تجليات معرفية في الخطاب المهدوي

 

 

تجلياتٌ معرفيّة في الخطاب المهدوي
 

 

علوية الحسيني

 

العتبة العباسية المقدسة
معهد تراث الأنبياء (عليهم السلام) للدراسات الحوزوية الالكترونية
 

بِسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيم
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين﴾ (القصص:٥)
صدَقَ اللهُ العليُّ العَظِيم
 

 

المحتويات

مقدمة المعهد..................٥
الإهداء..................٩
شكر وعرفان..................١١
المقدمة..................١٣
المبحث الأول: التجليات المعرفية في الخطاب المهدوي الأول..................١٧
الفقرة الأولى:..................٢١
الفقرة الثانية:..................٣٣
الفقرة الثالثة:..................٤٩
الفقرة الرابعة:..................٦٣
الفقرة الخامسة:..................٧٥
المبحث الثاني: التجليات المعرفية في الخطاب المهدوي الثاني..................٨٧
الفقرة الأولى:..................٨٩
الفقرة الثانية:..................٩٧
الفقرة الثالثة:..................١٠٣
الفقرة الرابعة:..................١١١
الفقرة الخامسة:..................١٢٣
الفقرة السادسة:..................١٣٣

الفقرة السابعة..................١٤٣
الفقرة الثامنة..................١٥٧
الفقرة التاسعة..................١٧١
الفقرة العاشرة..................١٧٩
الفقرة الحادية عشر..................١٨٧
الفقرة الثانية عشر..................٢٠٥
الفقرة الثالثة عشر..................٢١٣
الفقرة الرابعة عشر..................٢٢٧
الفقرة الخامسة عشر..................٢٣٩
الفقرة السادسة عشر..................٢٤٣
الخاتمة..................٢٥٥
المصادر والمراجع..................٢٥٩

مقدمة المعهد

معهد تراث الأنبياء، مؤسَّسة علمية حوزوية تُدرِّس المناهج الدينية المعَدَّة لطُلّاب الحوزة العلمية في النجف الأشرف.
الدراسة فيه عن طريق الانترنت وليست مباشرة.
يساهم المعهد في نشر وترويج المعارف الإسلاميَّة وعلوم آل البيت (عليهم السلام) ووصولها إلى أوسع شريحة ممكنة من المجتمع، وذلك من خلال توفير المواقع والتطبيقات الإلكترونية التي يقوم بإنتاجها كادر متخصِّص من المبرمجين والمصمِّمين في مجال برمجة وتصميم المواقع الإلكترونية والتطبيقات على أجهزة الحاسوب والهواتف الذكيَّة.
وبالنظر للحاجة الفعلية في مجال التبليغ الإسلامي النسوي فقد أخذ المعهد على عاتقه تأسيس جامعة متخصِّصة في هذا

(٥)

المجال، فتمَّ إنشاء جامعة أُمِّ البنين (عليها السلام) الإلكترونية لتلبية حاجة المجتمع وملء الفراغ في الساحة الإسلاميَّة لإعداد مبلِّغات رساليّات قادرات على إيصال الخطاب الإسلامي بطريقة علمية بعيدة عن الارتجال في العمل التبليغي.
على أنَّ المعهد لم يُهمِل الجانب الإعلامي، فبادر إلى إنشاء مركز القمر للإعلام الرقمي، الذي يعمل على تقوية المحتوى الإيجابي على شبكة الانترنت ووسائل الإعلام الاجتماعي، حيث يكون هذا المحتوى موجَّهاً لإيصال فكر أهل البيت (عليهم السلام) وتوجيهات المرجعية الدِّينية العليا إلى نطاق واسع من الشرائح المجتمعية المختلفة وبأحدث تقنيات الإنتاج الرقمي وبأساليب خطابية تناسب المتلقّي العصري.
وأحد فروع المعهد هي مدونة الكفيل، التي تهتم بنشر النتاجات الأدبية والعلمية للأقلام اليافعة والهادفة، ضمن المواضيع الإسلامية والعلمية والتربوية والاجتماعية والأدبية وكل ما من شأنه أن يساهم في زيادة الوعي الإيجابي في المجتمع.
هذا الكتاب (تجليات معرفية في الخطاب المهدوي)، مما

(٦)

نُشر على موقع المدونة على الانترنت، للكاتبة العلوية الحسيني (صانها الله تعالى)، وقد ارتأينا أن نجمعها في كتاب واحد ضمن سلسلة الإصدارات المتعلقة بما يُنشر في مدونة الكفيل.
نسأل الله (عزَّ وجلَّ) أن يجعل عملنا في عينه، وأن يتقبَّله بقبوله الحسن، إنَّه سميع مجيب.

إدارة المعهد

(٧)

الإهداء

إلى
عقيد العز
وأثيل المجد
ونصيف الشرف
رأس التوحيد
وعين العدل
ويد النبوة
وروح الإمامة
وأمل المعاد
الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)
أهدي وريقاتي القاصرة هذه، وثوابها له.

(٩)

شكر وعرفان

الشكر المتتابع لله تعالى الذي لولا توفيقه لما أقدمت على التشرف بالتأمل في خطاب إمام الزمان (عجّل الله فرجه الشريف)، حتى الممات، فله الشكر على ذلك، وما هو آت.
ولا أنسى فضل والديّ (أطال الله تعالى عمرهما في رضا وعافية)، اللذين تفضلا بتقديم بعض التوجيهات على أغلب فقرات هذا الكتاب المتواضع، فالشكر الجزيل لهما؛ حتى يصل إلى درجة البر بهما.
كذا الشكر الجزيل، والامتنان الوافر إلى مشرف مدونة الكفيل، المتولي تحقيق هذه الحلقات، المهذّب لها من الشائبات، سماحة الشيخ الأستاذ حسين عبد الرضا الأسدي (دام عزّه)، فله خالص الدعوات.

(١١)

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، حمداً نستلهم به التوفيق من حضرته، ونتهيأ به لعواطف نظرته، وصلِّ اللهم وسلّم على خلاصة الخلاصة وصفوة الصفوة من بريته وخلقه، سيّدنا محمد (صلى الله عليه واله وسلم)، وصلِ اللّهم وسلّم على أعظم من دلنا عليك، واشرف مَن وصلَ اليك، انوار الاكوان وبداية الازمان الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، أهل البيت (عليهم السلام)، وعجّل فرج قائمهم ونحن في رضا وعافية.
وبعد..
لاشك إنّ الخطاب المروي عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) له ظاهر وباطن، وقد يكون لظاهره ظاهر، ولباطنه باطن، بل بطون، وهذا يكون مدعاةً لنا لكثرة التأمل فيه؛ تبرّكًا، وتعلّمًا.

(١٣)

وخطابه (عجّل الله فرجه الشريف) لا يخلو من مضامين عالية من المعارف العقدية والفقهية والأخلاقية، مما يشكل هرمًا ثلاثيًا يدعى بالمنظومة الدّينية، التي لا يستغني الدّين عن أحدها.
وسبب اختياري لهذا الموضوع؛ لما له من أهمية جليّة في التثقيف الذاتي بظهور الخطاب المهدوي، والتثقيف المجتمعي بذلك، فضلاً عن التقرّب زلفى إلى الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بهذه البضاعة المزجاة، عسى ولعلّ يكون شفيعًا لي يوم الحساب.
كما وهناك سبب آخر، وهو وجود من يتولى الإشراف على هذه الحلقات، وتدقيقها، وقد تمثل بسماحة الشيخ حسين الأسدي (دام عزّه)، المشرف العام على مدونة الكفيل التي تولّت نشر هذه الحلقات، جزاه الله تعالى ووليه بجميع كادرها خير الدارين.
وكان وقت البدء بالحلقة الأولى، يوم الجمعة، الموافق الرابع عشر من شهر شعبان، ووقت ختام الحلقة الأخيرة، السادس والعشرين من شهر شوال، فاستغرق ما يقارب سنة ونصف بفضل الله تعالى.

(١٤)

هيكلة هذه الحلقات المتواضعة كانت على شكل مبحثين، تناولت خطابين للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، المبحث الأول انفرد بالخطاب الأول، وهو خطابٌ مع الناس، عند أول ظهوره العلني، في مكة المكرمة، واقفًا بين الركن والمقام، يدعو الناس إلى الإيمان به. فكان شرح الخطاب مقسمًا إلى خمس فقرات.
أما المبحث الثاني فانفرد بالخطاب الثاني: خطابٌ مع الله تعالى، وهو دعاء الاحتجاب، يدعو بعدّة أمور، حتى قسّمت فقرات شرحه إلى خمس عشر فقرة.
ثم ألحقت المبحثين بذكر المصادر المعتمدة، وختمته بفهرس الموضوعات.
المشاكل التي رافقت كتابة هذه الحلقات، كانت متجسدة بضيق الوقت، وحيرة في بعض الأحيان في فهم كلام المولى (عجّل الله فرجه الشريف)، ومزاحمة أعمال أخرى لهذا العمل المتواضع، ولم يكن غيرها إلاّ خيرًا من الله تعالى، وله الحمد والفضل على توفيقه.
أما الصعوبات التي رافقت هذه الحلقات فهي طرو العجز

(١٥)

عن تشخيص احتمال دون آخر يفهم من ظهور الخطاب المهدوي، مما أوجب الرجوع إلى أهل الاختصاص بالقضية المهدوية، والاستعانة بمركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام)، فتلاشت الصعوبات عندئذٍ، ولله الحمد.
أسأل الله تعالى حسن القبول، ورضاه، ورضا وليّه (عجّل الله فرجه الشريف)، وأن يجعله ذخرًا شافعًا يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه.

الكاتبة
العلوية الحسيني/ النجف الأشرف.
٢٩/ محرم الحرام/ ١٤٤٢ه.
يوم الجمعة المبارك.

(١٦)

المبحث الأول: التجليات المعرفية في الخطاب المهدوي الأول

الخطاب الأول: هو خطبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) حين أول ظهوره، ما نصّها:
"عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر الجعفي، قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام):... والقائم يومئذ بمكة، قد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيرا به ينادي: يا أيها الناس إنا نستنصر الله ومن أجابنا من الناس، وإنا أهل بيت نبيكم محمد ونحن أولى الناس بالله وبمحمد (صلَّى الله عليه وآله). فمن حاجني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، ومن حاجني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، ومن حاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، ومن حاجني في محمد (صلَّى الله عليه وآله) فأنا أولى الناس بمحمد، ومن حاجني في النبيين فأنا أولى الناس بالنبيين، أليس الله يقول في محكم كتابه ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ

(١٧)

وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فأنا بقية من آدم، وذخيرة من نوح، ومصطفى من إبراهيم، وصفوة من محمد (صلَّى الله عليه وآله)، ألا ومن حاجني في كتاب الله فأنا أولى الناس بكتاب الله، ألا ومن حاجني في سنة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فأنا أولى الناس بسنة رسول الله، فأنشد الله من سمع كلامي اليوم لما بلغ الشاهد منكم الغائب.
وأسألكم بحق الله ورسوله وبحقي - فان لي عليكم حق القربى من رسول الله - إلا أعنتمونا، ومنعتمونا ممن يظلمنا، فقد أخفنا وظلمنا وطردنا من ديارنا وأبنائنا وبغي علينا، ودفعنا عن حقنا فأوتر أهل الباطل علينا. فالله الله فينا لا تخذلونا وانصرونا ينصركم الله)(١).
أما عن سند هذه الرواية، فقد وثّق "السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في معجم رجاله الراوي عمرو بن أبي المقدام)(٢)، وقد عدّه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الاختصاص: للشيخ المفيد, ص٢٥٥- ٢٥٧.
(٢) ظ: معجم رجال الحديث - السيد الخوئي, ج١٤, رقم الراوي ٨٨٦٣, ص٨٢.

(١٨)

 "الشيخ النجاشي (قدّس سرّه) في رجاله ممن روى عن الإمام السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام))(٣).
وعن جابر الجعفي فيكفي أنّ الشيخ المفيد (قدّس سرّه) عدّه في رسالته العددية، "ممن لا مطعن فيه، ولا طريق لذمه)(٤).
وسيكون شرح هذا الخطاب ضمن الفقرات التالية:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) ظ: رجال النجاشي: للشيخ النجاشي, رقم الراوي ٧٧٧, ص٢٩٠.
(٤) ظ: معجم رجال الحديث: للسيد الخوئي, ج٤, رقم الراوي ٢٠٣٣, ص٣٣٨.

(١٩)

الفقرة الأولى:

«يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَسْتَنْصِرُ اللهَ وَمَنْ أجَابَنَا مِنَ النَّاس، وَإِنَّا أهْلُ بَيْتِ نَبِيَّكُمْ مُحَمَّدٍ وَنَحْنُ أوْلَى النَّاس بِاللهِ وَبِمُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله)"
هذا أول جزءٍ من خطبةٍ للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، يخاطب الناس في أولِ ظهورٍ علني له، "مسندًا ظهره إلى الكعبة، معرّفًا بنفسه لهم)(٥).
وكل فقرةٍ من هذا المقطع الدعائي تحتمل وجهين، أحدهما يحتمل أن يتكلم الإمام عن نفسه (عليه السلام) خصوصًا، والآخر عن أهل البيت (عليهم السلام) عموماً وهو منهم ضمنًا.
* فقوله (عليه السلام): «يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَسْتَنْصِرُ اللهَ وَمَنْ أجَابَنَا مِنَ النَّاس».
لعل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يشير فيها لأهل البيت عمومًا، فيكون مقتضى كلامه: أنّه استعمل اسلوب النداء حينما بدأ يخاطب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) الاختصاص: للشيخ المفيد, ص٢٥٦.

(٢١)

ويطلب النصرة من الله تعالى، وممن أجاب دعوته (عجّل الله فرجه الشريف)، وهي الدعوة الى الله تعالى، حيث قال "إنّا" إشارة منه إلى ديدن أهل البيت (عليهم السلام) بصورة جمعية، فهم عندما تتكالب الأعداء عليهم يطلبون النصرة من الله تعالى، ومن مواليهم، فيشكلون قوة رادعة بوجه الأعداء - وان كانوا قلة؛ فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة. وسيرة الأطهار كفيلة ببيان ذلك.
ولعل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يشير إلى شخصه الكريم، مستعملاً أسلوب التفخيم والتعظيم بقوله "إنّا" فيكون مقتضى كلامه: أنّي أيضًا أطلب النصرة من الله تعالى وممن يواليني.
يذكر أنّ أصحاب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يجيبون دعوته رغم اختلاف مناطقهم وجنسياتهم، فأين ما يكونوا يأت بهم الله تعالى عند مولاهم؛ فعن المفضَّل بن عمر، قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لقد نزلت هذه الآية في المفتقدين من أصحاب القائم (عليه السلام)، قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾(٦) إنَّهم ليُفتَقدون عن فرشهم ليلاً فيصبحون بمكّة، وبعضهم يسير في السحاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) سورة البقرة: ١٤٨.

(٢٢)

يُعرَف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه، قال: قلت: جُعلت فداك، أيّهم أعظم إيماناً؟ قال: الذي يسير في السحاب نهاراً)(٧).
* وقوله: «وَإِنَّا أهْلُ بَيْتِ نَبِيَّكُمْ مُحَمَّد»:
لعل مراد الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) هو أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم أهل بيت النبي الذي تدين به البلدة التي يكون ظهوره فيها، وهي مكة المكرمة؛ فيبدأ يعرّف بأهل البيت لطائفة تخالفه في المعتقد، لا تقول بإمامة الإمام علي والأئمة من بعده (عليهم السلام)، بل تعتقد بخلافة السقيفة.
ومن المؤكد أنه يستدل لهم بما لا يقبل الشك، وبما يؤدي إلى القطع واليقين.
ولعل مراد الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) من التعريف بنفسه كونه فردًا من أهل بيت محمد (عليهم السلام) فإنّه بدأ يعرف بنفسه (عليه السلام) بأنه من أهل البيت (عليهم السلام).
وكون المهدي من أهل البيت (عليهم السلام) هو ما دلّ عليه النقل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) كمال الدين وتمام النعمة: للشيخ الصدوق: ب٥٨، ص٦٧٢، ح٢.

(٢٣)

عند العامة والخاصة، فقد روي "عن ‏إبراهيم بن محمد ابن الحنفية، عن ‏أبيه، عن ‏علي ‏(ر)‏ ‏قال: قال رسول الله ‏(صلى الله عليه [وآله]: ‏ ‏المهدي ‌‏منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة)(٨).
كما وروي "عن النبي (ص[صلى الله عليه وآله]) أنه قال: لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلًا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطًا وعدلاً كما ملئت ظلمًا وجورا)(٩).
وروي عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: «يكون تسعة أئمة بعد الحسين بن علي تاسعهم قائمهم (عليهم السلام))(١٠).
* وقوله: «وَنَحْنُ أوْلَى النَّاس بِالله»:
لعل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يشير فيه لأهل البيت عمومًا، فيكون مقتضى كلامه: نحن أهل البيت أفضل الناس عند الله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) مسند الإمام أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل, مسند العشرة المبشرين بالجنة, مسند الخلفاء الراشدين, ومن مسند علي بن أبي طالب (ر), ج١, ح٦٤٥.
(٩) شرح سنن أبي داوود: لعبد المحسن العباد, ج٢٢٥, ص١٠.
(١٠) الخصال: للشيخ الصدوق, ص٤٨٠.

(٢٤)

وأقربهم منزلة منه، وأكثرهم معرفة به. ودليل هذا نجده في الأدعية والزيارات التي صدحت بتلك الأولوية، ففي الزيارة الجامعة الكبيرة: «مَنْ اَرادَ اللهَ بَدَأَ بِكُمْ، وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ، وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ)(١١).
فبواسطة أهل البيت (عليهم السلام) عرفنا أصول الدّين من توحيد الله تعالى وعدله ووجوب بعثته للأنبياء والأئمة ووجود معاد- وإن كان العقل أيضًا يدل على ذلك، لكن قولهم يزيد من اطمئنان الفرد وصحة ما توصل إليه عقله-.
كما بواسطتهم عرفنا التكاليف الإلهية من فروع الدّين من صلاة وصوم وحج وزكاة وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وولاية أولياء الله وبراءة من أعداء الله.
ولعله (عجّل الله فرجه الشريف) يشير إلى نفسه بالخصوص، مستعملاً ضمير التفخيم والجمع "نحن"، فيكون مقتضى كلامه: أنه أولى الناس بالله؛ كونه الإمام المجعول من الله تعالى، خليفة له على الأرض؛ كما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «الأئمة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): للشيخ الصدوق, ج١, ص٣٠٨.

(٢٥)

خلفاء الله عز وجل في أرضه)(١٢)، وإمامًا مفترض الطاعة؛ كما أفاد الإمام الصادق (عليه السلام) بأنّ الأئمة (عليهم السلام) في الطاعة واحد؛ "عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الأئمة هل يجرون في الامر والطاعة مجرى واحد؟ قال: نعم)(١٣).
ولمفردة (أولى) معانٍ عديدة، إلاّ أنّ ما يناسب سياق الخطاب هو: «أولى أفعل تفضيل بمعنى الأحرى، وخبر لمبتدأ محذوف يقدر كما يليق بمقامه)(١٤)، فالتقدير: نحن أهل البيت أولى منكم بالله تعالى، فمفردة أحرى ملازمة للأولوية كما هو ظاهر في معناها؛ "فُلَانٌ أَولى بِكَذَا أَي أَحْرى بِهِ وأَجْدَر)(١٥).
 وعلى كلا الاحتمالين في توجيه الضمير نحن - بكونه عائدًا لأهل البيت عمومًا أو للإمام المهدي (عليه وعليهم السلام) خصوصًا- فإنهم يكونون أجدر الناس عند الله ( تعالى)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) الكافي: للشيخ الكليني, ج١, باب أنّ الأئمة (عليهم السلام) خلفاء الله عزّ وجل في أرضه وأبوابه التي منها يؤتى, ص١٩٣ ,ح١.
(١٣) مصدر سابق, ج١, باب فرض طاعة الأئمة, ص١٨٧, ح٩.
(١٤) تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي, ج٢٠, ص١١٥.
(١٥) لسان العرب: لابن منظور, ج١٥, فصل الواو, ص٤٠٨.

(٢٦)

فأصبحوا أولياء الله، قال (تعالى): ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون﴾(١٦)، والأولياء في التفسير "جمع ولي، وقد أخذت في الأصل من مادة: ولي، يلي، بمعنى عدم وجود واسطة بين شيئين، وتقاربهما وتتابعهما، ولهذا يطلق على كل شيء له نسبة القرابة والقرب من شيء آخر سواء كان من جهة المكان أو الزمان أو النسب أو المقام، بأنّه ولي، ومن هنا استعملت هذه الكلمة بمعنى الرئيس والصديق وأمثال ذلك... فإِنّ أولياء الله هم الذين لا يوجد حاجب وحائل بينهم وبين الله، فقد زالت الحجب عن قلوبهم ويتقلبون في نور المعرفة والإِيمان والعمل الخالص، ويرون الله بعيون قلوبهم)(١٧)، و"تفسير تتمة الآية موكول إلى مصدره المدرج)(١٨).
 فأوّل صفةٍ وصفهم الله تعالى بها هي الإيمان به، ولعله تعالى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) سورة يونس: ٦٢-٦٣.
(١٧) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج٥, ص٥٠٦.
(١٨) مصدر سابق, ج٥, ص٥٠٦-٥١١.

(٢٧)

يشير إلى إيمان أهل البيت جميعهم به تعالى (عليهم السلام) بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وإقرارهم بالربوبية في عالم الذر، ففي عالم الذر وبعد أن خلق الله تعالى مخلوقاته بهيئة ذرات [على رأي] نثرهم وسألهم: مَن ربّكم؟ فكان أول من أجاب بالشهادة هم محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم)، فقد روي (عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ أن أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) قال: فَلَمَّا أَرَادَ الله أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ نَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ رَبُّكُمْ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلام) وَالائمَّةُ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا...)(١٩).
وأسبقيتهم على غيرهم بإقرارهم (عليهم السلام) بالربوبية لله تعالى في عالم الذر كان مقدّمة لتحميلهم العلم الإلهي، وجعلِهم أولياء على خلقه وخلفاءه على بريته. والروايات الشريفة وصفت هذا الحدث العظيم بأنّ الله تعالى جعلهم (صلوات الله عليهم) حملة عرشه؛ فقد روي "عَنْ دَاوُدَ اَلرَّقِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) عَنْ قَوْلِ اَللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ): «وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى اَلْماءِ» فَقَالَ: مَا يَقُولُونَ؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ إِنَّ اَلْعَرْشَ كَانَ عَلَى اَلْمَاءِ و

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) الكافي: للشيخ الكليني, ج١, باب العرش والكرسي, ص١٣٣, ح٧.

(٢٨)

اَلرَّبُّ فَوْقَهُ.
فَقَالَ: كَذَبُوا مَنْ زَعَمَ هَذَا فَقَدْ صَيَّرَ اَللَّهَ مَحْمُولاً ووَصَفَهُ بِصِفَةِ اَلْمَخْلُوقِ ولَزِمَهُ أَنَّ اَلشَّيْءَ اَلَّذِي يَحْمِلُهُ أَقْوَى مِنْهُ.
قُلْتُ بَيِنْ لِي جُعِلْتُ فِدَاكَ.
فَقَالَ إِنَّ اَللَّهَ حَمَّلَ دِينَهُ وعِلْمَهُ اَلْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ أَرْضٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ جِنٌّ أَوْ إِنْسٌ أَوْ شَمْسٌ أَوْ قَمَرٌ فَلَمَّا أَرَادَ اَللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ اَلْخَلْقَ نَثرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ مَنْ رَبُّكُمْ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وأَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ واَلْأَئِمَةُ صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا فَحَمَّلَهُمُ اَلْعِلْمَ واَلدِّينَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلاَئِكَةِ هَؤُلاَءِ حَمَلَةُ دِينِي وعِلْمِي وأُمَنَائِي فِي خَلْقِي وهُمُ اَلْمَسْئُولُون)(٢٠).
ومن هنا يتضح أنّ أولياء الله تعالى نتيجة رؤيتهم القلبية لحقائق الإيمان، وذوبانهم في المعارف الإلهية، وشهادتهم المباشرة لخالقهم بالربوبية، هم أولى الناس به تعالى، والإمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) مصدر سابق, ج١, باب العرش والكرسي, ص١٣٣, ح٧.

(٢٩)

المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) منهم.
وهنا لعلّ سائلًا يسأل:
هل إنّ ولاية أهل البيت (عليهم السلام) فقط على بني جنسهم؟ أي فقط على البشر من أنبياء ورسل وسائر الناس؟ أم تمتد ولايتهم الجعلية وتشمل حتى الملائكة فيكونون (عليهم السلام) أولياء على الناس والملائكة؟
جواب تلك الأسئلة يتضح من خلال تتمة الرواية المتقدمة "... ثُمَّ قَالَ [الله سبحانه وتعالى] لِبَنِي آدَمَ: أَقِرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَلِهَؤُلاَءِ اَلنَّفَرِ [النبي والأئمة (عليهم السلام)] بِالْوَلاَيَةِ وَاَلطاعَةِ. فَقَالُوا [الملائكة]: نَعَمْ رَبَّنَا أَقرَرْنَا، فَقَالَ اَللَّهُ لِلْمَلاَئِكَةِ: اِشْهَدُوا. فَقَالَتِ اَلْمَلاَئِكَةُ: شهِدْنَا...)(٢١)، فيتضح عموم ولايتهم على بني جنسهم، والملائكة.
كما أنّ أولوية أهل البيت (عليهم السلام) على غيرهم لها أسباب اخرى محل آثارها في عالم الدنيا، منها:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) مصدر سابق, ج١, باب العرش والكرسي, ص١٣٣, ح٧.

(٣٠)

١- تنزههم عن دناءة الآباء وفجور الأمهات، فأهل البيت - والإمام المهدي منهم- (عليهم السلام) معروفون بطيب المولد، والعفاف المستقيم.
٢- سلامة الخِلقة، فجميعهم (عليهم السلام) متصفون بسلامة الأبدان من التشوهات والأمراض التي تنفر الناس من الإيمان بهم كأئمة واجبي الاتباع بجعلٍ إلهي.
٣- كمال الخُلق، وسيرة الأئمة (عليهم السلام) كفيلة ببيان كمال أخلاقهم ودرجة لائقية تعاملهم مع الناس.
٤- كمال العقل، فالعقل الذي يتورع عن ارتكاب المعاصي، وتكون التقوى ملكة نفسانية لدى صاحبه، رغم امكانية فعله للمعاصي، لا يكون إلاّ عقلاً كاملاً، وهذا ما اتصف به أهل البيت (عليهم السلام).
فجميع تلك الخصائص تجعلهم (عليهم السلام) أولى الناس بالله تعالى)(٢٢). والأصل في ذلك كله هو الجعل الإلهي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل: للشيخ حسن محمد مكي العاملي, ج٣, ص٢٠٩.

(٣١)

* وقوله: «وَبِمُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله)»:
الواو حرف عطف، عطف الجملة على السابقة، والمعنى نحن أهل البيت أولى الناس بمحمد (صلى الله عليه وآله).
ولعل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يشير إلى نفسه خصوصًا مستعملاً ضمير التفخيم والجمع "نحن"، فيكون مقتضى كلامه: أنا أولى الناس بمحمد (صلى الله عليه وآله) رغم أن هذا المعنى مستبطن في الأول.
وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنَّ المَهْديَّ مِنْ عِتْرَتي، مِنْ أهلِ بَيْتي، يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، يُنْزِلُ لَهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرُها، وتُخرِجُ لَهُ الأَرْض بَذْرُها، فَيَمْلأُ الأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً، كَما مَلأَها الْقَوْمُ ظُلْماً وَجَوْرا)(٢٣)، فظاهر حديث النبي (صلى الله عليه وآله) يشير إلى أولوية عترته الذين هم ذريته، ومنها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وإذا كان أولى اختصاصًا نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله) بالقائم المهدي(عجّل الله فرجه الشريف) دون سائر الأنبياء، فهذا لازمه أن يكون الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ايضًا أولى اختصاصًا بنبي الله محمد (صلى الله عليه وآله) - ولازم ذلك سائر العترة أيضًا-.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج١, ص٢٠٤, ح١٣٨.

(٣٢)

الفقرة الثانية:

«فَمَنْ حَاجَّنِي فِي آدَمَ فَأنَا أوْلَى النَّاس بِآدَمَ، وَمَنْ حَاجَّنِي فِي نُوح فَأنَا أوْلَى النَّاس بِنُوح، وَمَنْ حَاجَّنِي فِي إِبْرَاهِيمَ فَأنَا أوْلَى النَّاس بِإبْرَاهِيمَ، وَمَنْ حَاجَّنِي فِي مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله) فَأنَا أوْلَى النَّاس بِمُحَمَّدٍ، وَمَنْ حَاجَّنِي فِي النَّبِيَّينَ فَأنَا أوْلَى النَّاس بِالنَّبِيَّينَ، ألَيْسَ اللهُ يَقُولُ فِي مُحْكَم كِتَابِهِ: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؟ فَأنَا بَقِيَّةٌ مِنْ آدَمَ، وَذَخِيرَةٌ مِنْ نُوح، وَمُصْطَفًى مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَصَفْوَةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله)".
هنا بعد أن يعرّف الإمام نفسه وأهله للعالم، يبدأ يرد على خصومه الذين حاجّوه شخصيًّا أو حاجّوا أجداده (عليهم السلام)، وحاولوا الالتفاف على أحقيتهم (عليهم السلام) في الإمامة.
والمحاجّة هي: «إلقاء الحجة قبال الحجة لإثبات المدعى أو

(٣٣)

لإبطال ما يقابله)(٢٤).
فبدأ الإمام يعدّد من حاجّوه بهم، وهم الأنبياء آدم، نوح، ابراهيم، محمد (عليهم السلام)، ثم سائر الأنبياء عمومًا.
ولمفردة (أولى) معانٍ عديدة، إلاّ أنّ ما يناسب سياق الخطاب هو: «أولى أفعل تفضيل بمعنى الأحرى، وخبر لمبتدأ محذوف يقدر كما يليق بمقامه)(٢٥)، فالتقدير: هؤلاء الأنبياء أنا أولى بهم منكم.
فبعد أن يجملَ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يبدأ يفصّل في كلامه؛ فيبيّن كيف يكون هو أولى الناس بالأنبياء، لكن قبل ذلك يستنطق من يحاجّونه، فيسألهم ببلاغةٍ واضحة؛ بصيغة الاستفهام التوبيخي بقوله: « ألَيْسَ اللهُ يَقُولُ فِي مُحْكَم كِتَابِهِ: ﴿إِنَّ اللهَ اصطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾؟
والتوبيخ هو لوم القوم، واستقباح إنكارهم له، والعيبة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) الميزان في تفسير القرآن: للعلاّمة الطباطبائي، ج٢، ص٣٤٨.
(٢٥) مصدر سابق, ج٢٠، ص١١٥.

