بسم الله الرحمن الرحيم اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا
العدد ١٩/ رجب / ١٤٤٦ هـ

الأحلام وحجيَّتها في العقيدة المهدوية

 

الأحلام
وحجيَّتها في العقيدة المهدوية
 

السيد مرتضى الحسيني الشيرازي

 

 

↑صفحة ٠↑

فهرس محتويات البحث

١) ليس القطع مؤمّناً:.....................٤٢
٢) العقلاء وعدم ترتيب الأثر:.....................٤٤
٣) الخلط بين ما بالعرض وما بالذات:.....................٤٥
النسبة بين الأحلام والقطع عموم من وجه:.....................٤٨
اختلال شروط الشكل الأول في القياس:.....................٤٩
الثمرة العلمية والعملية للتفكيك:.....................٥١
٤) تزلزل القطع:.....................٥٢
قطع الألوف من الناس من أحلامهم، ليس حُجَّة:.....................٥٣
القطع المتزلزل يَسقُط بمعارضة المستقر له:.....................٥٤
٥) خلط الحُجَّة بغيرها:.....................٥٥
١ - كثرة الكذب في دعاوى الرؤيا:.....................٥٥
٢ و٣  - كثرة الكذب في دعوى القطع أو في تفسيره:.....................٥٥
لزوم الفحص والعرض على الكتاب والسُنَّة:.....................٥٨
مقياس شرعي عقلائي لتمييز الحق من الباطل:.....................٥٩
٦) أقسام القطع:.....................٦١
ضوابط علم الأحلام:.....................٦٢
القطع الحاصل من الأحلام غير علمي:.....................٦٣
أمثلة من كتب تفسير الأحلام:.....................٦٤
الأوَّل: تفسير الأحلام بنقيضها:.....................٦٤
الثاني: للأحلام تفسيرات متناقضة أو متضادة:.....................٦٥
أ - تعبير النيابة عن الإمام أو الحاكم:.....................٦٦
ب - تعبير (أنَّه يوصى إليه):.....................٦٦
ج - تعبير الوقوف بعرفات:.....................٦٧
د - تعبير النار:.....................٦٧
هل تناقض تعبير الأحلام هو كتناقض الاجتهادات؟.....................٧٠
٧) بين القطع والخوف:.....................٧١
٨) قطع القطاع:.....................٧٣
رواية صحيحة صريحة في عدم حجيَّة الأحلام في دين الله:.....................٧٥

↑صفحة ٠↑

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم.
استدلَّ جمعٌ على صحَّة مسلك بعض الفِرَق الضالة(١)، بالمنامات والأحلام، وعمدة ما احتجوا به:
١) الوجدان، وأنَّ الأحلام كثيراً ما تصيب، فهي حجة، وإليه أشار صاحب القوانين (قدّس سرّه) بوجهٍ، قال: (... وكيف كان فالاعتماد، على الرؤيا، مشكل سيما إذا خالف الأحكام الشرعية الواصلة إلينا، مع أنَّ ترك الاعتماد مطلقاً حتَّى فيما لو لم يخالفه شيء أيضاً مشكل، سيما إذا حصل الظن بصحته وخصوصاً لمن كان أغلب رؤياه صادقة)(٢).
٢) وإنَّ الأحلام كثيراً ما تفيد القطع، والقطع حجيَّته ذاتية، والذاتي غير قابل للجعل ولا للرفع، لأنَّه:

ذاتيُّ شيء لم يكن معلّلا * * * وكان ما يسبقه تعقُّلا
وكان أيضاً بيّن الثبوتِ له * * * وعَرَضِيه اعرفن مقابله(٣)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) كالمجسّمة واليمانية والصوفية.
(٢) انظر: قوانين الأصول: ٤٩٦.
(٣) شرح المنظومة: ج١، ص١٥٤.

↑صفحة ٤١↑

والذاتي لا يختلف ولا يتخلَّف كما هو مقرر في محله(٤)، فإذا كانت المنامات قد توجب القطع أحياناً كثيرة، فإنَّ حجيَّتها في هذه الصورة ذاتية.
وهو مما يستند إليه من يدَّعي العلم منهم، وقد سمعت بعض الأعلام يناقش بعض هؤلاء الذين يستندون في مسألة اعتقادية إلى الأحلام، فيقول له: إنَّ قطعك حُجَّة لك وعليك لكنَّه ليس حُجَّة على الآخرين.
وسيقع البحث في هذا البحث ضمن مناقشات ثمانية تتراوح بين صغروية وكبروية، نتعرَّض لها:
١) ليس القطع مؤمّناً:
الجواب الأوَّل: ليس القطع مؤمّناً من العقاب.
إنَّ القطع ليس على إطلاقه، مؤمّناً من العقاب، وكون الإنسان قاطعاً ليس سبباً لبراءة الذمَّة دائماً، وليس ملاك إعفائه من استحقاق العقاب(٥)، وهذه مسألة مهمة قد يغفل عنها الكثير ممن يبتلى بأمثال هؤلاء.
وبتعبير آخر: ليس القطع صك(٦) أمان للقاطع من العقاب، وذلك واضح فيما لو قصَّر في المقدمات، والكثير منهم كذلك، أي: إنَّهم مقصرون في المقدمات.
وحاصل الجواب الأوَّل: أنَّه لو فرض كونه قاطعاً فإنَّ قطعه لا يؤمّنه، ولا يعفيه من العقاب مع تقصيره في مناشئ قطعه.
وعليه: فإنَّ لغيره أن يناقشه في المقدِّمات، فيثبت تقصيره فيها، وأنَّه لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) انظر: درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: ج١، ص٤٢؛ منتهى الأصول: ج١، ص٧٥؛ تسديد الأصول: ج٢، ص٨.
(٥) ولا كون أغلب رؤاه صادقة، إذ قيام الحُجَّة المعتبرة على صدق رؤيا لوجود قرينة خارجية، كما لو رأى في المنام وجوب الصلاة وحرمة الربا والزنا، لا يجدي في حجية سائر الموارد التي لم يَقم عليها دليل بخصوصه، فإنَّ الاستقراء الناقص غير المعلل ليس بحُجَّة وليس مؤمّناً من العقاب.
(٦) الصك: هو الكتاب. [انظر: النهاية في غريب الحديث: ج٣، ص٤٣].

↑صفحة ٤٢↑

حجيَّة للمنامات في أصول الدين أو في فروعه، أو الأحكام الشرعية أو ما أشبه ذلك، فلا أساس لقطعه.
وبعبارة أخرى: أنَّه لو قال: إنِّي قاطع، وكان قاطعاً بالفعل، فإنَّه وإن لم يصح - فرضاً -، خطابه إلَّا أنَّه يصح عقابه، فللمولى أن يعاقبه، والعقاب هو المحذور الشديد وبيت القصيد؛ فإنَّ البحث عن الحُجَّة واللاحُجَّة يتمّ للأمن من العذاب.
وعليه: لو لم تثبت حجيَّة المنامات بأدلَّة أخرى، فإنَّ القطع لا يصلح مستنداً للقاطع لإعفائه من العذاب والعقاب، ويتَّضح ذلك بملاحظة حال النظائر، فإنَّ الكافر الحربي لو قطع، فهل يعفيه قطعه من العقاب؟ كلا، لو كان مقصراً في المقدمات، والإرهابي من بعض المخالفين لو قطع - كما أنَّ بعضهم قاطع بالفعل على ما قيل - بوجوب قتل الموالين، بل مطلق المسلم؛ إذ يرون كل مسلم يتبرَّك بالأضرحة والمشاهد الشريفة وشبهها مشركاً، - وهم عامة المسلمين إلَّا بعض المتشددين - فهل يعفيه قطعه بكفر المسلمين عامة من العقاب لو قتل بعضهم، فيما لو كان مقصراً في المقدمات، كما هم مقصرون عادة؟
كلا.
والوجه في كونهم مقصرين، هو: أنَّ باب العلم وطريق التحقيق مفتوح، لكنه أغلق عينه ودفن عقله، ولم يبحث عن الحجج التي أقامها الآخرون، بل تعبَّد بقول آبائه أو أساتذته، أو ملأ الحقد قلبه، وقال كما قال الكفار: ﴿بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٢).
بل نقول: القاطع غير المقصِّر تترتَّب عليه الآثار الوضعية، بل وبعض الأحكام القضائية، كالضمان، فلو كسر إناء غيره قصوراً ضمنه، وكالدية لو جنى عليه خطأً فإنَّه ضامن لها وإن حملته العاقلة.

↑صفحة ٤٣↑

٢) العقلاء وعدم ترتيب الأثر:
الجواب الثاني: العقلاء لا يرتبون الأثر على القطع غير العقلائي.
فإنَّ القطع على قسمين:
الأوَّل: القطع العقلائي.
الثاني: القطع غير العقلائي.
ومكمن الخطأ هو أن كثيراً من الناس يخلط بين النوعين.
توضيحه: أنَّ القطع قد يكون عقلائياً، وهو ما كان ناشئاً من العلل والمناشئ المحكوم بها أو المدركة عقلاً، أو الممضاة عقلائياً، وقد يكون غير عقلائي، وذلك ككل قطع نشأ من مناشئ لا يعترف بها العقلاء ولا الشرع، وهذا القسم الثاني مما لا يرتب عليه العقلاءُ الأثر.
وذلك مثل كثير من البسطاء الذين يقطعون من قول ساحر القرية: إنَّ ههنا سحراً، وإن هنالك جنّاً وإنَّه تلبّس بفلان و... وما أشبه.
ومن الواضح أنَّ الكثير من الناس - لبساطتهم وبُعدهم عن معرفة تعقيدات الحياة والخدع والألاعيب الموجودة - يقطعون من مناشئ غير عقلائية، فهذا هو القطع من النوع الثاني(٧) الذي ليس بحجَّة.
وكذا الوسواسي المبتلى بداء الوسوسة، فإنَّه من هذا القبيل؛ لذا نجد أنَّ العقلاء لا يعتنون بوسوسته ولا يرتبون عليها الأثر.
ويتَّضح ذلك أكثر ببيان حال الرأي، فإنَّه على قسمين: رأي عقلائي يرتِّب العقلاء عليه الأثر، ورأي غير عقلائي لا يرتّب عليه العقلاء الأثر، والرأي العقلائي هو رأي أهل الخبرة، كرأي الطبيب في مسائل الطب، أمَّا رأي غير أهل الخبرة، فكالإنسان العامي المحض في مسألة طبية تخصّصية، فإنَّه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) ولا يخفى أنَّنا لا ننكر أصل وجود الجن أو السحر؛ وإنَّما الكلام في تفسير كل مرض - كما هو المألوف - بالجن أو بالسحر وما أشبه ذلك، فالإشكال في الصغريات والمصاديق والتطبيقات، وليس في أصل وجود الجن والسحر.

