السهل التشنيع والتقوُّل على الخصوم ورميهم بالغلو.
ردّ دعوى دلالة آية الاصطفاء على مذهب الزيدي:
يدَّعي: أنَّه لابدَّ من الرجوع إلى دليل الزيدية من القول بالإمامة في العترة بدلالة آية الاصطفاء.
وجوابه: نحن نسلِّم أنَّ هذه الآية نزلت في العترة، ولكن ما هو الدليل على أنَّ خصوص ولد الحسن والحسين (عليهم السلام) فيهم الإمامة دون غيرهم، فإذا لم تجب، فأنت مجادل تريد التشنيع على خصومك.
رد الاستدلال بعدَّة آيات لنصرة الزيدية وردّها:
ثم استدل صاحب كتاب الإشهاد بعدَّة آيات زاعماً أنَّها تدل على مذهبه.
فردَّ عليه الشيخ (رحمه الله) مقالته قائلاً: إنَّ الذي تدَّعي به إثبات حقَّانية مذهبك من القرآن، تدَّعيه المعتزلة أيضاً، فهذه الفرق تنازعك التأويل، وتدَّعي غير الذي تدَّعيه منها، فما هي حجَّتك وبرهانك على ما تتميَّز به عنهم، وما هو دليل على سوق الإمامة فيمن ادَّعيتها لهم بالخصوص؟
فإلى متى تبقى تدَّعي فقط وفقط دون أن تقدِّم دليلاً وتقرأ القرآن متوهِّماً أنَّ لك فيه حجَّة ليست لخصومك؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) نعم، إذا دلَّ الدليل على أنَّه تعالى يعلم أولياءه الغيب، فهذا خارج عن محلِّ الكلام، لأنَّه بتعليم الله تعالى إذ قال (جلَّ من قائل): ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤؛ يوسف: ١٠٢]، وقد دلَّت العديد من الروايات على ذلك.
↑صفحة ٢٥٣↑
المتن:
ثم قال صاحب الكتاب:
فليس من دعا إلى الخير من العترة - كمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وجاهد في الله حقَّ جهاده - سواء وسائر العترة ممَّن لم يدْعُ إلى الخير ولم يجاهد في الله حقَّ جهاده، كما لم يجعل الله من هذا سبيله من أهل الكتاب سواء وسائر أهل الكتاب، وإن كان تارك ذلك فاضلاً عابداً لأنَّ العبادة نافلة والجهاد فريضة لازمة كسائر الفرائض صاحبها يمشي بالسيف إلى السيف، ويؤثِّر على الدعة الخوف، ثم قرأ سورة الواقعة وذكر الآيات التي ذكر الله (عزَّ وجلَّ) فيها الجهاد وأتبع الآيات بالدعاوي ولم يحتج لشيء من ذلك بحجَّة فنطالبه بصحَّتها [أ] ونقابله بما نسأله فيه الفصل.
فأقول - وبالله أستعين -:
إنْ كان كثرة الجهاد هو الدليل على الفضل والعلم والإمامة، فالحسين (عليه السلام) أحقُّ بالإمامة من الحسن (عليه السلام) لأنَّ الحسن (عليه السلام) وادع معاوية (عليه السلام)، والحسين (عليه السلام) جاهد حتَّى قُتل، وكيف يقول صاحب الكتاب؟ وبأيِّ شيء يدفع هذا؟
وبعد، فلسنا ننكر فرض الجهاد ولا فضله ولكنَّا رأينا الرسول (صلّى الله عليه وآله) لم يحارب أحداً حتَّى وجد أعواناً وأنصاراً وإخواناً فحينئذٍ حارب، ورأينا أمير المؤمنين (عليه السلام) فعل مثل ذلك بعينه، ورأينا الحسن (عليه السلام) قد همَّ بالجهاد فلمَّا خذله أصحابه وادع ولزم منزله، فعلمنا أنَّ الجهاد فرضٌ في حال وجود الأعوان والأنصار، والعالم - بإجماع العقول - أفضل من المجاهد الذي ليس بعالم، وليس كلّ من دعا إلى الجهاد يعلم كيف حكم الجهاد، ومتى يجب القتال، ومتى تحسن الموادعة، وبماذا يستقبل أمر هذه الرعية، وكيف يصنع في الدماء والأموال والفروج، وبعد فإنَّا نرضى من إخواننا بشيء واحد وهو أن يدلُّونا على رجل من العترة ينفي التشبيه والجبر عن الله ولا يستعمل الاجتهاد
↑صفحة ٢٥٤↑
والقياس في الأحكام السمعية ويكون مستقلاً كافياً حتَّى نخرج معه فإنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على قدر الطاقة وحسب الإمكان، والعقول تشهد أنَّ تكليف ما لا يطاق فاسد، والتغرير بالنفس قبيح، ومن التغرير أن تخرج جماعة قليلة لم تشاهد حرباً ولا تدرَّبت بدربة أهل إلى قوم متدرِّبين بالحروب تمكَّنوا في البلاد وقتلوا العباد وتدرَّبوا بالحروب، ولهم العدد والسلاح والكراع ومن نصرهم من العامة - ويعتقدوا أنَّ الخارج عليهم مباح الدم - مثل جيشهم أضعافاً مضاعفة، فكيف يسومنا صاحب الكتاب أن نلقى بالأغمار المتدرِّبين بالحروب، وكم عسى أن يحصل في يدِ داعٍ إن دعا من هذا العدد؟ هيهات هيهات، هذا أمر لا يزيله إلَّا نصر الله العزيز العليم الحكيم.
قال صاحب الكتاب:
بعد آيات من القرآن تلاها ينازع في تأويلها أشد منازعة ولم يؤيِّد تأويله بحجَّة عقل ولا سمع: فافهم - رحمك الله - من أحقّ أن يكون لله شهيداً من دعا إلى الخير كما أمر، ونهى عن المنكر، وأمر بالمعروف، جاهد في الله حقَّ جهاده حتَّى استشهد؟! أم من لم يرَ وجهه ولا عرف شخصه؟! أم كيف يتَّخذه الله شهيداً على من لم يرهم ولا نهاهم ولا أمرهم؟ فإن أطاعوه أدَّوا ما عليهم وإن قتلوه مضى إلى الله (عزَّ وجلَّ) شهيداً؟! ولو أنَّ رجلاً استشهد قوماً على حقٍّ يطالب به لم يروه ولا شهدوه، هل كان شهيداً؟ وهل يستحق بهم حقاً إلَّا أن يشهدوا على ما لم يروه فيكونوا كذَّابين وعند الله مبطلين؟!