(٣٤)

عليهم؛ إذ هذا كتاب الله تعالى بين أيديهم ولم يتدبروا بآياته، ورغم ذلك يحاجّون أولياء الله تعالى!
والمتأمل في خطاب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يجد مدى ذوبانه في كتاب الله تعالى واتقان علومه؛ بدليل أنّه (عجّل الله فرجه الشريف) لم يقل ((أليس الله يقول في كتابه)) بل أضاف قيدًا قيّد به آيات الله تعالى، فقال: ((أليس الله يقول في مُحكم كتابه))؛ لأنّ كتابه تعالى فيه من الآيات ما هي مُحكمات، وما هي مُتشابهات، والفارق بينهما مهم جدًا.
قيل: «إنّ المُحكم هو كل كلام فصيح الألفاظ صحيح المعاني، وكل بناء وثيق أو عقد وثيق لا يمكن حله فهو (محكم)، فالمحكم هو الذي يحتمل وجهاً واحداً...، وقيل هو الذي يدل معناه بوضوح لا خفاء فيه". والمُتشابَه عكس المحكم أي يحتمل النص وجوهًا عديدة. وهذا التقسيم قد ذكره الله تعالى في كتابه الكريم قائلاً: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات﴾(٢٦).
فمراد الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) أنّ القوم لو كانوا قد تدبروا بآيات الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) الاصول العامة للفقه المقارن: محمد تقي الحكيم، ص١٠١.

(٣٥)

تعالى لعرفوا مقام حجّة الله عند ظهوره بدلاً من محاججته وعدم الإيمان به.
ومحاججتهم وعدم إيمانهم بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) لا تخلو من وجهين:
١/ أنّهم يجهلون آيات الله تعالى، فتكون محاججتهم لغوًا، فوظيفة الإمام تجاههم عندئذٍ هي الإعراض عنهم؛ امتثالاً لقول ربّه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجاهِلِين﴾(٢٧)، "والمراد باللغو: لغو الكلام، بدليل تعلقه بالسمع، والمراد سقط القول الذي لا ينبغي الاشتغال به من هذر أو سب وكل ما فيه خشونة)(٢٨).
٢/ أنّهم يعلمون، بآيات الله تعالى، وعلى دراية بوجود آيات محكمات وأُخر متشابهات، وما يتلو الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) عليهم هي آية محكمة لا يشتبه في فهمها عاقل إلاّ أنّهم يجحدونها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) سورة آل عمران: ٧.
(٢٨) تفسير الميزان: للعلاّمة الطباطبائي, ج١٦, ص٥٥.

(٣٦)

ويجحدون شخص الإمام وإمامته، لكن رغم ذلك فالنصر حليف الإمام كما وعد الله تعالى في كتابه الكريم كل الرسل الذين جحد قومهم بهم وبآيات الله تعالى التي يستدلون بها، قال سبحانه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ* وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّه﴾(٢٩).
وكلام الإمام مع الصنف الثاني - الذين يعلمون بآيات الله ويجحدونها- ويبدو أنّهم مصداق لأهل الفتنة الذين يريدون تأويل الآيات المحكمة إلى متشابهة؛ حتى يشتبه ويختلط على الناس أمر الإمام فينكروه، وبالتالي حتى لا يؤمنوا به، وماذا يُرجى من النواصب ومتزلزلي العقيدة؟!
ومستند ذلك قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه﴾(٣٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) سورة القصص: ٥٥.
(٣٠) سورة الأنعام: ٣٣-٣٤.

(٣٧)

والآية المحكمة التي استدل بها الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) هي: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين﴾(٣١). وهي الآية التي سأل مخالفيه عن وجودها في كتاب الله تعالى توبيخًا لهم بعدم التفاتهم إليها قبل محاججتهم.
والاصطفاء: هو "...أخذ صفوة الشيء وتخليصه مما يكدره فهو قريب من معنى الاختيار، وينطبق من مقامات الولاية على مقام الإسلام، وهو جري العبد في مجرى التسليم المحض لأمر ربه فيما يرتضيه له)(٣٢).
"وقد ذكر سبحانه في هؤلاء المصطفين آدم ونوحًا، فأما آدم فقد اصطُفى على العالمين بأنه أول خليفة من هذا النوع الإنساني جعله الله في الأرض، قال تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾، وأول من فتح به باب التوبة...وأما آل إبراهيم فظاهر لفظه أنهم الطيبون من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) سورة آل عمران: ٣٣.
(٣٢) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي، ج٣، ص١٦٤.

(٣٨)

ذريته كإسحاق وإسرائيل والأنبياء من بني إسرائيل وإسماعيل والطاهرون من ذريته، وسيدهم محمد (صلى الله عليه وآله))(٣٣).
وبما انّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من ذرية النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) فهو مشمول بإطلاق الآية الكريمة، بالإضافة إلى الروايات - حتى في كتب المخالفين- التي أثبتت أنّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) من ذرية محمّد النبي (صلى الله عليه وآله)؛ روي عن ‏إبراهيم بن محمد ابن الحنفية، عن ‏أبيه، عن ‏علي ‏(ر)‏ ‏قال: قال رسول الله ‏(صلَّى الله عليه [وآله]): المهدي ‌‏منّا أهل البيت)(٣٤).
فضلاً عن الروايات في كتب الشيعة التي أثبتت أنّه (عجّل الله فرجه الشريف) أفضل الأئمة التسعة الذين سبقوه في الإمامة (عليهم السلام)؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عز وجل اختار من كل شيء شيئا،...واختار من الناس بني هاشم، واختارني وعليا من بني هاشم، واختار مني ومن علي الحسن والحسين، وتكملة اثني عشر إماما من ولد الحسين تاسعهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) مصدر سابق, ج٣, ص١٦٥.
(٣٤) مسند الإمام أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل, مسند العشرة المبشرين بالجنة, مسند الخلفاء الراشدين, ومن مسند علي بن أبي طالب (ر), ج١, ح٦٤٥.

(٣٩)

باطنهم، وهو ظاهرهم، وهو أفضلهم، وهو قائمهم)(٣٥).
فالله تعالى اصطفى أو انتجب المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا، والمنتجب: هو "المختار من كل شيء، وقد انتجب فلاناً إذا استخلصه، واصطفاه اختياراً على غيره)(٣٦).
وبالتالي يكون الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من المصطفَين، فهو من ذرية أهل الاصطفاء الإلهي؛ فالمتتبع لسياق الآية الكريمة التي يتلوها الإمام يجد أنّ الآية التي تليها لها ارتباط وثيق بالمضمون، حيث قال الله تعالى فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾(٣٧).
وذيل الآية الكريمة لا يخلو من نكتة عقائدية مهمة، حيث ختمت الآية بصفتين من صفات الله تعالى - السمع والعلم- وإن كانت صفة السمع تعود لعلمه تعالى - فمعنى كونه تعالى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب٤, ص٧١, ح٧.
(٣٦) لسان العرب: لابن منظور، ج١، ص٧٤٩.
(٣٧) سورة آل عمران: ٣٤.

(٤٠)

سميعًا أي يعلم بالمسموعات-.
وبالتالي فمفاد ظهور الآية الكريمة: أنّ أهل الاصطفاء هم النبي آدم، ونوح، وآل ابراهيم، وآل عمران، وذريتهما المؤمنة، وأنّ الله تعالى يعلم بوجود أجيال تجحد اصطفائية اولئك الأنبياء، أو آلهم، أو أحد ذراريهم المنصوص عليهم، وبالتالي يكون تنصيب مقام الاصطفاء إلهيًا محضًا، والراد على أمر الله تعالى ليس بمسلم.
ثم يشرع الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) ببيان سبب أولويته من الناس بأولئك الأنبياء، فبعد أن عرفنا معنى الأولى، سيتضح لنا تعليل تلك الأولوية.
* فقوله: «أنا بَقِيَّةٌ مِنْ آدَمَ»:
المراد من لفظة بقية: «ما بقي من الشيء. وقوله تعالى: بقية الله خير لكم)(٣٨). فالإمام (عجّل الله فرجه الشريف) باقٍ من الله تعالى عن طريق أول مخلوق بشري له في عالم الدنيا، وهو النبي آدم (عليه السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨) لسان العرب: لابن منظور، ج ١٤، ص٨٠.

(٤١)

لكن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) أفضل من النبي آدم (عليه السلام)؛ بلحاظ أسبقية الإمام بالإقرار بالربوبية لله تعالى قبل النبي في عالم الذر؛ ففي عالم الذر وبعد أن خلق الله تعالى مخلوقاته بهيئة ذرات [على رأي]، نثرهم وسألهم مَن ربّكم، فكان أول من أجاب بالشهادة هم محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم) فروي "عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ أن أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) قال: فَلَمَّا أَرَادَ الله أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ نَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ رَبُّكُمْ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلام) وَالائمَّةُ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا...)(٣٩).
فكون الإمام بقيّة من النبي آدم (عليه السلام) في عالم الملك، لا يعني أفضلية النبي عليه في عالم الملكوت، بل قد يكون المعنى انّ الإمام هو ما تبقّى من أول الأنبياء في عالم الملك - الدنيا-.
* وقوله: «وَذَخِيرَةٌ مِنْ نُوح»:
الاذخار هو الاختيار، أو الاتخاذ، فيقال: «واذَّخَرَهُ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) الكافي: للشيخ الكليني, ج١, باب العرش والكرسي, ص١٣٣, ح٦.

(٤٢)

اختارَهُ، أو اتَّخَذَهُّ)(٤٠). فلعلّ مقصود الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) أنّ هناك وجه مشابهةٍ بينه وبين النبي نوح (عليه السلام) بلحاظ طول عمره، واستهزاء قومه وجحودهم به.
* وقوله: «وَمُصْطَفًى مِنْ إِبْرَاهِيم»:
عرفنا أنّ الاصطفاء: هو (... أخذ صفوة الشيء وتخليصه مما يكدره فهو قريب من معنى الاختيار، وينطبق من مقامات الولاية على مقام الإسلام، وهو جري العبد في مجرى التسليم المحض لأمر ربه فيما يرتضيه له)(٤١).
فلعل مراد الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) هو أنّه مختار لأن يكون من آل ابراهيم النبي (عليه السلام) بل أفضلهم، تبعًا لأفضلية جدّه محمد (صلى الله عليه وآله) على سائر الأنبياء (عليهم السلام)، وهذا ما تسالم عليه العامة والخاصة، فروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا سيّد ولد آدم)(٤٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠) لسان العرب: لابن منظور, ج٤، ص٣٠٢.
(٤١) تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي، ج٣، ص١٦٤.
(٤٢) ظ: صحيح مسلم، كتاب الفضائل باب تفضيل نبيّنا على جميع الخلائق، ج٤, ح ٢٢٧٨.

(٤٣)

فممكن الاستدلال على اصطفائية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من خلال عدة طرق، نذكر منها اثنين:
- أما الأول فآية المباهلة التي تثبت أفضلية أهل الكساء المساوية لأفضلية النبي (عليه وعليهم السلام) إذ لم يأمر الله تعالى أحدًا من أنبيائه بالمباهلة مع آله سوى بالنبي محمد، والسيّدة الزهراء، والإمام علي، والإمامين الحسنين (عليهم السلام)، فكما أنّ سادة الإمام (عليه وعليهم السلام) اصطفاهم الله تعالى للمباهلة، اصطفاه (عجّل الله فرجه الشريف) من النبي ابراهيم (عليه السلام).
- وأما الثاني فهو صلاة النبي عيسى (عليه السلام) خلف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) عند نزول النبي من السماء في عصر الظهور، وهذا الفعل يكشف لنا اصطفائية وأفضلية الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) على النبي عيسى (عليه السلام) وهو من أنبياء أولي العزم؛ حيث روي عن أبي بصير أنّه سأل الإمام الصادق (عليه السلام) وقال له: «يا ابن رسول الله ومن القائم منكم أهل البيت؟ فقال [الإمام]: يا أبا بصير هو الخامس من ولد ابني موسى، ذلك ابن سيدة الإماء، يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون، ثم يظهره الله عز وجل فيفتح الله

(٤٤)

على يده مشارق الأرض ومغاربها، وينزل روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) فيصلى خلفه)(٤٣).
* وقوله: «وَصَفْوَةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله)»:
الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) ليس من ديدنه تكرار المفردات التي ظاهرها يشير إلى إفادتها معنى واحدًا، فلعل قائلاً يقول: هناك شبه بين (اصطفاء وصفوة). فيجاب بما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن حديث آل محمد صعب مستصعب، لا يؤمن به إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمد (صلَّى الله عليه وآله) فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه، وما اشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه فردوه إلى الله، وإلى الرسول، وإلى العالم من آل محمد)(٤٤)، فمن أراد أن ينجح في ذلك الامتحان الإلهي عليه أن يذعن ببلاغة الإمام (عجّل الله فرجه الشريف).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣) كمال الدين وتمام النعمة: للشيخ الصدوق, ج١, ب٣٣, ص٣٧٣, ح٣١.
(٤٤) الكافي: للشيخ الكليني, ج١, باب فيما جاء ان حديثهم صعب مستصعب, ص٤٠١, ح١.

(٤٥)

فهناك فارق بين الاصطفاء والصفوة، نظير ما جاء في الآية الكريمة بشأن مريم بنت عمران: ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاك﴾(٤٥)، فالاصطفاء الأول يختلف عن الثاني، "وأن قول الملائكة لمريم إن الله اصطفاك وطهرك إخبار لها بما لها عند الله سبحانه من الكرامة والمنزلة... فاصطفاؤها تقبلها لعبادة الله، قوله تعالى واصطفاك على نساء العالمين... فاصطفاؤها على نساء العالمين تقديم لها عليهن)(٤٦).
فمعنى كون الامام مصطفى من ابراهيم (عليهما السلام) هو عصمته المستمدة من النبي ابراهيم (عليه السلام).
ومعنى كونه صفوة من النبي محمد (صلى الله عليه وآله) هو أفضليته على ذرية الإمام الحسين (عليه السلام) من نسل النبي محمد (صلى الله عليه وآله).
وذلك بمقابلة الاصطفاء من النبي ابراهيم للاصطفاء الأول في الآية للسيدة مريم عليهما السلام. وبمقابلة الصفوة من النبي محمد (صلى الله عليه وآله) للاصطفاء الثاني في الآية نفسها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥) سورة آل عمران: ٤٢.
(٤٦) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي, ج٣, ص١٨٩.

(٤٦)

فلعل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يريد أن يقول: إنّه صفوة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) في وقت ظهوره، فإنه آنذاك لا صفوة للنبي سواه.
أو لعل المقصود هو أنّه (عجّل الله فرجه الشريف) الصفوة من أهل البيت (عليهم السلام)، لكن مع ضم القرينة الخارجية المنفصلة التي تدل على أفضلية أهل الكساء عليه - الإمام علي والحسنين والزهراء (عليهم السلام)- أي إنه أفضل أهل البيت (عليهم السلام) عدا أهل الكساء للقرينة الخارجية. فروي "عن أبي عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ان الله اختار من كل شيء شيئاً... إلى أن يقول: وتكملة اثني عشر إماماً من ولد الحسين تاسعهم باطنهم وهو ظاهرهم وهو أفضلهم وهو قائمهم)(٤٧).
ويكون كلامًا معتمدًا على قرينة منفصلة ويصح معها الإطلاق عليه بأنه الصفوة، ولهذا قال (عجّل الله فرجه الشريف) "صفوةٌ مِن محمد" ولم يقل "صفوة على محمد" فببلاغة كلامه استعمل مِن التبعيضية دلالةً منه على وجود مجموعة هم الصفوة وهو منهم، على أن منهم من أفضل منه، وهم محمد وعلي وفاطمة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧) الغيبة: للشيخ للنعماني، ج١, ب٤, ص٧١, ح٧.

(٤٧)

والحسنان (عليهم السلام) للقرينة الخارجية كما تقدم؛ لوصول موروث أجداده إليه بذلك؛ حيث روى الصَّدوقُ بإسناده عن الإمام الرِّضا (عليه السلام) عن آبائه عن النَّبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «الحسنُ والحسينُ خيرُ أهلِ الأرضِ بعدِي وبعدَ أبِيهِما، وأمُّهُما أفضلُ نساءِ أهلِ الأرض)(٤٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) عيون أخبار الرِّضا: للشيخ الصدوق، ج١، ح٢٥٢.

(٤٨)

الفقرة الثالثة:

«ألاَ وَمَنْ حَاجَّنِي فِي كِتَابِ اللهِ فَأنَا أوْلَى النَّاس بِكِتَابِ اللهِ، ألاَ وَمَنْ حَاجَّنِي فِي سُنَّةِ رَسُول اللهِ (صلَّى الله عليه وآله) فَأنَا أوْلَى النَّاس بِسُنَّةِ رَسُول الله»:
سبق وأن عرفنا معنى المحاججة، وهي "إلقاء الحجّة قبال الحجة لإثبات المدعى أو لإبطال ما يقابله)(٤٩)، فقد أبطل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) محاججة منكريه "حينما حاجّوه بالله تعالى، ثم بالنبي آدم، ونوح، وإبراهيم، ومحمد (عليهم السلام جميعًا وعلى آل محمد)، وبسائر الأنبياء عمومًا)(٥٠).
ففي هذا المقطع الخطابي يبطل (عجّل الله فرجه الشريف) محاججة منكريه بكتاب الله تعالى، فيقول: (ألاَ وَمَنْ حَاجَّنِي فِي كِتَابِ اللهِ فَأنَا أوْلَى النَّاس بِكِتَابِ اللهِ) فلعل منكريه يقولون له (عجّل الله فرجه الشريف) حين ظهوره، (حسبنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) الميزان في تفسير القرآن: للعلاّمة الطباطبائي، ج٢، ص٣٤٨.
(٥٠) تجليات معرفية في الخطاب المهدوي, ف٢.

(٤٩)

كتاب الله)(٥١)، أو (ارجع يا ابن فاطمة لا حاجة لنا بك)(٥٢).
وما ردّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) إلاّ قصمًا لظهر باطلهم، وتكميمًا لأفواه شياطينهم الناطقة بها ألسنتهم.
فلعل الأعداء يحاجّون الإمام بآياتٍ يزعمون أنّها متشابهة، والحال أنّها محكمة، أو يتأولون القرآن الكريم؛ كما روي عن عن الفضيل بن يسار، قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن قائمنا إذا قام استقبل من جهل الناس أشد مما استقبله رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جهال الجاهلية. قلت: وكيف ذاك؟ قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) "عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ»، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ الله". صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج النيسابوري, ج٣, كتاب الوصية, باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه, ص٢٠٩-٢٦٠, ح٢٢,٢١.
(٥٢) روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال" إذا قام القائم (عليه السلام) سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة عشر ألف نفس يدعون البترية عليهم السلاح، فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة". اعلام الورى: للشيخ الطبرسي, ج٢, ٢٨٩.

(٥٠)

والخشب المنحوتة، وإن قائمنا إذا قام أتى الناس وكلهم يتأول عليه كتاب الله يحتج عليه به)(٥٣).
بل وفي روايات أخرى أوضحت أنّ اولئك الذين يدّعون معرفةً في كتاب الله تعالى يقاتلون من يخالفهم الرأي، مع زعمهم معرفة تأويل الآيات، أو التمسك بمتشابهها، وجمودهم على ظاهرها؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إن القائم (عليه السلام) يلقى في حربه ما لم يلق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاهم وهم يعبدون الحجارة المنقورة والخشبة المنحوتة، وإن القائم يخرجون عليه فيتأولون عليه كتاب الله ويقاتلون عليه)(٥٤)، والمقاتلة قد تكون لفظية بالاحتجاج.
وما فعلهم ذلك إلاّ لزيغ قلوبهم، وابتغائهم الفتنة، وادّعائهم علم تأويل الآيات، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣)الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٧, ص٣٠٥, ح١.
(٥٤) مصدر سابق, ج١, ب١٧, ص٣٠٦, ح٣.

(٥١)

الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه﴾(٥٥)، ولهذا وصفتهم الرواية بالجهل.
ولعل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يستشهد بالآية الكريمة التالية، ويحاجج بها منكريه، قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾(٥٦)، فيبيّن لهم الهدى بعد أن أعمى بصيرتهم الضلال والجهل بكتاب الله تعالى، فيكون هو (عجّل الله فرجه الشريف) أولى الناس بكتاب الله تعالى.
إن هؤلاء المحاججين هم من المسلمين، ولكنهم قد تزلزلت عقيدتهم، فقلّ ولاؤهم، وزاغت قلوبهم، حتى باتوا يحاججون إمامهم ويطالبوه بدليلٍ قرآنيٍ يثبت به إمامته لهم.
حيث جاء في تفسير الآية أعلاه في كتب الشيعة الإمامية: «إنّ التعبير ب(أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ) بمنزلة بيان الرمز لغلبة الإسلام وانتصاره، لأنّ طبيعة «الهداية» و(دين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) سورة آل عمران: ٧.
(٥٦) سورة التوبة: ٣٢-٣٣.

(٥٢)

الحقّ) تنطوي على هذا الانتصار، ذلك أنّ الإسلام والقرآن هما النور الإلهي الذي تظهر آثاره أينما حلّ. وكراهية الكفّار والمشركين لن تستطيع أن تغيّر من هذه الحقيقة شيئاً، ولا تقف في طريق مسيرته العظيمة)(٥٧).
ومن الظريف أيضاً أنّنا نلاحظ أنّ هذه الآية قد وردت في القرآن الكريم ثلاث مرّات بتفاوت يسير: الأولى: كانت في سورة التوبة الآية؛ بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾(٥٨)، والثانية: في سورة الفتح؛ بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدا﴾(٥٩)، والثالثة؛ بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون﴾(٦٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج١٨, ص٣٠٠.
(٥٨) سورة التوبة: ٣٣.
(٩٥) سورة الفتح: ٢٨.
(٦٠) سورة الصف: ٨.

(٥٣)

ومن المسلّم أنّ النتيجة النهائية كما نعتقد سوف تكون للإسلام، وذلك عند ظهور الإمام المهدي أرواحنا فداه. إنّ هذه الآيات بذاتها دليل على هذا الظهور العظيم.
كما وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية أنه قال: «والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتى يخرج القائم (عليه السلام)، فإذا خرج القائم (عليه السلام) لم يبق كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام إلّا كره خروجه، حتى أن لو كان كافر أو مشرك في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله)(٦١).
من يرجع إلى تفاسير العامة المعتبرة عندهم للآية الكريمة أعلاه يجد أنهم فسروا الوعد الإلهي بإظهار الدّين على سائر الأديان، وشملوا ذلك في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وزمن نزول النبي عيسى (عليه السلام)، وقتل الدّجال- على فرض كونه شخصًا-، قال الطبري في تفسيره: « القول في تأويل قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١) كمال الدين وتمام النعمة: للشيخ الصدوق، ص٦٧٠، ح١٦.

(٥٤)

وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا يعني تعالى ذكره بقوله ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ) الذي أرسل رسوله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ [وآله] بالبيان الواضح، وَدِين الحَق، وهو الإسلام؛ الذي أرسله داعيا خلقه إليه ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) يقول: ليبطل به الملل كلها، حتى لا يكون دين سواه، وذلك كان كذلك حتى ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال، فحينئذ تبطل الأديان كلها، غير دين الله الذي بعث به محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ [وآله]، ويظهر الإسلام على الأديان كلها)(٦٢).
واخفاء اسم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من تفسير هذه الآية خير دليلٍ على إرادة المحاججة لأنصار الإمام أثناء غيبته، فتكون إرادتهم المحاججة عند ظهوره (عجّل الله فرجه الشريف) أمرًا غير خارج عما بنوا عليه منهجهم؛ فتفسيرهم يقول: «يظهر الله تعالى رسوله على الدّين كلّه ولو كره المشركون المعارضون حتى نزول عيسى بن مريم (عليه السلام)، فيُستبعد أن يكون عيسى النبي هو الرسول الذي يريد الله تعالى اظهاره على الدّين كلّه؛ لأنّ المتسالم عليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٢) جامع البيان: لابن جرير الطبري، ج٢٦، ص١٤١.

(٥٥)

بين أبناء العامّة أنّ عيسى النبي سيعتنق الدّين الإسلامي، وسوف يصلي صلاة المسلمين خلف مسلم - وهو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف))(٦٣)، فمن المحال أن يدعو عيسى النبي العالم إلى دين المسيحية ويظهره الله تعالى على الدّين كلّه ويكون الدّين السائد هو المسيحية.
بل لابد أن يكون المرسل الذي يظهره على الدّين كلّه يدين بالأصل بالدّين الإسلامي، وهو أفضل من عيسى النبي؛ لشرفية مقامه - حيث يصلّى عيسى النبي خلفه-، ولخاتمية دينه - فالدّين الإسلامي هو خاتم الأديان ولا دين بعده-، ولأفضلية نبيّه (صلى الله عليه وآله) - فنبي الإسلام أفضل الأنبياء وأسبقهم شهادةّ لله تعالى بالربوبية-، وذلك المرسل الظاهر على الدّين كلّه هو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). وبهذا يتضح بطلان محاججتهم، وافتضاح احدوثتهم.
* قوله: «ألاَ وَمَنْ حَاجَّنِي فِي سُنَّةِ رَسُول اللهِ (صلَّى الله عليه وآله) فَأنَا أوْلَى النَّاس بِسُنَّةِ رَسُول الله"، كما وأنه قد يكون هناك مَن يحاجج

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٣) ظ: كتاب الفتن: لنعيم حماد المروزي, ص٣٥٢.

(٥٦)

الإمام بالأحاديث النبوية الشريفة زاعمًا أنّها تنفي أن يكون هناك إمام يظهر في آخر الزمان يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا.
- وهؤلاء المحاججون قد يكونون ممن ادّعوا التشيع، لكنهم انحرفوا فكريًا مع السفياني وجيشه، فتبدّلت قلوبهم ومواقفهم، فأصبحوا خصومًا للإمام (عجّل الله فرجه الشريف)، وأخذوا يحاججونه أن يثبت لهم أنّه الإمام المهدي، أو يطالبونه بدليلٍ روائي ينص على إمامته.
وذلك لأنّ بعض مدّعي التشيع يكون إيمانهم ضعيفًا، فيلحظ عليهم التزلزلٍ في العقيدة، همجٌ رعاع، أتباع كلّ ناعق، فعندما ينعق لهم السفياني عند خروجه من منطقة درعا، يتبدل موقفهم من ولائي إلى عدائي، وإلى ذلك أشارت الروايات مسميةً ذلك اليوم بيوم الأبدال؛ أي يوم يتبدّل موقف وعقيدة الناس، فمن كان شامخ الإيمان، صلد العقيدة، ثبت ونجا، وغيره خسر وهلك. "ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في رواية طويلة: ثم يأتي [أي الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)] الكوفة... [إلى أن

(٥٧)

يقول]: حتى يأتي العذراء [أو البيداء في نسخة أخرى] هو ومن معه، وقد لحق به ناس كثير، والسفياني يومئذٍ بوادي الرملة حتى إذا التقوا، وهو يوم الأبدال يخرج أناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمد (عليهم السلام)، ويخرج أناس كانوا مع آل محمد (عليهم السلام) إلى السفياني، فهم من شيعته حتى يلحقوا بهم، ويخرج كل ناس إلى رايتهم وهو يوم الأبدال)(٦٤).
ويكفي في الرد عليهم ما روي عن أبيه الإمام العسكري (عليه السلام): «إِنَّ الإمام وَحُجَّةَ اللهِ مِنْ بَعْدي ابْني، سَمِيُّ رَسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وَكَنِيُّهُ، الذي هُوَ خاتِمُ حُجَجِ اللهِ، وَآخِرُ خُلَفائِهِ. قال: مِمَّنْ هُوَ يا بْنَ رَسُولِ اللهِ؟ قال: مِن ابْنَةِ ابْنِ قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ، أَلا إِنَّهُ سَيُولَدُ وَيَغيبُ عَنِ النّاسِ غَيْبَةً طَويلَةً ثُمَّ يَظْهَر)(٦٥).
والراد على أحد الأئمة (عليهم السلام) كالراد على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والراد على الرسول كالراد على الله تعالى، والراد على الله تعالى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٤) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي: ج٥٢، ص٢٢٤، ح٨٧.
(٦٥) إثبات الهداة: للحر العاملي، ج٥، ص٥٦٩، ب٣٠، ح٦٧٩.

(٥٨)

كافر.
وقد يكونون من أبناء العامة، أو النواصب، فالمتتبع لصحاح مروياتهم يجد عين ما صرّح به الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من مصداقية كونه المهدي، واجب الطاعة، الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، حيث روي "عن أبي سعيد الخدري،‏ ‏قال: ‏قال رسول الله ‏ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلم) ‌‏أبشركم ‏ ‏بالمهدي ‏يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ‌‏جورا ‌‏وظلما ‏ ‏ويرضي عنه ساكن السماء وساكن الأرض ويملأ الله قلوب أمة ‏ ‏محمد ‏غنى)(٦٦).
ومن خلال ذلك يمكن القول: إن الفئات المحاججة للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هم:
١- فقهاء الضلالة: كعلماء العامة، والأشخاص الذين يدّعون المرجعية، فيتصدون للفتوى الخاطئة، ويحرّضون على الفتنة، وقد جعلت بعض الروايات - على فرض صحة سندها- وجودهم كإحدى علامات الظهور؛ "فروي عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٦) مسند الإمام أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل، ١١٠٩٢.

(٥٩)

رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة المعراج أنّه قال: قال الله تعالى: (وأعطيتك أن أخرج من صلبه أحد عشر مهدياً كلهم من ذريتك من البكر البتول،... فقلت: إلهي وسيدي متى يكون ذلك؟ فأوحى الله جل وعز: يكون ذلك إذا رفع العلم، وظهر الجهل، وكثر القرّاء، وقلّ العمل، وكثر القتل، وقلّ الفقهاء الهادون، وكثر فقهاء الضلالة والخونة...)(٦٧). وحتمًا لا يخلو زمان ولا مكان من وجود أمثال أولئك.
٢- أتباع السفياني:
السفياني هو من ولد عتبة بن أبي سفيان؛ بدليل ما روي عن الإمام علي السجاد (عليه السلام): «...ثُمَّ يَخْرُجُ السُّفياني المَلْعونُ مِنَ الوادي اليابِسِ، وهُوَ مِنْ وُلْدِ عُتْبَةِ بنِ أبي سفيان...»(٦٨).
وآل سفيان لهم جذور ممتدة هناك إلى يومنا هذا، فمن المؤكد سيكون لأحدهم دور في محاججة الإمام (عجّل الله جه الشريف) ومحاولة تكذيبه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٧) كمال الدين واتمام النعمة: للشيخ الصدوق،ج١، ب٢٣، ص٢٧٩, ح١.
(٦٨) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج١، ص ٤٦٤، ح٤٣٧.

(٦٠)

٣- النواصب:
وهم الفئة التي تنصب العداء لأهل البيت (عليهم السلام). ووجودهم واضح في مكة المكرمة - موطن الظهور العلني- للإمام (عجّل الله فرجه الشريف).

(٦١)

الفقرة الرابعة:

«فَأنْشُدُ اللَّهَ مَنْ سَمِعَ كَلامِي الْيَوْمَ لَمَّا بَلَّغَ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِب»:
* قوله: «فأنشُد الله"
"النشيد: رفع الصوت... فتقول: استحلفتك بالله، وأنشدك بالله إلا فعلت: استحلفك بالله)(٦٩)، فالإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يستحلف مواليه، رافعًا صوته، طالبًا منهم أن يبلّغ شاهدهم غائبهم ما جرى، من الظهور ومجرياته.
* وقوله: «مَنْ سَمِعَ كَلامِي الْيَوْم"
"مَنْ" يخاطب بها الامام (عجّل الله فرجه الشريف) العقلاء بغض النظر عن موقفهم، موالين كانوا أم محاججين.
"سَمِعَ" أي فمَن سمع خطبة الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) قد يكون مباشرًا فيسمعه الحاضرون بحاسة السمع، وقد يكون غير مباشر،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٩) لسان العرب: لابن منظور، ج ٣، ص٤٢٢.