↑صفحة ٤٤↑

حتَّى لو قطع فإنَّ العقلاء لا يرتِّبون الأثر على قطعه في ما احتاج إلى الخبرة، ولو رتَّبوا لاتَّهموا بالسَّفه كما هو واضح، وكذلك حال القطع الناشئ من الأحلام لدى العقلاء.
٣) الخلط بين ما بالعرض وما بالذات:
الجواب الثالث: خلط بين ما بالعرض وما بالذات.
فما نحن فيه من مصاديق هذا الخلط، ولعل صاحب الفصول (قدّس سرّه) وقع - كما يبدو - في الجملة في ذلك، أي: الخلط بين ما بالعرض وما بالذات، في قوله: (وأمَّا تنظير ذلك بالرؤيا فإن كان بالرؤيا المقطوع بصحَّتها وصدقها فعدم حجيتها لعدم دليل عليها فاسدة).
وتمام كلامه هو: (الثالث: أنَّ الثواب والعقاب لا يترتبان إلَّا على الطاعة والمعصية، وهما إنَّما يتحققان بموافقة الأوامر والنواهي اللفظية أو مخالفتهما، فحيث لا أمر ولا نهي لفظاً، لا إطاعةً ولا معصيةً، فلا ثواب ولا عقاب، فلا وجوب ولا حرمة.
لا يُقال: لا نسلِّم انحصار صدق الإطاعة والمعصية في موافقة الخطاب اللفظي ومخالفته، بل يعمّ اللفظي وغيره؟
لأنَّا نقول: القدر الثابت من الأدلة وجوب اتِّباع القطع أو الظن الحاصلَين من قول المعصوم (عليه السلام) أو فعله أو تقريره دون غيرها، والكلام في التعويل على هذه الطريقة كالكلام في التعويل على الرؤيا، فكما لا دليل على جواز التعويل على الثاني، فكذلك على الأوَّل.
والجواب: المنع من انحصار صدق الطاعة والعصيان في موافقة الخطاب اللفظي ومخالفته، والعرف والعادة شاهدان بذلك، ولو سُلِّم فترتَّب الثواب والعقاب لا يُناط بالخطاب اللفظي، ألا ترى أنَّ المولى إذا لم يأمر عبده بالمحافظة على أمواله أو لم ينهه عن إتلافها، فأمكن اللصّ منها أو أتلفها،

↑صفحة ٤٥↑

أنَّه يُعدّ مستحقًا للعقاب، لفعله ما يسخط المولى؟، كما أنَّه إذا حافظ عليها أو تمانع من إتلافها طلباً لرضا مولاه، كان مستحقاً للمدح والثواب، لفعله ما يرضي به المولى، وإنكار ذلك مكابرة ظاهرة، واستحقاقهما كافٍ في تحقق الواجب والحرام الشرعيّين، على ما عُلم من تعريفهما.
ولو سُلِّم اختصاص صدق الطاعة والمعصية بموافقة الخطاب اللفظي ومخالفته، وأنَّهما لا يتحققان في الفرضين المذكورين، لكن لا ريب في استحقاقه الثواب في الأول، لفعله ما يرضي المولى، والعقوبة في الثاني، لفعله ما يسخطه، وإنكاره مكابرة بيِّنة، وحصوله في المقام كافٍ في تحقق الوجوب والتحريم الشرعيّين، إذ المعتبر فيهما، على ما عُلم من تعريفهما، إنَّما هو استحقاق العقوبة على الترك والفعل.
ثم: حجيَّة القطع ضرورية(٨)، تشهد به الفطرة السليمة، فلا معنى لمطالبة الدليل عليها، ولو كانت حجيَّته مستفادة بالنظر، لدار أو تسلسل، إذ لا يزيد دليلها على كونه مقطوعاً بصحَّته، وباستلزامه إيَّاها، فيكون حجيَّة كل من القطعين على هذا التقدير نظرية، تتوقَّف على الدليل، فإن عاد إلى الأول، لزم الدور، وإلَّا تسلسل.
وأمَّا تنظير ذلك بالرؤيا: فإنَّ كان بالرؤيا المقطوع بصحَّتها وصدقها، فعدم حجيَّتها لعدم دليل عليها فاسدة، كما عرفت، وإن كان بالرؤيا المحتملة للصدق، أو المظنونة الصدق، كما هو الغالب، فالتنظير باطل)(٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨) تم الإجابة عن هذه الدعوى في الفصل الثاني من كتاب (فقه الرؤى، دراسة في عدم حُجيَّة الأحلام على ضوء الكتاب والسُنَّة والعقل والعلم) مفصلاً، وإجمال بعضه: أنَّ العلم هو الحُجَّة بالضرورة دون القطع، إذ القطع هو مَقسَم للعلم وللجهل المركب، فكيف يكون حُجَّة إن أريد بالحجية الكاشفية أو الانكشاف، وكذا إن أريد به المعذرية مع تقصيره في المقدمات، بل وكذا لو أريد به لزوم الاتِّباع، على حسب التحليل الدقيق الذي ناقش به صاحب العروة (قدّس سرّه) في حاشية الرسائل دعوى أن القطع لا يمكن الردع عنه وأنَّه يجب اتِّباعه، وحسبما فصَّلناه من أنَّ قيد (ولو بنظر القاطع) غير مجدٍ... والتفصيل آتٍ بإذن الله تعالى.
(٩) الفصول الغروية: ص٣٤٤.

↑صفحة ٤٦↑

فأجاب صاحب الفصول (رحمه الله) عن هذا الإشكال، بقبوله أنَّ الرؤيا أو المنامات إنْ أفادت القطع فهي حُجَّة.
وهنا موضع الإشكال عليه (قدّس سرّه)؛ إذ نقول: كلّا، بل حتَّى لو أفادت المنامات القطع فهي ليست بحُجَّة، وقد وقع الخلط هنا بين ما بالعرض وما بالذات كما سيتَّضح.
قال صاحب الفصول (رحمه الله): (وأمَّا تنظير ذلك بالرؤيا المقطوع بصحَّتها وصدقها فعدم(١٠) حجيَّتها) عدم حجيَّة هذه الرؤيا (لعدم دليل عليها فاسدة)(١١)، أي: إنَّ الرؤيا القطعية حُجَّة رغم أنَّ صاحب الفصول يرى أنَّ الرؤيا ليست بحُجَّة؛ إذ قال في موضع آخر: (إنَّا كما نجد على الأحكام أمارات نقطع بعدم اعتبار الشارع إيَّاها طريقاً إلى معرفة الأحكام مطلقاً، وإن أفاد الظن الفعلي بها، كالقياس والاستحسان والسيرة الظنية والرؤيا وظن وجود الدليل والقرعة)(١٢).
إذن، بعد ضم كلامي صاحب الفصول (قدّس سرّه) بعضه إلى بعض يتَّضح أنَّه مُفصِّل، وأنَّه يرى أنَّ الرؤيا إن أفادت الظن فليست بحجَّة، وإن أفادت القطع فهي حجَّة.
لكن الحق: أنَّ المنامات وإن أفادت القطع فإنَّها ليست بحجَّة؛ وذلك لأنَّ الحجُّة حينئذٍ هو القطع وليس المنام. نعم، ههنا علاقة مصححة(١٣) للتجوز بوصف هذا بصفة ذاك، لكن الصدق والوصف ليس حقيقياً، والواسطة واسطة في العروض لا في الثبوت.
توضيح ذلك: أنَّه إذا قلنا: (الميزاب جارٍ)، فإنَّ ههنا مجازاً صحَّحته علاقة الظرف والمظروف؛ إذ الجاري هو الماء الذي في الميزاب وليس الميزاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) من هنا يبدأ جواب صاحب الفصول.
(١١) فإذا كان عدم حجيَّتها فاسدة فهي حجة إذن.
(١٢) الفصول الغروية: ص٢٧٨.
(١٣) وهي علاقة السببية.

↑صفحة ٤٧↑

بنفسه، وكذا لو قلنا: (زيد قائمٌ أبوه)، فإنَّ القائم هو الأب وليس زيداً، فالوصف بحال المتعلّق لا بحال الموصوف.
النسبة بين الأحلام والقطع عموم من وجه:
والحاصل: أنَّ المنام حتَّى لو أورث القطع فإنَّه ليس هو الحجَّة؛ بل القطع هو الحجَّة، فلا يصح القول: إنَّ المنام هو حجَّة في أيَّة صورة من الصور(١٤)، فهذا الذي نسلبه منه.
ويدل عليه: أنَّ النسبة بين المنام والقطع هي العموم والخصوص من وجه، فذاتيّ أحدهما لا يكون ذاتياً للآخر بلا شك، ولا صفة أحدهما صفة للآخر؛ إذ ذاتي أحد الأمرين اللذَين بينهما العموم والخصوص من وجه ليس ذاتياً للآخر.
فمثلاً: ذاتي الإنسان هو النطق، والنسبة بين الإنسان والأبيض هي من وجه، فهل يصح القول: إنَّ ذاتيّ الأبيض النطق؟ بل لا يصح وصف الأبيض بما هو أبيض بالنطق.
والمقام من هذا القبيل؛ إذ بعض المنامات قطعية، فمادة الاجتماع هو المنام المورث للقطع، لكن لنا مادتا افتراق، فبعض المنامات لا تورث القطع، وبعض ما يورث القطع ليس بمنام، كالضروريات والبديهيات والمتواترات وغيرها، فإذا كانت حجيَّة القطع ذاتية تنزلاً، إذ لا نرى أنَّ القطع حجيَّته ذاتية(١٥)، فلنفرض أنَّ القطع حجيَّته ذاتية(١٦) لكن ليس القطع مرادفاً للأحلام مفهوماً، ولا هو مساوٍ لهاً مصداقاً؛ بل النسبة هي العموم والخصوص من وجه، فإذا أورث المنامُ القطعَ فالعبرة بالقطع؛ لأنَّ حجيَّته ذاتية لا المنام، غاية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) وهما: إفادته الظن أو القطع.
(١٥) كما أوضحناه في كتاب: (الحجة، معانيها ومصاديقها).
(١٦) على القول المشهور.

↑صفحة ٤٨↑

الأمر أنَّ العلاقة هي علاقة السببية والمسببية، فمصحح إطلاق الحجَّة على المنام تجوزاً هي علاقة السببية والمسببية، لكنه لا يزيد على كونه مجازاً، فليتدبَّر به، ولا يصح وصف المنامات بما هي منامات بالحجيَّة.
ويتَّضح ذلك أكثر بملاحظة (الكهانة)، فهل يصح لصاحب الفصول وغيره أن يقول: إنَّ الكهانة على قسمين: حُجَّة وغير حُجَّة؟
كلا، رغم أنَّها تورث القطع أحياناً، فلو أورثت القطع فإنَّ القطع هو الحجَّة، وأمَّا الكهانة فهي مجرَّد علَّة معدَّة لوجود تلك الحجَّة بالذات.
وكذلك الرمل والإسطرلاب وقراءة الكف والفنجان والتنجيم وغيرها مما هي من هذه الأمور، فإنَّ بينها وبين القطع عموماً من وجه، فما ثبت لأحدهما لا يثبت للآخر إلَّا مجازاً، إذ الواسطة كما سبق واسطة في العروض.
اختلال شروط الشكل الأول في القياس:
ويمكن أن نصوغ القضية بصورة قياس من الشكل الأوَّل؛ ليتَّضح الحال فيها، ويتبيَّن الخلط والاشتباه أكثر، بأن يقال:
١) الأحلام قد تورث القطع.
٢) والقطع حجيَّته ذاتية.
= فالأحلام حجيَّتها ذاتية.
وظاهر الأمر هو أنَّ شروط القياس متوفِّرة، لكن واقع الأمر عدم توفرها؛ فإنَّ شرط إنتاج الشكل الأوَّل هو: كون الصغرى موجبة مع كليَّة الكبرى، وهذا هو المتوفر، لكن سائر الشروط غير متوفرة، من حيث إنَّ الحد الأوسط لم يتكرَّر؛ إذ هناك شروط صورية في الشكل الأوَّل ترتبط بالهيئة، وهناك شروط ترتبط بالمادة، و(قد تورث القطع)، هو المحمول في الصغرى، لكن الموضوع في الكبرى هو (القطع)، والمفروض تكرَّر الحد الأوسط، لكنه لم يتكرَّر، والإنتاج إنَّما يكون لو كانت الصغرى (الأحلام قطعٌ) ولكنها ليست