وإذا لم يجز ذلك من العباد فهو غير جائز عند الحَكَم العَدْل الذي لا يجور، ولو أنَّه استشهد قوماً قد عاينوا وسمعوا فشهدوا له، والمسألة على حالها أليس كان يكون محقّاً وهم صادقون وخصمه مبطل وتمضي الشهادة ويقع الحكم، وكذلك قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، أوَلا ترى أنَّ الشهادة لا تقع بالغيب دون العيان، وكذلك قول عيسى (عليه السلام): ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] الآية.
↑صفحة ٢٥٥↑
فأقول - وبالله أعتصم -:
يقال لصاحب الكتاب: ليس هذا الكلام لك، بل هو للمعتزلة وغيرهم علينا وعليك، لأنَّا نقول: إنَّ العترة غير ظاهرة وإنَّ من شاهدْنا منها لا يصلح أن يكون إماماً، وليس يجوز أن يأمرنا الله (عزَّ وجلَّ) بالتمسُّك بمن لا نعرف منهم ولا نشاهده ولا شاهده أسلافنا، وليس في عصرنا ممن شاهدناه منهم ممن يصلح أن يكون إماماً للمسلمين والذين غابوا لا حجَّة لهم علينا، وفي هذا أدلّ دليل على أنَّ معنى قول النبي (صلّى الله عليه وآله): «إنِّي تارك فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلُّوا، كتاب الله وعترتي» ليس ما يسبق إلى قلوب الإمامية والزيدية.
وللنظّام(١٤) وأصحابه أن يقولوا: وجدنا الذي لا يفارق الكتاب هو الخبر القاطع للعذر، فإنَّه ظاهر كظهور الكتاب يُنتفع به، ويمكن اتِّباعه والتمسُّك به، فأمَّا العترة فلسنا نشاهد منهم عالماً يمكن أن نقتدي به، وإن بلَغَنا عن واحد منهم مذهبٌ بلَغَنا عن آخر أنَّه يخالفه، والاقتداء بالمختلفين فاسد، فكيف يقول صاحب الكتاب؟
ثم اعلم أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لمَّا أمرنا بالتمسُّك بالعترة كان بالعقل والتعارف والسيرة ما يدل على أنَّه أراد علماءهم دون جهَّالهم، والبررة الأتقياء دون غيرهم، فالذي يجب علينا ويلزمنا أن ننظر إلى من يجتمع له العلم بالدين مع العقل والفضل والحلم والزهد في الدنيا والاستقلال بالأمر، فنقتدي به ونتمسَّك بالكتاب وبه.
وإن قال: فإن اجتمع ذلك في رجلين وكان أحدهما ممَّن يذهب إلى مذهب الزيدية والآخر إلى مذهب الإمامية بمن يُقتدى منهما ولمن يتبع؟
قلنا له: هذا لا يتَّفق، فإن اتَّفق، فرق بينهما دلالة واضحة إمَّا نص من إمام تقدمه وإمَّا شيء يظهر في علمه كما ظهر في أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم النهر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، ابن أخت أبي هذيل العلاف شيخ المعتزلة.
↑صفحة ٢٥٦↑
حين قال: «والله ما عبروا النهر ولا يعبرون، والله ما يقتل منكم عشرة ولا ينجوا منهم عشرة»، وإمَّا أن يظهر من أحدهما مذهب يدل على أنَّ الاقتداء به لا يجوز كما ظهر من علم الزيدية القول بالاجتهاد والقياس في الفرائض السمعية والأحكام فيعلم بهذا أنَّهم غير أئمة، ولست أريد بهذا القول زيد بن علي وأشباهه لأنَّ أولئك لم يظهروا ما ينكر ولا ادَّعوا أنَّهم أئمة وإنَّما دعوا إلى الكتاب والرضا من آل محمد، وهذه دعوة حق.
وأمّا قوله: (كيف يتَّخذه الله شهيداً على من لم يرهم ولا أمرهم ولا نهاهم).
فيقال له: ليس معنى الشهيد عند خصومك ما تذهب إليه، ولكن إن عبت الإمامية بأنَّ من لم يُرَ وجهه ولا عرف شخصه لا يكون بالمحلِّ الذي يدعونه له، فأخبرنا عنك: مَن الإمام الشهيد من العترة في هذا الوقت، فإن ذكر أنَّه لا يعرفه دخل فيما عاب ولزمه ما قدر أنَّه يلزم خصومه، فإن قال: هو فلان، قلنا له: فنحن لم نرَ وجهه ولا عرفنا شخصه، فكيف يكون إماماً لنا وشهيداً علينا؟! فإن قال: إنَّكم وإن لم تعرفوه فهو موجود الشخص معروف علمه من علمه وجهله من جهله، قلنا: سألناك بالله هل تظن أنَّ المعتزلة والخوارج والمرجئة والإمامية تعرف هذا الرجل أو سمعت به أو خطر ذكره ببالها؟
فإن قال: هذا ما لا يضره ولا يضرّنا لأنَّ السبب في ذلك إنَّما هو غلبة الظالمين على الدار وقلَّة الأعوان والأنصار، قلت له: لقد دخلت فيما عبت وحججت نفسك من حيث قدرت أنَّك تحاج خصومك، وما أقرب هذه الغيبة من غيبة الإمامية غير أنَّكم لا تنصفون.
ثم يقال: قد أكثرت في ذكر الجهاد ووصف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتَّى أوهمت أنَّ من لم يخرج فليس بمحق، فما بال أئمتك والعلماء من
↑صفحة ٢٥٧↑
أهل مذهبك لا يخرجون، وما لهم قد لزموا منازلهم واقتصروا على اعتقاد المذهب فقط؟ فإن نطق بحرف فتقابله الإمامية بمثله، ثم قيل له برفق ولين: هذا الذي عبته على الإمامية وهتفت بهم من أجله وشنَّعت به على أئمتهم بسببه وتوصَّلت بذكره إلى ما ضمنته كتابك، قد دخلت فيه وملت إلى صحَّته، وعوَّلت عند الاحتجاج عليه، والحمد لله الذي هدانا لدينه.