(٦٣)

فيسمعه الحاضرون عن طريق التلفاز، أو الانترنت، أو وسائل التكنلوجيا المتاحة في ذلك الزمن.
يذكر أن عصر التكنلوجيا لا زال في تطور مستمر، وسيتطور أكثر زمن الظهور؛ بدليل الحديث المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ المؤمن في زمان القائم (عليه السلام)، وهو بالمشرق يرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي بالمشرق)(٧٠).
فكما لم يكن متوقعًا قبل عشرات السنين أن يرى الإنسان الذي في الشرق أخاه الذي في الغرب، أو العكس، ثم تعقّل ذلك؛ نتيجة التطور التكنلوجي، فحصل ذلك بوسائل التواصل الاجتماعي، فكذلك أمْر سماعنا خطبة الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) فقد نسمعها بتلك الوسائل أو بأحدث منها؛ إذ الرواية تشير إلى تطور تكنلوجي في زمن الظهور، فبه يؤخذ.
"كَلامِي" الكلام جمع كلمات، "بلحاظ أنّ كل لغة تحتوي على كلمة بسيطة، ومركبة، وهيئة تركيبية، فالشهادة هي هيئة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٠) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج ٥٢، ص٣٩١، ح٢١٣.

(٦٤)

تركيبية تم ربط كلماتها بحروف فأصبحت جملة تامة)(٧١).
فخطاب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) هيئة تركيبية من أسماء وأفعال وحروف؛ لذلك سُمي كلمة.
"الْيَوْم" إشارة منه (عجّل الله فرجه الشريف) إلى اليوم الذي يلقى خطابه في مكة المكرمة، وهو يوم ظهوره العلني، وقد شخصته بعض الروايات بأنه يوم العاشر من شهر محرّم الحرام، "عن أبي جعفر (عليه السلام): كأني بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائمًا بين الركن والمقام، بين يديه جبرئيل (عليه السلام) ينادي: البيعة لله، فيملؤها عدلا كما ملئت ظلما وجورا)(٧٢).
نعم، بعض الروايات صرّحت أنّ يوم الظهور هو ليلة العاشر من محرم، فيكون من المحتمل أن الظهور ليلة العاشر، والبيعة يوم العاشر.
ويوم الظهور يكون يوم الجمعة، لما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧١) ظ: دروس في علم الاصول: للسيد محمد باقر الصدر، ح٢، الدليل الشرعي اللفظي, الدرس١٢, ص٦٥.
(٧٢) الغيبة: للشيخ الطوسي، ج١, ص ٤٧٣ ح٤٥٩.

(٦٥)

قال:...ويخرج قائمنا أهل البيت يوم الجمعة...)(٧٣).
وقد يُقال بالفرق بين الظهور والخروج والقيام؛ "فهناك معنيان يفهمان من لفظة الظهور للإمام المهدي (عليه السلام)، المعنى الاول: هو معروفية شخصه الشريف لمجموعة من الناس، خصوصًا أعداءه والتي تسبق عملياته العسكرية بعدة أشهر، وإليه تشير رواية "فاذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثم يخرج بعد ذلك)(٧٤).
أما المعنى الثاني الذي يفهم من لفظة الظهور، فهو الزمن الذي يكون فيه الإمام (عليه السلام) معروفًا لجميع الناس أعم من بداية المعروفية، أو الإعداد والحروب العسكرية، من قبيل ما روي "يدخل الصخري الكوفة ثم يبلغه ظهور المهدي بمكة...)(٧٥).
أما لفظة القيام للإمام المهدي (عليه السلام) وخروجه، فالكلمتان تشيران إلى قيامه بالعمليات العسكرية، والحروب، وتطهير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٣) الخصال: للشيخ الصدوق، ص٣٩٤، ح١٠١.
(٧٤) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج١, ص٤٦٤.
(٧٥) كتاب الفتن: لنعيم بن حماد المروزي, ص٢١٨.

(٦٦)

الأرض من الظالمين، وهذا ما يستفاد من الروايات من قبيل ما ورد "أنّ الملائكة... ينتظرون قيام القائم(عليه السلام) إلى وقت خروجه عليه صلوات الله والسلام)(٧٦).
والمتحصل من ذلك أنّ الظهور يستعمل مرةً استعمالاً خاصًا يشير إلى بدايات الظهور، ومرة استعمالاً عامًا، وهو الأكثر، ويشير إلى الأعم من البداية والخروج.
أما الخروج والقيام فيستعملان بمعنى واحد وهو التحرك العسكري)(٧٧).
* وقوله: «لَمَّا بَلَّغَ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِب"
"لَمَّا" ظرف زمان معناه حين.
"بَلَّغَ الشَّاهِدُ مِنْكُم" التبليغ أيضًا يكون بطريق مباشر، أو غير مباشر بواسطة وسائل الإعلام، كأن تتناقل وسائل الإعلام الأخبار. وبالتالي سيكون تكليف الشاهد هو البلاغ فقط؛ بلحاظ كونه رسولًا من الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)، وتكليف الرسول هو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٦) معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): للسيخ علي الكوراني, ج٤, ص١٦.
(٧٧) مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام).

(٦٧)

البلاغ، قال تعالى ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِين﴾(٧٨).
وإنّ من يشهد الخطاب عموم الناس، وقد استعمل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) الضمير (من) فتكون حتى النساء مشمولات بالخطاب ويكون تكليفهن الإبلاغ أيضا.
وتذكر الروايات كيفية اجتماع قادة جيش الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) البالغ عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً منهم خمسون امرأة. ففي حديث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إِذَا أُذِنَ الاِمَامُ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعِبْرَانِيِّ، فَأُتِيحَتْ لَهُ صَحَابَتُهُ الثَّلاَثُمِائَةِ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ، قَزَعٌ كَقَزَعِ الْخَرِيفِ، فَهُمْ أَصْحَابُ الاُلْوِيَةِ. مِنْهُمْ مَنْ يُفْقَدُ عَنْ فِرَاشِهِ لَيْلاً فَيُصْبِحُ بِمَكَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَى يَسِيرُ فِي السَّحَابِ نَهَاراً يُعْرَفُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَحِلْيَتِهِ وَنَسَبِهِ.
قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَيُّهُمْ أَعْظَمُ إِيمَاناً؟
قَالَ: الَّذِي يَسِيرُ فِي السَّحَابِ نَهَاراً، وَهُمُ الْمَفْقُودُونَ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعا﴾)(٧٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٨) سورة النور: ٥٤.
(٧٩) الغيبة: للشيخ النعماني، ج١, ب٢٠, ص٣٢٤، ح٣.

(٦٨)

ولعل سائلًا يتساءل: ألا يكون ذلك نوع من الإعجاز، والحال أنّ المعجزات من مختصات الأنبياء؟ فطريقة اجتماع أصحاب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) لا يدركها العقل على حد تعبير الرواية.
فيُجاب:
أولاً: لا دليل على انحصار المعجزات بالأنبياء، بل يمكن أن تجري على يد الأولياء.
ثانيًا: يمكن القول: إن المعجزة ليست هي الأمر الوحيد في طريقة جمعهم، بل "يمكن القول: إنَّ طريقة الجمع للأصحاب ستتمُّ من خلال محورين:
المحور الأوَّل: ما ذكرته الروايات الشريفة، حيث ذكرت الروايات أنَّ الأصحاب يجتمعون إليه بأمر من الله تعالى، فهناك من يُفقَد من فراشه ليلاً، ليصبح في مكّة المكرَّمة.
وأنَّ هناك من الأصحاب من يُحمَل على السحاب، ليصل إلى مكّة المكرَّمة، وهل المقصود الإعجاز بحملهم على السحاب، أو الكناية عن سفرهم بالطائرة؟ الظاهر الأوَّل،

(٦٩)

والثاني محتمل، والله العالم.
المحور الثاني: وهذا المحور نذكره كاحتمال لا أكثر: أنَّ هناك مجموعة من الأصحاب سوف يكونون في مكّة المكرَّمة، بأن يكونوا قد جاؤوا للحجِّ في عام الظهور، وعلموا بطريقة وبأُخرى بأنَّ الإمام سيظهر في العاشر من محرَّم، فأبقوا أنفسهم هناك انتظاراً لساعة الصفر.
خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنَّ النفس الزكيَّة سيُقتَل في آخر أيّام موسم الحجِّ، حيث ستكون علامة واضحة لمن ينتظر الإمام، ولا شكَّ أنَّ الأصحاب سيكونون على علم واضح بذلك)(٨٠).
"الْغَائِبَ" وهنا نستبعد أن يكون الغائبون هم قادة جيش الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)؛ لأنهم أول من يلبّي ويحضر، فيتعين أن يكون الغائب عن الحضور غيرهم.
نعم، الجميع سيعلم بقرب ظهور الإمام عن طريق الصيحة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٠) على ضفاف الانتظار: للشيخ حسين الأسدي، ص١٢٦-١٢٧.

(٧٠)

السماوية، فيكون من المتعين عليهم أن يتربصوا للظهور العلني، روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... ينادي مناد من السماء باسم القائم (عليه السلام) فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب، لا يبقى راقد إلا استيقظ، ولا قائم إلا قعد، ولا قاعد إلا قام على رجليه فزعا من ذلك الصوت، فرحم الله من اعتبر بذلك الصوت فأجاب، فإن الصوت الأول هو صوت جبرئيل الروح الأمين (عليه السلام)... حتى تسمعه العذراء في خدرها فتحرض أباها وأخاها على الخروج)(٨١)، وموعد الصيحة سيكون في شهر رمضان المبارك؛ فعنه (عليه السلام) أنه قال: «...الصيحة لا تكون إلا في شهر رمضان، لأن شهر رمضان شهر الله، والصيحة فيه هي صيحة جبرائيل إلى هذا الخلق)(٨٢).
بل وجاء تشخيص أهل البيت (عليهم السلام) بصورة أدق في تعيين يوم الصيحة؛ دفعًا للالتباس الحاصل بين تلك الصيحة وصيحة أهل الباطل، ولا ننسى أنّ الزمن سيكون آنذاك زمن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨١) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ص٢٦٠-٢٦١, ح١٣.
(٨٢) مصدر سابق, ج١, ص٢٦٠, ح١٣.

(٧١)

هرج ومرج، يفوق أهل الباطل أهل الحق عددا؛ روي عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام): «الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة ليلة ثلاث وعشرين فلا تشكوا في ذلك واسمعوا وأطيعوا، وفي آخر النهار صوت إبليس اللعين ينادي ألا إن فلانا [عثمان بن عفان] قتل مظلوما ليشكك الناس [بأنّ عليًا (عليه السلام) قد قتله وأخذ الخلافة منه] ويفتنهم، فكم ذلك اليوم من شاك متحير[يتحير في اتباع المهدي حفيد الإمام علي عليهما السلام] قد هوى في النار [إشارةً إلى إتبّاعه لعدو الله ومحاربته لولي الله]، فإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان فلا تشكوا أنه صوت جبرئيل... فاتبعوا الصوت الأول وإياكم والأخير أن تفتنوا به)(٨٣).
فالصيحة التي تُعلم الناس بقرب ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هي صيحة حقّة، جبرائيلية، سماوية. والصيحة التي تشكك الناس بالإمام هي صيحة ضلالية، إبليسية، أرضية.
ومن اتبّع الصيحة الأولى فقد فاز ونجا، ومن اتبّع الثانية فقد خسر وهلك؛ روي عن أبي جعفر (عليه السلام): «لا بد من هذين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٣) مصدر سابق, ج١, ص٢٦١, ح١٣.

(٧٢)

الصوتين قبل خروج القائم (عليه السلام): صوت من السماء وهو صوت جبرئيل، وصوت من الأرض، فهو صوت إبليس اللعين، ينادي باسم فلان أنه قتل مظلوما يريد الفتنة، فاتبعوا الصوت الأول وإياكم والأخير أن تفتتنوا به)(٨٤).
فإن قيل: ما فائدة أنّ يناشد الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) بأن يُعلم الشاهد منهم الغائب بظهوره وأنّ الصيحة قد أفهمت ذلك جميع العالم كلٌّ بلغته؟
يُجاب بنقطتين:
١- أنّ الصيحة أعلمت العالم بأنّ الحق مع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) وتأمر باتبّاعه دون أن تشير إلى زمن ظهوره، فهي مجرّد إعلام وليس إعلانًا عن الظهور. في حين أنّ خطاب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) إعلان عن ظهوره وليس إعلامًا.
٢- إنّ الصيحة تسبق الخطاب المهدوي؛ فالصيحة تحصل في شهر رمضان المبارك، والخطاب يحصل في شهر محرّم الحرام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٤) مصدر سابق, ج١, ص٢٦١, ح١٣.

(٧٣)

فيتضح أنّه حتى لو كان الغائب عن خطبة الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يعلم سابقًا بمفاد الصيحة ولم يحضر، فتكون مناشدة الإمام للحاضرين بإبلاغ الغائبين عن حضور الخطبة من باب التأكيد على ما سمعوه من الصيحة، وحاشا الإمام من أن يشوب كلامه تحصيل الحاصل الذي يزعمه البعض.

(٧٤)

الفقرة الخامسة:

«وَأسْألُكُمْ بِحَقَّ اللهِ وَرَسُولِهِ وَبِحَقَّي - فَإنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّ الْقُرْبَى مِنْ رَسُول اللهِ - إِلاَّ أعْنَتُمُونَا وَمَنَعْتُمُونَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا، فَقَدْ اُخِفْنَا وَظُلِمْنَا وَطُردْنَا مِنْ دِيَارنَا وَأبْنَائِنَا وَبُغِيَ عَلَيْنَا، وَدُفِعْنَا عَنْ حَقّنَا، فَأوْتَرَ أهْلُ الْبَاطِل عَلَيْنَا، فَاللهَ اللهَ فِينَا لاَ تَخْذُلُونَا وَانْصُرُونَا يَنْصُرْكُمُ الله"
هنا في هذا المقطع الخطابي، كلام الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) موجه إلى أنصاره، إذ مثلما يوجد من يسمع خطابه من صنف المحاججين، فكذلك يسمعه من صنف الموالين، فيطلب الدعاء منهم والمعونة، ويبين ظلامته، وظلامة أجداده (عليهم السلام).
* فقوله: «وَأسْألُكُمْ بِحَقَّ اللهِ وَرَسُولِه"
"أسألكم" السؤال هو صيغة تدل على الطلب.
وإن قيل: إنّ الإمام أعلى درجةً من مواليه - بالعصمة والجعل الإلهي- فكيف يسأل العالي الداني؟

(٧٥)

فُيقال: بأنّ السياق القرآني استخدم هذه الصيغة على لسان النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) من قبيل قوله: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلاّ المودة في القربى﴾، فها هو النبي (صلى الله عليه وآله) يسأل قومه - موالين ومعارضين- المودة في قربته. فكذا الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) في خطابه مستخدمًا إياها.
* قوله: «بِحَقَّ اللهِ" حق الله تعالى هو الإيمان بأصول وفروع دينه، والتحلي بأخلاقه المنزلة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي حفظها وبلّغها الإمام (عجّل الله فرجه الشريف).
وقد جاءت روايات معبرة عن حق الله تعالى مبيّنةً أنّ ذلك الحق هو العبادة من دون تقصير؛ فقد روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنّه قال: «...لا تخرجن نفسك من حد التقصير في عبادة الله عز وجل)(٨٥).
وأخرى بيّنت أنّ حق الله تعالى هو العلم، والعمل بالعلم؛ روي عن زرارة بن أعين، أنّه قال: «سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام): ما حق الله على العباد؟ قال: أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عند

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٥) الكافي: للشيخ الكليني, ج٢, باب الاعتراف بالتقصير, ص٧٢, ح١.

(٧٦)

ما لا يعلمون)(٨٦).
- "وَرَسُولِه" أما حق رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو طاعته، والالتزام بأحاديثه، ومن ضمنها حديث الثقلين، الذي اوصى فيه النبي (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بالثقل الاكبر - القرآن الكريم-، والثقل الأصغر - أهل البيت (عليهم السلام)-، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إني تارك فيكم الثقلين ما إنْ تمسَّكْتُم بهما لن تضلوا؛ كتاب الله المنزل وعترتي أهل بيتي)(٨٧).
* قوله: «وَبِحَقَّي فَإنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّ الْقُرْبَى مِنْ رَسُول اللهِ"
وللإمام (عجّل الله فرجه الشريف) حق خاص على مواليه، منصوص عليه من قبل جدّه رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) وهو حق القربى، فلقرابة الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)، ورجوع نسبه الطاهر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) شرافة، وتميزاً وميزة، توجب طاعته والإيمان به؛ حيث سبق وأن أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) بقربته امتثالاً لأمر إلهي، حيث قال تعالى على لسان نبيه محمد (صلى الله عليه وآله):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٦) الأمالي: للشيخ الصدوق, ص٥٠٦, ح٧٠١/ ١٤.
(٨٧) أمالي الطوسي: للشيخ الطوسي، ص١٦٢, ح٢٦٨/٢٠.

(٧٧)

﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(٨٨).
العلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه) في تفسيره لهذه الآية ذكر "أنّ الأمر الذي نَفَته الآية هو الأجرُ على تبليغ الرسالة والدعوة الدينيّة، وعن الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السّلام) أنّه خَطَب الناسَ بعد شهادة أمير المؤمنين بن عليّ (عليهما السّلام)، فقال: أنا من أهلِ البيت الذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم، فقال: قُل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّةَ في القُربى))(٨٩).
وبما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من أهل البيت (عليهم السلام)، فيشمله حق المودة في القربى. وهو (عجّل الله فرجه الشريف) يسأل الناس بحقه عليهم.
* وقوله: «إِلاَّ أعْنَتُمُونَا وَمَنَعْتُمُونَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا"
متعلق الدعاء او القسم: المعونة ودفع الأذى من الظالمين والاعانة، والمنع من أذى الأعداء يتحقق بالدفاع والنصرة عن أهل البيت (عليهم السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٨) سورة الشورى: ٢٣.
(٨٩) ظ: تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي، ج١٨, ص٤٦.

(٧٨)

* وقوله: «فَقَدْ اُخِفْنَا"
والمراد من ذلك ما خاف منه أهل البيت (عليهم السلام) من قبل أعدائهم، وهذا لا ينافي عصمتهم كخيفة النبي موسى (عليه السلام). والمتتبع لسيرة الأطهار محمد وآل محمد (عليهم السلام) يجد أنّ أعداءهم قد أخافوهم وروعوهم من أولهم إلى قائمهم.
بل ولايزال الإمام خائفًا من أعدائه؛ كما روي عن زرارة، عن عبد الملك بن أعين، قال: « سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن للقائم (عليه السلام) غيبة قبل أن يقوم.
قلت: ولم؟
قال: يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه، يعني القتل- )(٩٠).
فإن قيل إنّ الخوف ينافي العصمة، يقال إجمالاً: إنّ الخوف سنّة من سنن الأنبياء، والإمام المهدي (عليه السلام) يخاف أعداءه كما خاف النبي موسى (عليه السلام) من أعدائه آنذاك؛ "روي عن أبي بصير أنّه قال: سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول: في صاحب هذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٠) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٠, ص١٨٠, ح١٩.

(٧٩)

الأمر سنة من أربعة أنبياء: سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد (صلى الله عليه وآله).
فقلت: ما سنة موسى؟
قال: خائف يترقب)(٩١).
أما الجواب التفصيلي، "فيأتي لاحقًا إن شاء الله تعالى)(٩٢).
* وقوله: «وَظُلِمْنَا"
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُون﴾(٩٣). فجميع أعداء محمد وآل محمد (عليه وعليهم السلام) كذّبوا الله تعالى وآياته؛ تحقيقًا لمصالحهم وأهوائهم. وأشد ظلامة مرّت عليهم (عليهم السلام) هي واقعة كربلاء، وما جرى على الإمام الحسين (عليه السلام)، ونسائه، وعياله، كما هو واضح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩١) مصدر سابق, ج١, ب١٠ , ص١٦٦, ح٥.
(٩٢) راجع: المبحث الثاني, الفقرة العاشرة (وقِني جميع ما أحاذره من الظالمين).
(٩٣) سورة الأنعام: ٢١.

(٨٠)

* وقوله: «وَطُردْنَا مِنْ دِيَارنَا وَأبْنَائِنَا"
كما طُرد الإمام الحسين وأهله (عليهم السلام) من مكة المكرمة، وطرد الامام الهادي وابنه العسكري (عليهما السلام) من المدينة إلى سرّ من رأى.
* وقوله: «وَبُغِيَ عَلَيْنَا"
بغى الشّخص أي "تجاوَز الحدَّ واعْتَدى، تسلَّط وظلَم)(٩٤).
وكلّ انسانٍ يعقل انّ أشد أنواع الظلم هو الجرأة على حدود الله التي أوضحها في كتابه الكريم أو على لسان نبيّه الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله)، حيث قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(٩٥)، أي: أساء إلى حدود الله بالتعرض لسخط الله تعالى ومقته، ونيل سطوته.
فحدودُ الله هي حدود محمّد وآله (عليهم السلام)، ومَن تعدّى على تلك الحدود فهو ظالمٌ لامحالة، وقد توعّد الله تعالى الظالمين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٤) ظ: المعجم الوسيط: لابراهيم مصطفى وأحمد الزيات وحامد عبد القادر ومحمد النجار, ج١, ص٦٤.
(٩٥) سورة البقرة: ٢٢٩.

(٨١)

 بقوله تعالى: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾(٩٦). ونِعمَ به سبحانه مِن حكيمٍ ما أعدله.
* وقوله: «وَدُفِعْنَا عَنْ حَقّنَا"
وأجلى مثالٍ لذلك هو دفع من اجتمع تحت السقيفة حق الخلافة عن الإمام علي (عليه السلام). ودفع معاوية ذلك الحق للإمام الحسن (عليه السلام). ويزيد عن الإمام الحسين (عليه السلام)، وهكذا سائر الأئمة (عليهم السلام).
* وقوله: «فَأوْتَرَ أهْلُ الْبَاطِل عَلَيْنَا"
لعلّ مراد الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) قطعونا عن أهلنا بالقتل، فأوتروا أهل البيت (عليهم السلام)، كما قالت السيّدة زينب (عليها السلام) للطاغية يزيد: «وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية محمد (صلى الله عليه وآله) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت)(٩٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٦) سورة الكهف: ٨٧.
(٩٧) زينب الكبرى (عليها السلام) من المهد الى اللحد: للسيد محمد كاظم القزويني، ص٤٠١.

(٨٢)

* وقوله: «فَاللهَ اللهَ فِينَا لاَ تَخْذُلُونَا وَانْصُرُونَا يَنْصُرْكُمُ الله"
وهذا مثيل طلب الإمام الحسين (عليه السلام) النصرة من مواليه في واقعة كربلاء، حينما قال: ألا من ناصر ينصرنا.
فلعل طلب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) النصرة والمعونة من مواليه حتى يأخذ بثأر من رضي بذلك التخويف، والظلم، والطرد، والبغي، والدفع عن الحق من ذراري أعداء أهل البيت (عليهم السلام).
وبما أنّ محمدًا وآل محمد (عليهم السلام) هم أشرف خلق الله تعالى، بل هم بابه تعالى، فتكون نصرتهم نصرةً لله عزّ اسمه وتباركت قدرته؛ فمن ينصر الله فقد نصره الله، قال تعالى في كتابه الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾(٩٨).
فظاهر الآية يقول بوجود طرفين، الله تعالى، وناصر الله. وهناك طرف ثالث هو أولياء الله؛ لقرينة خارجية منفصلة، وهي آية كريمة اخرى تقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٨) سورة محمد: ٧.

(٨٣)

وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾(٩٩).
فالنصرة فرع الطاعة، فكما أنّ طاعة الله تعالى ورسوله وأولي الأمر - أهل البيت (عليهم السلام)- واجبة، كذلك نصرتهم جميعًا واجبة؛ ولازم اللازم لازم. اذًا فالثلاثية في آية النصرة محتملة كما تحتمل الثنائية.
وتتحقق النصرة أما بالقول، وأما بالفعل، وأما بالقلب؛ فأما بالقول؛ فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب نصرتنا له بنقل كلامه حين ظهوره، وكيفية محاججته لأعدائه، أو بالرد القولي على كلّ من جحد الإمام ولم يحضر خطبته (عجّل الله فرجه الشريف).
وأما بالفعل؛ فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب نصرتنا له بمحاربة الظالمين الجاحدين، ونصرة خليفة ربّ العالمين.
وأما بالقلب؛ فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب نصرتنا له بالدعاء الخفي، وهذا الاحتمال وارد لمن يعيش في بلدةٍ مكتظة بمخالفين له في العقيدة، فيشكّل مجرّد التجاهر بالدعاء بالنصرة لإمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٩) سورة النساء: ٥٩.

(٨٤)

الزمان (عجّل الله فرجه الشريف) خطرًا عليه وعلى إمامه، فكيف به لو نصره قوليًّا، أو حتى فعليّا؟!. فتتعيّن عليه النصرة القلبية.
وعلى كل حال، كأن الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) هنا يريد تذكير الناس بمظلومية أهل البيت (عليهم السلام)، ويُعلمهم أنّ الإيمان بهم إيمانٌ جمعي، فليس بمؤمن من آمن بالأئمة وأنكر القائم منهم (عليهم السلام)، ومن وقف على إمامة إمامٍ، ورغم ذلك فالإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يعطيهم فرصة للإيمان والتوبة.

(٨٥)

المبحث الثاني: التجليات المعرفية في الخطاب المهدوي الثاني

الخطاب الثاني هو الدعاء المروي عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، المسمى ب(دعاء الاحتجاب)، ما نصّه: «اللهم احجبني عن عيون أعدائي، واجمع بيني وبين أوليائي، وأنجز لي ما وعدتني، واحفظني في غيبتي إلى أن تأذن لي في ظهوري، وأحي بي ما درس من فروضك وسننك، وعجل فرجى، وسهل مخرجي واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، وافتح لي فتحا مبينا، واهدني صراطا مستقيما، وقني جميع ما أحاذره من الظالمين، واحجبني عن أعين الباغضين، الناصبين العداوة لأهل بيت نبيك، ولا يصل منهم إلي أحد بسوء، فإذا أذنت في ظهوري فأيدني بجنودك، واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيدين، وفي سبيلك مجاهدين، وعلى من أرادني وأرادهم بسوء منصورين، ووفقني لإقامة حدودك،

(٨٧)

وانصرني على من تعدى محدودك وانصر الحق وأزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا، وأورد علي من شيعتي وأنصاري ومن تقربهم العين ويشد بهم الازر، واجعلهم في حرزك وأمنك برحمتك يا ارحم الراحمين)(١٠٠).
وشرح هذا الخطاب سيكون ضمن الفقرات التالية:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٠) المصباح: للكفعمي, ص ٢١٩, ف٢٦.

(٨٨)

الفقرة الأولى:

«اللهم احجبني عن عيون أعدائي"
ابتدأ الإمام هذا المقطع بصيغة الدعاء، فنادى ربّه بقوله: «اللّهم": وهي "صيغة نداء ودعاء مثل: يا الله، حذف منها حرف النداء وعُوِّض عنه بميم مشدَّدة)(١٠١).
"احجبني" حجَبَ: الحجاب: الستر. حجبَ الشيء، يحجبه حُجبا وحِجابا، وحجبه: ستره. وقد احتجب وتحجب إذا اكتنّ من وراء حجاب)(١٠٢).
إنّ طلب الدعاء هو خير درسٍ على شدة الارتباط بالله تعالى، وهذا اخلاص عبودية الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) لله الواحد الأحد، ودليل أيضًا على فقره لله تعالى الغني عن خلقه، إذ الإمام بشر مخلوق، وكل المخلوقات فقيرة إلى خالقها، وعقيدتنا في الأئمة (عليهم السلام) "أنَّهم بشر مثلنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠١) معجم اللغة العربية المعاصرة: د. أحمد مختار عبد الحميد, ج١, ص١١٤.
(١٠٢) لسان العرب: لابن منظور, ج١, ص٢٩٨.

(٨٩)

وإنما هم عباد مكرمون، اختصّهم الله تعالى بكرامته، وحباهم بولايته)(١٠٣).
فللإمام ما لنا من قواعد البشرية المحتاجة إلى خالقها، إلّا أنّه (عجّل الله فرجه الشريف) اصطفاه الله تعالى للولاية؛ لعلمه تعالى الأزلي بأهلية الإمام لها، وشدة أورعيته عن اقتحام الشبهات وارتكاب الذنوب، لكنه رغم عصمته يتذلل لله العزيز الجبار أدبًا، واستنانًا بسنة جدّه محمد (صلى الله عليه وآله).
وطلب الإمام الاحتجاب لا يخدش كمال الإمام كمعصوم؛ فقد طلب الإمام علي (عليه السلام) الاحتجاب في دعائه الشهير "دعاء الاحتجاب)(١٠٤).
وما طلبه هذا إلّا لوجود قوّة مضادة لمساره، وهم الأعداء، وهو تصرف عقلائي يتخذه كل من رام دفع الضرر عن نفسه.
* قوله: «عن عيون أعدائي"
جرت سيرة العقلاء على أنّ المتكلم الحكيم إذا أراد أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٣) عقائد الامامية: للشيخ المظفر, ص٧٣-٧٤.
(١٠٤) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج٩١, ص٣٧٨.

(٩٠)

يتكلّم فكل ما يريده يقوله، والإمام سيّد العقلاء، فقيّد كلامه بقيدٍ احترازيٍ، وهو (عيون الأعداء)، اشارةً منه إلى الأمور التالية:
١- إنّ قلوب الأعداء لا تناله، فهي ران عليها، وكذا فطنتهم لا تدلهم على الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)، لذا قيّد كلامه بعيون أعدائه.
وسواء كان قصد الإمام عين نفس العدو، أو الجاسوس التابع للعدو، فلا فرق من هذه الناحية.
نظير احتجابه عن عيون أعدائه في الغيبة الصغرى، "حينما اختفى وغاب عن أعدائه أثناء محاصرتهم للسرداب الذي هو فيه (عجّل الله فرجه الشريف)، حتى خرج الإمام من السرداب وأميرهم قائم، فلما غاب قال: أنزلوا وخذوه. فقالوا: إنه مر عليك وما أمرت بأخذه. فقال: ما رأيته. فانصرفوا خائبين!)(١٠٥).
٢- إنّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) لم يطلب الاحتجاب عن عيون أوليائه وأتباعه، لأنّه ظاهر لهم، وغائب عنهم في آنٍ واحد، كونه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٥) الخرائج والجوارح: لقطب الدين الراوندي, ج٢, ص٩٤٢-٩٤٣.