↑صفحة ٤٩↑

قطعاً، نعم لو كانت الأحلام قطعاً، والقطع حجيَّته ذاتية فالأحلام حجيَّتها ذاتية، لصحَّ ما ذكر، لكن الأحلام ليست بقطع، مثل: الكهانة فإنَّها ليست بقطع(١٧)، ومثل خبر الواحد فهو ليس قطعاً، بل حتَّى المتواتر فإنَّه ليس قطعاً، بل هو موجب للقطع.
وبعبارة أخرى: إنتاج هذا القياس (الأحلام قد تورث القطع، والقطع حجيَّته ذاتية)، هو (الأحلام قد تورث ما حجيَّته ذاتية)، أي قد تورث قطعاً حجيَّته ذاتية.
القياس بوجه آخر: (بعض الأحلام تورث القطع، والقطع حجيَّته ذاتية، فبعض الأحلام حجيَّتها ذاتية)، نقول: كلا، إذ لم يتكرَّر الحد الأوسط، ولو تكرَّر لكان هكذا: (بعض الأحلام تورث القطع، وكل ما يورث القطع - وهذا هو الحد الأوسط - حجيَّته ذاتية، لكن هذه الكبرى خاطئة؛ إذ القطع حجيَّته ذاتية فرضاً، لا ما يورثه، فإنَّ ما يورثه هو مقتضٍ أو علَّة لوجود الحجَّة الذاتية، وليس هو هو، فلا يتَّصف بصفاته.
ويوضحه المثال اللطيف المعروف: فإنَّه عند ما يقال: (في الجدران فئران(١٨)، وللفئران آذان)، فهل يصح أن نقول: للجدران آذان؟ كلا، مع أنَّ إنتاج الشكل الأوَّل بديهي؛ وذلك لأنَّ الحد الأوسط لم يتكرَّر، إذ قلنا: (في الجدران فئران، وللفئران آذان) فالحد الأوسط - الفئران - لم يتكرَّر، ففي الصغرى قيل: فئران (في الجدران فئران) وفي الكبرى قيل: للفئران (للفئران آذان) فلم يتكرَّر الحد الأوسط(١٩)، فإذا كان القياس هكذا فلا ينتج.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) بل غاية الأمر أنَّها مقتضٍ لحصوله.
(١٨) أو بعض الجدران فيها فئران.. لكن النتيجة هي (بعض الجدران فيها آذان) أي: فيها فئران لها آذان، ففيها آذان إذن!
(١٩) غاية الأمر أن يكون الإنتاج: ففي الجدران آذان! ومنه يظهر أنَّ الإشكال في عدم كون الأصغر بعينه موضوعاً في النتيجة، اللَّهم إلَّا في القياس الذي ذكرناه، فتدبَّر.

↑صفحة ٥٠↑

مثال آخر: في الدار زيد، ولزيد أموال، فهل ينتج في الدار أموال؟ كلا، إذ قد تكون أمواله في المصرف.
والحاصل: أنَّه حتَّى لو فرض أنَّ المنامات أورثت القطع فليست المنامات بحُجَّة، إنَّما الحجَّة أمر آخر تصادف أن تطابق معها في بعض الأحيان واسمه القطع(٢٠)، أو غاية الأمر كانت هي المقتضي له.
الثمرة العلمية والعملية للتفكيك:
وأمَّا الثمرة فهي ثمرة علمية دقيقة، وأخرى عملية.
أمَّا العلمية: فهي كما سبق من أنَّ الأحلام وإن أورثت القطع فإنَّها ليست هي الحجَّة، بل القطع هو الحجَّة.
وأمَّا العملية: فتظهر عند التفكيك بينهما، بين الأحلام والحجيَّة، فإنَّه يظهر لنا بذلك وجه جديد، لزلزلة وزحزحة قطع القاطع من الأحلام، إذ نقول له: إنَّ الأحلام أمر، والقطع أمر آخر، والنسبة بينهما من وجه، ثم نقول له: هَبْ أنَّ القطع حجيَّته ذاتية لكن من أين نشأ قطعك؟ فإذا قال: من الأحلام، قلنا: إنَّ الأحلام ليست لها حجيَّة، لا عقلائياً ولا شرعياً - كما سيأتي إثباته لاحقاً - وإذا عرف منشأ قطعه، وأنَّه ليس بحجَّة شرعاً ولا عقلاً فإنَّه كثيراً ما يزول قطعه، وهذا علاج ناجع في كثير من الأحيان.
والحاصل: أنَّ الثمرة تظهر بالتفكيك، فالتشكيك، فالنفي.
وإجمال الجواب عن صاحب الفصول هو: أنَّ النسبة من وجه، وأنَّه خلط ما بالعرض بما بالذات، وأنَّه يوضحه: لحاظ جامع المقام مع الكهانة وغيرها، وأنَّ الجواب هناك هو الجواب هنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) المصحح في المقام فقط هو أن نقول: (الأحلام قطع) وهذا ليس بصحيح، بل الأحلام قد تورث القطع وليست هي قطعاً.

↑صفحة ٥١↑

٤) تزلزل القطع:
الجواب الرابع: القطع الحاصل من الأحلام قطع متزلزل، فالقطع الناشئ من الأحلام هو من سنخ القطع غير المستقر في مبناه، الذي لم يبتنِ على ركن وثيق، فلا يعتني به العقلاء أوَّلاً، ولا يصمد عند المعارضة ثانياً؛ بل لا قيمة له في حدِّ ذاته لدى التدبُّر.
ولك أن تتصوَّر شخصاً بنى بنياناً قويًّا على أرض رملية، فإنَّه ممن لم يبنِ على أساس وثيق، وكذلك القاطع الذي كان مبنى قطعه هي الكهانة أو الشعر أو الخطابة أو الأحلام، فهذا القطع وإن كان بظاهره قطعاً، لكن واقعه مبني على أساس غير وثيق.
مثال آخر: الناظر إلى الخطين المتوازيين، فإنَّه يراهما في النهاية يلتقيان، لكنَّه من خطأ الباصرة، ولذلك فإنَّ الإنسان الذي لم يسبق له أن أُلفِتَ إلى ذلك، فإنَّه يكون - عادةً - قاطعاً بأنَّهما يلتقيان بعد مسافة مرمى البصر، لكن هذا القطع هو من سنخ القطع المتزلزل غير المبتني على أساس وثيق، في مقابل القطع المستقر المبتني على أساس وثيق، كالحاصل من البراهين.
وفائدة هذا البحث عامَّة، وليست منحصرة في بحث المنامات؛ إذ ينفع في مباحث اختلاف الأديان؛ أفليس المسيحي قاطعاً بآلهة ثلاثة؟
إنَّ الكثير منهم قاطع بذلك! بل يرانا على جهل مركَّب، وأنَّ مداركنا محدودة، فهل تنقطع حجَّتنا لو قال: إنَّ حجيَّة القطع ذاتية وإنَّه قاطع؟ وكذلك عابد البقر والوثن وما أشبه؟ كلَّا، إذ الأجوبة سيالة في كل الحقول.
وكذلك الأمر في مبحث الكشف والشهود، فإنَّ ذلك ينفعنا في مقام الجواب؛ لأنَّ مَنْ كُشف له بتوهُّمه، فهل له أن يقول: الكشف حجَّة ذاتية، لأنَّه أورث القطع، والقطع حجيَّته ذاتية؟ كلَّا، إذ يقال له: لو فرض أنَّ الكشف أورث القطع، فإنَّ هذا القطع حُجَّة وليس الكشف(٢١)، كما لو فرض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) لإقرارهم بأنفسهم على أنَّ الكشف على قسمين: رحماني وشيطاني، وقد فصَّلنا الحديث عن ذلك في كتاب (نقد الفلسفة) وذكرنا جوانب منه في بحث خارج (الاجتهاد في أصول الدين).

↑صفحة ٥٢↑

أنَّ طيران الغراب وجريان الميزاب أوجبا القطع، فإنَّ ذاك القطع على فرضه حُجَّة، وليس جريان الميزاب ولا طيران الغراب.
والحاصل: أنَّ القطع سنخان: سنخ هو القطع غير المستقر، وهو الذي لم يبتنِ على أساس وثيق كالأحلام والكهانة وما أشبه، فيشمله قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (النحل: ٢٦).
ولذلك كلّه نجد أنَّه لم تبتنِ حضارة على الأحلام(٢٢)، ولم يبتنِ دين على الأحلام، ولا ابتنى علم من العلوم على الأحلام، ولو فرض وجود حضارة بدوية(٢٣) في قرية من قرى العصور الوسطى بُنيت على الأحلام، فإنَّ العقلاء يرون هذا البنيان غير وثيق، ويرون سنخ هذا القطع متزلزلاً لا يمكن الركون إليه، بل هو: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ﴾ (النور: ٣٩).
قطع الألوف من الناس من أحلامهم، ليس حُجَّة:
وعليه، فلا يصح الاحتجاج بقطع الألوف من الناس الحاصل لهم من الأحلام، كما احتجَّ بعضٌ بأنَّ الألوف من الناس شاهدوا في المنام كذا وقد قطعوا به؛ إذ نقول بناءً على ما تقدَّم:
إنَّ القطع على سنخين: سنخ راسخ، وآخر غير راسخ، وأنَّ الأحلام من السنخ غير المستقر، الذي لم يبتنِ على أساس وثيق عقلي أو شرعي أو عقلائي، فكيف يصح الاحتجاج بقطع الألوف من الناس، الذي ابتني على الأحلام، وأنَّهم منه قاطعون؟ فليكونوا قاطعين! فإنَّنا إذا وجدنا الألوف من الجهلة قد قطعوا من الأحلام أو نظائرها بأنَّ النظرية النسبية باطلة أو صحيحة، فإنَّ قطعهم لا قيمة له، فإنَّه في منطق العقلاء لا يعتنى بهذا القطع غير المبتني على الأُسس العلمية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) بما هي حضارة لا بما هي مكملات ترفيهية يركن إليها الناس للتسلية أو غير ذلك.
(٢٣) إن صحَّ إطلاق اسم الحضارة عليها.