توضيح ما قاله (رحمه الله):
الإكثار من الآيات لا ينفع ما لم تكن فيها حجَّة وبرهان:
ثم إنَّ صاحب كتاب الإشهاد ذكر العديد من الآيات التي تحثّ على الجهاد، بل قرأ سورة الواقعة كاملة واستدلَّ من خلالها على أفضيلة المجاهد من العترة على غيره وإن كان عالماً عابداً، إلَّا أنَّه لم يحتج بشيء ولم يقدم دليلاً يميّز به بينه وبين خصومه.
رد دعوى أفضلية الجهاد على العلم في تمييز الإمام:
لو كانت الإمامة بكثرة الجهاد دون العلم والفضل لكانت إمامة الحسين (عليه السلام) متقدِّمة على إمامة الحسن (عليه السلام)، فهل يقر أصحاب الكتاب بأفضلية الحسين (عليه السلام) على الحسن؟!
على أنَّنا لا ننكر فضل الجهاد لكنَّه ليس الملاك في تمييز الإمام من العترة، كما أنَّنا من خلال سيرة الأئمة (عليهم السلام) بل سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) انكشف لدينا أنَّ الجهاد إنَّما يجب إذا وجد الإمام أعواناً له فيه، فالجهاد فرض إذا تحقَّق الأعوان.
واعلم أنَّ العالم أفضل من المجاهد الذي ليس بعالم بإجماع العقول، وليس كلّ من دعا إلى الجهاد هو يعلم فرض الجهاد وحدوده، ومتى يحسن ومتى تكون الموادعة، وكيف يصنع في الدماء والأموال والفروج.
↑صفحة ٢٥٨↑
على أنَّنا نرضى من إخواننا الزيدية أن يدلُّونا على رجل من العترة لا يقول بالتشبيه ولا يستعمل القياس في الدين ويكون غير تابع لغيره، حتَّى نخرج معه، فإنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على قدر الطاقة والقدرة، وبالعقل نستقبح التكليف بما لا يطاق، ولابدَّ من الإعداد للحرب والتدريب لها ومعرفة أحكامها صغيرة كانت أو كبيرة، لا أن نخوض فيها بغير معرفة وبدعاوى ممَّن لا دربة له في مسائلها وأحكامها.
واعلم أنَّ هذه المقولات ليست لك وإنَّما هي للمعتزلة يلقونها عليك وعلينا على حدٍّ سواء.
ودعوانا في الإمامة من العترة هي إمامة العالم الفاضل لأنَّ الله تعالى لا يأمرنا بالتمسُّك بمن لا نعرف من العترة ولا شاهده أسلافنا وعرفوا الحجَّة فيه، فليس الذي لا يفارق العترة هو الخبر والرواية حتَّى تكون قاطعة للعذر، بل لابدَّ من وجود الإمام بين الأُمَّة كي ينتفع به، والعترة فيها من يدَّعي العلم ومن يدَّعي من يخالفه، وهل نقتدي بالمتخالفين؟
صفة العترة التي أراد النبي (صلّى الله عليه وآله) التمسُّك بها:
إنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) عندما أمرنا بالتمسُّك بالعترة أراد منها علماءها لا جُهَّالها، وأراد أتقياءها لا فجَّارها، هذا بالعقل والعرف والسيرة، فالذي نتَّبعه من العترة هو من تجتمع فيه خصال العلم بالحلال والحرام والعقل والفضل والحلم والزهد في الدنيا والاستقلال بالأمر، هذا من نتمسَّك به.
إن قيل: لعلَّ هذه الخصال تجتمع في اثنين يذهب أحدهما مذهب الزيدية، والآخر مذهب الإمامية، فبمن تقتدون؟
قلنا: هذا لا يتَّفق، ولو سلَّمنا جدلاً أنَّه حصل، فإنَّنا نُفَرِّق بينهما إمَّا بنصٍ السابق على اللاحق وإمَّا بشيء يظهر لنا يميِّزه عن الآخر كما ظهر
↑صفحة ٢٥٩↑
من علم أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم النهروان حين قال(١٥): «والله ما عبروا النهر ولا يعبرونه»، أو أن يظهر من أحدهما مذهب لا يجوز الاقتداء به كما ظهر من الزيدية من القول بالقياس في الفرائض السمعية والأحكام الشرعية، فنعلم بهذا بطلانهم.
مقام زيد بن علي عند الإمامية:
إنَّنا هنا لا نتحدَّث عن شخص زيد بن علي بن الحسين (عليهم السلام)، إذ لم يظهر منه ما ينكر، بل لم يدَّعِ الإمامة لنفسه وإنَّما دعا إلى كتاب الله تعالى والرضا من آل محمد (عليهم السلام).
معنى شهادة الإمام على الأُمَّة:
إنَّ معنى جعل الشهيد والإمام على الناس من قبل الله تعالى ليس كما تذهب إليه وتفسّره، من لزوم معرفته ورؤيته من قبل الناس جميعاً كشرط في إمامته.
ومع ذلك نحن نسألك وعلى معنى الشهادة عندك: من هو الإمام الشهيد على الناس في هذا الوقت(١٦)؟
فإن قال: إنَّه لا يعرفه ولم يرَ وجهه، فقد وقع فيما عاب به على خصومه.
وإن قال: هو فلان، قلنا له: لكنَّنا لا نعرف وجهه ولم نرَه، فكيف يكون إماماً علينا، على زعمكم من لزوم رؤية وجه الإمام كي يصلح للإمامة.
قول الزيدي بمذهب الإمامية في غيبة الإمام (عليه السلام) دون أن يلتفت:
فإن قال: إنَّه موجود وهو إمام وإن لم تعرفوه ولم تروه، فهو موجود الشخص، معروف، عَلِمَه من عَلِمَه وجَهِلَه من جَهِلَه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي: ج٢، ص٦٣.
(١٦) وهو وقت وجود الشيخ ابن قبة (رحمه الله)، على ما تقدَّم في ترجمته في الحلقة الأولى التي نشرت في العدد (١٢) من هذه المجلة.