(٩١)

حيًا، يعيش بيننا؛ فظاهرٌ لهم حيث يراهم، وهم يعيشون معه بشعورهم، وغائبٌ عنهم حيث يرونه ولا يعرفونه.
وهذه هي نظرية (خفاء العنوان)، المستمدة من الرواية التالية: «إنّ الناس يرون الامام المهدي (عليه السلام) بشخصه من دون أنْ يكونوا عارفين او ملتفتين لحقيقته)(١٠٦)؛ استنادًا إلى روايات عديدة منها: «ما روي عن الحميري، عن محمد بن عثمان العمري: والله إن صاحب هذا الامر يحضر الموسم [موسم الحج] كل سنة، فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه)(١٠٧).
٣- إنّ طلبه الاحتجاب عن عيون أعدائه، وخوفه على نفسه، لا ينافي عصمته (عليه السلام)؛ لسببين:
السبب الأول: قرآني، حيث إنّ النبي موسى (عليه السلام) قد خاف من أمرين، وأكد خوفه في مورد منفصل ثالث:
أ- خاف من تكذيب قومه له، كما قال تعالى حكايةً: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِين* قَوْمَ فِرْعَوْنَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٦) مقال الغيبة أقسامها وأسبابها: للشيخ عادل الحريري.
(١٠٧) اكمال الدين واتمام النعمة: للشيخ الصدوق, ج١, ب٤٣, ص٤٦٨, ح٧.

(٩٢)

أَلا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُون﴾(١٠٨).
ب- خاف من قومه أن يقتلوه، كما قال تعالى حكايةً عن لسان نبيّه: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُون﴾(١٠٩).
ج- إقرار النبي (عليه السلام) بالخوف حينما واجه فرعون، حيث قال تعالى حكايةً: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِين﴾(١١٠).
فحتمًا إنّ النبي موسى (عليه السلام) ما ينطق عن الهوى، فكلامه كلام الوحي، وكلام الوحي كلام الله تعالى، فيكون خوف النبي لأمر حكيم يعلمه الله تعالى، وليس خوفاً من الموت مثلاً، فلا ينافي عصمته.
وكذا وليّ الله الخاتم، الإمام القائم (عجّل الله فرجه الشريف)، خوفه من أعدائه، ولذلك طلب من الله تعالى أن يحجبه عنهم.
السبب الثاني: روائي، حيث ذكرت بعض الروايات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٨) سورة الشعراء: ١٠-١٢.
(١٠٩) سورة الشعراء: ١٤.
(١١٠) سورة الشعراء: ٢١.

(٩٣)

صريحاً مفردة الخوف؛ روي "عن زرارة، قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول إن للقايم غيبة قبل ظهوره قلت ولم؟ قال يخاف وأومأ بيده إلى بطنه قال زرارة يعنى القتل)(١١١).
فها هو الإمام الباقر (عليه السلام) يصرّح بأحد أسباب غيبة الإمام واحتجابه، وهو خوفه (عجّل الله فرجه الشريف).فلو كان نقص كمالٍ منه لما ذكره (صلى الله عليه وآله).
٤- ليبقى (عجّل الله فرجه الشريف) محافظًا على حياته؛ لأنّه بوجوده المبارك سيقضي الله تعالى على الفساد والجور والعدوان، وبه تحقيق وعد الله تعالى بأن يجعل وليّه خليفة في الأرض ولهذا طلب الاحتجاب عن عيون أعدائه؛ ليحقق لطف الله تعالى بعباده؛ حيث إنّ وجود الإمام لطفٌ لهم، والأتباع منتظرون لظهوره، بالتالي متى ما حافظ الإمام على حياته، واكتنزها ليوم الظهور، فإنّه سيحقق وعد الله تعالى.
إنّ طلب احتجاب الإمام عن عيون أعدائه ليس أمرًا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١١) علل الشرائع: للشيخ الصدوق, ج١, باب١٧٩ , ص٢٤٦, ح٩.

(٩٤)

مستحيلًا، بل هو أمر ممكن؛ حيث حصل وأن حجبه الله تعالى عن عيون أعدائه منذ غيبته الصغرى، عندما كانت تبحث عنه السلطات الظالمة آنذاك لكنها لم تعرف شكله؛ لأن الإمام العسكري (عليه السلام) كان يخفي ابنه عن أعين العامة، ولهذا استبعد جنود العدو أن يخرج الإمام من بيته، فخرج ولم يعرفه أحد منهم، وغاب غيبته الصغرى" (١١٢).
فما حصل مع الإمام سابقًا بالاحتجاب عن عيون أعدائه هو هين عند الله تعالى في زمن غيبته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٢) ظ: موجز دائرة معارف الغيبة: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه, ص١٢٦-١٢٨.

(٩٥)

الفقرة الثانية:

«واجمع بيني وبين أوليائي"
تحتمل هذه الفقرة من دعاء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) احتمالين:
الاحتمال الأول: لعلّ الإمام يشير إلى عالم الدنيا، زمن الظهور، بجمع أوليائه وأنصاره له، وكذا في زمن الرجعة حيث يرجع بعض الأموات إلى الحياة الدنيا؛ شوقًا منه (عجّل الله فرجه الشريف) إلى أوليائه وأتباعه الذين سيعاصرون زمنه، أو الذين سيرجعون للحياة الدنيا.
الاحتمال الثاني: لعلّ الإمام يشير إلى عالم الآخرة، فيكون دعاؤه طلبًا للجنة لهم، بأنْ يجمعهم الله تعالى معًا دون تفريق في الجنة، بل وتحتمل العبارة أن يكون دعاء الإمام بأنْ يجمع الله تعالى أولياءه وأتباعه معه في نفس الجنة التي يسكنها الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)، لا في الجنة فقط.
ولعل الاحتمال الأول ظاهرًا أقرب للصحة؛ لأن سياق

(٩٧)

دعائه (عجّل الله فرجه الشريف) بصدد عالم الدنيا، تحديدًا في زمن الغيبة والظهور، حيث يُتم الإمام كلامه قائلاً: «اللّهمّ احجبني عن عيون أعدائي، واجمع بيني وبين أوليائي، وأنجز لي ما وعدتني، واحفظني في غيبتي إلى أن تأذن لي في ظهوري، وأحي بي ما درس من فروضك وسننك، وعجّل فرجي وسهّل مخرجي...".
أما أولياء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، فهم كل من اتصف بصفات المؤمنين التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم، والنبي محمد، وأهل بيته (عليهم السلام) في الروايات الصادرة عنهم، فمن صفات أوليائه:
۱ - "أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة، أصحاب إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار، يزكّون أموالهم، ويحجّون البيت، ويجتنبون كلّ محرّم)(١١٣).
٢- من قدّم ما استحسن، وأمسك ما استقبح، وأظهر الجميل، وسارع بالأمر الجليل، رغبة إلى رحمة الجليل)(١١٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٣) صفات الشيعة: للشيخ الصدوق, ص٢, مما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام).
(١١٤) مصدر سابق, ص١٧, عن الإمام الصادق (عليه السلام).

(٩٨)

٣- مَن اتّقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون إلاّ بالتواضع والتخشّع، وأداء الأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم والصلاة، والبر بالوالدين، وتعهّد الجيران من الفقراء وذوي المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلاّ من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء)(١١٥).
٤- الحلماء، العلماء بالله ودينه، العاملون بطاعته وأمره، المهتدون بحبّه، أنضاء عبادة، أحلاس زهادة، صُفر الوجوه من التهجّد، عُمش العيون من البكاء، ذُبل الشفاه من الذكر، خُمص البطون من الطوى، تُعرف الربّانية في وجوههم، والرهبانية في سمتهم، مصابيح كلّ ظلمة)(١١٦).
ومعه:
■ فعلى الاحتمال الأول: يكون كل من اتصف بتلك الصفات وبالأكمل منها من أنصار الإمام عند ظهوره، وهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٥) تحف العقول: لابن شعبة الحراني , ص٢٩٥, عن الإمام الباقر (عليه السلام).
(١١٦) أمالي الطوسي: للشيخ الطوسي, ص٥٧٦, عن الإمام علي (عليه السلام).

(٩٩)

قادة جيشه البالغ عددهم (٣١٣)، بعدد قادة معركة بدر.
روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «فيقوم القائم بين الركن والمقام فيصلي.... ويجئ والله ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكة على غير ميعاد قزعا كقزع الخريف يتبع بعضهم بعضا)(١١٧).
وكذلك بقية جيشه وجميع الموالين له، ومن سيدخلون إلى الدين الإسلامي، أو الذين سيعتنقون التشيّع.
•- وهنا سؤال: كيف يجمعُ الله تعالى بين الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) وبين من مات وكان متصفًا بهذه الصفات؟
•- جوابه ضمن الاحتمالين:
■فعلى الاحتمال الأول، يرجع الله تعالى إلى الحياة الدنيا من كان متصفًا بتلك الصفات وبالأكمل منها؛ ليعيش في زمن الإمام.
وينقل لنا الشيخ الصدوق (رحمه الله) عقيدتنا في الرجعة قائلاً:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٧) معجم أحاديث الامام المهدي: للشيخ الكوراني, ج٥, ص٢١, ح١٤٥٢.

(١٠٠)

«وإنَّ الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية، اَنّ الله تعالى يُعيد عند ظهور المهدي قومًا ممن كان تقدم موته من شيعته وقومًا من أعدائه)(١١٨). فينحصرُ شوق الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) بالاجتماع بأوليائه.
نعم، تطرّقت روايات أهل البيت (عليهم السلام) إلى رجوع جماعات من الأموات إلى الحياة الدنيا في زمن ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، قد مضى على موتهم قرون، منها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «يخرج مع القائم (عليه السلام) من ظهر الكوفة سبعة وعشرون رجلاً من قوم موسى، وسبعة من أهل الكهف ويوشع بن نون وسليمان وأبو دجانة الأنصاري والمقداد ومالك الأشتر فيكونون بين يديه أنصارًا)(١١٩) فهؤلاء مشمولون بشوق الإمام لأن يجمعهم به.
■وعلى الاحتمال الثاني: فكل من كان متصفًا بتلك الصفات، وبالأكمل منها، سيكون مصيره الجنة إن شاء الله تعالى؛ لأنها أعدّت للمتقين، ووعد الله تعالى عباده المتقين بها، والله لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٨) أعيان الشيعة: للسيد محسن الأمين, ج١, ص٥٧.
(١١٩) مصدر سابق, ج٢, ص٦٥٣.

(١٠١)

يخلف وعده، قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا* لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا* تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيا﴾(١٢٠).فما إنْ حقق الله تعالى وعده للمتقين من أولياء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) فقد جمعهم مع الإمام في الجنة - نفس الجنة، أو دونها-.
وهذا هو الجمع الخالد الذي لا موت بعده، وقد وعدَ الله تعالى بخلود ساكنيها فيها؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾(١٢١)، بقطع النظر عن اسم الجنة - على اختلاف درجاتها وتسمياتها-، فاجتماع الإمام بأوليائه متحققٌ لا محالة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٠) سورة مريم: ٦١-٦٣.
(١٢١) سورة البقرة: ٨٢.

(١٠٢)

الفقرة الثالثة:

«وأنجز لي ما وعدتني"
هنا يطلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من الله تعالى أنْ يُنجز له ما وعده به؛ انطلاقًا من عقيدته بالله تعالى أنّه تعالى صادق، لا يُخلِفُ وعده أبدًا.
* قوله: «وأنجز"، إشارة إلى طلب الإتمام؛ فيقال: «أنجز الشَّيءَ: نجَزه، أتمّه، قضاه)(١٢٢).
* وقوله: «ما وعدتني"، إشارةً منه (عجّل الله فرجه الشريف) إلى الوعد بوراثة الأرض، الذي ذكره الله تعالى في كتابه الكريم في موضعين:
الأول: في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين﴾(١٢٣).
حيث جاءت أحاديث كثيرة على لسان أهل البيت (عليهم السلام) بشأن تفسير هذه الآية مؤكدةً على أنّ الله تعالى سيورثُ خلافة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٢) معجم اللغة العربية المعاصرة: لأحمد مختار عمر, ج٣, ص٢١٧٠.
(١٢٣) سورة القصص: ٥.

(١٠٣)

الأرض للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، كما روي عن الإمام علي (عليه السلام) بشأن تفسير هذه الآية أنّه قال: «هم آل محمد، يبعث الله مهديهم بعد جهدهم فيعزهم ويذل عدوهم)(١٢٤).
الثاني: في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾(١٢٥)، فالله تعالى هنا يجزم بأنّه يعطي الخلافة في الأرض للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وسيد المؤمنين اليوم، وعامل الصالحات هو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). ويؤيد تشخيص ذلك المصداق ما روي "عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزلت في القائم وأصحابه)(١٢٦).
وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «لا تقوم الساعة حتى يقوم قائم للحق منا، وذلك حين يأذن الله عز وجل له ومن تبعه نجا ومن تخلف عنه هلك الله الله عباد الله، فأتوه ولو على الثلج، فإنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٤) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج١, ص٢٠٨، ح١٤٣.
(١٢٥) سورة النور: ٥٥.
(١٢٦) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٣, ص٢٤٥, ح٣٥.

(١٠٤)

خليفة الله عز وجل وخليفتي)(١٢٧).
ويتحقق ذلك الوعد من خلال اذن الله تعالى للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالظهور ثم القيام، "المشار إلى الفرق بينهما سابقًا)(١٢٨).
وما طلب الإمام من الله تعالى لمصلحةٍ شخصية، بل تعجيلاً لفرج شيعته المضطهدين، وشوقًا منه إلى تحقيق العدل في ربوع الأرض، حيث روي عنه (عجّل الله فرجه الشريف) أنّه قال: «أكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرَجُكم)(١٢٩).
ولابد من الاشارة إلى أنّ طلب الإمام من الله تعالى تعجيل إنجاز الوعد لا ينافي عدم علم الإمام بحكمة ربه بعدم السماح له بالظهور، بل طلبه الدعائي هذا نابع من استنانه بسنة أجداده (عليهم السلام) في الإلحاح بالدعاء، حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «وَالله لا يُلِحُّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ فِي حَاجَتِهِ إِلا قَضَاهَا لَه)(١٣٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٧) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): للشيخ الصدوق, ج١, ب٣١, ص٦٥, ح٢٣٠.
(١٢٨) ظ: تجليات معرفية في الخطاب المهدوي, ف٤.
(١٢٩) كمال الدين: للشيخ الصدوق, ج١, ب٤٥, ص٥١٣, ح٤.
(١٣٠) الكافي: للشيخ الكليني, ج٢, باب الإلحاح بالدعاء, ص٤٧٥, ح٣.

(١٠٥)

▪ - وهنا سؤال: رغم إلحاح الإمام بالدعاء لماذا إلى الآن لم يستجب الله تعالى لوليّه ويُظهره؟
▪ - جوابه: إنّ لغيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) حكمتين: ظاهرة، وباطنة.
فأما الحكمة الظاهرة: فتتجلى في ما يلي:
١/ عدم الاستعداد العالمي لظهور الإمام من جميع النواحي، حيث إنّ حكومته (عجّل الله فرجه الشريف) تتطلب تهيئة البشر وإذعانهم بتخطئة مسلكهم، حكومةً وعقيدة، والواقع خير شاهد على ذلك.
٢/ عدم تكامل العقول بالعلم والمعرفة، حيث إنّ حكومة الإمام تتطلب كمالاً في جميع نواحي الحياة، والوجدان شاهد على عدم التكامل.
ذلك التكامل الذي أشار أمير المؤمنين، الإمام علي (عليه السلام) إلى تحققه في زمن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بقوله: « أَلاَ إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، كَمَثَلِ نُجُومِ السَّماَءِ: إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ

(١٠٦)

تَكَامَلَتْ مِنَ اللهِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ، وَأَتَاكُم مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُون)(١٣١)، وجاء في شرح خطبته (عليه السلام) "إنّ الصنائع هي نعم الله تعالى، وهم الأئمة (عليهم السلام)، وتتكامل صنايع الله تعالى حين ظهور آخر إمام)(١٣٢).
ومن هنا ممكن أن نستظهر أنّ الكمال لن يتحقق في يومنا هذا إلى حين ظهور الإمام الخاتم (عجّل الله فرجه الشريف).
٣/ خوف الإمام القتل على نفسه؛ روي عن زرارة قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن للغلام غيبة قبل ان يقوم، قال: قلت ولم؟ قال: يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه- )(١٣٣).
 وهذا له مدخلية بعدم اكتمال عدد أصحابه ليتولوا الدفاع عنه فيما لو مسّه الأعداء بضر، وهذا مصداقه واضح لنا، من كثرة أعداء أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم.
وأما الحكمة الباطنة: فلله تعالى في غيبه شؤون، وهذا تجسد لاختصاصه تعالى بالغيب، حيث قال في كتابه العزيز: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣١) نهج البلاغة, ج١, خ١٠٠, ص١٩٤.
(١٣٢) شرح نهج البلاغة: لابن ميثم البحراني, ج٣, ص٧.
(١٣٣) الكافي: للشيخ الكليني, ج١, باب في الغيبة , ص٣٣٧, ح٥.

(١٠٧)

 السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّه﴾(١٣٤).
ومعه، فقد يُقال: بأن علم وقت الظهور بالضبط هو من الغيب الذي اختصه الله تعالى لنفسه، والعلم الغيببي الذاتي خاص بالله تعالى، حيث روي عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف): «إني بريءٌ إلى الله وإلى رسولِه، ممّن يقول إنّا نعلم الغيب، ونشاركُه في مُلكِه، أو يُحِّلُنا محلاً سوى المحلَ الذي رضيه الله لنا)(١٣٥).
نعم، بتعليم من الله تعالى يمكن أن يطلع الإمام على ذلك، وإلى إمكان اطلاع الله تعالى بعض أوليائه على جزءٍ من علم الغيب أشار تعالى في كتابه الكريم بقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا* إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول﴾(١٣٦). فبعضُ القضايا معروفةٌ لنا وللإمام، وبعضها غيبية علينا معلومة للإمام، وبعضها خاصة بالله تعالى، ومن تلك القضايا الغائبة عنا نحن، وجهُ الحكمة في غيبة الإمام، وعدم إنجاز وعد الله تعالى إلى الآن بالأذن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٤) سورة هود: ١٢٣.
(١٣٥) الاحتجاج: للشيخ الطبرسي, ج,٢ ص٢٨٩.
(١٣٦) سورة الجن: ٢٦.

(١٠٨)

بالظهور، فتثبت الحكمة الباطنة من عدم الظهور.
نعم، يظهر من بعض الروايات أن لأهل البيت (عليهم السلام) علم ذلك، ولكن لم يؤذن لهم باطلاعنا عليه، ومن ذلك ما روي عن عبد الله بن الفضل أنّه قال: «سمعت جعفر بن محمد (الإمام الصادق (عليه السلام)) يقول: (إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابد منها يرتاب فيها كل مبطل. فقلت له: ولمَ جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم.
قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟
فقال: وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبيات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره. إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره....
يا ابن الفضل، إنَّ هذا أمرٌ من أمر الله، وسرٌ من سر الله، وغيبٌ من غيب الله. ومتى علمنا أنه (عزّ وجل) حكيمٌ صدقنا بأنَّ أفعاله كلها حكمة، وإنْ كان وجهها غير منكشف لنا)(١٣٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٧) كمال الدين وتمام النعمة: للشيخ الصدوق, ج١, ب٤٤, ص٥١٠, ح١١.

(١٠٩)

الفقرة الرابعة:

«واحفظني في غيبتي إلى أنْ تأذن لي في ظهوري"
* قوله: «احفظني" طلب من الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) بأن يصونه الله تعالى؛ فيقال: «حفِظ الشَّيءَ: صانَه، حرسَه، رعاه)(١٣٨).
* وقوله: «في غيبتي" إشارةً من الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) إلى الغيبة، صغرى كانت أو كبرى، إلا أنه الآن للكبرى أقرب؛ خصوصاً مع قوله (إلى أنْ تأذن لي في ظهوري)، فالإذن بالظهور أقرب إلى الغيبة الكبرى من الصغرى؛ لأنّ انتهاء الغيبة يتحقق بالظهور، ولا ظهور من دون غيبة سوى الظهور بعد الغيبة الكبرى.
ولم يحدد الإمام زمنًا معيّنًا في غيبته، ويطلب من الله تعالى الحفظ، إيمانًا منه بأنّ نظام الكون هو نظام العلّة والمعلول، والعلّة التامة لهذا الكون كلّه هو الله تعالى، فتتجلى حاجة معلولاته له تعالى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٨) معجم اللغة العربية المعاصرة: لأحمد مختار عمر, ج١, ص٥٢٢.

(١١١)

ومن إطلاق كلام الإمام نستفيد دروسًا عقدية في العبودية الخالصة لله الواحد الأحد، وأدب التذلل في الكلام مع الخالق. وهذا ديدن السلف من أجداده (عليهم السلام)، في طلب الحوائج من الله تعالى بتذلل؛ حيث جاء في دعاء جدّه الإمام الحسين (عليه السلام) أنّه قال: « إلهي هذا ذُلّي ظاهِرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَهذا حالي لا يَخْفى عَلَيْكَ، مِنْكَ أطْلُبُ الْوُصُولُ إلَيْكَ، وِبَكَ أسْتَدِلُّ عَلَيْكَ، فَاهْدِني بِنُورِكَ إلَيْكَ، وَأقِمْني بِصِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْك)(١٣٩).
نعم، قد يتعرض الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) إلى الضر كالمرض، والبرد، والحر، والعطش؛ فهو وإن كان معصومًا إلاّ أنّه بشرٌ مثلنا، "كما تعتقد الشيعة الإمامية )(١٤٠).
ولعله بقوله هذا أعطى درسًا بليغًا للغلاة الذين يجعلون لمقام الأئمة (عليهم السلام) مقام الألوهية، فسلك الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) مسلك أجداده الذين كانوا يحذرون من الانحراف مع الغلاة؛ حيث روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «لا تقولوا فينا ربا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٩) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج٩٥, ص٢٢٦.
(١٤٠) ظ: عقائد الامامية: للشيخ المظفر, ص٨٥.

(١١٢)

وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا )(١٤١). وبالتالي يجب الإذعان بأنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يحتاج إلى الله تعالى ولهذا طلب الحفظ في غيبته.
* وقوله: «إلى" هذا الحرف يفيد الغاية، وانسجامًا مع سياق دعاء الإمام تكون الغاية زمانية.
فيحتمل أنْ يكون المعنى: (احفظني في غيبتي حتى تأذن في ظهوري)، فظاهرًا أنّ الإمام يشير إلى درجات حفظه، فجعل حفظه في غيبته قبل ظهوره حفظًا مهمًا، يكون هو أكثر حرصًا على طلبه من الله تعالى؛ حتى ينجز له ربّه تعالى وعده الذي وعده به، وهو الاستخلاف في الأرض؛ روي عن أبي بصير، أنّه سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن تفسير قول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤١) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج٢٥، باب نفي الغلو، ص٣٤٧, ح٢٥.

(١١٣)

شَيْئا﴾(١٤٢)، فقال (عليه السلام): «نزلت في القائم وأصحابه)(١٤٣).
ويؤيد ذلك سياق دعائه (عجّل الله فرجه الشريف) بمفرداته السابقة: «اللّهمّ احجبني عن عيون أعدائي، واجمع بيني وبين أوليائي، وأنجز لي ما وعدتني"، فوحدة السياق ظاهرة في انصراف الكلام نحو مرحلة ما قبل الظهور، وحفاظًا عليها فيكون معنى (إلى) في قول الإمام "واحفظني في غيبتي إلى أن تأذن في ظهوري" بمعنى الغاية، أي احفظني قبل الظهور؛ إلحاحًا منه (عجّل الله فرجه الشريف) على الله تعالى، وقد تم بيان السبب آنفًا. وهذا لا يتنافى مع طلب حفظه زمن ظهوره، لكنه أحوج إليه زمن الغيبة.
* وقوله: «أن تأذن في ظهوري"
إنّ أمر الإذن للإمام بالظهور راجع إلى الوقت الذي يحدده الله تعالى؛ "روي عن الإمام الجواد (عليه السلام) أنّه قال: «... يجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا... فإذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٢) سورة النور: ٥٥.
(١٤٣)الغيبة: لشيخ النعماني, ج١, باب١٣, ص٢٤٥, ح٣٥.

(١١٤)

اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره)(١٤٤).نعم، بعض الروايات وصفت مجريات الظهور، وكانت على ثلاثة أصناف:
١/ روايات حددت العلامات الحتمية قبل ظهور الإمام، ومنها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة والسفياني والخسف وقتل النفس الزكية واليماني)(١٤٥).
٢/ روايات حددت وصْف سنة ظهور الإمام، منها: ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لا يخرج القائم إلا في وتر من السنين تسع وثلاث وخمس وإحدى)(١٤٦).
٣/ روايات وصفت يوم ظهور الإمام العلني، ومنها: ما "قال أبو جعفر (عليه السلام): كأني بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائمًا بين الركن والمقام،...فيملؤها عدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا)(١٤٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٤) معجم أحاديث الامام المهدي: للشيخ الكوراني, ج٥, ص٣٩, ح١٣٦٠.
(١٤٥) الكافي: للشيخ الكليني, ج٨, ص٣١٠, ح٤٨٣.
(١٤٦) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج١, ص٤٧٣, ح٤٦٠.
(١٤٧) مصدر سابق, ج١, ص٤٧٣, ح٤٥٩.

(١١٥)

لكن رغم تلك المعارف، يبقى العلم اجماليًا بالنسبة لنا؛ فيبقى هناك أمر غيبي، وهو (في أيّ سنةٍ وترية سيأذن الله تعالى بظهور الإمام؟).
هذا ما لا يعلمه إلاّ الله (سبحانه وتعالى)، لكنه تعالى لم يترك عباده سدى، فقد رسم قواعد كليّة لنبيّه الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله)، وبدوره نقلها إلى أهل بيته (عليهم السلام)، ووصلت بعضها إلينا، منها ما "روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي فيملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا)(١٤٨).
حيث أعطت هذه الرواية قاعدة حتمية بتحقق ظهور الإمام، وبثت في العباد روح الإخلاص بالعبادة، والعمل على تهذيب النفس، والاستعداد الروحي ليوم الظهور. فزرعت فيهم الأمل لمواجهة مجهولية يوم الظهور.
وأما الإمام فلا زال يترقب هلال الظهور، على مرّ العصور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٨) كمال الدين وتمام النعمة: للشيخ الصدوق, ج١, ب٣٦, ص٤٠٥, ح١.

(١١٦)

وعند التأمل في روايات الظهور، وبتحليلها ممكن أن ينقسم الظهور إلى ظهور أول سرّي أصغر، وظهور ثاني علني أكبر، "وقال بذلك بعض العلماء، مستدلين على ذلك بالروايات المعضدة لتحليلهم:
١/ الظهور العلني الأكبر
وهو ظهوره في مكّة المكرَّمة بين الركن والمقام في العاشر من محرَّم الحرام.
٢/ الظهور السري الأصغر
الذي يمكن أن يُراد من الظهور الأصغر أحد الاحتمالين التاليين:
الاحتمال الأوَّل: أن يُراد من الظهور الأصغر هو ظهور ذكره (عليه السلام) على ألسن الناس، خصوصًا بعد وقوع علامات الظهور، وأهمّها الصيحة، الأمر الذي أشارت إليه بعض الروايات الشريفة.
عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إذا نادى منادٍ من السماء: إنَّ

(١١٧)

الحقَّ في آل محمّد، فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويُشربون حبّه، فلا يكون لهم ذكر غيره»(١٤٩).
الاحتمال الثاني: أن يُراد من الظهور الأصغر هو ظهوره الابتدائي لخاصَّة شيعته في المدينة المنوَّرة)(١٥٠).
وممكن ترجيح الاحتمال الثاني؛ بلحاظ أنّ الظهور الابتدائي حقيقةً هو الظهور الأقرب إلى كونه ظهورًا- رغم صحة الاحتمال الأول-.
ومن خلال ذلك يتضح أنّ الله تعالى سيستجيب لدعاء الإمام "وأنجز لي ما وعدتني" فسيظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، ظهورًا أكبر كان أو أصغر، بل كلاهما، مع اليقين بأنّ الإمام محفوظ بحفظ الله تعالى، كيف لا؟ وقد ادّخره لزمنٍ يطفح فيه كيل الظلم والجور! ليستبدل بذلك قسطًا وعدلاً وإيمانا.
وبعد التأمل في روايات الظهور الأصغر يتضح لنا سبب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٩) كنز العمّال: للمتَّقي الهندي, ج١٤, كتاب القيامة, ص٥٨٨, ح ٣٩٦٦٥.
(١٥٠) على ضفاف الانتظار: للشيخ حسين الأسدي, ص١٨٠-١٨١.

(١١٨)

إلحاح الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالدعاء بأن يحفظه الله تعالى؛ حيث إنّ الروايات الواصلة لنا تشير إلى مهاجمة جيش السفياني للمكان الذي سيظهر به الإمام ظهورًا أوليًا سريًا، وهي المدينة المنورة؛ فروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث جابر بن يزيد الجعفي، أنّه قال: «ويبعث [أي يبعث السفياني جيشًا] بعثا إلى المدينة فيقتل بها رجلا، ويهرب المهدي والمنصور منها، ويؤخذ آل محمد (صلَّى الله عليه وآله) صغيرهم وكبيرهم، ولا يترك منهم أحد إلا حبس. ويخرج الجيش في طلب الرجلين)(١٥١).
وهناك نظرية افترضت كيفية كشف السفياني للظهور الأولي للإمام، وممارسة الإمام لمهامه بشخصيته الثانوية، غير المعلنة لجميع الناس، " فقالت: إنّ السفياني يتتبع التحركات السياسية والعقائدية وتمييز المهدوية منها من غيرها، إلى أنْ يصل لخبر ظهور الإمام، فيرسل إليه جيشًا ليعتقله)(١٥٢).
ونلاحظ هنا الخطر المحدق بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في المدينة فيما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥١) تفسير العياشي: لمحمد مسعود العياشي, ج١, ص٦٤, ح١١٧.
(١٥٢) السفياني حتم مر: للسيد جلال الموسوي, ص٧٩.

(١١٩)

لو اعتقله جيش السفياني، ولهذا نجده (أرواحنا فداه) يلح على الله تعالى بالدعاء ليحفظه، بل وابتدأ دعاءه ب"اللهم احجبني عن عيون أعدائي"، فما كشف الله تعالى شخص الإمام لجيش السفياني إلاّ لحكمةٍ بالغةٍ هو تعالى أعلم بها، ولا تعني عدم استجابة لدعاء وليّه، بل مجريات غيبه وحكمته تقتضي أن تحدث، مع أنّ الحفظ لوليّه متحقق.
لذا نجد أنّ الروايات تخبرنا بأنّ الله تعالى سيأمر الإمام بالاختفاء من المدينة، والظهور بمكة المكرمة؛ منها ما روي عن الإمام السجاد (عليه السلام) أنّه قال: «فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثم يظهر بعد ذلك)(١٥٣).
ومن بعد الظهور الأصغر يظهر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ظهورًا أكبر في مكة المكرمة، ويصله قادة جيشه، ويحاججه بعض الناس هناك؛ طالبين منه الدليل على إمامته، بل خلافته على الأرض، فيؤمن بعضهم، ويعاديه آخرون، ثم يصلي الإمام بأتباعه، ويصلي بهم العشاءين، ثم يخطب بهم؛ روي عن أبي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٣) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج١, ص٤٦٤, ح٤٣٧.