↑صفحة ٥٣↑

وبتعبير آخر: هل قطع هذه الألوف حُجَّة على غيرهم؟ الجواب: كلَّا، إذ غاية الآمر أنَّ الإجماع حُجَّة لو حصل بشروطه، لا قطع الألوف أو مئات الألوف فرضاً.
وبعبارة أخرى: أنَّ التخريج الوحيد هو أنَّ الإجماع حُجَّة، والإجماع يعني إجماع عامة العلماء أو المؤمنين بمختلف ألوانهم من علماء وغيرهم، أمَّا إجماع الألوف من الناس من أي دين ومذهب كانوا على خلاف أغلب العلماء، بل على خلاف ما قارب إجماع العلماء، فإنَّه ليس إلَّا تسمية للشيء باسم ضده(٢٤)!
القطع المتزلزل يَسقُط بمعارضة المستقر له:
ومن مصاديق القطع غير المستقر: التقليد الأعمى والاتِّباع للآباء والأحلام والفنجان وشبهها، فإنَّ هذه لا قيمة لها عند العقلاء كما سبق، ومع قطع النظر عن ذلك فإنَّ هذا القطع لو فرض أنَّ له قيمة عند العقلاء تنزُّلاً فإنَّه ساقط مطروح لمعارضته بالأقوى.
توضيح ذلك: أنَّ القطع حقيقة تشكيكية ذات درجات ومراتب، فلو عورض بقطع أقوى زال وجداناً في غالب الأحيان، ولو فرضنا أنَّه لم يتزحزح ولم ينعدم فإنَّه يسقط عن الحجيَّة(٢٥) عندئذٍ، ككل حجَّة عورضت بحجَّة أقوى، فإنَّها تسقط بمعارضة الحجَّة الأقوى لها؛ وذلك كخبر الثقة المعارض بخبر الثقات على الخلاف، أو المعارض بخبر ثقة أكثر ضابطية منه.
والقطع الحاصل من الأحلام أسوأ مما مثَّلنا به، فإنَّه من قبيل قطع العامي الصرف في ما يحتاج إلى خبروية، كقطعه في أمر طبي من غير استناد إلى تحليل علمي، فإنَّ هذا القطع لو فرض أنَّه حجَّة، فإنَّه لو عورض بقطع خبير كطبيب متخصِّص، فإنِّه لا شكَّ عند العقلاء بأنَّ القطع من المتخصِّص

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) فإنَّه شذوذ عن إجماع الأُمَّة وإجماع العلماء، وليس إجماعاً.
(٢٥) أي: عن حجيَّته لدى الغير الذي يريد أن يركن إليه، لا لدى القاطع نفسه، إذ الفرض أنَّ قطعه الأول لم ينعدم، بل لم يتزحزح رغم مشاهدته ما يورث القطع الأقوى.

↑صفحة ٥٤↑

هو الراجح، وذاك هو المرجوح، وأنَّ التمسك بالمرجوح قبيح مع وجود الراجح، فكذلك القطع الحاصل من الأحلام، فإنَّ هذه الأنواع من القطع التي تُدَّعى، معارَضةٌ بقطع كافة العلماء من أهل الخبرة والاختصاص، سواءً في حقل العقيدة أم الشريعة وما أشبه، ولا شكَّ أنَّه عند المعارضة تسقط هذه عن الحجيَّة في قبال تلك.
٥) خلط الحُجَّة بغيرها:
الجواب الخامس: اختلاط الحُجَّة باللاحُجَّة(٢٦)، حيث كثرت الدعاوى الكاذبة في تحقق أصل الرؤيا، وحيث كثر الكذب في حصول القطع منها، لذلك فإنَّ أيَّة رؤيا يوضع اليد عليها، مردد أمرها بين الحُجَّة واللاحُجَّة، والشك في الحُجيَّة ملاك عدم الحجيَّة، توضيحه:
١ - كثرة الكذب في دعاوى الرؤيا:
لا شكَّ في أنَّ كثيراً ممن يدَّعون أنَّهم رأوا الأحلام التي تشهد بالمعتقد الكذائي كاذبون، كالعديد من علماء العامة الذين ادَّعوا أنَّهم رأوا الله تعالى في المنام، فإنَّهم بين كاذبين وواهمين، نتيجة هيمنة القوة المتخيّلة عليهم أو دخولهم في عالم أحلام اليقظة أو ممن ألقى إليهم الشيطان المسمَّى بـ(هُزَع) ذلك.
كما أنَّ الكثير ممن يدَّعي الرؤية للأحلام هو ممن يجر النار إلى قرصه، وممن يكون في دائرة التهمة، فلا حجيَّة لقوله.
٢ و٣ - كثرة الكذب في دعوى القطع أو في تفسيره:
كما لا شك في أنَّ كثيراً ممن يدعون الرؤيا والأحلام، ويدعون القطع منها، هم كاذبون في دعوى القطع أو في تفسير ما رأوا، وإن كانوا صادقين في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) والأدق أن يقال: اختلاط الصحيح أو المطابق للواقع بغير الصحيح أي بالمخالف للواقع، فالتعبير بـ(الحُجَّة) مسامحي أو تنزلي.

↑صفحة ٥٥↑

دعوى أصل الرؤيا، لكن هل هو قاطع بمؤدَّى المنام؟ وأنَّ تفسيره هو هذا؟ إنَّ الكثير منهم كاذب في أحدهما أو كليهما، أو واهم.
والحاصل: أنَّ الكذب تارةً يكون في أصل ادِّعائه أنَّه رأى، وتارة يكون كاذباً في دعواه أنَّ تفسيرها ومعناها كذا، وثالثةً يكون كاذباً في حصول القطع له منها، فإنَّ تفسير الأحلام يحتاج إلى خبرة، بل حتَّى أهل الخبرة حقًّا نجدهم عادةً غير قاطعين بالتعبير، بل إن يظنون إلَّا ظناً.
إذن، فهذه الصغريات كلّها مبتلاة بكذب الكثيرين ممن يدَّعي الرؤيا وتفسيرها، وحصول القطع لديه منها.
ويترتَّب على ذلك أنَّه لا حجيَّة لدعاوى الرؤيا أو لدعاوى تفسيرها أو القطع بها، نظراً لغلبة الكذب أو الوهم أو إلقاء الشيطان في أحد الأمور الثلاثة، فلو فرض وجود رؤى لهم وفرض صحَّة تفسيرها فهي الأقل، وحيث لا نعلم ما هو الحجَّة، وما هو غير الحجَّة فلا حجيَّة لشيء منها، وذلك كخبرين أحدهما لثقة والآخر لفاسق، لكن لا نعلم أنَّ هذا الخبر المكتوب ههنا صدر من الفاسق أو من الثقة، فلا حجيَّة له.
وذلك كلّه على فرض كون أحد الطرفين حجَّةً، فكيف إذا لم يكن أي منها حجة؟ خاصة إذا لاحظنا ما رواه الشيخ الصدوق في الأمالي، عن أبي بصير، عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إِنَّ لِإِبْلِيسَ شَيْطَاناً يُقَالُ‏ لَهُ‏ هُزَعُ،‏ يَمْلَأُ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، يَأْتِي النَّاسَ فِي المَنَامِ وَلِهَذَا يُرَى الْأَضْغَاثُ»(٢٧).
ويتَّضح ذلك أكثر بملاحظة باب القضاء وعالم السياسة، فإنَّه لا شك في القضاء بأنَّ الكثير من الناس يكذبون في شهاداتهم وتقريراتهم كي يجرُّوا النار إلى قرصهم، وما أكثرهم، بل قد يتعاضد الكَذَبة على أنَّ هذا سارق أو ليس بسارق، خلافاً للواقع، لمصالح قبلية أو حزبية أو عائلية أو اقتصادية أو غيرها؛ إذ يدفعهم الحرص على مصلحة القبيلة أو الحزب لشهادة الزور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) الأمالي، للصدوق: ص١٤٦.

↑صفحة ٥٦↑

وكذلك ما أكثر الكذب في عالم السياسة، مع أنَّ السياسي عندما يتكلَّم فإنَّه يتكلَّم بضرس قاطع، دون أن يبدي أي شكٍّ وشبهة.
وهكذا الأمر في سائر الحقول، فليس الكذب إذن قليلاً، بل ما أكثره في مختلف الحقول.
والأمر في الأخبار والروايات كذلك، فما أكثر الكاذبين في دعاواهم سماع الروايات التي ينسبونها إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كأبي هريرة وغيره، فإنَّهم يروون الرواية بضرس قاطع ويعلمون بكذبها، ومع ذلك نجد الكثير من الناس يصدقهم.
إذا اتَّضح ذلك نقول: إنَّ وجود العلم الإجمالي بـ:
أ - كذب الكثيرين ممن يدعون الرؤيا في شؤون العقيدة أو الشريعة، أو شؤون الأحكام الشرعية أو ما أشبه، وإن لم نعلم أن هذا بالذات كاذب في دعواه الرؤيا.
ب - ووجود العلم الإجمالي بأنَّ الكثيرين ممن رأوا كاذبون أو مخطئون في تفسيرهم.
ج - ووجود العلم الإجمالي بأنَّ دعوى كثير منهم القطع كاذبة؛ إذ كثيراً ما لا يكون قاطعاً، وإنَّما هو ظان فقط، لكنه لكي يؤكِّد كلامه يقول: أنا قاطع؛ وإنَّني رأيت في الرؤيا كذا، ولم يكن وهماً أو حلم يقظة، وأنَّ مفادها كذا، مع أنَّه لم يظن إلَّا ظنًّا، قال تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (الجاثية: ٣٢)، وقال سبحانه: ﴿وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: ٢٤).
فهذا العلم الإجمالي المثلث الأطراف يُسقِط الرؤيا عن الحجيَّة حتَّى على فرض حجيتها اقتضاءً، فكيف لو لم تكن حجَّة اقتضاءً، كما سيأتي بيانه لاحقاً.

↑صفحة ٥٧↑

ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ (النمل: ١٤)، فإنَّه كثيراً ما يكون الشخص قاطعاً بالحق(٢٨) لكنه يجحده، بل يُظهر نفسه بمظهر القاطع بالخلاف، لكن الواقع هو أنَّ المال حرَّكه، أو الشهرة غرَّته، أو حب الرياسة أو الشيطان حاد به عن الجادة، فجحد ما استيقنته نفسه، قال سبحانه: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ * فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً(٢٩) قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ (النمل: ١٢-١٤).
لزوم الفحص والعرض على الكتاب والسُنَّة:
وحيث ظهر أنَّ الرؤيا مبتلاة - كغيرها - بكثرة الكذبة والدجالين، وأنَّ العلم الإجمالي بالخلاف موجود، فلابد من الرجوع إلى (المقاييس الموضوعية) التي يرجع إليها لتمييز الكاذب من الصادق، والصحة من الوهم والخطأ.
وأهمّها: العرض على الكتاب والسُنَّة، فإنَّهما المرجع والحجَّة المرجعية، وهما المرجع حتَّى في الحجَّة العقلائية كخبر الثقة، فكيف بغير العقلائية كالأحلام؟
توضيحه: أنَّ خبر الثقة حُجَّة بلا كلام، لكن لوجود العلم الإجمالي بكثرة الكَذَبة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلابد من عرض الخبر على الكتاب والسُنَّة، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حجَّة الوداع(٣٠): «كثرت عليَّ الكِذابة» أو (الكذّابة)(٣١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) وإنَّ من يدَّعي أنَّه نائب خاص أو وصيّ - مثلاً - كاذب لكنه يتعصَّب له، ويظهر نفسه بمظهر القاطع إلى درجة استعداده أن يقسم أغلظ الأيمان أنَّه رأى منه كرامة، أو شاهد في المنام كذا، أو غير ذلك.
(٢٩) وقرأت مُبصَرَةً على اسم المفعول، وموضع بحثها في بحث التفسير حيث توجد نكتة لطيفة ههنا.
(٣٠) والروايات قد وردت بصيغ متعدِّدة وهذه إحداها، فقد ورد عنه (صلّى الله عليه وآله): «أيُّها الناس، قد كثرت عليَّ الكذّابة، فمن كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوأ مقعده من النار» [الكافي: ج١، ص٦٢، ح١].
(٣١) كلاهما صحيح، فالكِذابة مصدر مثل لزاماً، في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ [الفرقان: ٧٧]، والتاء للمبالغة، أي: كثر عليَّ الكَذِب، ويمكن أن تقرأ الكذّابة، أي: الكذابون (وستكثر في المستقبل)، فإنَّ حكم الأمثال فيما يجوز أو يقع وما لا يجوز أو لا يقع، واحد.