↑صفحة ٢٦٠↑
قلنا له: هل المعتزلة أو الإمامية أو المرجئة أو غيرهم سمعوا به وعرفوه، أو أنَّه خطر ببالهم؟
فإن قال: هذا لا يضر بإمامة الإمام، فما منع هؤلاء من معرفته هو قلَّة أعوانه وكثرة ظلمته وغلبتهم.
قلنا له، وبرفق ولين: ها أنت وقعت فيما عبت فيه غيرك، وما أقرب ما تقول به من قول الإمامية في غيبة إمامهم (عليه السلام).
المتن:
ثم يقال له: أخبرنا هل في العترة اليوم من يصلح للإمامة؟
فلابدَّ من أن يقول: نعم، فيقال له: أفليس إمامته لا تصح إلَّا بالنص على ما تقوله الإمامية، ولا معه دليل معجز يُعلَم به أنَّه إمام، وليس سبيله عندكم سبيل من يجتمع أهل الحلِّ والعقد من الأُمَّة فيتشاورون في أمره ثم يختارونه ويبايعونه؟
فإذا قال: نعم، قيل له: فكيف السبيل إلى معرفته؟
فإن قالوا: يعرف بإجماع العترة عليه.
قلنا لهم: كيف تجتمع عليه، فإن كان إمامياً لم ترضَ به الزيدية، وإن كان زيدياً لم ترضَ به الإمامية.
فإن قال: لا يعتبر بالإمامية في مثل هذا.
قيل له: فالزيدية على قسمين قسم معتزلة وقسم مثبتة، فإن قال: لا يعتبر بالمثبِّتة في مثل هذا، قيل له: فالمعتزلة قسمان: قسم يجتهد في الأحكام بآرائها، وقسم يعتقد أنَّ الاجتهاد ضلال.
فإن قال: لا يعتبر بمن نفى الاجتهاد.
قيل له: فإن بقي - ممن يرى الاجتهاد - منهم أفضلهم، وبقي - ممن يبطل الاجتهاد - منهم أفضلهم، ويبرأ بعضهم من بعض، بمن نتمسَّك وكيف نعلم المحق منهما، هو من تومي أنت وأصحابك إليه دون غيره؟
↑صفحة ٢٦١↑
فإن قال: بالنظر في الأصول.
قلنا: فإن طال الاختلاف واشتبه الأمر كيف نصنع وبمَ نتفصى من قول النبي (صلّى الله عليه وآله): «إنِّي تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلُّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي»؟
والحجَّة من عترته لا يمكن لأحدٍ أن يعرفه إلَّا بعد النظر في الأصول والوقوف على أنَّ مذاهبه كلّها صواب، وعلى أنَّ من خالفه فقد أخطأ، وإذا كان هكذا فسبيله وسبيل كل قائل من أهل العلم سبيل واحد، فما تلك الخاصة التي هي للعترة؟ دُلَّنا عليها وبيِّن لنا جميعها لنعلم أنَّ بين العالم من العترة وبين العالم من غير العترة فرقاً وفصلاً.
وأخرى يقال لهم: أخبرونا عن إمامكم اليوم، أعنده الحلال والحرام؟
فإذا قالوا: نعم.
قلنا لهم: وأخبرونا عمَّا عنده مما ليس في الخبر المتواتر، هل هو مثل ما عند الشافعي وأبي حنيفة ومن جنسه أو هو خلاف ذلك؟
فإن قال: بل عنده الذي عندهما ومن جنسه.
قيل لهم: وما حاجة الناس إلى علم إمامكم الذي لم يسمع به، وكُتُب الشافعي وأبي حنفية ظاهرة مبثوثة موجودة؟
وإن قال: بل عنده خلاف ما عندهما.
قلنا: فخلال ما عندهما هو النص المستخرج الذي تدَّعيه جماعة من مشايخ المعتزلة وإنَّ الأشياء كلَّها على إطلاق العقول إلَّا ما كان في الخبر القاطع للعذر على مذهب النظّام وأتباعه، أو مذهب الإمامية أنَّ الأحكام منصوصة، واعلموا أنَّا لا نقول منصوصة على الوجه الذي يسبق إلى القلوب، ولكن المنصوص عليه بالجمل التي من فهمها فهم الأحكام من غير قياس ولا اجتهاد.
↑صفحة ٢٦٢↑
فإن قالوا: عنده ما يخالف هذا كلّه، خرجوا من التعارف، وإن تعلَّقوا بمذاهب من المذاهب.
قيل لهم: فأين ذلك العلم؟ هل نقله عن إمامكم أحد يوثق بدينه وأمانته؟
فإن قالوا: نعم.
قيل لهم: قد عاشرناكم الدهر الأطول فما سمعنا بحرف واحد من هذا العلم، وأنتم قوم لا ترون التقيَّة ولا يراها إمامكم، فأين علمه؟ وكيف لم يظهر ولم ينتشر؟ ولكن أخبرونا ما يؤمنَّا أن تكذبوا، فقد كذبتم على إمامكم كما تدَّعون أنَّ الإمامية كذبت على جعفر بن محمد (عليه السلام)، وهذا ما لا فصل فيه.
مسألة أخرى، ويقال لهم: أليس جعفر بن محمد (عليه السلام) عندكم كان لا يذهب إلى ما تدَّعيه الإمامية، وكان على مذهبكم ودينكم؟
فلابدَّ من (أن يقولوا): نعم، اللَّهم إلَّا أن تبرؤوا منه، فيقال لهم: وقد كذبت الإمامية فيما نقلته عنه، وهذه الكتب المؤلفة التي في أيديهم إنَّما هي من تأليف الكذَّابين؟
فإذا قالوا: نعم.
قيل لهم: فإذا جاز ذلك فلِمَ لا يجوز أن يكون إمامكم يذهب مذهب الإمامية ويدين بدينها، وأن يكون ما يحكي سلفكم ومشايخكم عنه مولداً موضوعاً لا أصل له.
فإن قالوا: ليس لنا في هذا الوقت إمام نعرفه بعينه نروي عنه علم الحلال والحرام، ولكنَّا نعلم أنَّ في العترة من هو موضع هذا الأمر وأهل.
قلنا لهم: دخلتم فيما عبَّتموه على الإمامية بما معها من الأخبار من أئمتها بالنص على صاحبهم والإشارة إليه والبشارة به، وبطل جميع ما
↑صفحة ٢٦٣↑
قصصتم به من ذكر الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصار إمامكم بحيث لا يُرى ولا يُعرف، فقولوا كيف شئتم، ونعوذ بالله من الخذلان.