(١٢٠)

جعفر (عليه السلام): «ثم يظهر المهدي بمكة عند العشاء، ومعه راية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقميصه وسيفه، وعلامات، ونور، وبيان، فإذا صلى العشاء نادى بأعلى صوته يقول: أذكركم الله أيها الناس، ومقامكم بين يدي ربكم، فقد اتخذ الحجة، وبعث الأنبياء، وأنزل الكتاب، وأمركم أنْ لا تشركوا به شيئًا، وأنْ تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله، وأنْ تحيوا ما أحيا القرآن، وتميتوا ما أمات، وتكونوا أعوانًا على الهدى، ووزرًا على التقوى، فإنّ الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها، وآذنت بالوداع، فإنّي أدعوكم إلى الله وإلى رسوله، والعمل بكتابه، وإماتة الباطل، وإحياء سنته..)(١٥٤).
وبهذا يكون الله تعالى قد أنجز وعده، وحفظ وليّه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٤) معجم أحاديث الامام المهدي: للشيخ الكوراني, ج٣, ص٢٩٥, ح٨٣٢.

(١٢١)

الفقرة الخامسة:

«وأحي بي ما دُرِسَ من فروضك وسننك"
يواصل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) دعاءه، طالبًا من الله تعالى أن يحيي به الفرائض والسنن.
* فقوله: «أحي" يقال: «أحْياهُ: جَعَلَهُ حَيًّا)(١٥٥).
* وقوله: «ما دُرِسَ" فعل مبني للمجهول من انْدَرَسَ، أي "انْطَمَسَ)(١٥٦).
* وقوله: «من فروضك" مستخدمًا الحرف (مِن) للتبعيض، ولعلها بيانية، فتحتمل معنى (بعض فرائض الله تعالى المنطمسة)، أو إنّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يبيّن حكمها الواقعي المنطمس.
والفرض: هو "ما أَوْجَبه اللّه عزّ وجلّ، سمي بذلك لأَنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٥) القاموس المحيط: للفيروز آبادي, ج٤, ص٣٢٢.
(١٥٦) مصدر سابق, ج٢, ص٢١٥.

(١٢٣)

له مَعالِمَ وَحُدُوداً)(١٥٧).
* وقوله: «سننك" جمع سنّة، و"السُّنَّةُ (في الشرع): العملُ المحمودُ في الدين مما ليس فَرْضًا ولا واجبًا)(١٥٨).
وواقعًا هناك فرائض وسنن مندرسٌ أثرها، هي أحكام الله تعالى الواقعية، المنطمس أثرها؛ أي لم تصلنا، فيدعو الإمام ربّه بأن يحييها على يديه حين ظهوره (عجّل الله فرجه الشريف)؛ بكشفها لهم، ومنعهم من العمل بالمبتدع بها، أو المغيّر عليها - حسب القياس، أو المصالح المرسلة، أو سد الذرائع-. وبالتالي سيحصر الإمام مصادر استنباط الحكم الشرعي بالقرآن الكريم، والسنة النبوية القطعية - أقوال وأفعال وسكوت النبي وآله (عليهم السلام)-.
واندراس تلك الفرائض والسنن يرجع إلى جملة من الأسباب، "منها:
أولاً: أسباب خارجية، كغزو البلاد، أو احتلالها الذي أدى إلى تدمير العديد من المكتبات الشيعية، التي تحتوي على كتب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٧) لسان العرب: لابن منظور, ج٧, ص٢٠٢.
(١٥٨) المعجم الوسيط: لمجموعة مؤلفين, ج١, باب السين, , ص٤٥٦.         

(١٢٤)

 متضمنة للفرائض والسنن المروية عن محمدٍ وآل محمد (عليهم السلام).
ثانيًا: أسباب داخلية، كالحقد الطائفي الذي أعمى البعض وأدى بهم إلى حرق بعض تراثنا، فسبب اندراساً جزئياً لبعض الفرائض والسن)(١٥٩).
لكن بعد ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يعرّف الناس بنفسه، وبدين الله تعالى، ويطلب منه الناس الأدلة والبراهين على صدق ما يدعوهم إليه، فيقوم الإمام بوظيفته تلك، فيبلغهم معالم دين الله تعالى الواقعي، بأصوله، وفروعه، ويهذّب الموروث الروائي المنسوب إلى محمدٍ وآل محمد (صلى الله عليه وآله)؛ لذا جاء في بعض الروايات أنّه (عجّل الله فرجه الشريف) يعيد الإسلام جديدًا؛ "فعن عبد الله بن عطاء المكّي، عن شيخ من الفقهاء - يعني أبا عبد الله (عليه السلام)-، قال: سألته عن سيرة المهدي كيف سيرته؟ فقال: «يصنع كما صنع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٩) ظ: التراث المهدوي استقراء التطور الفكري في مسيرة التراث المهدوي الشيعي: لمجتبى السادة, ف١١, ص٢٤٩-٢٥٠.

(١٢٥)

أمر الجاهلية، ويستأنف الإسلام جديداً)(١٦٠).
والتجديد لازمه الاحياء، فيُحيي ما اندرس من الفرائض والسنن المعطلة. ولا مناص من كونها معطلة، وإلاّ ما الغاية من إحياء الإمام لفريضة أو سنة متبعة!
والدليل على ذلك التجديد ما نقرأه في فقرات دعاء العهد: «واجعله اللهم... ومجددًا لما عطل من أحكام كتابك)(١٦١).
فظاهر مفردة التجديد هو (غير) أحكام الدّين التي نحن عليها، وإلاّ فالدّين الإسلامي هو هو، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَام﴾(١٦٢)، وبالتالي لابد من معرفة ما هو التجديد الذي سيقوم به الإمام المهدي (عجّل الله فرجع الشريف) في الدّين.
ذلك "التجديد يحتمل عدّة أوجه)(١٦٣):
١- التجديد بإحياء علوم الدّين الواقعية، التي هي عند

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٠) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٣, ص٢٣٤, ح١٣.
(١٦١) مفاتيح الجنان: للشيخ القمي, دعاء العهد, ص٦٠٣.
(١٦٢) سورة الرعد: ١٩.
(١٦٣) ظ: شذرات مهدوية: للشيخ حسين الأسدي, الشذرة٢٠, ص٢٦٥-٢٧٢.

(١٢٦)

الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، أما ما عندنا اليوم من علوم فأغلبها ظاهرية؛ أي أنها ممكن أن تصيب الواقع، وممكن أن لا تصيبه، "لكننا معذورون شرعًا أمام الله تعالى لو اتضح عدم اصابة أحكامنا الواقع؛ لأنّنا لم نقتحم الشبهة حال الشك بالحكم الواقعي، فالفقيه معذور شرعًا؛ لأنّه اجتهد وفق دليل ظني قد جعل الشارع المقدس له الحجية، فاستنبط حكمًا ظاهريًا بديلاً عن الواقعي المشكوك، وحدد وظيفة كلّ مكلّفٍ تجاه ربّه، وكذا المكلف معذور شرعًا؛ لأنّه لم يقتحم الشبهة، أي لم يرتكب ما هو مشكوك في حرمته، ولم يترك ما هو مشكوك في وجوبه)(١٦٤).
٢- التجديد ببيان معالم دين الله تعالى جميعها، التي تعمّد مخالفوه وضع الأحاديث ودسّها ونسبتها للنبي وآله (عليهم السلام)، فيأتيهم الإمام بمعالم دينٍ حقيقية غير محرّفة، صادقة غير مكذوبة، منجية غير مهلكة، فيرونَ الدّين بحلّته الجديدة.
٣- التجديد ببيان ما نسيَ بيانه بعض الرواة؛ نتيجة الظروف القاهرة التي أصابت التراث الشيعي من الحرق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٤) ظ: اصول الفقه, للسيد محمد باقر الصدر, ج٣, ص٢٦.

(١٢٧)

والإتلاف آنذاك.
٤- التجديد باعتبار (الإمامة) أصلاً من أصول الدّين، فيرى منكروها الدّين جديدًا.
٥- التجديد من خلال القضاء على البدع التي يثيرها المغرضون ضد الدّين الإسلامي؛ بإدخال ما ليس من الدّين فيه، أو بإحياء بدعة وإماتة سنة، فيغيرّون بالدّين تعمدًا، وهنا يظهر دور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ كما جاء في دعاء الاستغاثة به: «اللهم جدد به ما محي من دينك وأحيي به ما بدل من كتابك وأظهر به ما غُيِّر من حكمك حتى يعود دينك به وعلى يديه غضاً جديداً خالصاً مخلصاً لا شك فيه ولا شبهة معه ولا باطل عنده ولا بدعة لديه)(١٦٥).
وبعد معرفة كيفية تجديد الدين على يدي الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، ينبغي معرفة كيف سيُحيي ما جدّد من الفرائض والسنن.
فمن يتأمل في ظاهر الحديث المروي عن الهروي حينما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٥) المزار: لمحمد بن المشهدي, ص٦٦٩.

(١٢٨)

سمع الإمام الرضا (عليه السلام) يقول: «أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا. قال له: يا بن رسول الله وكيف يحيا أمركم؟ قال: أن يتعلم علومنا ويعلمها الناس؛ فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا)(١٦٦)، يحكم عقلاً بأنّ جذر هذا الحديث راجع إلى آباء الإمام الرضا (عليه السلام)؛ فمروياته مرويات محمد وآله (عليهم السلام)، وبما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ضمن الآل، فتعيّن أنّه سيعلّم الناس علوم أجداده (عليهم السلام) الواقعية.
وبما أنّنا نعتقد أنّ قول وفعل وسكوت المعصوم حجّة، وأنّ إحياء علوم الدّين لا يكون إلاّ من خلال القول تبليغًا، والفعل امتثالاً، والسكوت تطبيقًا، فتكون الفريضة والسنة المتجددتان حجّة على العباد آنذاك.
إذًا كل اطر العملية التبليغية التي سيقوم بها بهدف تعليم الناس علوم محمد وآل محمد (عليهم السلام)، يعدّ إحياءً لعلوم الدّين؛ لذا نجد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، المبلغ الرسالي، أُلقي على عاتقه مهمة الأنبياء - تبليغ رسالات السماء-، وإحياء الدّين، كسلفه (عليهم السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٦) عيون أخبار الرضا: للشيخ الصدوق, ج٢, ب٢٨ , ص٢٧٥, ح٦٨.

(١٢٩)

إلاّ أنّ إحياءه للدّين سيكون مختلفًا نوعًا ما عن إحياء أجداده (عليهم السلام)؛ نظرًا لطول غيبته (عجّل الله فرجه الشريف) التي استغلها البعض في إماتة السنن، وإحياء البدع، بل وتبديل دين الله تعالى الواقعي، على اختلاف مذاهبهم الفقهية.
ولازم دعاء الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) أنّه يحيي أيضًا أصول الدّين؛ لأنّه لا عمل بفروع الدّين ما لم يتم الإيمان بأصوله؛ فحين ظهوره سيبلّغ الناس العقيدة الحقّة، بتنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق بساحة جلالته، مما نسبت إليه الأديان والمذاهب والفرق الضالة، وكذا يبلغهم حقيقة العدل الإلهي، ويبطل الجبر والتفويض الذي قالت به بعض الفرق الكلامية، ويثبت أصالة الإمامة بين أصول الدّين، ودورها الرابط والمهم، ويعرّج على المعاد، ويشير إلى حقائق لم تكن تطرق اسماع البعيدين عن عقيدة محمد وآل محمد (عليهم السلام)؛ لأنّهم لم يستمدوا علومهم من العترة المحمدية (عليهم وعلى سيدهم السلام).
كما ويلزم من دعائه (عجّل الله فرجه الشريف) أنّه سيُحيي أخلاق الدّين المندرسة بسبب تشتت الأهواء، والابتعاد عن الأخلاق القويمة في زمن

(١٣٠)

الغيبة؛ نتيجة الفتن، والابتلاءات التي انجرف معها كثيرون.
وإلاّ فكيف يُحيي الإمام الفرائض والسنن المندرسة وأخلاقهم ليست أخلاقًا محمدية؟!
إذًا فالهرم المعرفي الثلاثي (اصول الدّين، وفروعه، وأخلاقه) لا يمكن تثنيته، ولا توحيده بالإحياء.

(١٣١)

الفقرة السادسة:

«وعجِّل فرجي وسهِّل مخرجي"
* قوله: «وعجِّل" فعلٌ صيغته مشدّدة، والأصل: «عَجِلَ عَجِلَ عَجَلاً، وهو بمعنى الإسراع، وجاء في القرآن الكريم: ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ أي أسرعتُ إلى طاعتكَ ربّي لترضى عنّي.
وعَجَّلَ بالتشديد تفيد نفس المعنى، وهو التشديد بالإسراع، فيقال: عجّل للضَّيْف: أي قَدَّم إليه الطعام)(١٦٧)، وقد ذكر الفعل مشددًا في القرآن الكريم، بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَاب﴾(١٦٨)، "فطلبوا استهزاءً بيوم المعاد أن يسرع الله تعالى لهم بحظّهم من العذاب قبل يوم القيامة)(١٦٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٧) ظ: المعجم الوسيط: لمجموعة مؤلفين, ج٢, ص٦٧٨.
(١٦٨) سورة ص: ١٦.
(١٦٩) ظ: تفسير الميزان: للسيّد محمد حسين الطباطبائي, ج١٧, ص١٨٦.

(١٣٣)

* وقوله: «فرجي" يقال: «فَرَجَ اللهُ الغَمَّ: [أي] كَشَفَه)(١٧٠).
فظاهر العبارة أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يلح بدعائه على الله تعالى بأن يسرع كشف غمّه نتيجة غيبته.
* وقوله: «وسهِّل" أيضًا صيغة الفعل مشدّدة، والأصل "سَهُلَ سَهُلَ سُهُولَةً: مالَ إلى اللِّين وقَلَّت خشونته)(١٧١).
* وقوله: «مخرجي" المخرج هو "موضعُ الخَروج)(١٧٢).
لو تأملنا في مفردة دعاء الإمام هذه، لوجدنا أنّه يشخّص بدقة ما يريد، وهو الحكيم في قوله؛ إذ دعا بتسهيل خروجه، ولم يقل بتسهيل الظهور؛ لتغاير المفردتين، فالخروج قد يعني "خروجه (عليه السلام) من المدينة إلى مكة)(١٧٣)، وما طلبه التسهيل والإسراع في موردٍ كهذا إلاّ لشدّة ما سيمرّ به بعد ظهوره الأصغر في المدينة المنورة؛ إذ سيرسل السفياني جيشًا إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٠) المعجم الوسيط: لمجموعة مؤلفين, ج٢, ص٦٧٨.
(١٧١) مصدر سابق, ج١, ص٤٥٨.
(١٧٢) مصدر سابق, ج١, ص٢٢٥.
(١٧٣) صحيفة صدى المهدي, العدد ٨٥, ربيع الأول, ١٤٣٥ه, الأسئلة الموجهة إلى مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام).

(١٣٤)

المدينة؛ فعن النبي (صلى الله عليه وآله): «... خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس... فيبعث جيشاً إلى المشرق وجيشاً إلى المدينة)(١٧٤).
والإمام في هذه الحال لم يعلن (عجّل الله فرجه الشريف) عن ظهوره الأكبر، فنتيجة للخطر المحدق بالإمام توجّه بالدعاء بإلحاح بأن يسهّل خروجه من المدينة؛ إذ قد يتمكن جيش السفياني من اعتقال الإمام قبل خروجه منها، وهو آنذاك لا ناصر له إلاّ الله تعالى، بل حتى لو دعا الناس إليه، لأمكن أن لا يصدّقه أغلب الناس.
وظاهر تلك الرواية أنّ عدو الله تعالى السفياني سيعلم بوجود الإمام في المدينة، فيرسل جيشًا لاعتقاله أو قتله.
ولعل ترقب السفياني هذا، ودس جواسيسه في أماكن كمكة والمدينة، يكون نتيجة سماعه وجنوده الصيحة الجبرائيلية، في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان، فلعله يستفهم من أهل العلم آنذاك عن خارطة ظهور الإمام، إذ أنّ أغلب الناس سيترنمون باسم الإمام؛ حسب ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «إذا نادى منادٍ من السماء: إنَّ الحقَّ في آل محمّد، فعند

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٤) معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): للشيخ الكوراني, ج٥, ص٣٥٤.

(١٣٥)

 ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويُشربون حبّه، فلا يكون لهم ذكر غيره)(١٧٥).
فيستغل الجواسيس آنذاك هذه الفرصة ويسترقون المعلومات، ويحصلون على مكان وجود الإمام، نظير استراق الشياطين أخبار السماء. فيترقب السفياني حصول حراك ضدّه، ليرسل شرذمته إلى المدينة، ومكة، محل الظهور.
* وهنا سؤال حاصله أن يقال: هل يعلم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بوقت ظهوره؟
وجوابه منبثق من العصمة التي تتطلب كل كمال، فبما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) معصوم، "والعصمة تتجلّى بعلم لدنّي يكشف للمعصوم ما خفي علينا،... فهو إذن يعلم بساعة الظهور، إمَّا من باب أنَّ العصمة تعني فيما تعنيه علماً لدنّياً غيبياً بتعليم من الله تعالى، وإمَّا من باب أنَّ من خصائص الأئمَّة (عليهم السلام) أنَّهم إذا أرادوا أن يعلموا الشيء، فإنَّ الله تعالى يُعلِّمهم ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٥) كنز العمّال: للمتَّقي الهندي, ج١٤, ص٥٨٨, ح ٣٩٦٦٥.

(١٣٦)

الشيء بمجرَّد توجّه نفوسهم القدسية إلى معرفته)(١٧٦)، بدليل ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّ الامَامَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَعْلَمَ عُلِّم)(١٧٧)، ومشيئته متعلقة بمشيئة الله تعالى، فمتى ما شاء الله تعالى إعلامه يعلمه.
ونحن نعلم أن ذلك العلم اللدني من الله تعالى، وبإذنه؛ فقد روي "عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الاوَّلِ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ: مَبْلَغُ عِلْمِنَا عَلَى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ مَاضٍ وَغَابِرٍ وَحَادِثٍ، فَأَمَّا الْمَاضِي فَمُفَسَّرٌ، وَأَمَّا الْغَابِرُ فَمَزْبُورٌ، وَأَمَّا الْحَادِثُ فَقَذْفٌ فِي الْقُلُوبِ وَنَقْرٌ فِي الاسْمَاعِ، وَهُوَ أَفْضَلُ عِلْمِنَا، وَلا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنَا)(١٧٨)، إذ قد يقذف الله تعالى العلم في قلب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) بزمن ظهوره، أو قد ينقر ذلك في سمعه الشريف - وما ذلك على الله تعالى بعزيز- عن طريق وحي خاص، نظير وحيه تعالى لأم النبي موسى (عليه السلام)؛ كما قال تعالى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٦) مقال: عنصر الخفاء في القضية المهدوية: للشيخ حسين الأسدي, مجلة الموعود, العدد ٤/ ذو الحجة/ ١٤٣٨ه.
(١٧٧) الكافي: للشيخ الكليني, ج١, باب انّ الأئمة (عليهم السلام) إذا شاءوا أن يعلموا علِّموا, ص٢٥٨, ح١.
(١٧٨) مصدر سابق, ج١, باب جهات علوم الأئمة, ص٢٦٤, ح١.

(١٣٧)

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيه﴾(١٧٩).
وكما أوحى إلى النحل؛ بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُون﴾(١٨٠).
فإذا كان الله تعالى أوحى إلى ام نبي، وإلى النحل، لا عجب إذا أوحى إلى وليّه، وخليفته على أرضه، القائم بعدله، الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، لا بوحي النبوة، بل بالنقر في سمع الإمام وإعلامه بزمان الظهور.
ومعه، حتى لو قيل: إنه (عجل الله تعالى فرجه) لا يعلم بوقت ظهوره اليوم، وسيعلمه في وقت خاص، فهذا ليس بنقصٍ، بل هو اصطفاء له، وتمييز عن غيره؛ لكونه معصوما.
وعليه، فإن قيلَ: بما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) معصوم، والمعصوم لا يصدر منه اللغو، فإذا كان يعلم بوقت ظهوره فما فائدة دعائه؟
يمكن الإجابة عن هذا الإشكال اجمالًا ضمن النقاط

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٩) سوة القصص: ٧.
(١٨٠) سورة النحل: ٦٨.

(١٣٨)

التالية:
١- إنّ الدعاء ليس لغواً على كل حال، فدعاء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) شوق منه لتحقيق رضا الله تعالى، بسيادة العدل في دولته الموعودة، التي سادها الظلم والجور، وللقاء بأنصاره، وشيعته، ومن سيلتحق به، بعد أن أحرقهم شوق الانتظار، وهذا بحد ذاته فعل حسن، يحكم العقل بحسنه.
٢- إنّ دعاء الإمام رسالة لنا بعدم الانقطاع عن الدعاء مهما كان القدر مفروغًا منه؛ روي "عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ادْعُ وَلا تَقُلْ قَدْ فُرِغَ مِنَ الأمْرِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَة" (١٨١)، فرغم كون خروج الإمام مفروغًا منه إلاّ أنّ الإمام لم ينقطع عن الدعاء، فدعا بتسهيل مخرجه.
٣- إنّ دعاء الإمام بتعجيل الفرج محققٌ لغرض الله تعالى، وهو هداية العباد، وتحقيق القسط والعدل، وتطبيق معالم الدّين، وهذا كافٍ لرفع اللغوية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨١) الكافي: للشيخ الكليني, ج٢, باب فضل الدعاء والحث عليه, ص٤٦٧, ح٥.

(١٣٩)

فإن قيل: إنّ ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من الأمور المحتومة، اللابدية الوقوع، فكيف يدعو الإمام ربّه بأن يغيّر محتومًا؟ وإن استجاب الله تعالى له فهذا من قبيل اجراء البداء على علمه تعالى!
يجاب: إنّ هذا الإشكال مندفع بعدم لزوم المحذور مع اجراء البداء؛ انطلاقًا من فهم معنى البداء بالنسبة لله تعالى، وتفصيله يقع ضمن الوجهين التاليين:
▪ الوجه الأول: لو أُجريَ على الفقرة الأولى من دعاء الإمام، وهي "وعجّل فرجي":
فإن حُمل تعجيل الفرج على تعجيل الظهور العالمي للإمام؛ بقرينة حاليّة، وهي انكشاف غم الإمام بالظهور، فكأنّه (عجّل الله فرجه الشريف) دعا باللازم، وهو (تعجيل الفرج)، لا بالملزوم وهو (تعجيل الظهور). فهذا ممكن في عالم الثبوت والإثبات؛ والشواهد على ذلك كثيرة، منها ما روي عن الإمام أبو جعفر الثاني (عليه السلام) أنّه قال: « لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا

(١٤٠)

وظلما)(١٨٢)، فمنطوق الرواية صريح في حتمية ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وهذا أمرٌ مفروغٌ منه، ولكنّها تشير إلى إمكان تأخير الله تعالى ليوم الظهور، وجعله آخر يومٍ في الدنيا.
فكما أمكن تأخير ذلك اليوم، أمكن تقديمه، ومن هنا انطلق الإمام بالدعاء بتعجيل فرجه، أي بتعجيل يوم كشف غمته والإذن له بالظهور.
والنتيجة/ ممكن حصول البداء في تعجيل فرج الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ولا محذور في ذلك؛ وذلك لأن التغيّر سيحصل في علمنا نحن، لا في علم الله تعالى؛ لأنّه تعالى بعلمه الأزلي علم أنّ الإمام سيدعو بتقديم يوم ظهوره.
▪ الوجه الثاني: لو أُجري على الفقرة الثانية من دعاء الإمام، وهي "وسهّل مخرجي"
فهنا يمكن القول بجريان البداء؛ فبناءً على أنّ خروج الإمام يختلف عن ظهوره، فكما جرى بالظهور يجري في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٢) اعلام الورى بأعلام الهدى: للشيخ الطبرسي, ج٢, ص٢٤٢.

(١٤١)

الخروج؛ لاشتراك المفردتين في هدفٍ واحدٍ؛ لهذا دعا الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) ربّه باللطف وتسهيل العقبات عند ظهوره الأولي، أو خروجه، أما نقرأ أنّ الله تعالى سيحميه، ويخرجه من المدينة بلينٍ ولطف!
فهذا بداءٌ بالنسبة لنا؛ حيث كنّا لا نعلم، وقد علمنا.

(١٤٢)

الفقرة السابعة:

«واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا
يستمر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بدعائه، فيطلب من الله تعالى السلطان النصير، فهو يريد أن تكون العلّة التامة لنصره هي الله تعالى أصالةً، لذلك قال (من لدنكَ)، فنسبة النصر إلى الله تعالى للاختصاص، وهي نظير قوله تعالى: ﴿ألَا إِنَّ نَصرَ اللَّهِ قَرِيب﴾(١٨٣)، أي أنّ النصر وإن تعددت أسبابه فهي علل غير تامة، علتها التامة هي الله (سبحانه وتعالى)، وسيأتي بيان تلك النصرة في هذه الفقرة.
وأصل دعاء الإمام آية قرآنية، وهي قوله تعالى: ﴿وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرا﴾(١٨٤)، وعليه، ينبغي الرجوع إلى تفسير هذه الآية الكريمة لمعرفة حدود مقصدها عمومًا، ومغزى الإمام من الدعاء بها خصوصًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٣) سورة البقرة: ٢١٤.
(١٨٤) سورة الإسراء: ٨٠.

(١٤٣)

يذكر أنّ هذا دعاء النبي الأكرم، محمد (صلى الله عليه وآله)، فحينما فسّرت هذه الآية كان مفاد تفسيرها هو اللهم "اجعل لي عزّا أمتنع به ممن يحاول صدي عن إقامة فرائضك وقرة تنصرني بها على من عاداني فيك.
وقيل اجعل لي ملكا [عزيزا] أقهر به العصاة فنصر بالرعب حتى خافه العدو على مسيرة شهر. وقيل حجّة بيّنة أتقوى بها على سائر الأديان الباطلة.
وسماه نصيرا لأنه تقع به النصرة على الأعداء فهو كالمعين)(١٨٥).
والمتأمل في سياق الآية الكريمة التي دعا بها النبي الأكرم، محمد (صلى الله عليه وآله) يجد جملة سابقة لها، تشير إلى وجه الشبه بين مهمة النبي محمد، وحفيده الإمام المهدي (عليهما السلام)، بل وإلى بيان مغزى الإمام من وراء اختياره لهذه الآية تحديدًا ليلهج بها في دعائه، فالآية بتمامها هي ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٥) مجمع البيان في تفسير القرآن: للفضل بن الحسين الطبرسي, ج٦, ص٢٨٤.

(١٤٤)

مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرا﴾(١٨٦).
ومن أحد وجوه تأويل ادخاله واخراجه بصدق، والمتناسب مع هدف الإمام ظاهرًا، هو "أدخلني المدينة، وأخرجني منها إلى مكة للفتح)(١٨٧)، فلعله يشير إلى دخول المدينة بظهوره الأولي الأصغر، وخروجه منها متوجهًا إلى مكة لظهوره الأكبر، فهنا طلب السلطان النصير حال ظهوره مطلقًا؛ ويؤيد ذلك وجود قرينة متصلة، ضمن نفس سياق دعاء احتجاب الإمام، وهي قوله: «وافتح لي فتحًا مبينا"، وسيأتي شرح مفرداتها فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
إذًا دعاء الإمام بطلب السلطان النصير هو لغرض الفتح؛ كطلب جدّه النبي الأكرم، محمد (صلى الله عليه وآله)، الذي كان لغرض فتح مكة، ونشر دين الإسلام فيها.
وبما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) سيّد العقلاء، وسيرة العقلاء جارية على أنّ الحكيم منهم حينما يريد أن يتكلّم، يقول كل ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٦) سورة الإسراء: ٨٠.
(١٨٧) مجمع البيان في تفسير القرآن: للفضل بن الحسين الطبرسي, ج٦, ص٢٨٤.

(١٤٥)

يريده، ونص دعاء الإمام ظاهر في العموم، حيث إنّ الإمام لم يقيّد أي نصرةٍ يطلبها من الله تعالى، فيتعيّن أن يطلب بدعائه جميع أقسام النصرة؛ لأنّه لو أراد قسمًا منها لذكره، ثم إنّ حصره النصرة بقسمٍ دون آخر ليس مناسبًا مع مقام عصمته؛ لاعتقاده بقدرة الله تعالى الواسعة، التي تتعلق بكل شيء ممكن، وأمر نصرته بكافة أقسام النصرة ليس بمحال على الله العلي القدير، فأطلق في دعائه.
وعليه، يمكن تقسيم النصرة المطلوبة في دعاء الإمام على ثلاثة أقسام:
•أولاً: النصرة القولية:
انطلاقًا من كون قول المعصوم حجّة، فإنّ تراث محمدٍ وآل محمد (عليهم السلام) المبشّر بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ودعاءهم له، هو أحد مصاديق نصرة الإمام القولية.
فلعله يقصد (بحق كلام أسلافي اجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرا)، بالقول الثابت، فقوله قولهم (عليهم السلام)، وقولهم

(١٤٦)

قول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لاسيما وأنّه (عجّل الله فرجه الشريف) سيحاجّ شفويًا من يحاجّه.
ومحاجّته القولية مؤيدة بالنصر؛ لأنّه يعتمد على أدلة صحيحة، حيث يحاجّ أتباع كل دين بكتابهم؛ روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «...ويستخرج التوراة وسائر كتب الله (عز وجل) من غار بأنطاكية، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن)(١٨٨).
أما نصرة الإمام القولية على من لا دين لهم، فالبرهان سيّد الموقف.
•ثانيًا: النصرة الفعلية:
كما ويطلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من الله تعالى، النصرة الفعلية، أي النصرة بأفعاله، وتتجلى صور هذه النصرة بعدّة أمور، منها:
١- جسم الإمام
من خلال بعض الروايات الشريفة التي وصفت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٨) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٣, ص٢٤١, ح٢٦.

(١٤٧)

الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)، ذكرت أنّ جسمه كأجسام بني اسرائيل، فعبّرت عنه بذي الجسم الإسرائيلي؛ روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «المهدي من ولدي، وجهه كالكوكب الدرّي، واللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي)(١٨٩).
ويحتمل دلالة معنى كون جسم الإمام جسمًا اسرائيليًا هو "شبه جسمه بجسم نبي الله موسى (عليه السلام) بالقوة الملحوظة من سياق الآيات الكريمة التي تطرقت إلى وكزه للقبطي، وإلى سقيه لابنتي شعيب من بئرٍ عميق)(١٩٠).
فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يدعو الله تعالى أن يديم صحة جسمه، ليستطيع أن يحقق النصر.
ولاشكّ أنّ الإمام إنسان، وكلّ إنسان يحتاج لجسده كي ينفذ أفعاله، - حتى وإن منحه الله تعالى بعض المعجزات-، فهو بالتالي لا بد أن تكون يده سليمة كي يقاتل بها، وقدمه كذلك كي يذهب إلى دولٍ ليفتحها، وهكذا سائر أعضاء جسده،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٩) كشف الغمة: للمحقق الأربلي, ج٣, ص٢٨٢.
(١٩٠) ظ: على ضفاف الانتظار: للشيخ حسين الاسدي, ص٣٩.