↑صفحة ٥٨↑

وكلامه (صلّى الله عليه وآله) أعم إطلاقاً، وإلَّا فملاكاً، من الكذب بدعوى سماع كلام منه (صلّى الله عليه وآله) في اليقظة أو في المنام، أي: دعوى رؤية الرسول (صلّى الله عليه وآله) في المنام، وأنَّه قال له: اتَّبع فلاناً أو لا تتَّبعه مثلاً: «فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»، إذن ما الحل وما هو المرجع والمقياس؟
المقياس هو: «فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله وسُنَّتي، فما وافق كتاب الله وسُنَّتي فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسُنَّتي فلا تأخذوا به»(٣٢).
مقياس شرعي عقلائي لتمييز الحق من الباطل:
ثم إنَّ المقاييس متعدِّدة، ففي كل علم توجد مقاييس ومرجعيات لتمييز الغثّ من السمين، والرطب من اليابس، والحق من الباطل، وحول الرؤيا بالذات ذكرنا(٣٣) مجموعة من المقاييس الداخلية والخارجية، والحاصل:
إنَّ الرؤيا لو كانت حُجَّة فلها ضوابط، والظاهر أنَّ الأعم الأغلب، بل شبه المستغرق من هؤلاء الذين يدَّعون الرؤيا في الشؤون العقدية أو الشرعية لا يعرفون هذه الضوابط، لا على حسب الروايات ولا على حسب العلم الحديث، كعلم النفس وعلم وظائف الأعضاء وغيرهما، وكما توجد مقاييس في كل علم، كذلك الأحلام كعلم - على فرضه - له مقاييس، فما هي؟
إنَّ إحدى المقاييس الخارجية: العرض على الكتاب والسُنَّة.
وفائدة هذا البحث لا تقتصر على بحث المنامات، بل البحث سيال؛ إذ يجري في الكشف والشهود أيضاً، فمثلاً: المدَّعي للكشف - كابن عربي - لابد أن يُفحص ويُحقّق عن أنَّه هل رأى بالفعل ما ادَّعى كونه كشفاً أم لا؟ هذا أوَّلاً، فإنَّ فرض كونه قد رأى شيئاً فيجب أن يفحص عن مدى صحَّة تفسيره لكشفه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢) بحار الأنوار: ج٥٠، ص٨٠، ح٦.
(٣٣) كتاب فقه الرؤى.

↑صفحة ٥٩↑

والحاصل: أنَّه قد يكون كاذباً في دعوى حصول الكشف له أو الرؤيا، وقد يكون كاذباً في تفسيره، وقد يكون كاذباً في حصول القطع الحاصل له، فلابدَّ من الفحص والرجوع في ذلك للضوابط العامة العقلائية والشرعية.
كما أنَّ البحث سيَّال في عدد من العلوم، فكل من يدَّعي القطع - من سياسي أو اقتصادي أو غيرهما - ويزعم بأنَّ حل هذه المشكلة هو كذا، بالقطع والجزم والدراسات العلمية! فلابدَّ من الفحص والتثبُّت من عدم وجود عوامل خارجية، غير التشخيص الحقيقي، دفعته لإظهار هذا الرأي، أو لاتِّخاذ هذا الموقف.
وقد ذكرنا في (فقه الرؤى) في بحث الروايات، أنَّ الاستقراء لكلِّ الآيات الكريمة والكثير من الروايات الشريفة التي قد يستفاد منها اعتبار بعض الرؤى، يكشف لنا: أنَّها خاصة برؤى الأنبياء (عليهم السلام) أو بتفسير الأنبياء (عليهم السلام) للرؤى.
ومن الأوَّل: رؤيا النبي يوسف (عليه السلام): ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (يوسف: ٤)، ورؤيا النبي (صلّى الله عليه وآله): ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (الإسراء: ٦٠) على كلام في هذه الآية وما هو المقصود منها، و﴿إِنِّي أَرى فِي المَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (الصافات: ١٠٢).
ومن الثاني: تعبير النبي يوسف (عليه السلام) لرؤيا الملك: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ (يوسف: ٤٦-٤٧).
فمنامات الأنبياء (عليهم السلام) هي الحُجَّة أوَّلاً، وتفسير الأنبياء (عليهم السلام) للمنامات هي الحجَّة ثانياً، أمَّا غيرها فلا حجيَّة لها.

↑صفحة ٦٠↑

وأمَّا خبر العادل فإنَّه في الحسيات يؤخذ به، وكلامنا في الحدسيات، فإنَّ تعبير الرؤيا حدسي لا حسي، وللرؤيا ضوابطها، لكنَّها ليست بأيدينا، فهي كعلم التنجيم، فإنَّه كان علماً حقيقياً بضوابطه وحدوده مودعاً عند الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، لكن الضوابط غير موجودة بأيدينا، فلذا قد يخطئ المنجِّم وقد يصيب، والمنامات كذلك؛ لأنَّ الضوابط فُقد بعضها وتشابه المراد ببعضها الآخر، واختلط بعضها بغيره، لحكمة من الله أشرنا إليها في (فقه الرؤى)(٣٤).
٦) أقسام القطع:
الجواب السادس: القطع علمي وغير علمي.
وهذا الجواب يختلف عن الجواب الثاني: (أنَّ القطع على قسمين: قطع عقلائي وقطع غير عقلائي)، إذ ذاك الجواب كان محوره العقلاء من حيث هم عقلاء، ومحور هذا التقسيم هو العلم، والفرق بينهما بيِّن، فإنَّ العلم غير العقل؛ إذ العلم كسبي، والعقل وهبي(٣٥)، والعلم صفة زائدة على العقل، فقد يكون عاقلاً ولا يكون عالماً بالطب أو الفلك، أو لا يكون عالماً بتفسير الرؤى والأحلام ومعادلات وضوابط الكشف والشهود مثلاً.
فهذا إشكال آخر، وهو: أنَّ هذا القطع الحاصل من الأحلام علميٌ أو ليس علمياً(٣٦).
ولمزيد التوضيح نمثِّل: بأنَّ الأرض بيضوية، كما ثبت علمياً، لكن القول: إنَّ الأرض مكعبة مستطيلة ليس خلاف العقل؛ إذ العقل لا يأبى أن يخلق الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) وقد تقدَّم منَّا أن القطع المتزلزل غير معتبر عند العقلاء، أمَّا عند نفس القاطع فسيأتي الكلام عنه، وقلنا: أوَّلاً: إن القطع غير المستقر غير معتنى به عند العقلاء، فإذا قطع شخص من غير أهل الخبرة فلا يعتنى به العقلاء، وثانياً: لو فرض أنَّه حُجَّة فقد عورض بالأقوى منه، بل سيأتي البحث أنَّ قطعه حُجَّة عليه أم لا، وتقدَّم أنَّه لا يؤمِّنه من العقاب إذا كان مقصراً في المقدمات.
(٣٥) موهبة.
(٣٦) المراد العلم بالمعنى المصطلح عليه، وليس العلم بمعنى الصورة الحاصلة من الشيء في الذهن.

↑صفحة ٦١↑

الأرض بأيِّ شكلٍ شاء، أو يكون قد خلقها بأي شكل، لكنَّه خلاف العلم وخلاف الواقع الخارجي.
والحاصل: أنَّ بعض الآراء أو الدعاوى خلاف العقل، وبعضها خلاف العلم، كما أنَّ هنالك حقائق يدركها العقل بنفسه، وأخرى تحتاج إلى العلم في إدراكها ومعرفتها.
والقطع غير العلمي هو الناشئ من دون معرفة بالضوابط، والمشكلة أن ضوابط علم الأحلام غير معروفة إلَّا للأنبياء والأوصياء (عليهم السلام).
ضوابط علم الأحلام:
توضيحه: أنَّ كل علم وكل فن له ضوابط، فإن لم يعرف المرء تلك الضوابط أخطأ وارتطم في الجهل المركَّب، وكان قطعه الحاصل غير حُجَّة؛ بمعنى أنَّه غير منجّز إنْ أصاب (إذ وجوده ملغي لدى العقلاء وكالعدم)، كما أنَّه غير معذّر إن لم يُصب، وهو غير كاشف نوعاً أيضاً، ولا لازم الاتِّباع، بنحو القضية الحقيقية، وإن كان القاطع جازماً بلزومه على مستوى القضية الشخصية، نظراً لتبعية الأحكام واقعاً لموضوعاتها الثبوتية.
وكما أنَّ علم تأويل الكتاب العزيز له ضوابط، وليس للإنسان أن يقتحم في تأويل الآيات القرآنية بدون معرفة ضوابط التأويل، كما ليس له أن يقتحم في تفسير القرآن بدون معرفة ضوابط التفسير، فإنَّ ذلك ليس عقلائياً ولا شرعياً، (مثلاً: لو تعارض التأويل مع التفسير فما هو الحكم؟(٣٧)).
وكذلك علم الدراية والرجال، فإنَّ لعلم الدراية ضوابط وقواعد، وكذلك لعلم الرجال، فمَن اقتحم في أحوال الرجال بغير معرفة أصول علم الرجال فقد أخطأ، وما أكثر من يقع في الخطأ إذ كان منهجه غير علمي، (مثلاً: ما هي ضوابط الحديث المتواتر والمتسامَع والمتظافِر(٣٨) والمستفيض؟ وما هي وجوه حجية كل منها؟).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) والبحث حري بأن يبحث عنه مفصَّلاً.
(٣٨) الحديث المتسامع والمتظافر: كالأخبار عن البلدان والوقائع والشخصيات التاريخية. [انظر: نهاية الدراية: ص١٠١].

↑صفحة ٦٢↑

وكذلك علم الأصول والمنطق والفقه وفقه الحديث، فمن اقتحم في الآيات والأحاديث بدون أن يعرف ضوابط الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، وكذلك الحاكم والوارد، وما أشبه كالتخصص، فإنَّ عمله وتعمُّله غير علمي حينئذٍ.
فكما الحال في كل تلك العلوم فكذلك علم الأحلام، لو كان علماً أو كان فناً، فإنَّ له ضوابط، لكن المشكلة أنَّ هذه الضوابط قد خفيت علينا، وذلك كضوابط علم النجوم حيث قد خفيت، فلا يمكن الاعتماد عليه أصلاً.
القطع الحاصل من الأحلام غير علمي:
وعلى هذا نقول: إنَّ القطع الحاصل من الأحلام خلاف العلم، كما هو خلاف العقل(٣٩)، ولنذكر كلام بعض فلاسفة الغرب في تعريف العقل العلمي(٤٠)، فإنَّ العديد من فلاسفة الغرب فسَّروا الروح العلمية أو العقل العلمي بـ(العقل المنظم الواضح الذي لا يسلِّم بصدق الحكم إلَّا بعد تحقيقه والتدقيق فيه وإقامة البرهان عليه)(٤١)، أمَّا العقل غير العلمي: فهو غير المنظم غير البيِّن والذي يحصل له القطع بلا تحقيق وتدقيق، وبدون سؤال عن البرهان والأدلة والبحث عن الإشكالات والأجوبة.
وموجز القول: إنَّ علم الأحلام - على فرض قبول كونه علماً من العلوم، أو كونه علماً وفناً - له ضوابط، وله لغة خاصة وشفرة مميزة، والأحلام دوال لها مدلولات، وما أكثر الأحلام التي ترمز إلى ما يخالف ظاهرها، ومَن لم يعرف هذه الضوابط فسوف يضل في تفسيرها ضلالاً بعيداً، فقد يقطع من الحلم بنقيض معناه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) والمقصود بـ(خلاف) أنَّه مما لا يعتني به العقلاء بما هم عقلاء، ولا العلماء بما هم علماء، ومما لا يبنون عليه ولا يستندون إليه.
(٤٠) لأنَّ خطابنا، في خصوص هذا الجواب السادس، موجه بالأساس للجامعيين والشباب، وإلَّا لم نكن نستشهد بكلامهم.
(٤١) انظر: المعجم الفلسفي: ج٢، ص١٠٢.