توضيح ما قاله (رحمه الله):
إشكالات على مذهب الزيدية ذكرها الشيخ ابن قبة (رحمه الله):
الإشكال الأوَّل: من هو الذي يصلح للإمامة في هذا الزمان، وكيف تعرفونه؟
نقول لهم: هل في العترة من يصلح أن يكون إماماً في هذا الزمان؟
ولابدَّ أن تكون إجابته وبحسب معتقده، نعم؟
نقول له: إنَّ هذا الإمام لم يجتمع عليه أهل الحلِّ والعقد لعدم وجودهم في هذا الزمان حسب الفرض، ولا معه معجزة يثبت بها نفسه، فلابدَّ أن تكون إمامته بالنص، وهذا ما تقوله الإمامية، فكيف تعرفون الإمام عندكم من دون طريقنا، أليس في اعتمادكم على طريقتنا في تعيين الإمام بطلان مذهبكم؟
فإن قال: لابدَّ أن تجتمع عليه العترة.
قلنا: كيف يجتمعون عليه؟
فإن كان إمامياً لم ترتضه الزيدية، وإن كان زيدياً لم ترتضه الإمامية.
إن قال: لا يُعتدّ برأي الإمامية في مثل هذا الأمر، وعدم إجماعهم ليس بحجَّة.
قلنا له: الزيدية على قسمين: معتزلة ومثبتة(١٧)، فقول من نأخذ؟
إن قال: لا يعتبر بالمثبتة من الزيدية في مثل هذا.
فإنَّه يقال له: فالمعتزلة من الزيدية على قسمين أيضاً: قسم منهم يأخذ في الأحكام برأيه، وقسم آخر يرى هذا الفعل ضلال، فقول من نأخذ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) الزيدية تأخذ من المعتزلة، ومنهم من صار مثبتاً للصفات، ومنهم النافي، وهذه تسمية للفرق بلحاظ مذهبها في الصفات.
↑صفحة ٢٦٤↑
فإن قال: لا نأخذ قول من نفى الاجتهاد(١٨) وأخذ بالرأي.
فإنَّه يقال له: لعلَّ بعض أهل الاجتهاد فيهم من هو أفضلهم ومن يبطل الاجتهاد كذلك، وفي هذه الحالة سوف يتبرَّأ بعض هؤلاء من بعض، وكلّهم زيدية، فبمن نتمسَّك؟ وكيف نعرف المحقّ من المبطل؟ وماذا تفعلون والحال هكذا؟
فإن قال: إنَّنا نميِّز بين هذا وذاك، ونعرف المحق منهما بالعرض على الأصول والنظر فيها، فمن تكون الأصول معه هو المحق.
قلنا له: فإن طال الاختلاف ولم تسعفكم الأصول في تمييز المحق من المبطل، فكيف تصنعون؟ وكيف نطبِّق حديث الثقلين؟ وكيف ننتفع منه في معرفة المحق؟
إذ على هذا لا يمكننا أن نعرف المحق من العترة، فإذا كانت معرفة الحق وتمييز المحق من العترة بواسطة الأصول وعرضها على العالم، وبها نميِّزه عن غيره، فإنَّه على هذا الحال سيكون حال من قال بإمامة واحد من العترة، ومن لم يقل على حدٍ سواء، مادام الكل يرجعون للأصول.
فلابدَّ من وجود خاصية وميزة نميِّز بها المحق، ولابدَّ أن تدلُّونا عليها، كي نعرف أن بين العالم من العترة والعالم من غير العترة يوجد فرقاً وميزة يكون بها العالم من العترة هو الإمام في الأُمَّة.
الإشكال الثاني: هل إمامكم يعرف الحلال والحرام، أو يأخذ من المذاهب الأخرى؟
إمامكم الذي تأتمُّون به اليوم هل يعرف الحلال والحرام؟
إن قالوا: نعم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨) في هذه العبارة اضطراب لأنَّه في بعض النسخ (بمن قال بالاجتهاد والرأي) ومفادها عكس المتن تماماً، فلابدَّ أن نأخذ بما يقتضيه السياق، وطريقة وزن الكلام قياساً على ما تقدَّم.
↑صفحة ٢٦٥↑
نقول لهم: هل إنَّ ما عند إمامكم، هو كالذي عند الشافعي والحنفي وغيرهما، أم هو خلاف ذلك؟
فإن قالوا: إنَّ الذي عند إمامنا هو الذي عندهما ومن على شاكلته في الحلال والحرام.
نقول لهم: إذن ما حاجة الناس إلى إمامكم، إذا كان لا يظهر علمه ويبيِّن وجه الخلاف بينكم وبين هؤلاء، فليرجع الناس إلى كتب الشافعي وأبي حنيفة فهي ظاهرة مبثوثة.
فإن رجعوا وقالوا: بل لإمامنا خلاف ما عند الشافعي والحنفي.
قلنا لهم: هل هذا الخلاف الذي تدَّعيه مع الأشعري والحنفي هو بنفسه الذي تدَّعيه المعتزلة، من حجيَّة العقل بشكل مطلق إلَّا مع الخبر المتواتر والقاطع للعذر، كما هو مذهب النظّام وغيره، أو أنَّ الخلاف مع الشافعي والحنفي هو على ما تدَّعيه الإمامية من كون الأحكام منصوصة؟
وبطبيعة الحال نحن الإمامية لا نقول إنَّها منصوصة بالمعنى الذي هو بديهي، بل الذي يحتاج إلى فهم، ولكن ليس بواسطة القياس والرأي.
فإن قالوا: عنده خلاف ذلك كلّه.
قلنا لهم: هذا خروج عن المتعارف.
فإن تعلقوا بمذهب ما من المذاهب.
قلنا لهم: فأين علم ذلك المذهب وأين أخبار من نقله عن إمامكم، وهل نقله الثقات عنه؟
فإن قالوا: نعم، هو مذهب مستقل، نقله الثقات عنه.