(١٤٨)

الذي به يحقق النصر كسلطان.
فبتلك الصحة والجسم السليم يقتل قوى الشر، كالسفياني؛ حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «أُفٍّ أُفٍّ، مَا أَنَا لِهؤُلاءِ بِإِمَامٍ، أَمَا عَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّما يَقْتُلُ السُّفْيَانِي)(١٩١).
وحتمًا يكون للإمام غايات يريد تحقيقها، ومنها قتل السفياني، ولهذا يطلب السلطان النصير ليحقق احداها.
٢- الإمام يُكمِّل العقول:
لا شكّ أنّ الله تعالى كرّم الإنسان بالعقل، وبه ميّزه عن سائر المخلوقات، فبالعقل يتفكر ويعقل ويعلم، وكثيرًا ما حثّت الآيات الكريمة على هذه العمليات الثلاث، رغم أنّ مدركات الناس متفاوتة، لكن كلّ على قدر سعة أفق عقله.
صحيح نحن نعيش في عالم الاستكمال، لكن مهما بلغ الإنسان من العلم بعقله - النظري والعملي- في زمن الغيبة، لن يصل إلى درجة الكمال العقلي المتحقق في زمن الظهور؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩١) الكافي: للشيخ الكليني, ج٨, ص٣٣١, ح٥٠٩.

(١٤٩)

حيث روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع به عقولهم وكملت بها أحلامهم)(١٩٢)، فاليد هنا كناية عن النعم العظيمة التشريفية، التي يشرّف الله تعالى بها وليّه، الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وفي زمن ظهوره تجتمع العقول وتكمل. ومعنى اجتماعها هو اتحادها، "بالإيمان والصفاء والمحبة، واتحادها على التطور العلمي والثقافي والتكنلوجي)(١٩٣).
أما اكتمال الأحلام هو اكتمال العقول؛ ولمفردة (الأحلام) جذر قرآني، جاء في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون﴾(١٩٤)، وفسرّت هذه الآية ب(أنَّ الأحلام جمع حلم وهو العقل،... والمعنى بل أتأمرهم عقولهم أن يقولوا هذا الذي يقولونه ويتربصوا به الموت؟ فأي عقل يدفع الحق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٢) مصدر سابق, ج١, ص٢٥, ح٢١.
(١٩٣) ظ: دولة الإمام المهدي (عليه السلام): للسيد مرتضى المجتهدي السيستاني , ص١٧٥-٢٢٥.
(١٩٤) سورة الطور: ٣٠.

(١٥٠)

بمثل هذه الأباطيل؟)(١٩٥).
وبالتالي سيكون عنصر تكامل العقول عنصرًا مهمًا في نصر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، فبعقول أتباعه جيشًا ومن سيؤمن به ينتصر على كل قوى الشر.
•ثالثًا: النصرة التشريفية:
ولقد شرّف الله تعالى وليّه، وخليفته على الأرض، الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بتشريفاتٍ عديدة، تكون سبب تحقق نصره، منها:
١- الإمام مؤيد بالملائكة
إنّ تعزيز الدعم الإلهي للإمام بالملائكة، إن صحّ أن نقول أنّه منقطع النظير عمّا سبقه من الدعم للأئمة السابقين؛ تناسبًا مع عالمية دولته، ودعوته، فروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «لو خرج قائم آل محمد لنَصَرَهُ الله بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين، يكون جبرئيل أمامه وميكائيل عن يمينه وإسرافيل عن يساره)(١٩٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٥) تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي, ج١٩, ص١٧.
(١٩٦) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ص٢٣٧, ح٢٢.

(١٥١)

٢/ الإمام منصور بالرعب
وتشريف آخر يحظى به الإمام، وهو أنّ الله تعالى يلقي الرعب في قلوب أعدائه قبل أن يخوضوا معه القتال، ولهذا نجد الكثير منهم يدخل طوعًا تحت لوائه، روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «القائم منا منصور بالرعب، مؤيد بالنصر)(١٩٧)، وكفى بالرعب نصرا.
٣- عصر الإمام عصر تطور تكنلوجي
ومن التشريفات ازدهار التكنلوجيا في عصره، واستعمالها كجزء علة في نصره، ونشر دعوته، فروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «المؤمن في زمن القائم وهو في المشرق يرى أخاه الذي في المغرب وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق)(١٩٨).
بالإضافة إلى وسائل النقل المستفادة ظاهرًا مما روي عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٧) إعلام الورى بأعلام الهدى: للشيخ الطبرسي, ج٢, ص٢٩١.
(١٩٨) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج٥٢, ص٣٩١, ح٢١٣.

(١٥٢)

الإمام الباقر (عليه السلام): «القائم منا... تطوى له الأرض)(١٩٩). فطي الأرض قد يكون بالطائرات أو وسائل النقل الحديثة؛ كما روي عن جابر حينما سأل الإمام الباقر (عليه السلام) عن تفسير قول الله تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْر﴾(٢٠٠)، قال (عليه السلام): «ينزل في سبع قباب من نور لا يعلم في أيها)(٢٠١)، فظاهرًا قباب النور هي احدى وسائل النقل الجوية - الطائرات-.
وكذا وسائل الحرب المتطورة؛ حيث روي " إن للقائم خيل مسرجة ملجمة ولها أجنحة)(٢٠٢)، ولاشك أنّ مثل هذه الوسائل المتطورة دورها كبير في انجاح النصر.
▪ وبعد استعراض بعض مصاديق أقسام النصر الذي يطلبه الإمام في دعائه، بقي أن نشير إلى كيفية تحقق نصره (عجّل الله فرجه الشريف)، حيث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٩) مصدر سابق.
(٢٠٠) سورة البقرة: ٢١٠.
(٢٠١) تفسير العياشي: لمحمد العياشي, ج١, ص١٠٣, ح٣٠١.
(٢٠٢) معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): للشيخ علي الكوراني, ج٤, ص٥٨, ح ١١٣٤.

(١٥٣)

طرحت اطروحات أشارت إلى كيفية ذلك، "منها:
■ الأطروحة الأولى: نصرٌ بالإعجاز الإلهي:
وتتلخص هذه الاطروحة بأن الله سبحانه وهو القادر على كل شيء قد وعد خليفته بالنصر في آيات كثيرة، وهو قادر على نصره بأية طريقة كانت، وتمكينه من بسط سلطانه على الأرض، وذلك بأن يحصل على الأسلحة بطريق المعجزة، وأن الأسلحة الحديثة لا تعمل ضده، وأن الأعداء سوف يصرفهم الله عن استنتاج الطرق المؤثرة عليه.
وهذا الرأي مخالف لقاعدة (ناموسية السنن الإلهية) كما يقول سماحة الشيخ محمد السند (دام ظله)، ويضيف: «إن أي تغيير ليس إيحاءً ولا إعجازاً على قاعدة كن فيكون وإنما هو أمر بين أمرين، جانب من البشر، وجانب من التأييد الإلهي)(٢٠٣).
فكأنّه يشير إلى أنّ السنن التي يجريها الله تعالى في الكون ليست أسبابها فقط إعجازية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٣) محاضرة للشيخ السند في مسجد الهندي, ١٥ / ٣ / ٢٠٠٧ م.

(١٥٤)

■ الأطروحة الثانية: نصرٌ بالقوانين الطبيعية:
ومفاد هذه النظرية أنّ نصر الإمام يتحقق وفقًا لقوانين الطبيعة فقط، دون تدخل القدرة الإلهية.
وأيضًا نوقشت هذه الاطروحة، وعورضت بمحالية عدم تدخل القدرة الإلهية، وإن كان للإمام قدرات ذاتية، لكنها تبقى في طول قدرات الله تعالى، لا في عرضها.
الأطروحة الثالثة: نصرٌ بقوّة الجيش وحداثة السلاح مع تأييدٍ إلهي:
هذه الأطروحة أجملت في بيان مقومات نصر الإمام، حيث نصت على أن الإمام المهدي (عليه السلام) ينتصر بقوة جيشه وحداثة سلاحه ورجاله المحاربين الأشداء مع وجود التأييد الإلهي)(٢٠٤).
وترجّح الأخيرة؛ لتناسبها مع أقسام النصرة التي ذكرت أعلاه. فظاهرًا هي المستجمعة للنصر الذي يطلبه الإمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٤) ظ: مقال دراسات/ أفكار في سلاح الإمام المهدي (عليه السلام) عند الظهور: للكاتب حسين عبد الأمير الظالمي, مجلة الانتظار, العدد١٢, ١٤٢٩ه.

(١٥٥)

بسلطان منه؛ فعلى تقسيم النصرة إلى قولية، وفعلية - التي منها جسم الإمام، وتكامله للعقول-، وتشريفية- التي منها تأييد الإمام بالملائكة، ونصره بالرعب، وتطور عصره التكنلوجي- يتضح شمول الأطروحة الثالثة لجميع أقسام النصرة بتفرعاتها؛ فيوكل النصر فيها إلى ماهية وصفات جيش الإمام، فضلاً عن ذات الإمام، والتأييد الإلهي بما تم بيانه، بل ولعله بما لم يخطر على ذهن أحد؛ لسعة قدرة الله تعالى على كل أمر ممكن لنصرة وليّه، فتكون النصرة شاملة للتأييد الإلهي وغيره.

(١٥٦)

الفقرة الثامنة:

«وافتح لي فتحًا مُبينا"
ظاهر دعاء الإمام (عجل الله تعالى فرجه) هذا أنّه يُشير إلى طلب المدد الإلهي أثناء فتوحاته بعد خوض المعارك مع الأعداء، وبين هذه الفقرة الدعائية والسابقة - طلبُ النصر- ارتباط وثيق؛ لأنّ الفتح لازمه النصر.
وهذه الفقرة كسابقاتها لها جذرٌ قرآني، وهي قول الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِينا﴾(٢٠٥)، التي كانت تُشير إلى بشارة الله تعالى لنبيّه الأكرم، محمد (صلى الله عليه وآله) بفتح مكة، بعد صلح الحديبية الذي أُبرِمَ بينه (صلى الله عليه وآله) وبعض المسلمين الذين ذهبوا معه لأداء مناسك العمرة وبين بعض مشركي قريش؛ "لأنّ قريش منعته (صلى الله عليه وآله) والمسلمين من أنْ يدخلوا مكة، فحطّوا عند مكان يسمى الحديبية وأبرموا معاهدةً مع كبراء قريش، طلبت فيها قريش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٥) سورة الفتح: ١.

(١٥٧)

أنْ لا يدخل مكة في ذلك العام النبي محمد (صلى الله عليه وآله) والمسلمين، وإلاّ وقع القتال، فاختار (صلى الله عليه وآله) أنْ يتركَ العمرة حتى لا يريقَ دماءً بسبب سفاهة قريش، وعاد والمسلمون نحو المدينة.
وبعد فترةٍ جاءت البشرى الإلهية بفتح مكة، فجهّز النبي (صلى الله عليه وآله) جيشًا ليفتح مكة، وينشر الإسلام فيها، ويؤدوا العمرة التي حُرِموا منها، بل ولينطلق بعد الفتح لنشر الإسلام في الجزيرة العربية، وربوع العالم، حتى أنّ قريشًا لم تقاوم أبدًا، حيث اعترفت بكيان المسلمين)(٢٠٦).
وبعد هذه النبذة المختصرة عن فتح مكة بقيادة نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله)، يأتي ولده الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ويطلب فتحًا مبينًا كفتح جدّه (صلى الله عليه وآله)، بل ويُشابهه في المخرج والمدخل والهدف، فيخرج الإمام (عجل الله تعالى فرجه) من المدينة كما خرج النبي (صلى الله عليه وآله) منها، ويدخل مكة محررًا فاتحًا، بهدف نشر الدّين الإسلامي، بصورة عالمية، ولهذا قال الله تعالى في أواخر سورة الفتح بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٦) ظ: تفسير الأمثل في بيان كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج١٦, ص٤١٢-٤١٧.

(١٥٨)

رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدا﴾(٢٠٧)، فكما أظهر الله تعالى الدّين على يد نبيّه، يظهره على يد وليّه القائم (عليهما السلام) بعد أنِ اندرست بعض معالمه، وابتدع فيه، حتى نفر عنه البعض جهلاً بحقائقه، وتعمَّق الآخر غلوًّا بظواهره.
وإنّ نطاقَ فتوحات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) سيكونُ أوسع؛ لحكمةٍ إلهية خفية، ولطوعية بعض الأعداء بإبرام معاهداتِ صلحٍ معه، مما يُتيح له تحقيق الفتوحات.
وتأتي الفتوحات كنتيجةٍ لازمةٍ لغرض إظهار الله تعالى لوليّه الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ إذ الفتح هو افتتاح الدول الظالمة على يده، ونشره القسط والعدل والدّين الإسلامي في ربوعها، وهذا جزءُ علةٍ لسيادة الإمام العالمية، في قبال الدول الغربية التي سوف تعلن إسلامَها، وبالتالي لا تحتاج إلى مواجهات.
وقبل الفتوحات يُعِدُّ الإمامُ (عجل الله تعالى فرجه) وسائلَ الاحتجاج العلمية، ليُخيّر أعداءه بين السلم والقتال، وهي التوراة والإنجيل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٧) سورة الفتح: ٢٨.

(١٥٩)

بالإضافة إلى مواريث الأنبياء السابقين (عليهم السلام). وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: « إذا قام قائم أهل البيت... يستخرج التوراة وسائر كتب الله عز وجل من غار بأنطاكية)(٢٠٨).
ومن أبرزِ فتوحاتِ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) (فتح القدس)، فيسيرُ وجيشه إلى (بحيرة طبرية) "التي تقع بين الخليل والجولان، أحد أقضية عكّا في فلسطين)(٢٠٩)؛ روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «...ثم يأتي الكوفة فيُطيل فيها المكث...ثم يسيرُ حتى يأتيَ العذراء هو ومن معه وقد لحقه ناسٌ كثير)(٢١٠). فحين وصوله "يستخرج من البحيرة (تابوت السكينة) الذي وُضع به آنذاك النبي موسى (عليه السلام) ويدعوهم للإيمان به دون القتال، فيُسلم قليلٌ من اليهود)(٢١١)، والبعضُ الآخر الغالب يقاتلُ الإمام (عجل الله تعالى فرجه) ولن يعترفَ بتابوتِ السكينة ظاهرًا. فيفتحُ الإمام القدس على يديه فتحًا مبينًا، ويقهرُ اليهود، وينشرُ الدّين الإسلامي فيها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٨) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٣, ص٢٤١, ح٢٦.
(٢٠٩) أطلس سيرة الإمام المهدي (عليه السلام): لرسول كاظم عبد السادة, ص٦٠٢.
(٢١٠) تفسير العياشي: لمحمد مسعود العياشي, ج١, ص٦٦.
(٢١١) ظ: الملاحم والفتن: للسيد ابن طاووس, ج١, باب ١٥٤, ص١٤٧, ح١٨٣.

(١٦٠)

وكذا يفتحُ (القسطنطينية) "التي هي عاصمة الامبراطورية الرومانية)(٢١٢)، حيث روي "أنّ الإمام يفتحها ورومية وبلاد الصين)(٢١٣)، وعلى عظمة تلك الدولة ينتشرُ الإسلام، ويولّي الإمام (عجل الله تعالى فرجه) حاكمًا مؤمنًا عليها، ليبلغ رسالات الله تعالى، ويتولى سيادة تلك العاصمة، وتطبيق قوانين الإسلام على رعاياها.
وعليه، نستطيع أن نجزم من بعد تحقّق الفتوحات وراثة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) للأرضِ كُلِّها؛ وخيرُ شاهدٍ مؤكدٍ ودليل هو إطلاقُ الآية الكريمة لمفردة (الأرض) التي وعده الله تعالى بها: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون﴾(٢١٤)، حيثُ جاء في تفسير الآية "بأنّ الله تعالى كتبَ في التوراة والزبور إضافة إلى القرآن بأنَّ الصالحين سيرثون الأرض جميعًا، والوراثة هي انتقال شيءٍ في ملكيةِ شخصٍ دون معاملة)(٢١٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٢) مصدر سابق, ص٦١٥.
(٢١٣) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج١, ف٨, ص٤٩٦, ح٤٩٩.
(٢١٤) سورة الأنبياء: ١٠٥.
(٢١٥) ظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج١٠, ص٢٥٥-٢٦٥.

(١٦١)

وروي أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) سُئِلَ عن ذيل هذه الآية، فقال: «القائم (عليه السلام) وأصحابه)(٢١٦). فلازمُ الفتوحات هي وراثة الأرض كلّها.
* قد يُقال: إنّ كثرة فتوحات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) تدلُّ على سياسته الدموية، وهذا يتنافى مع فلسفة ظهوره كرحمة للعالمين؟!
فيُجاب: بأنّ أصل دعوة الإمام(عجل الله تعالى فرجه) سلميّة للغاية، وهناك مؤشرات على هذه الأصالة، "منها:
١/ وصف الروايات للإمام بأنّه رحمةٌ للعالمين.
فحيث إنّ جدّه النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) بعثه الله تعالى رحمة للعالمين؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين﴾(٢١٧)، فكذا الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) رحمةً للعالمين؛ استنانًا منه بسنة جدّه؛ حيث روي عن أبي بصير، قال: «سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٦) تفسير القمي: لعلي بن ابراهيم القمي, ج٢, ص٧٧.
(٢١٧) سورة الأنبياء: ١٠٧.

(١٦٢)

يقول: في صاحب هذا الأمر سنة من أربعة أنبياء: سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد (صلى الله عليه وآله)... قلت: وما سنة محمد (صلى الله عليه وآله)؟ قال: إذا قام سار بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله))(٢١٨).
بل نجد تصريحًا عامًا، ممكن أن نستدل به على كون الإمام المهدي رحمةً للعالمين بصورة مباشرة؛ هو ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام):...الأئمة من ولدك، بهم تسقى أمتي الغيث، وبهم يستجاب دعاؤهم، وبهم يصرف الله عنهم البلاء، وبهم تنزل الرحمة من السماء)(٢١٩).
٢/ قبول الإمام (عجل الله تعالى فرجه) لبيعة السفياني.
فروي ابن حماد في مخطوطته أنّ السفياني يبايع الإمام، ثم يندم؛ "عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال يسير بهم في اثني عشر ألفا إن قلوا أو خمسة عشر ألفا إن كثروا شعارهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٨) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٠, ص١٦٦, ح٥.
(٢١٩) كمال الدين وتمام النعمة: للشيخ الصدوق, ج١, ب٢١ , ص٢٣٤, ح٢١.

(١٦٣)

أمت أمت حتى يلقاه السفياني فيقول أخرجوا إلي ابن عمي حتى أكلمه فيخرج إليه فيكلمه فيسلم له الأمر ويبايعه فإذا رجع السفياني إلى أصحابه ندمه كلب فيرجع ليستقيله فيقيله فيقتتل هو وجيش السفياني علي سبع رايات كل صاحب راية منهم يرجو الأمر لنفسه فيهزمهم)(٢٢٠).
٣/ إعراض الإمام (عجل الله تعالى فرجه) عن القتال في القسطنطينية بعد أنْ يستسلم أهلها.
فعن محمد بن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليه السلام)، قال: «...ويبعث [الإمام] جنداً إلى القسطنطينية، فإذا بلغوا الخليج كتبوا على أقدامهم شيئاً ومشوا على الماء، فإذا نظر إليهم الروم يمشون على الماء قالوا: هؤلاء أصحابه يمشون على الماء، فكيف هو؟! فعند ذلك يفتحون لهم أبواب المدينة، فيدخلونها فيحكمون فيها ما يريدون)(٢٢١)، والرواية كفيلة ببيان كيفية استسلام أهل القسطنطينية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٠) الفتن:لنعيم بن حماد المروزي, ص٢١٧.
(٢٢١) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب٢١, ص٣٣٢-٣٣٣, ح٨.

(١٦٤)

٤/ ابتداء الإمام (عجل الله تعالى فرجه) الإنذار بالدلائل والبراهين العقلية والنقلية؛ كإحضاره عصا النبي موسى (عليه السلام)، وتابوت النبي آدم (عليه السلام)، وخاتم النبي سليمان (عليه السلام)؛ حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «عصا موسى قضيب آس من غرس الجنة، أتاه بها جبرائيل (عليه السلام) لما توجه تلقاء مدين، وهي وتابوت آدم في بحيرة طبرية، ولن يبليا، ولن يتغيرا حتى يخرجهما القائم (عليه السلام) إذا قام)(٢٢٢).
وروي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «...وإن القائم... يكون معه عصا موسى، وخاتم سليمان عليهما السلام)(٢٢٣).
علمًا إنّ الدلائل والبراهين المقنعة ليست فقط من مختصات الأديان الأخرى، بل حتى من مختصات الدين الإسلامي؛ وهذا يكشف لنا وجود بعض المسلمين المعارضين للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، ففي بعض الروايات أنّ الإمام سيُظهر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٢) مصدر سابق, ج١, ب١٣, ص٢٤١, ح٢٧.
(٢٢٣) كمال الدين وتمام النعمة: للشيخ الصدوق, ج١, ب٣٥ , ص٤٠٤, ح٣.

(١٦٥)

 بعض الممتلكات الشخصية لجدّه النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) مثل الراية؛ حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «لا يخرج القائم (عليه السلام) حتى يكون تكملة الحلقة. قلت: وكم تكملة الحلقة؟ قال: عشرة آلاف جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، ثم يهز الراية ويسير بها فلا يبقى أحد في المشرق ولا في المغرب إلا لعنها، وهي راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزل بها جبرئيل يوم بدر)(٢٢٤).
وقميص، ودرع، وسيف النبي (صلى الله عليه وآله)؛ كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «...يكون عليه [على الإمام] قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كان عليه يوم أحد،...ودرعه درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) السابغة، وسيفه سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذو الفقار)(٢٢٥).
فارتداؤه (عليه السلام) لتلك الموروثات هو نوع من الإقناع لمن حوله.
٥/ لن يقاتل الإمام (عجل الله تعالى فرجه) إلاّ من يقاتله.
فبعض الروايات تشير إلى أنّ الإمام يقاتل الذين يقتلون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٤) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٩ , ص٣١٨, ح٢.
(٢٢٥) مصدر سابق, ج١, ب١٩, ص٣١٨, ح٢.

(١٦٦)

رسوله - صاحب النفس الزكية- ؛ حيث روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «يبايع القائم بمكة على كتاب الله وسنة رسوله، ويستعمل على مكة، ثم يسير نحو المدينة فيبلغه أن عامله قتل، فيرجع إليهم فيقتل المقاتلة، ولا يزيد على ذلك)(٢٢٦).
٦/ إطالة الإمام (عجل الله تعالى فرجه) في الوعظ الشفوي على أعدائه؛ تحفيزًا لهم على ترك القتال)(٢٢٧)؛ بدليل حكمه بين أهل الكتب السماوية كلٌ بكتابه؛ كما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «...يستخرج التوراة وسائر كتب الله من غار بأنطاكية فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان)(٢٢٨)، فيكون وعظه موثقًا بالأدلة من كتب مخالفيه؛ ولا مناص لهم من مخالفته؛ لأنّهم إن كذّبوه فهذا يعني تكذيبهم لكتبهم التي يؤمنون بها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٦) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج٥٢, ب٢٦, ص٣٠٨, ح٨٣.
(٢٢٧) ظ: على ضفاف الانتظار: للشيخ حسين الأسدي, ص١٦٠-١٦١.
(٢٢٨) علل الشرائع: للشيخ الصدوق, ج١, ب١٢٩ , ص١٦١, ح٣.

(١٦٧)

وفي مواقف أخرى يكون وعظه (عجّل الله فرجه الشريف) عبارة عن خطاب بليغ، كخطبته في مكة عند ظهوره العلني، التي يقول فيها، وهو مسند ظهره إلى الكعبة: «يا أيها الناس، إنا نستنصر الله فمن أجابنا من الناس فإنا أهل بيت نبيكم محمد (صلى الله عليه وآله)، ونحن أولى الناس بالله وبمحمد (صلى الله عليه وآله)، فمن حاجني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، ومن حاجني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، ومن حاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، ومن حاجني في محمد (صلى الله عليه وآله) فأنا أولى الناس بمحمد (صلى الله عليه وآله)، ومن حاجني في النبيين فأنا أولى الناس بالنبيين...)(٢٢٩)، ويعضد خطابه هذا بالآيات القرآنية الكريمة.
ومن الممكن إضافة (عنصر الرعب) كمؤشرٍ آخر لأصالة سلميّة دعوة الإمام (عجل الله تعالى فرجه)؛ لما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «القائم منا منصور بالرعب)(٢٣٠)، فالرعب أحدُ مقوماتِ نصره، فالأعداءُ الذين يلقون رعبًا وهيبةً في صدورهم نتيجة مواجهة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٩) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٤ , ص٢٨٨, ح٦٧.
(٢٣٠) كمال الدين وتمام النعمة: للشيخ الصدوق, ج١, ب٣٢, ص٣٥٩, ح١٦.

(١٦٨)

الإمام (عجل الله تعالى فرجه)، أغلبُهم يُذعن أنّ الحقَّ مع الإمام (عجل الله تعالى فرجه)، لاسيّما أنّهم قد سمعوا حدثًا كونيًا سماويًا يحثّ على اتّباعه، وعدم مقاتلته، وهو (الصيحة الجبرائيلية التي يسمعونها بلغاتهم).
كما يمكن عدُّ هذا المؤشر لازمًا للمؤشر الخامس؛ لأنّ نصر الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) مُتحققٌ، وفتوحاته واقعةٌ لامحالة، فمن آمنَ به فلنفسه، ومن كفرَ فعليها، مما يدعو الإمام (عجل الله تعالى فرجه) إلى فتح بلاد الظلم بالقتال، ومواجهة من يقف عقبةً في طريقه، بعد أنْ يدعوهم للسلام.
* إن قِيلَ: لماذا تكون خطة الإمام (عجل الله تعالى فرجه) بما سيقومُ به من فتوحات مُعلنة؟ حيثُ إنّ ذلك سيوجبُ تآمر الأعداءِ وتكاتفهم أكثر مما لو لم يُعلنْ في الروايات عن الفتوحات والنصر المؤزر!
* يقال: إن الإمام (عجل الله تعالى فرجه) حينما طلب من الله تعالى أنْ يكون فتحه ذلك فتحًا مُبينًا، قاصدًا أنْ يكون فتحًا ظاهرًا للجميع؛ تناسبًا مع عالمية ظهوره، والدّين الذي يدعو له، والرسالة السامية الرحيمة التي يوصلها، وتنبيهًا لمن يحاول أنْ يقف في طريقه،

(١٦٩)

ويقاتله.
وبعبارة مختصرة: ليُعلمِ اللهُ تعالى جميعَ خلقه أنّ نصر هذا الإمام (عجل الله تعالى فرجه) عالميٌ ومتحققٌ بكافةِ أقسامه وشرائطه، ولا شكَّ أنّ هذا غرضٌ من أغراضِ الله تعالى، فينبغي تحقيقه، حيث يقولُ في كتابه الكريم: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه﴾(٢٣١).
ومعه، يكون إعلان الروايات عن فتوحات الإمام وسيلةً لإعلامِ الجميع بحكمةِ الله تعالى أولاً، وإعطاء (صبغة العالمية) لشخصِ ودينِ ودولةِ وليّه الموعود (عجّل الله فرجه الشريف).
بل ولعلّ ذلك الإعلان يشكلُ ردعًا لأعدائه، ويدحضُ مجردَ تفكيرهم بالنصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣١) سورة التوبة: ٣٣.

(١٧٠)

الفقرة التاسعة:

«واهدني صراطًا مستقيما"
بعد أن طلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من الله تعالى السلطان النصير، والفتح المبين، يطلب الهداية نحو الصراط المستقيم. وهذه الفقرة الدعائية - كسابقها- لها جذرٌ قرآني، وهو قول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم﴾(٢٣٢).
فالهداية التي يدعو الإمام بها هي )(الهداية اللطف)، التي بها يكون الإمام بها مهديًا في نفسه وهاديًا مرشدًا مقرّبًا لغيره الى الله تعالى، يوصل العباد إلى المطلوب منهم كمالاً؛ وذلك اللطف جود من الله تعالى ورحمة؛ إذ يقدّم لعباده عوامل الخير ويسهلها عليه دون أن يجبره بسلوكها)(٢٣٣). إذًا من وظائف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هي هداية العباد بإيصالهم إلى الكمال، لكن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٢) سورة الفاتحة: ٦.
(٢٣٣) الهدى والضلال في القرآن الكريم: للشيخ حسين الأسدي, ص٢٤, ١٨٥-١٨٦.

(١٧١)

ما هو ذلك الكمال؟
سنعرفه من خلال بيان المراد الظاهري من (الصراط المستقيم).
• الصراط المستقيم؛ ففسّر بعدّة تفاسير، مع تعددها اللفظي إلّا أنّها تصب في معنى واحد، وسنأخذ منها:
١- الصراط المستقيم هو عبادة الله تعالى:
حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): حينما سُئل عن معنى قوله تعالى: «﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ فقال (عليه السلام): أرشدنا الصراط المستقيم، أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك، والمبلغ إلى جنتك)(٢٣٤).
إذًا قد يريد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الرشيف) بدعائه هذا أن يعطيه الله تعالى طريق العبودية الخالصة، وأشرنا فيما سبق إلى أنّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يعكس صدق العبودية لله تعالى ربّه، فها هو ذا يطلب منه العبادة المخلصة، المتناسبة مع جلالة مقام ربّه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٤) تفسير الإمام العسكري, ص٤٤.

(١٧٢)

ولو تأملنا في أواخر سورة الحمد، لوجدنا "أنّ الصراط المستقيم هو للذين أنعم الله تعالى عليهم، والمنعم عليهم هم النبيون، والصدّيقون، والشهداء، والصالحون، بدليل قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِين﴾، وهم أعلى درجةً بالعلم والعمل من غيرهم)(٢٣٥). فمن حيث العلم هم سادة التوحيد، أعرف الناس بربّهم، وبالأصول والفروع والأخلاق، ومن حيث العمل، فعصمتهم سيّدة مزاياهم، فلولا أنّهم لا علم بذلك لهم، ولا عمل، لما طلبوا الوصول إلى الكمال، هم وأتباعهم. ومحل كلامنا ليس النبييّن (عليهم وعلى نبينا وآله السلام)، بل في الصدّيقين، وهم الأئمة (عليهم السلام)؛ لما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «...واما قوله (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) قال النبيين رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، والصديقين علي (ع) والشهداء الحسن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٥) ظ: الميزان في تفسير القرآن: للعلاّمة الطباطبائي, ج١, ص٣٠-٣١.

(١٧٣)

والحسين عليهما السلام، والصالحين الأئمة، وحسن أولئك رفيقا، القائم من آل محمد (عليهم السلام))(٢٣٦).
نعم، إنّ هناك من الآيات الكريمة التي تفسّر بعضها بعضًا، فهناك استدلالٌ بالمباشر، يظهر منه أنّ الصراط يفيد (عبادة الله تعالى) كما يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيم﴾(٢٣٧). فقد يطلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) طريق سلفه، وهو العبودية الحقة - مع تحققها فيه لكنه يطلب الأكمل-.
أو ممكن أن نقول الوصول بنفسه إلى أعلى الكمالات، ثم بأتباعه، وهو التوحيد الحق - وإن كان الإمام حائزًا على أعلى درجات العبودية الحقة مقارنةً بنا، وعلى أدنى درجةٍ مقارنةً مع كمال الله تعالى الذي له الكمال المطلق- لكنه بشر، وجميع البشر يعيشون في عالم الاستكمال؛ حيث روي أنّ النبي وآله (عليهم السلام) يزدادون علمًا في كلّ ليلة جمعة؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «...إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَافَى رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٦) تفسير القمي: لعلي بن ابراهيم القمي, ج١, ص١٤٢-١٤٣.
(٢٣٧) سورة مريم: ٣٦.