↑صفحة ٦٣↑

وحسب التحقيق، فإنَّ هذه الضوابط ليست إلَّا عند الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وأمَّا الضوابط المذكورة في كتب الأحلام فإنَّها غير منضبطة ولا ضابطة، فليست بضوابط بالمرة، والحاصل:
١ - إنَّ الأحلام قد تُفسَّر بنقيضها.
٢ - وقد تفسَّر بتفسيرات متناقضة، فمن أين يثبت أنَّ هذا الحلم تفسيره هو هذا لا النقيض؟
٣ - وكثير منها مجهول المراد.
٤ - وكثير منها أضغاث أحلام.
أمثلة من كتب تفسير الأحلام:
ولابد لبرهنة ذلك من الاستشهاد بأمثلة وشواهد من أشهر كتب تفسير الأحلام، فإنَّ أهل الاختصاص هم أخبر(٤٢) إجمالاً ممن لا يعرف أصلاً الضوابط.
فلنقتبس بعض تعابير وتفسيرات خبراء الأحلام، من أحد أشهر الكتب في علم الأحلام، إذ يقول مؤلفه في المقدمة: إنَّه اقتبسه من مجموعة من الكتب، منها: كتاب العلامة المجلسي، وكتاب العلامة الطبرسي، وكتاب محسن آل عصفور، وكتاب محمد تقي التستري، وكتاب محمد بن سيرين، وكتاب عبد النبي النابلسي وغيرها، كما ينسب إلى الإمام الصادق (عليه السلام) كثيراً من التعبيرات التي يقول إنَّه جمعها من كتب التفسير والحديث وما أشبه، وهذا الكتاب يعدّ، لديهم، من أضبط الكتب في علم المنامات.
الأوَّل: تفسير الأحلام بنقيضها:
إنَّ الأحلام كثيراً ما تفسّر بنقيضها، كما قد تفسر بتفسيرين مختلفين، فلنضرب بعض الأمثلة لذلك:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢) أي أكثر خبرةً، وإن ورد عليهم: أنَّ ضوابطهم ليست منضبطة، وأنَّ تفسيرهم لا دليل عليه.

↑صفحة ٦٤↑

المثال الأوَّل: تفسير العداوة، فحسب هذا الكتاب(٤٣): (عداوة: مَن رأى أنَّه يعادي رجلاً فإنَّه يودُّه) أي: إنَّ العداوة تفسَّر بالنقيض تماماً، (ويصحبه ويفشو أمره)، أي: أمر صحبته ومودَّته له، أو يظهر أمره، (ويظهر منه ما كان يكتمه)، فهذا تفسير آخر مختلف، ولعلَّ قصده: يظهر سرّ من أسراره أو يقصد ما يكتمه من كامن المحبَّة، وذلك نظير ما يذكره علماء النفس من أنَّ الإنسان عندما يظهر العداء لشخص، فإنَّه يكون في قلبه وواقعه شديد الولاء والحب له، فيفسرون كثيراً من مظاهر العداء بعمق الولاء، ثم يقول: (وإن رأى أنَّ إنساناً أظهر له عداوةً فإنه يصادقه).
لكن معظم الناس لا يعرفون حتَّى هذه المعادلات الأولية، فيفسرون الحلم بحسب ظاهره، على أنَّ هذا التفسير إنَّما هو تقوّل بغير علم، كما لعله من حديث النفس في اليقظة الذي انعكس على هذه الصورة في المنام، أو لعله من تأثيرات بعض أوضاع الجسد حالة النوم، أو بعض الأطعمة المحبوسة في المعدة.
المثال الثاني: (الوكيل)(٤٤)، كما إذا رأى إنسان في المنام أنَّ فلاناً وكيل للإمام المعصوم (عليه السلام) أو لغيره، أو أنَّه وكيل له، يقول في الكتاب: (وكيل: هو رجل يكتسب لنفسه ذنوباً)، ولم ينقل في هذا خلافاً، فإذا رأيتَ(٤٥) في المنام رجلاً وكيلاً لآخر، فهذا يعني أنَّه مذنب وأنَّه عاصٍ، فيجب أن يُردَع، ولا يعني حسب ظاهره أنَّه وكيل له.
الثاني: للأحلام تفسيرات متناقضة أو متضادة:
إنَّ كثيراً من المفردات التي تفسر في علم الأحلام، تفسر بتفسيرات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣) الموسوعة الشاملة في تفسير الأحلام طبقاً للقرآن والسُنَّة وروايات أهل البيت (عليهم السلام): ص٣٤٤.
(٤٤) الموسوعة الشاملة في تفسير الأحلام: ص٥٣٠.
(٤٥) بحسب هذا الكتاب، وهذا الجواب كما سبق تنزلي.

↑صفحة ٦٥↑

متناقضة أو متضادة، وإذا كان ذلك كذلك، فمن أين يثبت أنَّ هذه الرؤيا تعني هذا المعنى لا ضده؟ والحال أنَّ كلّاً منها مذكور على حدٍّ سواء كمعنى من معاني هذه الرؤيا، ومنه يظهر: أنَّ التعبيرات مما لا يؤدِّي الكثير منها إلى محصَّل، ومن نماذج ذلك:
أ - تعبير النيابة عن الإمام أو الحاكم:
لو رأى شخص في المنام أنَّ له نيابة عن الإمام الحجة (عليه السلام) أو أحد المعصومين (عليهم السلام) أو عن حاكمٍ أو عن مرجعٍ، أو رؤي له أنَّ له النيابة عنهم، فما هو تفسير هذه النيابة؟
يوجد هنا تفسيران متناقضان تماماً، أحدهما: سلبي، والآخر: إيجابي، وعليه: فمِن أين نعرف أنَّ هذه الرؤيا حسنة، إذ قد تكون سيئة؟
قال بعض المعبرين: (نيابة عن الحاكم أو المتولي أو صاحب أمر، تدل على اتِّباع سُنَّة الصالحين أو اقتفاء أثر المبتدعين)(٤٦)، فكلاهما ممكن، فلو رؤي أنَّه نائب عن المعصوم (عليه السلام) فقد يدل ذلك على أنَّه صاحب بدعة، أو متبع لمبتدع ويقتفي أثره، فمن أين نعرف أنَّ هذه الرؤيا تدل على هذا المعنى في هذا الشخص أو ذاك؛ لأنَّ كليهما محتمل بنحو وبوزان واحد من حيث الرؤيا.
ب - تعبير (أنَّه يوصى إليه):
لو رأى في المنام أنَّه يُوصَى إليه، أو رؤي له أنَّه يُوصَى له، فما تفسيره؟
هناك تفسيرات متخالفة، منها: أنَّه بالفعل يكون كما رأى أو رؤي له، لكن هذا تفسير من بين ستة تفسيرات، والتفسير الآخر: أنَّ هذا يرمز إلى أنَّه بلغ الأربعين وتجاوزها، فمَن أين: أنَّه لو رؤي أنَّ الإمام أوصى إليه بشيء أنَّ المعنى الأول هو المراد؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦) الموسوعة الشاملة في تفسير الأحلام: ص٥١٣.

↑صفحة ٦٦↑

قال البعض: (من رأى أنَّه يوصى إليه دلَّ على ستة أوجه: أن يكون ما يخبر به حقاً... أو يكون قد مضى من عمره أربعون سنة)، وعلى المعنى الأخير فإنَّ الرؤيا هنا كناية عن هذا المعنى الحيادي، الذي لا ربط له بالحق أو الباطل.
ج - تعبير الوقوف بعرفات:
لو رأى شخص أنَّه واقف في عرفات، فإنَّ له بحسب علماء الأحلام تفسيرات متضادة، إذ يقولون: إنَّ الوقوف في عرفة قد يرمز إلى خروج الإنسان من شر إلى خير، (وفي هذا نوع من التناسب بين التعبير والرؤيا)، لكنهم في نفس الوقت يقولون: إنَّ هذه الرؤيا ترمز إلى تنزل رتبة هذا الإنسان من خير إلى خير أدون منه، (وهنا لا نجد تناسباً)، فما هو الضابط إذن لنعرف أنَّ هذه الرؤيا تفسر بهذا أو بذاك؟
كما قد فُسِّر الوقوف في عرفة بتفسيرات أخرى أيضاً متقابلة، منها على سبيل المثال(٤٧) أنَّه: (لو كان عاصياً قُبلت توبته، وإن كان له سر مكتوم ظهر)، وهذا كثيراً ما يكون سلبياً. وعليه، فلو كان عاصياً وله سر مكتوم فهذه الرؤيا ترمز إلى أيّهما؟ لا يُعلم ذلك.
د - تعبير النار:
(النار)، بدورها تفسّر بالمتناقض، فقد تفسّر بالبشارة، وقد تفسّر بالإنذار والتحذير من خطر محدق، أي: تفسر ببشارة بأمر مفرح، أو إنذار من أمر مُقِرح، بل قالوا: (نار: بشارة وإنذار وحرب وعذاب وسلطان وحبس)، كما فسَّروها بـ(خسارة وذنوب)، وفسرت بمناقضه وهي (البركة)، وأيضاً البشارة والسلطان، فالنار تعبّر بأيّها؟ فلو رأى شخص أنَّه دخل ناراً أو لمسته نار، فهل هي خسارة وذنوب، أو هي بركة وبشارة وسلطان؟ كلاهما محتمل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧) والأمثلة كثيرة ننتخب بعضها فقط.

↑صفحة ٦٧↑

وحسب ما يدَّعي الكاتب ويرسله عن الإمام الصادق (عليه السلام) فإنَّ النار تؤول على أوجه كثيرة متناقضة أو متضادة، مثلاً:
أ) تفسر من جهة بـ(فتن وفساد وخصومات وغضب سلطان وعقوبة)، فلو رأى أنَّ ناراً اشتعلت في البلد، فذلك يدل على أحد طرفي النقيض، فإمَّا أنَّ الفتن والفساد والخصومات وغضب السلطان والعقوبة ستملأ هذا البلد، وإمَّا أنْ تدل دلالة معاكسة تماماً، إذ:
ب) النار من جهة أخرى بـ(العلم والحكمة وطريق الهدى).
فلو اشتعلت نار في بلد فهل يدل ذلك على أنَّ العلم سيملأ أرجاء هذا البلد، أو سيملؤه الفساد والخصومات... إلخ؟
وكذلك فإنَّ النار تفسر بـ(مصيبة وفزع وأمراض مختلفة ومال حرام)، وفي المقابل تفسر بـ(رزق(٤٨) ومنفعة)، وعلى ذلك فقس ما سواها.
قد يقال: بأنَّه ما المانع من اجتماع جميع هذه المعاني أحياناً، وكمثال على ذلك (العراق): فإنَّ البعض من المؤمنين رأى في المنام اشتعال نار في أطراف العراق، وهذه الرؤيا تكررت، فإذا لاحظنا تلك المعاني وجدناها متحققة في العراق: الفتن والفساد والخصومات وغضب السلطان والعقوبة، والمصيبة والفزع والأمراض، والمال الحرام والحلال، والعلم والإرشاد والحوزات العلمية والفضائيات بنوعيها... إلخ، ففي جوانب العراق ترى جميع هذه الأمور، وانتشر العلم في هذه الفترة رغم المحن والويلات، فإذا أمكن انطباق كل هذه المعاني بالنظر إلى الجوانب المختلفة فلا مشكلة من هذه الجهة. نعم، المشكلة من جانب آخر، وهو أنَّ كل شخص يفسر ويؤول الأحداث بما يلائم هواه ومعتقده وسياسته، وسيأتي في المتن أنَّ من الضوابط المكملة ملاحظة حال الرائي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) عادة يطلق على الحلال.