قلنا لهم: لقد عاشرناكم يا معشر الزيدية دهراً طويلاً، ولم نسمع بحرف واحد من هذا العلم الذي يميِّزكم، مع أنَّكم قوم لا تتديَّنون بالتقيَّة، حتَّى تكتموا مذهبكم وعلمكم عنَّا، فأين علم إمامكم هذا، وأين مذهبه؟
↑صفحة ٢٦٦↑
وما يدرينا أنَّكم لا تكذبون على إمامكم، وتدَّعون عليه ديناً لا أصل له، فكما أنَّكم تتَّهمون الإمامية أنَّهم يكذبون على الإمام جعفر بن محمد (عليه السلام)، فلا يبعد أنَّكم تكذبون على إمامكم، هذا إن كان فعلاً لكم إمام كما تدَّعون، وأنَّ له علماً يختلف عمَّا عند غيره، فهل من دليل يميِّزكم ويفصل بين دعواكم وما تتَّهمون به خصومكم؟ أخرجوه لنا.
إبطال دعواهم أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) على مذهب الزيدية:
تدَّعي الزيدية أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) هو على مذهب الزيدية، وما ترويه الإمامية عنه في كتبهم مكذوب عليه من قبل الإمامية وليس بصادر منه حقيقة.
ونقول لهم: إذا جاز أن يتمذهب إمام الإمامية جعفر الصادق (عليه السلام) حسب زعمكم بمذهب الزيدية، فلِمَ لا يتمذهب إمامكم الزيدي بمذهب الإمامية؟ فما يجوز على الإمام الصادق (عليه السلام) يجوز على غيره.
وعلى هذا الأساس سيكون ما تحكونه عنه كذباً وافتراءً ومن صنع مشايخكم، ولا واقع ولا أصل له واقعاً.
فإن قالوا: لا يوجد لنا في هذا الوقت إمام معيَّن ومشخَّص نعرفه ونأخذ منه الحلال والحرام حتَّى يقال: يجوز أن يتمذهب بمذهب الإمامية وأنَّ مشايخنا يكذبون عليه، وإنَّما نحن- أي الزيدية - نعلم أنَّ من العترة من هو إمام للأُمَّة.
قلنا لهم: أبطلتم مذهبكم بيدكم ودخلتم بقولكم هذا مع الإمامية، وبطل جميع ما حكيتموه عن إمامة إمامكم من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصار إمامكم لا يُرى ولا يُعرف، فرجعتم إلى ما نقول.
↑صفحة ٢٦٧↑
المتن:
ثم قال صاحب الكتاب:
وكما أمر الله العترة بالدعاء إلى الخير ووصَفَ سَبْقَ السابقين منهم، وجعلهم شهداء، وأمرهم بالقسط فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]، ثم أتبع ذلك بضرب من التأويل وقراءة آيات من القرآن ادَّعى أنَّها في العترة، ولم يحتج لشيء منها بحجَّة أكثر من أن يكون الدعوى، ثم قال: وقد أوجب الله تعالى على نبيِّه (صلّى الله عليه وآله) ترك الأمر والنهي إلى أن هيَّأ له أنصاراً، فقال: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٨-٦٩]: فمن لم يكن من في قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، السابقين بالخيرات، المجاهدين في الله ولا من المقتصدين الواعظين بالأمر والنهي عند إعواز الأعوان فهو من الظالمين لأنفسهم، وهذا سبيل من كان قبلنا من ذراري الأنبياء (عليهم السلام)، ثم تلا آيات من القرآن(١٩).
فيقال له: ليس علينا، لمن أراد بهذا الكلام(٢٠)؟
ولكن أخبرنا عن الإمام من العترة عندك من أيِّ قسمٍ هو؟
فإن قال: من المجاهدين.
قيل له: فمن هو، ومن جاهد ويعلم من خرج؟ وأين خيله ورجله؟
فإن قال: هو ممن يعظ بالأمر والنهي عند إعواز الأعوان.
قيل له: فمَن سمع أمره ونهيه؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) يشعر القارئ للمقطع المتقدِّم بوجود خلل في تركيبة المقطع لعلَّ ذلك ناشئ من نقل الشيخ (رحمه الله) لكلام صاحب كتاب الأشهاد وتقطيعه له أو نقله بالمعنى، لذلك حاولنا بيان العبارة دون الوقوع في خلل التركيب بقدر الإمكان.
(٢٠) في هامش النسخة المعتمدة: لعلَّ اللام في قوله: (لمن) مفتوحة والجملة تتضمَّن معنى الاستفهام، وقوله: (ليس علينا) جملة مستقلَّة، أي ليس ما قلت علينا، وفي بعض النسخ: (لمن المراد).
↑صفحة ٢٦٨↑
فإن قال: أولياؤه وخاصَّته.
قلنا: فإن اتَّبع هذا وسقط فرض ما سوى ذلك عنه لإعواز الأعوان وجاز أن لا يسمع أمره ونهيه إلَّا أولياؤه فأيّ شيء عبته على الإمامية؟
ولِمَ ألَّفت كتابك هذا؟ وبمن عرَّضت؟ وليت شعري وبمن قرَّعت بآي القرآن وألزمته فرض الجهاد.
ثم يقال له وللزيدية جميعاً: أخبرونا لو خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الدنيا ولم ينص على أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا دلَّ عليه ولا أشار إليه، أكان يكون ذلك من فعله صواباً وتدبيراً حسناً جائزاً؟
فإن قالوا: نعم.
فقلنا لهم: ولو لم يدل على العترة أكان يكون ذلك جائزاً؟
فإن قالوا: نعم.
قلنا: ولو لم يدل فأيّ شيء أنكرتم على المعتزلة والمرجئة والخوارج؟ وقد كان يجوز أن لا يقع النص فيكون الأمر شورى بين أهل الحلِّ والعقد، وهذا ما لا حيلة فيه.
فإن قالوا: لا، ولابدَّ من النصِّ على أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ومن الأدلَّة على العترة.
قيل لهم: لِمَ؟
حتَّى إذا ذكروا الحجَّة الصحيحة فننقلها إلى الإمام في كلِّ زمان، لأنَّ النص إن وجب في زمن وجب في كلِّ زمان، لأنَّ العلل الموجبة له موجودة أبداً، ونعوذ بالله من الخذلان.