(١٧٤)

الْعَرْشَ وَوَافَى الأئِمَّةُ (عَلَيْهم السَّلام) وَوَافَيْتُ مَعَهُمْ فَمَا أَرْجِعُ إِلا بِعِلْمٍ مُسْتَفَادٍ وَلَوْ لا ذَلِكَ لَنَفِدَ مَا عِنْدِي)(٢٣٨).
وزيادة العلم تؤدي إلى زيادة العمل، فزيادة العلم بالله تعالى الذي هو أشرف العلوم وأكملها يؤدي إلى زيادة تجلي العبودية له، بشرط الإخلاص والثبات.
ويمكن أن نقول: بالعلم المُزاد تتحقق الهداية، وبالعمل التابع له يتحقق الصراط. فلولا توحيد الإمام لربّه لما دعا بهذا الدعاء، مما يدل ظاهرًا على أنّ العلم (كالتوحيد) يسبق العمل (كالعبودية).
وعليه، فقد يكون معنى دعاء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هو أعطني تلك العناية الإلهية العلمية لأصل إلى درجة العبودية المحضة، أنا وأتباعي.
"ولا شك أنّ عصر الإمام سيمتاز بالوحدة الفكرية؛ حيث الجميع سيؤمن بالله الواحد الأحد، وبالتالي ستسود الوحدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٨) الكافي: للشيخ الكليني, ج١, باب في أنّ الأئمة يزدادون في ليلة الجمعة, , ص٢٥٤, ح٣.

(١٧٥)

التوحيدية، بنشر الإمام كمال التوحيد، المعطى له نتيجة دعائه الذي هو لبّ التوحيد، - وقلنا أعلاه لولا أنّ الإمام غير مُهدى تكوينيًا، لما حقق الصراط- وعليه، فالإمام يطلب العلم ليعبد الله تعالى، وبالدعاء يتعبّد ويطلب العلم به؛ فبالدعاء يصل الإمام إلى الله الواحد الأحد" (٢٣٩).
* فإن قيلَ: إنّ طلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) الكمال يعارض عصمته، فيفترض أنّه واصل إلى أعلى الكمالات!
* فإنّا نقول: بأنّ التكامل لن يتنافى مع العصمة، فهو أكمل الخلق جميعًا، عدا النبي الأكرم محمد، وأمير المؤمنين، والزهراء (عليها السلام) والحسنين (عليهم السلام). فلا يوجد تنافي بين العصمة وطلب الكمال طالما أنّ الكمال طريقه لللامتناهي.
بل أنّ طلب الكمال ملحوظ حتى في دعاء النبي الأكرم، وأهل بيته (عليهم السلام)؛ فالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أُمر أن يقول: (رَبِّ زِدْنِي عِلْما)، فالنبي (صلى الله عليه وآله) يطلب الزيادة في العلم، والإمام (عليه السلام) يطلب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٩) ظ: الدعاء المهدوي وآثاره في بناء الفكر والعقيدة البناء التوحيدي أنموذجاً: للشيخ حميد عبد الجليل الوائلي, مجلة الموعود, العدد٤/ ذو الحجة/ ١٤٣٨ه.

(١٧٦)

الزيادة في الهداية للطريق المستقيم.
وها نحن نصلي يوميًا على محمدٍ وآله (عليهم السلام)، كما علّمنا القرآن الكريم على ذلك، والصلاة عليهم تعني طلب الرحمة والمقام الرفيع لهم، رغم أنّهم (عليهم السلام) قد حققوه. بل وصلّى على النبي وآله (عليهم السلام) قبلنا النبي وآله (عليهم السلام)، وهنا هم يطلبون الكمال بفيض الرحمة عليهم، ونيل أعلى المنازل المادية والمعنوية)(٢٤٠).
وعليه، يكون دعاء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) - بنيل الكمال بالهداية إلى صراطه- كمالاً من الكمالات.
٢- الصراط المستقيم هو الإمام علي (عليه السلام):
حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «الصراط المستقيم أمير المؤمنين (عليه السلام))(٢٤١).
فلعلّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) حينما دعا أن يهديه الله تعالى صراطًا مستقيمًا، من باب كون الإمام علي (عليه السلام) هو ميزان الأعمال بالعلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٠) ظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج١, ص٥٥.
(٢٤١) تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي, ج١ ,ص٤١.

(١٧٧)

والعمل، بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو لكون الإمام نفس النبي (عليهما السلام)؛ فللإمام علي من الكمال العلمي والعملي بالهداية والصراط ما للنبي (عليهما السلام).
فقد يطلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في دعائه أن يهديه الله تعالى صراطًا مستقيمًا كصراط الإمام علي (عليه السلام)؛ أي عبودية الإمام سيّد الموحدين، علي (عليه السلام)، التي هي أعلى الكمالات العبادية، النابعة من أعلى الكمالات العلمية التوحيدية؛ كلّ ذلك لأنّ دولته عالمية كاملة، وسيّد الكمالات هو التوحيد الحق المتجلّي بصدق العبودية لله الواحد الأحد.

(١٧٨)

الفقرة العاشرة:

«وقِني جميع ما أحاذره من الظّالمين"
الفقرة هذه من دعاء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) مضمون آياتٍ قرآنية كريمة تحث على الوقاية، والحذر من الأعداء.
* فقوله: «قِني" فعل أمر من الماضي (وقى)، وهذه صيغة طلبية من الداني (المخلوق) إلى العالي (الخالق)، وهي قسم من أقسام الدعاء.
فالفعل وقى: «...صانَهُ وسَتَرَهُ عن الأَذَى وحَمَاهُ وحَفِظَه، فهو واقٍ؛ ومنه قولهُ تعالى: (ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ)؛ أَي مِن دَافِعٍ،...ومنه قولهُ تعالى: (فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْم))(٢٤٢).
فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب من الله تعالى أن يصونه من أن يُمس بالأذى أو الضرر.
* قوله: «جميع ما أحاذره"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٢) تاج العروس من جواهر القاموس: للعلامة مرتضى الزبيدي, ج٢٠, ص٣٠٤.

(١٧٩)

الحذر: هو "الْخِيفَة، ورجلٌ حَذِرٌ وحَذُرٌ وحاذُورَةٌ وحِذْرِيانٌ: مُتَيَقِّظٌ شَدِيدُ الحَذَرِ والفَزَعِ، مُتَحَرِّزٌ؛ وحاذِرٌ: متأَهب مُعِدٌّ كأَنه يَحْذَرُ أَن يفاجَأ)(٢٤٣).
وقيل في الفرق بين الحذر والخوف هو "أنّ الحذر أوسع، فهو تحذّر من أمرٍ مظنونٍ أو متيقن، وبالحذر يدفع الضرر، بينما الخوف لا يدفعه، ويكون من أمرٍ متيقن الضرر، ولهذا يقال خذ حذرك، ولا يقال خذ خوفك)(٢٤٤)، وهذا لا يعني نفي الخوف عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، ففرض اثباته لا محذور منه - كما سيأتي-.
قوله: «من الظالمين" فالظُلم لغةً: هو "وضع الشيء في غير موضعه)(٢٤٥)، والظالم هو فاعل الظلم. ولا شكّ أنّ أشد أنواع الظلم هو الاجتراء على حدود الله تعالى التي أوضحها في كتابه الكريم، أو على لسان نبيّه الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله)، حيث قال تعالى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٣) لسان العرب: لابن منظور, ج٤, ص١٧٥.
(٢٤٤) ظ: الحاوي في تفسير القرآن الكريم: للأستاذ عبد الرحمن بن محمد القماش, مصدر إلكتروني.
(٢٤٥) لسان العرب: لابن منظور, ج١٢, ص٣٧٣.

(١٨٠)

﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(٢٤٦). أي: أساء إليها، وذلك بالتعرض لسخط الله تعالى ومقته، وأخذه وسطوته.
والثقلان - القرآن الكريم، والنبي وآله (عليهم السلام)- هما حدود الله تعالى؛ لأنّ بيان طاعة الله تعالى وموارد معصيته تتم من خلالهما، فطاعتهما طاعته تعالى، ومعصيتهما معصيته؛ يقول تعالى: ﴿وَمَن يعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾(٢٤٧).
فقرن الله تعالى طاعته بطاعتهم؛ لأنّهم الهداة؛ فكما القرآن الكريم هادٍ، كذا النبي وآله (عليهم السلام)؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) حينما سئل عن قول الله تعالى ﴿إنّما أنتَ منذرٌ ولكلّ قومٍ هاد﴾، قال: «رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) الْمُنْذِرُ وَلِكُلِّ زَمَانٍ مِنَّا هَادٍ يَهْدِيهِمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) ثُمَّ الْهُدَاةُ مِنْ بَعْدِهِ عَلِيٌّ ثُمَّ الاوْصيَاءُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِد)(٢٤٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٦) سورة البقرة: ٢٢٩.
(٢٤٧) سورة النساء: ١٤.
(٢٤٨) الكافي: للشيخ الكليني, ج١, باب أنّ الأئمة عليهم السلام هم الهداة, ص١٩١-١٩٢, ح٢.

(١٨١)

وعليه، فإن كلّ من يعادي الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) فهو ظالم، متعدٍ على حدود الله تعالى، مصيره جهنم خالدًا فيها وساءت مصيرا.
ومن هنا تتضح خطورة هذا العدو، طالما أنّه لم يرعَ لله تعالى إلاًّ ولا ذمة، فلن يفرق عنده أن يقتل شخصاً عادياً أو أحد أولياء الله تعالى، ولهذا دعا الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بأن يقيه الله تعالى ما يحذره من ذلك العدو الظالم الكافر.
الظالمون الذين يحذر الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) منهم مصداقٌ كلّي ينطبق على كلّ من يحاربه (عجّل الله فرجه الشريف)، ويمنع دعوته، كالسفياني وأتباعه، واليهود والنصارى المعارضين، والمخالفين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) المعادين، والذين كانوا شيعة، لكن تبدّلت عقيدتهم؛ لركاكتها، فأصبحوا أعداءً للإمام (عجّل الله فرجه الشريف). هؤلاء يحذَرُهُم الإمام (أرواحنا فداه)، فهم وأتباعهم ظالمون، ضالون مضلون، عليهم من الله تعالى ما يستحقون.
- فإن قيل: إنّ طلب الإمام الوقاية والحذر لازمه الخوف من أعدائه؛ لأنه لا حذر من دون خوف!

(١٨٢)

- يقال: بأنّ حذر الإمام وطلبه الوقاية راجع إلى أصول موضوعية، "منها:
١/ هناك قاعدة عقلية، تسمى ب(قاعدة لزوم دفع الضرر)، ومقتضاها أنّ الإنسان إذا واجهه ضرر ولو محتملاً، فعقله يوجب عليه أن يدفع ذلك الضرر - بالفرار منه أو مواجهته-. والإمام سيّد العقلاء، فاختار دفع ضرر أعدائه عنه، لاسيما وأنّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) مطلعٌ على تاريخ أعدائه، وواضح له هدفهم، لذا فضررهم له مرتكز في ذهنه.
٢/هناك مصاديق لبعض الأنبياء (عليهم السلام) خافوا عدوّهم، وحذروا منه، منهم النبي موسى (عليه السلام)؛ قال تعالى حكايةً: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِين﴾(٢٤٩)، فترقبه نتيجة حذره، وحذره نتيجة خوفه. وكذا النبي الأكرم، محمد (صلى الله عليه وآله) خرج من مكة خائفًا حذرًا حينما مات أبو طالب.
وفي الحقيقة فإن هذا الخوف إنما هو خوف على الرسالة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٩) سورة القصص: ٢١.

(١٨٣)

وعلى المهمة الموكلة له أن لا تتم قبل وقتها، بالتعرض للقتل مثلاً من الأعداء، فهو خوف على دين الله تعالى لا على نفسه، خصوصاً وأنه يعلم أن مصيره إلى الجنة.
فتبيّن أنّ الحذر أمرٌ حاصل عند كليم الله تعالى وحبيبه، فلا محذور في حصوله عند الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، فهو يخاف القتل، ويحذر منه، ولهذا طلب من الله تعالى أن يقيه مما يحذر)(٢٥٠).
٣/ هناك آيات قرآنية عديدة، تشير إلى أن يتخذ الإنسان من القرآن الكريم - بأدعيته وأذكاره- حجابًا يدفع به ضرر عدوّه، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا* وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا * وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾(٢٥١)، والإمام قرين القرآن الكريم، فيتخذ الدعاء القرآني حجابًا، ويقول: « اللهم قِني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٠) ظ: مقال عنصر الخفاء في القضية المهدوية: للشيخ حسين الأسدي, مجلة الموعود, العدد٤/ ذو الحجة/ ١٤٣٨ه.
(٢٥١) سورة الإسراء: ٤٥-٤٦.

(١٨٤)

ما أحاذره من الظالمين". وهذا بحد ذاته له ارتباط وثيق بفقرة دعائه السابق - اهدني صراطًا مستقيمًا- ؛ حيث يحقق الإمام أصدق درجات العبودية لله تعالى، بالخضوع والدعاء، فاتخذ من الدعاء بوقايته مما يحذر وسيلة لبيان مدى افتقاره إلى الله تعالى الواحد المعبود.
ومن هذا يتضح أن تصريح رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) بأنّ القائم من ذريته غاب لأنّه يخاف القتل؛ حيث روي عنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «لابُدَّ لِلْغُلامِ [الإمام المهدي (عليه السلام)] مِنْ غَيْبَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: وَلِمَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: يَخافُ القَتْل)(٢٥٢)، ليس خادشًا بعصمة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) لما ذكر هذه الصفة، بل ولما اتصف هو بها، طالما هي لحكمةٍ إلهية. ولازم قول النبي (صلى الله عليه وآله) هذا، أنّ حذر الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) المقارن لخوفه لا دخالة له في خدش العصمة، فيكون دعاؤه (عجّل الله فرجه الشريف) هذا هو من باب اعتقاده بأنّ الدعاء يرد البلاء، كما ورد عن أسلافه (عليهم السلام) حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «...الدعاء يرد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٢) علل الشرائع: للشيخ الصدوق, ج١, ب١٧٩, ص٢٤٣, ح١.

(١٨٥)

القضاء وقد ابرم إبراما)(٢٥٣).
فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) دعا الله تعالى بأن يقيه ضرر الأعداء، سواء أكان ذلك الضرر مبرمًا أو غير مبرم، وسواء أكان قد قضي له الضرر أو لم يقض؛ وذلك انطلاقًا من عقيدته بالله تعالى ذاتًا وصفاتًا حق الاعتقاد، فعلمه تعالى الأزلي يشمل لحظة دعاء الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) تلك، وقدرته تعالى الواسعة تشمل وقاية وليّه الضرر، وعدله تعالى يقتضي نصرة الحق وأهله، ودحض الباطل وشرذمته، وحكمته تعالى تقتضي تحقيق غرضه تعالى من جعل الأئمة (عليهم السلام) خلفاءَ لنبيّه الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم)، ليصلوا بعباده إلى الكمال بكافة نواحيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٣) الكافي: للشيخ الكليني, ج٢, باب أنّ الدعاء يرد البلاء والقضاء, ص٤٧٠, ح٦.

(١٨٦)

الفقرة الحادية عشر:

«واحجبني عن أعين الباغضين النّاصبين العداوة لأهل بيتِ نبيّك ولا يصل منهم إليّ أحد بسوء"
سبق وأنْ دعا الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بأولِ فقرةٍ من فقرات دعائه بالاحتجاب عن عيون أعدائه؛ حيث قال: «اللّهمّ احجبني عن عيون أعدائي". فلعلّ الإمام بدايةً أجمل، ثمّ فصّل، فعدّد مصاديق أعدائه. وهذا نظيرُ إجمالِ الله تعالى بدايةً في بيانِ قضية فلاح المؤمنين، ثم تفصيله وإعطائه صفاتهم؛ بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* اُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ

(١٨٧)

الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾(٢٥٤).
وطلبُه (عجّل الله فرجه الشريف) الاحتجاب من سوء الباغضين، الناصبين العداء له ولأهل البيت (عليهم السلام) طلبٌ واقعي، وليس وجدانيًا فقط، بل هو أعم كما سيأتي البرهان على ذلك.
* قوله: «احجبني" هو طلبٌ للاحتجاب، من الفِعل "حجَبَ: الحجاب: الستر. حجبَ الشيء، يحجبه حُجبا وحِجابا، وحجبه: ستره. وقد احتجب وتحجب إذا اكتنّ من وراء حجاب)(٢٥٥).
* وقوله: «الباغضين" جمع باغض، وهو فاعل البغض "نقيض الحب)(٢٥٦).
* وقوله: «الناصبين العداوة لأهل بيت نبيّك"، النصب معناه نصبُ الحرب نتيجة العداء، يقال: «أنصبت لفلانٍ نصباً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٤) انظر سورة المؤمنون: ١-١١.
(٢٥٥) لسان العرب: لابن منظور, ج١, ص٢٩٨.
(٢٥٦) مصدر سابق, ج٧, ص١٢١.

(١٨٨)

إذا عاديته وناصبته الحرب مناصبةً)(٢٥٧). فكل مَن ينصب العداء لمحمدٍ وآل محمد (عليهم السلام)، فهو ناصبي.
وبحسب ظاهر كلام الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) إنّه يدعو بدفعِ السوء الصادر منهم بكافةِ أقسامه.
وقد أردف الإمام صفة الناصبين بعد الباغضين، ولعله بلحاظ النظر إلى وحدةِ هدف الطائفتين، نعم، قد تختلفان في الدّين، بل والمذهب، لكنهما تشتركان في بطلان المنهج بطلانًا محضًا، وما يترتب عليه كالإساءة إلى من يخالفهما؛ بدليل اختلاف دعوتيهما عن دعوة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، الحق المحض.
•ومن مصاديق تلك الفئات:
١/ اليهود
تُعدُّ اليهود إحدى الفئات المبغضة للإمام المهدي ( عجّل الله فرجه الشريف)، ولا يخفى خبث المشاريع الماسونية التي تحاول خداع الناس بكون (الدّجال) هو المنقذ العالمي الموعود، ولو باستعمال الأكاذيب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٧) الصحاح: للجوهري, ج١، ص٢٢٥.

(١٨٩)

قبل زمان خروجه للناس، وبالخدع البصرية حين ظهوره.
هذا فضلاً عن الحقد الدفين الذي يكنّه اليهود للمسلمين؛ ففي حديث "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ[وآله] وَسَلَّمَ، قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْه)(٢٥٨)، دلالة واضحة على كون اليهود من أعداء المسلمين عمومًا، بقرينة الاقتتال.
 ٢/ النصارى
إنّ عداء النصارى للإسلام عمومًا، ولآخر إمام حقٍ خصوصًا، ليس كعداء اليهود، فهناك مشتركات بين المسلمين والنصارى، منها نزول النبي عيسى (عليه السلام) من السماء؛ لينشر العدل، لكن بعض القساوسة والرهبان حرّفوا بالإنجيل؛ ليجعلوا نصوصه تتلاءم مع مصالحهم الشخصية، وأهوائهم؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٨) صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج, ج٤, كتاب الفتن وأشراط الساعة, ب١٨, ص٢٣٩, ح٨٢.

(١٩٠)

لأغراضٍ شتى، منها سياسية، فمن الطبيعي من يتعصّب لدينه، دون البحث عن الحق، فإنّه يُسيء لكلِّ من يُخالفه في المعتقد، فكيف لا يُسيء إلى قائد الدعوة العالمية الإسلامية؟!
النصارى أطلقت عليهم الروايات اسم (الروم)؛ فبعض الروايات صرّحت إنّهم يوالون السفياني حين دخوله إلى بلادهم، حتى أنّه يرتدي الصليب الذي يرتدونه؛ فما نقل إنّه "يقبل السفياني من بلاد الروم متنصرا في عنقه صليب وهو صاحب القوم)(٢٥٩).
فنصبهم العداء للمسلمين واضح من خلال كون الروم أشد الناس عداءً؛ "عن عبد الرحمن ابن جبير أن المستورد قال بينا أنا عند عمرو بن العاص فقلت له سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أشد الناس عليكم الروم)(٢٦٠).
٣/ النواصب
وهي طائفةٌ تدّعي الإسلام، بل وتزعم أنّها على حق، تكفّر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٩) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج١, ص٤٨٣, ح٤٧٨.
(٢٦٠) مسند أحمد: لأحمد بن حنبل, ج٢٩, ص٥٥١, ح١٨٠٢٣.

(١٩١)

ثلاثة أثلاث المذاهب الإسلامية - فضلًا عن الأديان-، منهجها السيف والبطش، منها منبع السفياني وأسلافه، ومعروف نهجهم ضد العلويين سابقًا، فلا عجب من استمراره حتى مع قائم آل محمد (عجّل الله فرجه الشريف)؛ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إنا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله، قلنا: صدق الله وقالوا: كذب الله. قاتل أبو سفيان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وقاتل معاوية علي بن أبي طالب (عليه السلام). وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي عليهما السلام، والسفياني يقاتل القائم (عليه السلام))(٢٦١).
والسوء الذي يريد أنْ يصيب السفياني به الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ليس بقليل؛ لما قد يُعيث بالأرض فسادًا وظلمًا، هو وأتباعه النواصب.
٤/ المسلمون غير الشيعة الإمامية
فالسوء الذي يصيب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من هذه الفئة، هو تأثرها بموروثها البعيد عن منهج أهل البيت (عليهم السلام)، وعدم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦١) معاني الأخبار: للشيخ الصدوق, باب معنى قول الصادق (عليه السلام) أنا وآل أبي سفيان أهل بيتين عادينا في الله عز وجل, ص٣٤٦, ح١.

(١٩٢)

إقرارها بحصر أحقية أهل البيت (عليهم السلام) بالخلافة بعد النبي محمد (صلى الله عليه وآله).
نعم، هؤلاء يؤمنون بوجود مهدي، لكنّه لم يولد بعد! وهم رغم ذلك ينكرون تراثهم الروائي، وصحاح كتبهم كبعض المبادئ التي من الممكن أنْ توصلهم إلى باحة النجاة، كالأحاديث الواردة في تراثهم بأنّ المهدي من ذرية السيدة الزهراء (عليها السلام)، وأنّ اسمه اسم النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنّ عدوّه من آل أمية، لكنهم عكفوا وتعبّدوا بما يردده (دهاقو علمائهم)(٢٦٢)، حتى باتت طاعة ذرية الإمام الحسين - ومنهم الإمام المهدي الذي لا يعتقدون به- (عليهم السلام) ليست مفروضة، بل التشكيك بهذه العقيدة؛ نصرةً لعقيدتهم. على حين نجد بعضهم يكنُّ السلام والاحترام لجميع الأئمة، لكنه لا يقرّ بإمامتهم.
ولهذا تذكر الروايات أنّ أقوامًا تُحاجّ الإمام عند ظهوره الأكبر بين الركنِ والمقام، فيقول: «ألاَ وَمَنْ حَاجَّنِي فِي كِتَابِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٢) أي من أضداد علمائهم, راجع لسان العرب: لابن منظور, ج١٠, فصل الدال المهملة, ص١٠٦.

(١٩٣)

اللهِ فَأنَا أوْلَى النَّاس بِكِتَابِ اللهِ، ألاَ وَمَنْ حَاجَّنِي فِي سُنَّةِ رَسُول اللهِ (صلَّى الله عليه وآله) فَأنَا أوْلَى النَّاس بِسُنَّةِ رَسُول الله)(٢٦٣). وهذا مما يسبب له أذىً؛ نتيجة عدم بحثهم عن الحق طيلة فترة غيبته، فيطلبون منه الدليل على مصداقيةِ ما يدعو إليه، ليؤمنوا به، تاركين ما كانوا يتبعون، ومكسرين قيود الاستعباد التي قيّدهم بها دهاقينهم، فيعتنقون التشيّع، ولا يبعد أنْ يكونوا من الدعاة تحت يدي الإمام، فينيرون بصيرة غير الشيعة.
* ويرد في المقام سؤال، حاصله: ما هو السوء الذي دعا الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) أنْ لا يُصاب به؟
يجاب عنه: بأنّ السوء قد يكون معنويًا، وقد يكون ماديًا محسوسًا. والسوء: نقيض الإحسان، فيقال: «أَساءَ الرجلُ إساءَةً: خلافُ أَحسَن. وأَساءَ إِلَيْهِ: نَقِيضُ أَحْسَن إِلَيْه)(٢٦٤).
بيان ذلك:
■السوء المعنوي يمكن أنْ يتصور على عدّة أمورٍ، منها:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٣) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٤, ص٢٢٨, ح٦٧.
(٢٦٤) لسان العرب: لابن منظور, ج١, فصل السين المهملة, ص٩٧.

(١٩٤)

١/ التشكيك بأصل فكرة المنقذ العالمي الموعود.
 وهذا السوء قد يكون صدوره أوضح فيما لو انبعث من غير المسلمين - فضلاً عن المسلمين-، الباغضين للإمام؛ كاليهود مثلًا، حيث يزعمون أنّ المنقذ العالمي الموعود هو الدّجال.
ومهما كان منبع ذلك التشكيك فإنّه يلحق السوء المعنوي بالإمام؛ حيث حزن الإمام على من سلك طريق الضلال، تمامًا كجدّه المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله) الذي وصف حاله القرآن الكريم، بقول الله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفا﴾(٢٦٥)، وجاء في تفسير البخوع "والأسف شدة الحزن)(٢٦٦).
٢/ التشكيك في ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف).
هذا قد يكون صدوره أوضح فيما لو صدر من النواصب؛ فلم ننسَ "الشبهات المطروحة حول فرية السرداب، ونفي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٥) سورة الكهف: ٦٢.
(٢٦٦) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي, ج١٣, ص٢٤٠.

(١٩٥)

غيبته، وباللازم نفي وجوده وولادته)(٢٦٧).
بل ويُحتمل صدور هذا السوء من المسلمين الذين يجحدون ما تسالم عليه المسلمون كافة. حيث إنّ المهدي في عقيدتهم لم يولد بعد، فيشككون الشيعة الإمامية بمعتقداتهم، وهذا مما يسبب اذى معنويًا للإمام (عجّل الله فرجه الشريف)؛ لأنّ ذلك التشكيك قد ينحرف بسببه العديد من متزلزلي العقيدة، والإمام يريد أرضية معدّة لظهوره.
٣/ ظهور من يدّعي المهدوية
فإنّ التفاف بعض الناس السذّج حول كلِّ من يدّعي أنّه المهدي الموعود يوجب إدخال السوء على قلب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)؛ حزنًا منه عليهم، نتيجة خسرانهم الخسران المبين، وخشيةً عليهم من عدم تصديقهم له عند ظهوره الأكبر؛ فإنّ طبيعة الإنسان حينما ينخدع بالباطل أكثر من مرّة لا يألف الحق بعدُ إلاّ بالبرهان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٧) كما قال ابن تيمية في منهاجه: "وَمِنْ حَمَاقَتِهِمْ [الرافضة] أَيْضًا أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لِلْمُنْتَظِرِ عِدَّةَ مَشَاهِدَ يَنْتَظِرُونَهُ فِيهَا كَالسَّرَادِبِ الَّذِي بِسَامَرَّا الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ غَابَ فِيهِ" في منهاج السنة, ج١, كلام عام عن الرافضة, بعض حماقات الشيعة, ص٤٤.

(١٩٦)

فقد تكون فترة دعوتهم إلى الحق فيها مشقة على الإمام وأتباعه.
٤/ ظهور من يدّعي السفارة
إنّ مّن يدّعي السفارة عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) لاشكَّ أنّه يريد الشهرة، وبالتالي يلتفُ الناس حوله، فيبدأ يتقوّل على لسان الإمام ما لم ينزّل الله تعالى به من سلطان، بل وقد يدّعي استمداد الغيب منه!
وهذا من موجبات السوء للإمام، لأنّ كلًا من الداعي ومُلبي الدعوة لم يمتثل لنهي الإمام بعدم اتباع من يدّعي المشاهدة والسفارة)(٢٦٨)؛ حيث قال الإمام (عجل الله فرجه) في أحد توقيعاته المباركة: «وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كاذب مفتر)(٢٦٩). علمًا أنّ المراد من المشاهدة الممنوعة: «هي النيابة عن الإمام (عليه السلام) قبل خروج السفياني؛ بقرينة ادعاء مشاهدته (عليه السلام) في لقاءات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٨) ظ: مقال دراسات استراتيجية الاعداء في حربهم ضد الامام المهدي (عليه السلام) حالياً: للكاتب مجتبى السادة, مجلة الانتظار, العدد١٦/محرم/ ١٤٣٠ه.
(٢٦٩) الاحتجاج: للشيخ الطبرسي, ج٢, ص٢٩٧.

(١٩٧)

جملة من العلماء والمؤمنين لشخص الإمام (عليه السلام) والتحدث معه صلوات الله عليه، وهو أمرٌ تسالمت على مشروعيته الطائفة حتّى عدّوا أولئك النفر من الثقات الذين حازوا شرف المشاهدة وتوفيق اللقاء من أجلّة الطائفة ومفاخرها.
إذن فالظاهر ليس المقصود من ادعاء المشاهدة هي ادعاء المعاينة واللقاء، بل المقصود _ والله أعلم _ هي دعوى السفارة أو الوكالة الخاصة عن الإمام (عليه السلام))(٢٧٠).
■أما السوء المادّي فمن الممكن أن يتصور على عدّة أمورٍ، منها:
١/ مهاجمة جيش السفياني للمدينة المنورة حين الظهور الأولي للإمام (عجل الله فرجه) فيها.
فروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «يبعث السفياني بجيش إلى المدينة فيأخذون من قدروا عليه من آل محمّد(صلى الله عليه وآله) ويقتل من بني هاشم رجالًا ونساءً، فعند ذلك يهرب المهدي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٠) موجز دائرة معارف الغيبة: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه, ص١٥٦-١٥٧, ٤٠١/٣٧.

(١٩٨)

والمنتصر من المدينة إلى مكّة، فيبعث في طلبهما وقد لحقا بحرم الله وأمنه)(٢٧١).
فهذا قد يكلّف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ماديًا، من حيث خسارة عدد مواليه الذين قد يشكلون صفًا في جيشه عند ظهوره العلني الأكبر، أو من حيث ترميم ما سببه السفياني وجيشه من دمار في أرض المدينة، مما قد يثقل ميزانية الإمام ماديًا.
٢/ قتل النفس الزكية يمثل تهديدًا للإمام بالقتل
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «وَقَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ مِن المَحْتُوم)(٢٧٢).
فخسارة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) لهكذا شخصية موثوقة، ومخلصة، ومجندة لنشر قضية الإمام، تعد خسارة مادية في عدد صفوف جيشه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧١) معجم الملاحم والفتن: لمحمود الده سرخي, ج٣, ص٢٣.
(٢٧٢) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٤, ص٢٦٣, ح١٥.

(١٩٩)

٣/ خروج الدجال
روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «... يَا خَيْثَمَةُ سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَعْرِفُونَ اللهَ مَا هُوَ التَّوْحِيدُ، حَتَّى يَكُونَ خُرُوجُ الدَّجَّال)(٢٧٣). بغضِّ النظر عن تشخيص الدجال، هل هو حركة، أم شخص، ففي الحالتين لا شكَّ في أنَّ هدفه يسبب سوءًا ماديًا للإمام؛ حيث إعادة تصحيح فكر من ضلّ بضلال الدجّال يحتاج كتبًا وبنايات لتعليم العقيدة الحقة، ولا يستبعد أن يبني الإمام المدارس، لنشر العلم الواقعي، وتصحيح المنحرف، ودحض البدع. وجميع ذلك ولوازمه يتطلب تكلفة مادية، تؤثر على الميزانية المالية للإمام.
٤/ ظهور يأجوج ومأجوج
"وهم أقوام حركتهم مفسدة، يعيثون في الأرض فسادًا مطلقًا، يتزامن ظهورهم مع ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، مما يسبب له سوءاً أو أذى ماديًا؛ بتخريب قيم ومبادئ المجتمعات، وهذا يتطلب نفس ما تطلب في النقطة الثالثة أعلاه؛ من بناء مدارس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٣) تفسير فرات الكوفي: لفرات ابراهيم الكوفي, ص١٣٩.