↑صفحة ٦٨↑

والجواب عن ذلك بوجوه:
أوَّلاً: لا نص من الشارع على هذه التفاسير، ليتمسك به، بل أكثر هذه التعابير دعاوى تستند إلى وجوه استحسانية كما سيجيء.
ثانياً: أنَّ الضوابط في (الأحلام) غير منضبطة كما سبق وسيجيء، وقد تنطبق في بلد أو مكان، ولا تنطبق في مكان آخر.
ثالثاً: أنَّ (المكملات) بعضها موجودة بأيدينا وليس كلها، فلا تعلم صحة أي تعبير، لاحتمال وجود عامل مكمل آخر مؤثر في تغيير التعبير، وقد خفي علينا.
رابعاً: إضافة إلى ذلك كله ما ذكرتم - مع إضافة - من: تدخل المعتقدات والأهواء والوعي الباطن واللاشعور وسرعة البديهة وغيرها في التعابير، وبعضها عامل خفي لا يعرفه الأفراد عادةً من حال المعبّر والمفسر.
خامساً: كل ما ذكر في الإشكال يوضح الإمكان والاحتمال والوقوع أحياناً، ولا يوجب (الحجية) بوجه، وقد اتَّضح ذلك مما سبق وسيتَّضح لاحقاً أكثر.
إذن، فهذه الضوابط الموجودة بأيدينا في حدِّ ذاتها مؤدِّياتها متقابلة، فأية حجية تبقى لهذه الأحلام؟
والمتتبع لكتب المنامات يجد الأمثلة أكثر من أن تحصى على أنَّ الرؤيا قد فسَّروها بتفسيرات متناقضة أو متضادة أو متخالفة.
والحاصل في الجواب السادس:
أوَّلاً: أنَّ الأحلام لا ضوابط نوعية لها، أي: لا ضوابط موجودة بأيدينا منها.
ثانياً: أنَّ الضوابط التي ادَّعوها لا توصل إلى شيء في كثير من الأوقات، حتَّى حسب ما لديهم؛ وذلك لأنَّها ترمز إلى النقيضين أو الضدين أو المختلفين في وقت واحد.

↑صفحة ٦٩↑

والمشكلة أنَّها تفسَّر بضدها أو نقيضها من غير ضابط مرجعي، فكيف يحتج بها أو يلجأ إليها؟ والكلام في مصداق الرؤى.
لا يقال: أجمع المعبرون على تعبير بعض المفردات؟
إذ يقال: أولاً: لا حجية إلَّا للإجماع الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) حدساً أو لطفاً أو دخولاً أو تشرفاً، ولا شيء منها بمتحقق هنا.
ثانياً: والأمثلة التي أجمع المعبرون - بنحو القضية الحقيقية - على تفسير معناها بأمر واحد فقط، قليلة جدًّا من بين المئات من المفردات والرؤى، أي: التي اقتصروا فيها على معنى واحد بنحو القضية الحقيقية.
ثالثاً: ومع ذلك، فإنَّ المشكلة في تطبيق الكبرى على الصغرى، وفي تفسير رؤيا هذا وذاك، وهنا الخلاف قائم حتَّى فيما اتفقوا عليه، والمعبرون ببابك.
هل تناقض تعبير الأحلام هو كتناقض الاجتهادات؟
لا يقال: آراء الفقهاء أيضاً قد تتناقض.
إذ يقال: لا يصح النقض بتناقض رأيين لفقيهين، لأنَّه:
أوَّلاً: لا تقاس اللاحجَّة على الحجَّة.
ثانياً: لو سلَّمنا الحجيَّة فإنَّها ليست في ما إذا تناقض رأيا أو تعبيرا الواحد؛ إذ الكلام عن تناقض تفسير المنام الواحد، فإنَّه كتناقض رأي الفقيه الواحد، كما لو قال: هذا حلال، وقال: هو حرام، فإنَّه يسقط عن الحجية في نظر العقلاء وبنائهم.
والحاصل: أنَّه عندما يقال: خبر الثقة حجَّة فلأنَّه حجَّة نوعية، فلي أن احتجَّ على الطرف الآخر به، إلَّا لو قارعني بخبر ثقة آخر مضاد، فالمرجع المرجحات، لكن لو قال الثقة: هذا حرام، وناقض نفسه في نفس المقام بأن قال: هو حلال، ففي بناء العقلاء لا يعتمد على قوله في هذه القضية، بل يقولون: إمَّا أنَّه أخطأ، أو أنَّ أحدهما كان تقيةً، أو شبه ذلك.

↑صفحة ٧٠↑

وإطلاقات الأدلة لا تشمل هذا المورد: لو ناقض الثقة نفسه، وهنا (الحلم) ننزله - فرضاً - منزلة خبر الثقة، فإنَّه حيث فسّر بطريقتين متناقضتين من غير مرجح، فإنَّه لا يعبأ به. نعم، لو كان مرجح بأنَّ نقل الأول عن الإمام الصادق (عليه السلام) والآخر عن زرارة، فنقول: هذا كلام الإمام، وذاك كلام زرارة، أمَّا لو نقل الوجهين مثلاً في النار أو غيرها عن الإمام الصادق (عليه السلام) أو عن نفس المعبر فلا يعلم - كقضية حقيقية - أيُّهما هو المراد؟ وأمَّا بنحو القضية الخارجية فإنَّ تفسيره بأحدهما من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، على أنَّ الضوابط قد خفيت علينا ولو في الجملة، فلا حجيَّة في تعبيره بأمر.
بل لو تنزَّلنا عن ذلك كله، وفرضنا كونهما طريقين شملتهما أدلة الحجية، لكن الأصل - حسب مشهور الأصوليين - في الطريقين المتناقضين التساقط، وإنَّما يلجأ إلى التخيير ببركة الأدلة الثانوية، أي: الروايات كما فصل في الأصول، فإنَّ الأصل الأولي - عقلاً - في الطريقين المتناقضين هو التساقط، لكن نرفع اليد عنه في خصوص الروايات فنقول بالتخيير للأدلة الخاصة، وهي روايات: «إذن فتخير»(٤٩)، لكن هذه الأدلة غير موجودة في شأن الأحلام، فلا يمكن التمسك بها بأي وجه من الوجوه.
٧) بين القطع والخوف:
الجواب السابع: صاحب المنام قد لا يكون قاطعاً بل خائفاً، وهو جواب صغروي تشخيصي مهم، ويحلل واقع الكثيرين، وهو: أنَّه كثيراً ما يحدث الخلط بين القطع الحاصل من الأحلام(٥٠)، وبين توهُّمه؛ لكونه خائفاً؛ إذ كثيراً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) انظر: عوالي اللئالي: ج٤، ص١٣٣، ح٢٢٩؛ مستدرك الوسائل: ج١٧، ص٣٠٣، ح٢.
(٥٠) حتَّى لو فرض أنَّه حُجَّة تنزُّلاً*.
* لو قبلنا الكبرى وأنَّ القطع الحاصل من الأحلام قطع علمي عقلائي حجة، فهذا الجواب نقاش صغروي.

↑صفحة ٧١↑

ما يكون الذي رأى المنام مثلاً خائفاً فيتوهم كونه قاطعاً؛ فلأنَّه خائف يتوهم كونه قاطعاً أو يُظهِر ذلك ويدَّعيه.
توضيحه: أنَّ بعض الناس قد يحصل له الخوف من كلام الكاهن، أو من كلام من يستخدم الفنجان أو الرمل والاسطرلاب، أو قارئ الكف أو معبِّر الأحلام، دون أن يحصل له قطع، لكنه يتوهَّمه قطعاً رغم كونه خوفاً، أو لأنَّه خائف يظهر أنَّه قاطع.
والنقاش هنا صغروي، كتشخيص موضوعي للذين يرون الأحلام، ويتَّضح ذلك أكثر بملاحظة كلمات علماء النفس حيث تناولوا بالتحليل الدقيق حالات أمثال هؤلاء من وجهة نظر علمية نفسية، وأنَّ الحالات النفسية قد تختلط على الشخص، فلاحظ بحوثهم في (الشيزوفيرينيا) و(انفصام الشخصية) البارايونا (وهم العظمة) وغيرها.
كما يتَّضح أكثر بملاحظة العلم الذي يسميه البعض من الحكماء بـ(العلم العنائي)، من جملة أقسام ستة ذكرها في (المنظومة)(٥١)، وهو العلم الموجِد للمعلول، فإنَّ العلم كاشفٌ وليس موجِداً، فلو علمت أنَّ هذا جدار، وأنَّ الجدار لونه هكذا، فإنَّ العلم غير موجد للجدران أو اللون، بل كاشف عنه، ولكن قالوا - ولنا فيه نقاش -: أنَّ من أنواع العلم هو العلم العنائي:

وكتوهّمٍ لسقطةٍ على جذعٍ * * * عنايةً سقوطٌ حصلا(٥٢)

ويقصد بذلك: أنَّ الواقف على جذع شجرة لو تخيّل أنَّه سيقع، فإنَّ هذا التخيُّل والتوهُّم سيكون سبباً لوقوعه، وكذلك الذي يمشي في طريق ضيق في الجبل، فإنَّ الواثق من نفسه والذي لا يتخيَّل باستمرار السقوط، ولا يلقن نفسه بذلك فإنَّه لا يسقط عادة، أمَّا الخائف من السقوط فإنَّه سوف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) انظر: شرح المنظومة: ج١، ص٣٧٣، وج٣، ص٦١٠.
(٥٢) لا يخفى أنَّ صاحب المنظومة من حيث نظمه للشعر ضعيف، فكانت أشعاره ضعيفة، بعكس ابن مالك في ألفيته، شرح المنظومة: ج٢، ص٤١٤.