مسألة أخرى:
يقال لهم: إذا كان الخبر المتواتر حجَّة رواه العترة والأُمَّة، وكان الخبر الواحد من العترة كخبر الواحد من الأُمَّة يجوز على الواحد منهم من تعمَّد
↑صفحة ٢٦٩↑
الباطل ومن السهو والزلل ما يجوز على الواحد من الأُمَّة وما ليس في الخبر المتواتر ولا خبر الواحد فسبيله عندكم الاستخراج، وكان يجوز على المتأوِّل منكم ما يجوز على المتأوِّل من الأُمَّة، فمن أي وجه صارت العترة حُجَّة؟ فإن قال صاحب الكتاب: إذا أجمعوا فإجماعهم حجَّة، قيل له: فإذا أجمعت الأُمَّة فإجماعها حجُّة، وهذا يوجب أنَّه لا فرق بين العترة والأُمَّة وإن كان هكذا فليس في قوله: «خلفت فيكم كتاب الله وعترتي» فائدة إلَّا أن يكون فيها من هو حجَّة في الدين، وهذا قول الإمامية.
واعلموا - أسعدكم الله - إن صاحب الكتاب أشغل نفسه بعد ذلك بقراءة القرآن وتأويله على من أحب ولم يقل في شيء من ذلك: (الدليل على صحَّة تأويلي كيت كيت) وهذا شيء لا يعجز عنه الصبيان وإنَّما أراد أن يعيب الإمامية بأنَّها لا ترى الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد غلط فإنَّها ترى ذلك على قدر الطاقة، ولا ترى أن تلقي بأيديها إلى التهلكة، ولا أن يخرج مع من لا يعرف الكتاب والسُنَّة ولا يحسن أن يسير في الرعية بسيرة العدل والحق.
وأعجب من هذا أنَّ أصحابنا من الزيدية في منازلهم لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر ولا يجاهدون، وهم يعيبوننا بذلك، وهذا نهاية من نهايات التحامل ودليل من أدلَّة العصبية، نعوذ بالله من اتِّباع الهوى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مسألة أخرى:
ويقال لصاحب الكتاب: هل تعرف في أئمة الحق أفضل من أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)؟ فمَن قوله: لا، فيقال له: فهل تعرف من المنكر بعد الشرك والكفر شيئاً أقبح وأعظم مما كان من أصحاب السقيفة؟
↑صفحة ٢٧٠↑
فمَن قوله: لا، فيقال له: فأنت أعلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد أو أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ فلابدَّ من أن يقول: أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيقال له: فما باله لم يجاهد القوم؟
فإن اعتذر بشيء قيل له: فاقبل مثل هذا العذر من الإمامية، فإنَّ الناس جميعاً يعلمون أنَّ الباطل اليوم أقوى منه يومئذٍ وأعوان الشيطان أكثر ولا تهول علينا بالجهاد وذكره، فإنَّ الله تعالى إنَّما فرضه لشرائط لو عرفتها لقلَّ كلامك وقصر كتابك، ونسأل الله التوفيق.
مسألة أخرى:
يقال لصاحب الكتاب: أتصوِّبون الحسن بن علي (عليه السلام) في موادعته معاوية أم تخطؤونه؟
فإذا قالوا: نصوِّبه، قيل لهم: أتصوِّبونه وقد ترك الجهاد وأعرض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الذي تومؤون إليه، فإن قالوا: نصوِّبه لأنَّ الناس خذلوه، ولم يأمنهم على نفسه، ولم يكن معه من أهل البصائر من يمكنه أن يقاوم بهم معاوية وأصحابه، فإذا عرفوا صحَّة ذلك.
قيل لهم: فإذا كان الحسن (عليه السلام) مبسوط العذر ومعه جيش أبيه وقد خطب له الناس على المنابر وسلَّ سيفه وسار إلى عدوِّ الله وعدوّه للجهاد، لما وصفتم وذكرتم، فلم لا تعذرون جعفر بن محمد (عليه السلام) في تركه الجهاد وقد كان أعداؤه في عصره أضعاف من كان مع معاوية، ولم يكن معه من شيعته (مائة نفر) قد تدرَّبوا بالحروب، وإنَّما كان قوم من أهل السرِّ لم يشاهدوا حرباً ولا عاينوا وقعة، فإن بسطوا عذره فقد أنصفوا، وإن امتنع منهم ممتنع، فسُئل الفصل، ولا فصل، وبعد فإن كان قياس الزيدية صحيحاً فزيد بن علي أفضل من الحسن بن علي لأنَّ الحسن وادع وزيد حارب حتَّى قُتِل، وكفى بمذهب
↑صفحة ٢٧١↑
يؤدِّي إلى تفضيل زيد بن علي على الحسن بن علي (عليه السلام) قبحاً، والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل(٢١).
توضيح ما قاله (رحمه الله):
ردّ دعوى لزوم الجهاد على الإمام:
قال صاحب كتاب الإشهاد: لقد أمر الله تعالى العترة بالجهاد والدعاء للخير وجعلهم شهداء على الأُمَّة ومدح الآمر بالقسط، فمن لم يكن من هؤلاء فهو من الظالمين.
الإشكال الثالث: أين من تدَّعي من أئمَّتك قد جاهد؟
يقول الشيخ (رحمه الله): إنَّ هذه الدعاوى من الزيدية فارغة ولا واقع لها، فإذا كان ثمة ذلك فعلاً، فمَن هو إمام الزيدية الذي رفع السيف بالجهاد، وعلى من خرج، وأين جيشه وسلاحه؟
فإن قال: هو ممَّن يأمر بالمعروف ويعظ الناس عند اعوزاز ونقص الأنصار.
قلنا له: ومن سمع أمره وموعظته فليحدِّثنا عنه.
فإن قال: إنَّ الذي سمع منه هم أولياؤه وخاصَّته.
قلنا له: فأيّ شيء بعد هذا تعيبه على الإمامية ما دمت تقول باعوزاز ونقص الأنصار واختصاص الموعظة والأمر والنهي بخاصَّته، وعلى هذا الأساس فلِمَ ألَّفت كتابك في الرد على الإمامية إذا كان حالك وحالهم من وادٍ واحد، أليس قد عرضت بنفسك وقرت مذهبك؟
النص إن وجب في زمان وجب في كلِّ زمان:
نخاطب الزيدية ونقول لهم: لو فرض أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خرج من الدنيا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) في هامش النسخة المعتمدة: هذا آخر ما نقله عن كتاب ابن قبة.