↑صفحة ٧٢↑

يسقط، وهذا ما يسميه بعضهم بالعلم العنائي، ولكن إطلاق العلم عليه ليس دقيقاً، بل الدقيق هو أنَّ التخيُّل المتواصل، والإيحاء الذاتي يُسبّبان فقدان التوازن، والعلم أمر والتخيل والإيحاء أمران آخران.
والحاصل: أنَّ الشخص الذي يتخيَّل السقوط ليس قاطعاً بالسقوط، بل يتخيَّل السقوط، والتخيُّل أمر والقطع بالسقوط أمر آخر، لكن هذا التخيُّل سيؤدِّي إلى السقوط وقد يتخيَّل وهمه أو ظنه قطعاً.
وكذلك مَنْ يرى الأحلام، ويقول: إنَّه قاطع أنَّ معناها كذا وكذا، فإنَّه ليس في واقع الأمر في كثير من الأحيان قاطعاً - كما يرشدنا إلى ذلك علم النفس أيضاً - بل هو خائف؛ إذ إنَّهم يخوفونه من أنَّه إذا لم يتبع الرؤيا فإنَّ بلاءً سينزل عليه، ثم إنَّ كثرة خوفه قد تولد في نفسه بالتدريج القطع بما خاف منه، فكان المنشأ لقطعه الإيحاء والخوف لا غير!
كما نجد ذلك عند بعض المخالفين، فإنَّهم يخوفون أتباعهم من مجرَّد الحديث إلى الموالين وفتح الحوار معهم، ويلقون في قلبهم الرعب وأنَّه يسبّب الفقر وذهاب البركة من عمرك؛ ولذا نجد الكثير منهم يخافون من النقاش والحوار، فهو - إذن - خوف وليس قطعاً، وواقعه هو أنَّه خائف وليس قاطعاً.
وما سبق تشخيص صغروي لكثير من الحالات، وليس بنحو الكبرى الكلية، وأنَّ كلهم من هذا القبيل، لكن معرفة ذلك تنفع أكبر النفع في استكشاف طريقة علاج الطرف الآخر، وأنَّه قد لا ينفع معه النقاش العلمي، إنَّما الذي ينفع أن تعرف أن هذا خائف، فتعالج خوفه بأساليب علم النفس، وعندئذٍ تصل إلى النتيجة المرجوة بإذن الله تعالى.
٨) قطع القطاع:
الجواب الثامن: عدم حجية قطع القطّاع وإخوته، وهناك جواب آخر

↑صفحة ٧٣↑

مبنائي، يتعلَّق بقطع القطّاع ونظائره، كمَن حصل له القطع من الطرق غير الطبيعية، فإنَّه ليس بحجَّة.
وقد رأى الشيخ (قدّس سرّه) عدم الفرق بين قطع القطاع وغيره(٥٣)، وخالفه في ذلك السيد اليزدي (رحمه الله) صاحب العروة وآخرون(٥٤).
ولهذا المبحث المبنائي مجال آخر مبني على تحقيق معنى (الحجة) وأنَّها الكاشفية أو الانكشاف أو المنجزية والمعذرية أو لزوم الإتباع أو الوقوع أوسط في القياس أو غير ذلك، ونكتفي ههنا بعبارة صاحب الفصول مع تعليقة صاحب العروة عليها، قال:
(قال (قدّس سرّه) في الفصول، في فصل البحث عن التلازم بين حكم العقل و الشرع، في باب الأدلة العقلية، في مقام الردّ على المحقّق القمّي (رحمه الله) فيما أجاب به عن استدلال المنكرين للملازمة بقوله تعالى: ﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الإسراء: ١٥) ما لفظه: وذلك لأنَّ استلزام الحكم العقلي للحكم الشرعي واقعياً كان أو ظاهرياً، مشروط في نظر العقل بعدم ثبوت منع شرعي عنده من جواز تعويله عليه، و لهذا يصحّ عقلاً أن يقول المولى الحكيم لعبده: لا تعوّل في معرفة أوامري و تكاليفي على ما تقطع به من قبل عقلك أو يؤدِّي إليه حدسك، بل اقتصر في ذلك على ما يصل منّي إليك بطريق المشافهة أو المراسلة أو نحو ذلك.
ومن هذا الباب ما أفتى به بعض المحقّقين من أنَّ القطّاع الذي يكثر قطعه بالأمارات التي لا توجب القطع عادةً يرجع إلى المتعارف ولا يعوّل على قطعه الخارج منه، فإنَّ هذا إنَّما يصحّ إذا علم القطّاع أو احتمل أنَّ تكون حجيَّة قطعه مشروطة بعدم كونه قطّاعاً، فيرجع إلى ما ذكرناه من اشتراط

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣) انظر: فرائد الأصول: ج١، ص٦٦-٦٧.
(٥٤) انظر: حاشية فرائد الأصول: ج١، ص١٣١-١٣٢؛ بداية الوصول في شرح كفاية الأصول: ج٥، ص١١٦.

↑صفحة ٧٤↑

حجيّة القطع بعدم المنع، لكن العقل قد يستقلّ في بعض الموارد بعدم ورود المنع الشرعي، لمنافاته لحكمة فعلية قطعية، وقد لا يستقل بذلك، لكن حينئذٍ يستقلّ بحجيَّة القطع في الظاهر ما لم يثبت المنع، انتهى‌(٥٥).
وكلامه هذا موافق للتحقيق الذي قد مرَّ سابقاً وسنشير إليه أيضاً من أنَّ حجيَّة القطع مجعول بجعل عقلي لا من جعل على ما اختاره المصنِّف)(٥٦).
رواية صحيحة صريحة في عدم حجيَّة الأحلام في دين الله:
وفي ختام هذا البحث، لابدَّ من نقل رواية صحيحة صريحة، تقطع دابر كل مدَّعٍ لحجية الأحلام في شؤون العقيدة أو الشريعة والحلال والحرام، والرواية هي في أعلى درجات الصحة على حسب بعض المباني، وهي معتبرة على كل المباني، والرواية وردت في الكافي الشريف(٥٧):
(عن علي بن إبراهيم القمي، عن أبيه) وكلاهما فوق أن يُوثّق؛ أمَّا (علي) فشأنه واضح، أمَّا والده (إبراهيم بن هاشم) فعلى حسب تعبير بعض علماء الرجال: فإنَّه فوق أن يوثق، إضافة إلى إكثار علي بن إبراهيم من الرواية عنه، ووروده في إسناد كامل الزيارات، وأنَّه رويت عنه (٦٤١٤) رواية في الكتب الأربعة، ولعله ليس له نظير في كثرة الرواية عنه، بل هذه بنفسها تصلح قرينة شافية لتوثيقه، وقد ادَّعى السيد ابن طاووس الإجماع على توثيقه، ومجموع ذلك يورث الاطمئنان بأعلى درجاته، بوثاقته.
(عن ابن أبي عُمير) وهو من أصحاب الإجماع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) الفصول الغروية: ص٣٤٣.
(٥٦) حاشية فرائد الأصول: ج١، ص١٣٥-١٣٦.
(٥٧) الكافي: ج٣، ص٤٨٢، ح١، علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال: ما تروي هذه الناصبة»؟ فقلت: جعلت فداك في ماذا؟ فقال: «في أذانهم وركوعهم وسجودهم»، فقلت: إنَّهم يقولون: إنَّ أُبَي بن كعب رآه في النوم، فقال: «كذبوا، فإنَّ دين الله (عزَّ وجلَّ) أعزَّ من أن يرى في النوم».

↑صفحة ٧٥↑

(عن ابن أذينة) وهو ثقة بلا كلام؛ وثّقه الشيخ الطوسي، كما عبّر النجاشي عنه بتعبير يفوق التوثيق، قال: (شيخ أصحابنا البصريين ووجههم له كتاب...)(٥٨)، وله أكثر من (٤٨٢) رواية في الكتب الأربعة، إذن فالسند لا كلام فيه.
(عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما تروي هذه الناصبة») أي: في شؤون الصلاة، كما سيظهر من الرواية نفسها (فقلت جعلت فداك، في ماذا؟ فقال (عليه السلام): «في أذانهم وركوعهم وسجودهم»؟ فقلت: إنَّهم يقولون: إنَّ أُبيّ بن كعب رآه في النوم)، أي: رأى الرسول (صلّى الله عليه وآله) في النوم وأخبره أنَّ الصلاة كذا وكذا، (فقال (عليه السلام): «كذبوا فإنَّ دين الله أعزَّ من أن يرى في النوم»).
فهذه الرواية صحيحة السند، صريحة الدلالة على أنَّ دين الله أعزّ، أي: أمنع وأعلى شأناً وأرفع من أن يرى في النوم، فليس النوم من مصادر التشريع، بل إنَّ مصادر التشريع هي الأربعة المعروفة ولا غير، ولم يذكر فقيه من الفقهاء، ولا أصولي ولا أخباري ولا محدث أنَّ من مصادر التشريع هو الأحلام، كما لم تذكره رواية من الروايات كمصدر من مصادر التشريع، بل نفى بعض صحاح الروايات أن تكون الأحلام من مصادر التشريع.
بل نقول: إنَّه لو كان(٥٩) لبان؛ لكثرة الابتلاء بالأحلام على مرِّ التاريخ؛ إذ إنَّ كل إنسان قد يرى طول عمره المئات، بل الألوف من الأحلام، فالمسألة كثيرة الابتلاء جداً، وكثيراً ما يرى الناس أحلاماً في شؤون العقيدة أو الشريعة، لكن مصادر التشريع أربعة لا غير، وهذه الرواية صريحة في المقام.
وبذلك كله ظهر: أنَّ الأحلام وإن أصابت أحياناً، بل حتَّى لو فرض كون أغلب رؤى الشخص صادقة، فإنَّها ليست بحجَّة في دين الله أبداً، نظراً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨) معجم رجال الحديث: ج١٤، ص٢٢.
(٥٩) أي: لو وجد دليل واحد على حُجيَّة الأحلام وكونها من مصادر التشريع.

↑صفحة ٧٦↑

لهذه الرواية الصحيحة وغيرها، إضافةً إلى عدم حجيَّة الظن المطلق لو حصل منها، حتَّى على الانسداد، إذ الظن المطلق المردوع عنه بخصوصه ليس حُجَّة حتَّى على الانسداد، إضافة إلى أنَّ الظنون المطلقة غير العقلائية ليست بحجَّة أنَّه حتَّى على الانسداد.
فالأحلام كالرمل والاسطرلاب والفنجان، ليس الظن الحاصل منها حُجَّة، وإن قلنا بالانسداد، وذلك لأنَّ نتيجة مقدمات الانسداد ليست مطلقة من حيث مناشئ الظنون، بل ولا من حيث مراتبها، خاصة مع وجود ما يفي بالعلم الإجمالي، فإنَّ نفس الأدلة المعتبرة على الانفتاح، كخبر الثقة وغيره مما يعتمد عليه الانفتاحي، تكون هي الحُجَّة على الانسداد، لانحلال العلم الإجمالي بها، وكونها مما يبني العقلاء عليها في البابين (الانفتاح والانسداد) دون غيرها.
وأمَّا من كانت أغلب رؤاه صادقة، فإنَّ الغلبة ليست مدار الحجية، وليست من الظنون الخاصة، بل غاية الأمر أن توجب الظن المطلق، والاستقراء الناقص غير المعلل وإن كان غالباً ليس بحُجَّة.
وقد ذكرنا في الكتاب(٦٠) تحقيق حال الروايات المستدل بها على حجيَّة الأحلام والروايات المعارضة وفقههما والمراد منها ووجوه الجمع.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمد وآله الطاهرين.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠) راجع: فقه الرؤى، دراسة في عدم حجيَّة الأحلام على ضوء الكتاب والسُنَّة والعقل والعلم.

↑صفحة ٧٧↑

العدد ١٩/ رجب / ١٤٤٦ هـ : ٢٠٢٦/٠٦/٠٣ : ٢٨ : ٠
: السيد مرتضى الحسيني الشيرازي
التعليقات:
لا توجد تعليقات.