↑صفحة ٢٧٢↑
ولم ينص على أمير المؤمنين (عليه السلام) بعده ولا على العترة (عليهم السلام)، فهل سيكون هذا جائزاً وحسناً؟
فإن قالوا: نعم، قلنا لهم: إذن فلِمَ تنكرون مقالة المعتزلة والمرجئة والخوارج، فهم يقولون بما تقولون على هذا الفرض، فتكونون أنتم وهم على حدٍّ سواء.
وإن قالوا: لا، لا يجوز ذلك وليس بالحسن، ولابدَّ من النص على أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولابدَّ من النص على العترة (عليهم السلام).
هنا نقول لهم: ولِمَ كان هذا لازماً وواجباً؟
فإنَّهم سيقولون: لأجل أن يبيِّن الحجَّة الصحيحة.
وهذا الجواب ننقله إلى كلِّ زمان، ففي كلِّ زمان لابدَّ من النص على واحد من العترة، حتَّى نعرف الحجَّة الصحيحة التي لا نميِّزها إلَّا بالنص، وهذه العلَّة والسبب سارية في كلِّ زمان.
الإشكال الرابع: لا وجه لتقديم العترة على أفراد الأُمَّة على مذهبكم:
نقول لهم: على مذهبكم إذا كان الخبر المتواتر حجَّة سواء صدر من العترة أو الأُمَّة، وإذا كان خبر الواحد حجَّة سواء صدر من العترة أم من الأُمَّة، ويجوز على العترة ما يجوز على الأُمَّة من الخطأ والسهو والزلل، فهذا الحال يجعلكم تساوون بين العترة والأُمَّة، فلماذا إذن صارت العترة حجَّة دون الأُمَّة وبأيِّ وجه صارت حجَّة.
فإن قالوا: إنَّ حجيَّة العترة تكون إذا أجمعوا، فإجماعهم حجَّة.
فإنَّه يقال لهم: فكذلك الأُمَّة إذا أجمعت فإجماعها حجَّة، فما فرق العترة عن الأُمَّة؟
وعلى مذهبكم هذا، فلا فائدة من قول النبي (صلّى الله عليه وآله) بجعل العترة ثقل الأُمَّة مع القرآن، إذ وجودها حسب مذهبكم وعدمها سيان.
↑صفحة ٢٧٣↑
نعم، إذا قلتم: إنَّ في العترة من بوجوده تكون الحجَّة وبعدمه تنتفي، فإنَّ هذا القول قول الإمامية.
دعوى أنَّ الإمامية لا تقول بالجهاد، وردّها:
أتعب صاحب كتاب الإشهاد نفسه بما ليس فيه دلالة وحجَّة على مذهبه، ولا به إبطال مذهب الإمامية، وهو ما لا يعجز عنه الصبيان، وما جاء به إلَّا لأجل أن يعيب على الإمامية في أنَّها لا تقول بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذا غلط واضح، فالإمامية ترى كلّ ذلك ولكن بحسب القدرة ومن دون أن يصل إلى حدِّ التهلكة، وأنَّها ترى الجهاد، ولكنَّهم لا يخرجون مع من لا يعرف الكتاب والسُنَّة، ولا يكون إمام عدل وحق.
والعجب أنَّ الزيدية يعيبوننا بما هو فيهم أوضح مما هو فينا حسب زعمهم، فلا نرى لهم من الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو الجهاد عيناً ولا أثراً.
الإشكال الخامس: لماذا هادَن أمير المؤمنين (عليه السلام) وترك جهاد القوم؟
لا شكَّ أنَّ أفضل أئمة الحق هو أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا شكَّ أنَّ أقبح منكر بعد الكفر بالله تعالى والشرك به، هو ما صدر من أصحاب السقيفة، ومع ذلك فهو لم يجاهدهم، فهل - أيُّها الزيدي - أنت أعلم من أمير المؤمنين (عليه السلام) بالحلال والحرام، فلِمَ لم يجاهدهم؟
فإن أجاب الزيدي بعذر معيَّن وقال شيئاً في ذلك، فنقول له: بمثل هذا فاعتذر للإمامية، فالباطل اليوم أقوى منه في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلا تهوِّل الأمور كما فعلت في كتابك هذا، فإنَّ للجهاد شرائط، لا يكون إلَّا أن تكون، نسأل الله تعالى التوفيق لك.
↑صفحة ٢٧٤↑
الإشكال السادس: لماذا صالَح الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية؟
إنَّ الزيدية لا شكَّ تصوِّب فعل الإمام الحسن (عليه السلام) وتعتقد بإمامته، فكيف تصوِّبونه وقد هادن معاوية وترك جهاده، وأعرض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على الوجه والطريقة التي تقولون بها؟
إن قالوا: نحن نصوِّبه، وفي ذات الوقت خذله الناس، ولم يكن معه من أهل البصيرة من يقوم بأمر الجهاد ضد معاوية، بل حتَّى أنَّه لم يَأْتَمِنْهُمْ على نفسه.
نقول لهم: إذا كان الأمر كذلك مع الإمام الحسن (عليه السلام) وهو مبسوط اليد، ومعه جيش أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد خطب الناس باسمه على المنابر، وسلَّ سيفه للجهاد، ومع ذلك فالعذر معه، وأنتم تعتذرون له، فليكن اعتذاركم كذلك للإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، وأعداؤه في عصره أضعاف أعداء الإمام الحسن (عليه السلام)، ولم يكن معه ما كان مع الإمام الحسن (عليه السلام).
فإن قبلتم اعتذاره فقد أنصفتم، وإن رفضتم ذلك، فبيِّنوا لنا الفرق بينه وبين اعتذاركم عن الإمام الحسن (عليه السلام) دونه (عليه السلام).
وعلى هذا الأساس وعلى مذهبكم لابدَّ أن يكون زيد بن علي أفضل من الإمام الحسن (عليه السلام) لأنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) وادع وصالح، وزيد قام وجاهد؟!
وكفى في وضوح بطلان مذهب أن يفضِّل زيداً على الإمام الحسن (عليه السلام)، فهذا من أقبح القبح، والله تعالى المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبه يتمُّ الكلام عن توضيح الإجابات، ولله تعالى ولوليِّه (عليه السلام) المنَّة والفضل.
* * *
↑صفحة ٢٧٥↑