(٢٠٠)

مثلاً لتدريس القيم والمبادئ الصحيحة،
أو قد يتمثل السوء المادي نتيجة تخريب ممتلكات المجتمعات؛ مما يتطلب مالاً وفيرًا لإعادة بنائها.
وكذا الحال لو عاثوا في الأرض فسادًا بقتل النفوس البشرية التي تواجههم، فهذا ينبئ عن خسائر بشرية في الأيدي العاملة المستثمرة، فضلاً عن تطلبه توفير المال لدفنهم وتنظيف الأرض من تبعات فساد يأجوج ومأجوج.
وقد أشار إليهم الله تعالى في كتابه الكريم في سورة الكهف، قائلاً: «﴿حتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأْرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدّا﴾، فحجبهم الله تعالى بذلك السد، إلى أنْ يشاء وينفتح، فيرجعوا ليغزوا البقاع، ﴿حتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأْرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ

(٢٠١)

لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾)(٢٧٤). وقوله تعالى: ﴿حتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُون﴾(٢٧٥)، فشرُّهم واضحٌ من سياق الآيات الكريمة)(٢٧٦).
* تنبيهات:
١/ ليس كلُّ مخالفٍ من أبناء العامة يمسُّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بسوء، بل حتى وإنْ كان ناصبيًا؛ لخضوع الأحداث إلى البداء، وللاعتقاد بيوم الأبدال.
فروي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... يأتي العذراء هو ومن معه، وقد لحق به ناس كثير، والسفياني يومئذٍ بوادي الرملة حتى إذا التقوا، وهو يوم الأبدال يخرج أناسٌ كانوا مع السفياني من شيعة آل محمد (عليهم السلام)، ويخرج أناسٌ كانوا مع آل محمد (عليهم السلام) إلى السفياني، فهم من شيعته حتى يلحقوا بهم، ويخرج كلُّ ناسٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٤) سورة الكهف: ٩٣-٩٤.
(٢٧٥) سورة الأنبياء: ٩٦.
(٢٧٦) ظ: موجز دائرة معارف الغيبة: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام), حرف الياء, ١/٤٨٨.

(٢٠٢)

إلى رايتهم وهو يوم الأبدال)(٢٧٧)؛ إشارةً إلى تبدّل موقف بعض المخالفين في يوم الأبدال، فإذا بهم يبدلون موقفهم فيلتحقون بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وكذا العكس كما هو ظاهر الرواية.
٢/ ليس كلُّ نصرانيٍ عدوًا للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ فظاهر الروايات يشير إلى إسلام الكثير منهم؛ لسببين رئيسيين: مُحَاجَجَة الإمام إياهم بالإنجيل الصحيح، ونزول النبي عيسى (عليه السلام) من السماء، واعتناقه الإسلام، فحبًا به واتبّاعًا له لا يمسون الإمام بسوء؛ لأنّه فضلاً عن كونه حاكم البقاع، فهو قائد نبيّهم.
٣/ ليس كلُّ يهوديٍ يُعادي الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، فكثيرٌ منهم يدخل في دين الله تعالى طوعًا، بعد أنْ يحاجّهم الإمام بالتوراة الصحيحة غير المحرّفة.
نسأل الله تعالى أن يدفع عن وليّه سوء الباغضين المعادين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٧) تفسير العياشي: لمحمد مسعود العياشي, ج١, ص٦٦.

(٢٠٣)

الفقرة الثانية عشر:

«فإذا أذنت في ظهوري فأيّدني بجنودك واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيّدين وفي سبيلك مجاهدين وعلى من أرادني وأرادهم بسوء منصورين"
هنا ينتقل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بدعائه إلى مجريات ما بعد الظهور العلني، ويكرر افتقاره إلى خالقه الله تعالى، فيطلب التأييد والنصر؛ لأنّهما متلازمان، لا ينفكان إلاّ بمعجز، وحيث إنّ أصل أغلب مهام الإمام ليست إعجازية، وإنّما تعتمد على البراهين، واجتماع عدّة أمور - كما سيأتي- لذا طلب التأييد الحسي.
قوله: «فإذا أذنت في ظهوري" إشارةً منه إلى أنّ زمن الظهور العلني راجع إلى الله تعالى - رغم علم الإمام به أيضًا-، حيث إنّ تقديم أو تأخير ظهور الإمام أمرٌ ممكن بالنسبة لله القادر، وقدرته تعالى تتعلق بكل ممكن.

(٢٠٥)

ولعلها إشارة من الإمام إلى إلجام أفواه الغلاة من الأنام، الذين يقولون باستقلال الإمام عن الله تعالى بعلم الغيب، فممكن أن يخاطبوا الإمام ب: (لِمَ لا تظهر؟)!.
ففي توقيعٍ روي أنّه صدر من الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) إلى محمد بن علي بن هلال الكرخي، قال فيه: «يا محمد بن علي تعالى الله عز وجل عما يصفون، سبحانه وبحمده ليس نحن شركاءه في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره... يا محمد بن علي قد أذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه فأشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى به شهيدا ورسوله محمدا وملائكته وأنبياءه ورسله وأولياءه (عليهم السلام)، وأشهدك وأشهد كل من سمع كتابي هذا أني برئ إلى الله وإلى رسوله ممن يقول إنا نعلم الغيب)(٢٧٨).
* وقوله: «فأيّدني بجنودك" الفاء هنا عاطفة، فبعد أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٨) الاحتجاج: للشيخ الطبرسي, ج٢, ص٢٨٨-٢٨٩, مما خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه، ردا على الغلاة من التوقيع جوابا لكتاب كتب إليه على يدي محمد بن علي بن هلال الكرخي.

(٢٠٦)

طلب الظهور، يطلب التأييد بجنودٍ، نسبهم إلى الله تعالى مباشرةً، فقال: «بجنودك".
والمراد من طلب التأييد هو:
١/ طلب التأييد بالأنصار، وهو ما أكدته الروايات الشريفة، مثل ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «لا يَخْرُجُ القَائِمُ (عليه السلام) حَتَّى يَكُونَ تَكْمِلَةُ الحَلْقَةِ. قُلْتُ: وَكَمْ تَكْمِلَةُ الحَلْقَةِ؟ قال: عَشَرَةُ آلافٍ، جَبْرَئِيلُ عَنْ يَمِينِه، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسارِه)(٢٧٩). ولذا عد بعض الباحثين أن اكتمال عدد الأنصار من شرائط الظهور.
وفي الحقيقة إنّ هذا الشرط كان مفقودًا عند المعصومين (عليهم السلام)، لذا كانوا لا يتحركون بالثورة، فهذا أحد الأسباب التي دعتهم الى ذلك.
ومن هنا روي أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال لسدير: «... وَاللهِ يَا سَدِيرُ لَوْ كَانَ لِي شِيعَةٌ بِعَدَدِ هَذِهِ الْجِدَاءِ مَا وَسِعَنِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٩) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٩, ص٣١٨, ح٢.

(٢٠٧)

الْقُعُود)(٢٨٠).
٢/ طلب التأييد بالملائكة، كما أيد الله تعالى نبيه بهم في معركة بدر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ* بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِين﴾(٢٨١).
والروايات الدالة على هذا المعنى عديدة، منها:
ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «يُبَايَعُ القَائِمُ بِمَكَّةَ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَيَسْتَعْمِلُ عَلَى مَكَّةَ، ثُمَّ يَسِيرُ نَحْوَ المَدِينَةِ، فَيَبْلُغُهُ أَنَّ عَامِلَهُ قُتِلَ، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَيَقْتُلُ المُقَاتِلَةَ، وَلا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ يَنْطَلِقُ فَيَدْعُو النَّاسَ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ... حَتَّى يَبْلُغَ البَيْدَاءَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ جَيْشُ السُّفْيَانِيِّ، فَيَخْسِفُ اللهُ بِهِم)(٢٨٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٠) الكافي: للشيخ الكليني, ج٢, باب في قلة عدد المؤمنين, ص٢٤٣, ح٤.
(٢٨١) سورة آل عمران: ١٢٤-١٢٥.
(٢٨٢) بحار الأنوار: للعلاّمة المجلسي, ج٥٢, باب ٢٦, ص٣٠٨, ح٨٣.

(٢٠٨)

وكذلك ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إِذَا قَامَ القَائِمُ (صَلَوَاتُ اَللهِ عَلَيْهِ) نَزَلَتْ مَلَائِكَةُ بَدْرٍ وَهُمْ خَمْسَةُ آلَافٍ، ثُلْثٌ عَلَى خُيُولٍ شُهْبٍ، وَثُلْثٌ عَلَى خُيُولٍ بُلْقٍ، وَثُلْثٌ عَلَى خُيُولٍ حُوٍّ»، قُلْتُ: وَمَا الحُوُّ؟ قَالَ: «هِيَ الحُمْر »)(٢٨٣).
٣/ طلب التأييد بالأنصار والملائكة معًا، وهو احتمال وارد أيضًا؛ فبعض الروايات جمعت التأييد بالأِنس من الشيعة المخلصين، وبالملائكة، والجن، وحتى الرعب، منها: ما روي عن أبي حمزة الثمالي أنّه قال: «سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) يقول: لو قد خرج قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله) لنصره الله بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين، يكون جبرائيل أمامه، وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، والرعب يسير مسيرة شهر)(٢٨٤).
والرعب الذي يؤيد الله تعالى الإمام به، وينصره به على أعدائه، خير سلاحٍ، "وهو إلقاء الرعب في قلوبهم بمجرد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٣) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٣, ص٢٤٩, ح٤٤.
(٢٨٤) مصدر سابق, ج١, ص٢٣٧-٢٣٨.

(٢٠٩)

سماعهم بتحركات الإمام، فيعينونه على النصر عليهم)(٢٨٥).
ومنها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «...يظهر رَجُلٌ مِنْ وُلْدي، يَمْلأ الأرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرَاً وَظُلْمَاً...وَيُؤَيّدُهُ اللهُ بالْمَلائِكَةِ، والجنّ، وَشِيعَتِنَا الْمُخْلِصين)(٢٨٦).
ولعلّ انتصاره بالجن يكون على الجن الطالح الذي يسخره أعداء الإمام للحرب، ولعلّ الله تعالى يسخر الجن لخدمة الإمام كما سخرهم للنبي سليمان (عليه السلام).
* وقوله: « واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيّدين" دعاء منه لأتباعه بأن يؤيدهم الله تعالى بنفس التأييد الذي أيّده به (بالملائكة، والجن، والإنس من الشيعة المخلصين، والرعب)، وهذا ليس بمحال؛ فسبق وأن أيّد الله تعالى بالملائكة أم النبي موسى (عليهما السلام)، فكذا أتباع الإمام.
وأمّا تأييد الأتباع بالجن، والشيعة المخلصين، والرعب،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٥) ظ: موجز دائرة معارف الغيبة: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه), ٦٧/ ٤٣١.
(٢٨٦) ارشاد القلوب: للديلمي,ج٢, ص٢٨٠.

(٢١٠)

فهو لازم نصرة الإمام، وفي ذلك نصرة الدّين.
* وقوله: «وفي سبيلك مجاهدين" استمرار منه (عجّل الله فرجه الشريف) في دعائه لأتباعه، فبعد أن طلب لهم التأييد، يطلب لهم بلوغ منزلة المجاهد في سبيل الله تعالى، ولا يبعد أن يقصد الجهاد بكافة أقسامه - فكرياً، وبدنياً، ونفسياً، ومالياً-، ولهذا يمتاز أتباع الإمام عن غيرهم بهذه الميزات.
* وقوله: «وعلى من أرادني وأرادهم بسوء منصورين"
هنا كأنّ الإمام يشير إلى الوحدة بينه وبين أتباعه؛ فمن يرده من أعدائه بسوء، يرد السوء بأتباعه، وهذه قرينة حالية تكشف عن معنى كلامه السابق " واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيّدين"؛ فكما يطلب دفع السوء عن نفسه، وعن أتباعه، فكذا طرق تأييده هي طرق تأييد أتباعه - مع فارق اختصاص الإمام بالمعجز دونهم-.
وأمّا السوء الذي يطلب الإمام من الله تعالى صرفه عنه وعن أتباعه فقد تم التطرق له عند شرح الفقرة السابقة من دعائه:

(٢١١)

« واحجبني عن أعين الباغضين النّاصبين العداوة لأهل بيت نبيّك ولا يصل منهم إليّ أحد بسوء)(٢٨٧). فدعاء الإمام بصرف السوء المعنوي والمادي يشمله وأتباعه.
وأما النصر الذي سيحققه أتباع الإمام - الذين سيرجعون للحياة الدنيا والذين يعاصرون زمن ظهوره- فسيأتي تفصيله عند شرح الفقرة السادسة عشر من هذا الدعاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٧) ظ: تجليات معرفية في الخطاب المهدوي, ف١٦.

(٢١٢)

الفقرة الثالثة عشر:

«ووفّقني لإقامة حدودك»:
إنّ من أهم وظائف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هي تبليغ رسالات الله تعالى، فيدعو لنفسه، ويطلب التوفيق من الله تعالى حتى يقيم حدوده تعالى.
وحدود الله تعالى هي الإيمان به وبرسوله - وما يلزم ذلك- ؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّه﴾(٢٨٨). وحدود الله تعالى هي حدود نبيّه محمد (صلى الله عليه وآله)؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيها وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِين﴾(٢٨٩).
لعلها هذه إشارة من الإمام إلى خطورة فصل الكتاب الكريم عن السنة النبوية، وبالتالي فمن يقل: حسبنا كتاب الله، فقد تعدّى حدود الله تعالى، وظلم نفسه؛ لأنّه فرّق بين الإيمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٨) سورة المجادلة: ٤.
(٢٨٩) سورة النساء: ١٤.

(٢١٣)

بالله تعالى وبرسوله (صلى الله عليه وآله)، ومن ظلم نفسه فله عذابٌ أليم؛ قال تعالى: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرا﴾(٢٩٠)، ونِعمَ به سبحانه مِن حكيمٍ ما أعدله.
وكلّ إنسانٍ يعقل أنّ أشد أنواع الظلم هو التجري على حدود الخالق تعالى التي أوضحها في كتابه الكريم أو على لسان نبيّه الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله)، حيث قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾(٢٩١)؛ أي: أساء إليها، وذلك بتعريضها لسخط الله تعالى ومقته، وسطوته. فمن لطف الله تعالى بالعباد هو ظهور الإمام لإنقاذ الأنام.
إذًا حدود الدّين هي سياج الدّين، المتمثلة بالعقيدة والفقه والأخلاق، المستمدة من النبي محمد وآله (عليهم السلام)، وهي - أو على الأقل البعض منها- في زمن الغيبة معوجة، تحتاج إلى إقامة، أي تعديل الانحرافات، ومقيم العوج هو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، والمؤمن يندب إمامه كلّ جمعة قائلًا: «أَيْنَ المُنَتَظَرُ لإقامَةِ الأَمْتِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٠) سورة الكهف: ٨٧.
(٢٩١) سورة البقرة: ١٩٩.

(٢١٤)

وَالعِوَج؟".
ومن مظاهر ذلك العوج في حدود الله تعالى:
■أوّلًا: حدود الله تعالى العقائدية:
فأصول الدّين باعتقاد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) خمسة - التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد- وبالتالي يرى في كلّ أصلٍ اعوجاجًا، فيعمل على تعديله؛ ببيان الحق.
وبيان ذلك
١/ على مستوى الاعتقاد بالتوحيد:
فعقيدةٌ تقول بأنّ الذات الإلهية مركّبة، وبمغايرة الصفات الذاتية للذات الإلهية، وتنسب الصفات السلبية ولوازمها لله تعالى كالجسمية، والرؤية البصرية، والمكان، والجهة - مثلاً-، وتجمد على ظواهر الألفاظ، فتثبت الصفات الخبرية لله تعالى بلا تأويل، لهي عقيدة معوجة منحرفة، تحتاج إلى إقامة، فيها تعدٍ على أعظم حدود دين الله تعالى، وهو التوحيد.
فهنا الإمام يُقيم حدود الدّين؛ ببيان التوحيد الصحيح،

(٢١٥)

بأنّ التوحيد هو الاعتقاد ببساطة الذات الإلهية، ونفي التركيب عنها. وأنّ الله تعالى له صفات ذاتية هي عين ذاته. وأما الصفات السلبية فيجب سلبها عنه تعالى كالرؤية البصرية - مثلًا- ؛ لأنّها تجعل المرئي جسمًا، والجسم محتاج إلى أجزائه، والمحتاج ليس بإله، والله هو الغني الحميد.
ويبيّن للناس ضرورة تأويل بعض الصفات الخبرية، كتأويل (يد الله بقدرة الله تعالى)، و(عرش الله بعلم الله تعالى)، وغيرها من الصفات التي أخبر بها القرآن الكريم.
وحيث إنّ الإمام هو من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويل الكتاب، فيُعلّم الناس ذلك التأويل؛ ليُنزهوا الله (سبحانه وتعالى).
٢/ على مستوى الاعتقاد بالعدل الإلهي:
فعقيدةٌ لا تقول بركنية العدل الإلهي ضمن اصول الدّين، وتقول بأنّ الله تعالى يجبر عباده على المعصية، أو أنّه تعالى فوّض إليهم أمور حياتهم استقلالًا عنه تعالى، لهي عقيدةٌ معوجة منحرفة،

(٢١٦)

تحتاج إلى إقامة.
فهنا الإمام يقيم حدود الدّين؛ ببيان الاعتقاد الصحيح بالعدل الإلهي؛ فيُعلّم الناس أنّ العدل الإلهي ثاني أصل من أصول الدّين، ويجب الاعتقاد به، وأنّه لا جبر ولا تفويض، وإنّما أمرٌ بين أمرين، فليس الله تعالى يجبر الناس على ارتكاب المعاصي ثم يعذبهم فيكون ظالمًا لهم، وليس يفوّض إليهم الأمر استقلالًا عنه تعالى فيكون غير قادرٍ على صرف شيٍء منهم أو عنهم.
وإنّما الاعتقاد الصحيح بعدله تعالى هو أنّه خلق العبد مختارًا في الفعل والترك مع احاطة قدرته بهم.
٣/ على مستوى الاعتقاد بالنبوة:
فعقيدةٌ تنسب الخطأ والسهو والنسيان للأنبياء (عليهم السلام) عمومًا، وللنبي محمد (صلى الله عليه وآله) خصوصًا، لهي عقيدة معوجة منحرفة، تحتاج إلى إقامة.
فهنا الإمام يقيم حدود الدّين؛ ببيان أنّ الاعتقاد الصحيح

(٢١٧)

بالنبوة العامة والخاصة يكون بتنزيه النبي عن الخطأ والسهو والنسيان، في تلقي الرسالة السماوية، وتطبيقها، وتبليغها، وأنّه معصوم عن الكبائر والصغائر قبل البعثة وبعدها.
وضرورة القول بعصمة جميع الأنبياء، والإيمان بهم، وبكتبهم، إلّا المحرّف منها، فسيأتي الإمام للناس بالتوراة والإنجيل الصحيحين.
٤/ على مستوى الاعتقاد بالإمامة:
فعقيدةٌ تقطع حبل الخلافة من بعد رسول الله تعالى، وتجعل عباد الله تعالى سدى بلا هادٍ، وتخالف ما تواتر من حديث - كحديث الغدير والثقلين- حينما أوصى رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخلافة من بعده إلى الإمام علي وذريته (عليهم السلام)، بل وتطعن بعصمة من أذهب الله تعالى عنهم الرجس، وتنكر إمامتهم، وتفضّل من هم دونهم عليهم، لهي عقيدة معوجة منحرفة، تحتاج إلى إقامة.
فهنا الإمام يقيم حدود الدّين؛ ببيان ضرورة الاعتقاد

(٢١٨)

بالإمامة كلطف من الله تعالى بعباده؛ حيث لم يجعلهم سدى بلا وليٍ هاد، بل وهي مكملة للنبوة، وكل ما ثبت للنبي يثبت للإمام - ما عدا الوحي والمعجز-.
ويبيّن للناس الملازمة بين أصل الإمامة وأصول الدّين التي تسبقها؛ فمن أنكر الإمامة فقد أنكر النبوة، ومن أنكر النبوة فقد أنكار العدل الإلهي والتوحيد.
كما ويبيّن لهم اهمية الاعتقاد بعصمة الإمام، ووجوب طاعته، وحيثُ إنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هو الحاكم العالمي آنذاك، وولي الأمر، فيوجب عليهم طاعته؛ بأمرٍ من الله تعالى حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾(٢٩٢).
٥/ على مستوى الاعتقاد بالمعاد:
فعقيدةٌ تقول بفناء النار، وإنكار الشفاعة، ومسائل نخشى الله تعالى من ذكرها، لهي عقيدة معوجة منحرفة، تحتاج إلى إقامة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٢) سورة النساء: ٥٩.

(٢١٩)

فهنا الإمام يقيم حدود الله تعالى؛ ببيان العقيدة الحقة بالمعاد حين ظهوره.
■ثانيًا: حدود الله تعالى الفقهية:
ففروع الدّين التي يتعبد بها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) - حسب ما وصلنا عن آبائه عن جدهم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وعليهم) هي: الصلاة، الصوم، الخمس، الزكاة، الحج، الجهاد، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، التولي لأولياء الله تعالى، التبري من أعداء الله تعالى. والعبادة بغير تلك الفروع عبادة معوجة منحرفة، تحتاج إلى إقامة.
فهنا الإمام يقيم حدود الدّين؛ ببيان ضرورة التعبّد بفروع الدّين هذه، كما ويبيّن كيفيتها الواقعية، فتنحل المذاهب الفقهية، وتذوب الرؤى المختلفة، وتحلّ الأحكام الواقعية محل الظاهرية، فلا تقليد، ولا استنباط حكمٍ، ولا فتوى، ولا احتياط، ولا حتى اجتهاد، بل حُكم الله تعالى الواقعي يؤخذ من خليفته على أرضه، الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف).

(٢٢٠)

وسبب تعبّد الأمة في زمن الغيبة بالأحكام التي أغلبها ظاهرية راجع إلى عدّة أسباب، "وقد تمت الإشارة إليها سابقًا، في شرح فقرة (وأحي بي ما درس من فروضك وسننك)، والتي من أهمها ابتعادنا عن زمن النص)(٢٩٣).
إذًا، فالإمام يرى في كلّ فرعٍ اعوجاجًا، فيعمل على تعديله؛ ببيان الحق، وإن كان (بعض) ما تم التعبّد به مخالفًا للحكم الواقعي الذي يأتي الإمام ببيانه؛ وذلك أفضل من الوقوع في الشبهات عند الشك في واقعةٍ لم يصلنا حكمها.
وبيان ذلك:
١/ على مستوى التعبّد بالصلاة:
فصلاةٌ يتوضأ لها بغسل القدمين، ويتكتف فيها المصلي، ويتشبه بالمجوس، ويجعل من كلمة (آمين) جزءاً من القراءة، لهي صلاةٌ معوجة منحرفة، تحتاج إلى إقامة وتعديل؛ لكونها غير صلاة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٣) ظ: تجليات معرفية في الخطاب المهدوي, ف١٠.

(٢٢١)

فهنا يبيّن الإمام للناس الصلاة الواقعية التي يريدها الله تعالى من عباده.
٢/ على مستوى التعبّد بالصيام:
فصيامٌ لم يراعَ فيه مفطرية بعض المفطرات، ويستنبط لبعض أحكامه من بعض الاجتهادات الشخصية غير القائمة على دليل قطعي، أو ظني معتبر، لهو صيامٌ معوج، يحتاج إلى إقامة.
فهنا يبيّن الإمام للناس الصوم الواقعي الذي يُريده الله تعالى من عباده، بكافة تفصيلاته.
٣/ على مستوى التعبّد بالخمس:
فعبادةٌ لله تعالى مع انكار الخمس كفريضة، أو حصر موردها بالغنائم الحربية، لهي عبادةٌ معوجة منحرفة، تحتاج إلى إقامة.
فهنا يبيّن الإمام للناس ضرورة التعبّد بهذه الفريضة بأحكامها الواقعية.

(٢٢٢)

٤/ على مستوى التعبّد بالزكاة:
فلا شك أنّ التعبّد بأحكامها الظاهرية يحتاج إلى إقامة.
فيبيّن الإمام للناس أحكامها الواقعية من بلوغ حد النصاب الشرعي، ومواردها، وشروط مستحقها، وسائر تفرعاتها.
٥/ على مستوى التعبّد بالحج:
وكذا التعبّد بالحج لا يخلو من أحكام ظاهرية، (قد) لا تصيب الواقع، فتحتاج إلى إقامة.
فيبيّن الإمام للناس أحكام الحج الواقعية.
٦/ على مستوى التعبّد بالجهاد:
التعبّد بالجهاد سواء أكان عينيًا أو كفائيًا لا يختلف حكمه عن سائر العبادات من حيث عدم خلوّه من الأحكام الظاهرية التي (قد) لا تطابق الواقعية، فبالتالي تحتاج إلى إقامة.
فيبيّن الإمام للناس أحكام الجهاد الواقعية، لا سيما وإنّ أمر الجهاد سينحصر صدوره منه (عجّل الله فرجه الشريف)، وبما أنه معصوم فيرى

(٢٢٣)

الحكمة في إصدار أمر الجهاد حسب الواقع المعاش آنذاك.
٧/ على مستوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
عبادتان لا تنفكان عن بعض، أمرٌ بمعروف، وإلى جنبه نهيٌ عن منكر مقترف، لعلهما في زمن غيبة الإمام لم يطبقا تمام التطبيق؛ لضعف موقف الآمر الناهي - أحيانًا. أو لتملص البعض عن القيام بها رغم توفر الظروف المناسبة، وهذا عوج يحتاج إلى إقامة.
ففي زمن ظهور الإمام يبيّن لهم ضرورة التعبّد بها، واعتماد نظام التناصح بين المسلمين.
٨/ على مستوى التعبّد بتولي أولياء الله تعالى والتبري من أعدائه:
فعبادةٌ بكافة فروع الدّين مع تماهل، أو مجاراة الآخر على حساب (التولي والتبري) من دون تقية، لهي عبادة المنافقين، والله تعالى لا يحب المنافقين، وبالتالي هي عبادة معوجة منحرفة، تحتاج إلى إقامة.

(٢٢٤)

فيبيّن الإمام للناس أهمية موالاة أولياء الله تعالى، والبراءة من أعدائه، ويأتي بأدلة واقعية، ويحوّل لقلقة الألسن القائلة (إنّي موالٍ لكم ولأوليائكم، معادٍ لأعدائكم) إلى واقع في زمن ظهوره.
■ثالثًا: حدود الله تعالى الأخلاقية:
هنا على مستوى الأخلاق لا حاجة للتفصيل؛ إذ يكفي واقع الحال الأخلاقي في زمن الغيبة، وإن كان كلّ منّا يعيش في عالم الاستكمال، إلّا أنّه لم يبلغ حدّ الكمال، ومنه الكمال الأخلاقي. وبالتالي لم يتخلّق أحد - سوى المعصوم- بأخلاق الله تعالى بالمستوى المطلوب والممكن له، وهذا الحد من حدوده تعالى يحتاج إلى إقامة.
فيبيّن الإمام للناس ضرورة التخلّق بأخلاق الله تعالى، وينهى عن الرذائل الخلقية. وهذا هو الواقع الذي يريده الله تعالى من عباده.

(٢٢٥)

الفقرة الرابعة عشر:

«وانصرني على من تعدّى محدودك»:
بعد أنْ يطلب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) التوفيق لإقامةِ حدود الله تعالى، فإنّه يُردِفُ طلبه بأنْ ينصره على من تعدّى محدوده.
وقد سبق وأن استظهرنا أنّ حدود الله تعالى هي الهرم الثلاثي للدّين، المتمثلة بالعقيدة والفقه والأخلاق، ومحدوده تعالى هو ذلك الهرم المنتهَك من قبل البعض؛ فالذين يتعدّون حدود أصول الدّين بجزئها أو كلّها، هؤلاء أعداءٌ لله تعالى، يطلب الإمام أنْ ينصره عليهم، وكذا فروع الدّين، وأخلاقه. بل مع لوازمه المحققة لمجتمعه، كاقتصاد المجتمعات، وقوانينها، وطبّها.
هذا كلّه نشير إليه بالخروج عن حدِّ الإجمال قليلاً؛ وذلك لاحتمال أنْ يكون نصر الإمام على من تعدّى على محدودات الله تعالى، على عدّة أوجه، منها:-

(٢٢٧)

١/ نصرٌ فكري
إنّ الإساءات التي توجهت لشخص النبي (صلى الله عليه وآله)، والشبهات التي هدفها المساس بالإمامة وشخوص الأئمة (عليهم السلام)؛ كي يضعف التمسك بها لابُدَّ أنْ يدحضها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف).
فالحربُ هنا فكرية، ولا بُدّ أن يكون النصرُ فكريًا أيضًا؛ لذا يدعو الإمام أنْ ينصره الله تعالى على من أشعل نار تلك الحرب - وهم الكثير من أعدائه وذراريهم- ؛ بإزاحة ستار كلِّ الشبهات عن تلك الشخوص المقدّسة، وتعريف الناس جميعًا بعصمتهم، ومقامهم المعنوي عند الله تعالى.
لذا روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إذا قام القائم لا يبقى أرض إلا نودي فيها شهادة أنْ لا إله الله وأنَّ محمدًا رسول الله)(٢٩٤)، وفي الحديث إشارةٌ إلى نصرِ دين الله تعالى مطلقًا - سواء على من يُشكك في ذلك الدّين أو على من يُحاربه-.
والخلاصة: إنّ أصول الدّين ستنجلي عنها الشبهات، وسينتصر الإمام لأقدس الشهادات حين ظهوره، وهي شهادة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٤) تفسير العياشي: لمحمد مسعود العياشي, ج١, ص١٨٣..        

(٢٢٨)

(لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، علي ولي الله).
٢/نصرٌ فقهي
إنّ الذين يتعدّون على فروع الدّين بالإنكار أو الاستخفاف أو الإيمان ببعض وعدم الإيمان بالآخر - كإنكار الخمس-، أو ينكرون السنة النبوية - قول وفعل وتقرير النبي والأئمة (عليهم السلام)- ويكتفون بكتاب الله تعالى، ويزعمون أنّهم يستنبطون منه أحكامًا شرعية، ويكذّبون التراث الروائي الصحيح والمعتبر، أولئك هم حقًا أعداءٌ لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعدوُّ الرسول عدوٌ لله تعالى، فلابُدّ للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من الانتصار عليهم؛ لأنّهم لم يراعوا قدسية الحديث المتواتر الذي أوصى بالتمسك بالثقلين، ولم يُدركوا جهلهم بعلوم الدّين حتى وصل بهم الأمر إلى حدِّ إنكار التقليد والاجتهاد والاحتياط. فالإمامُ سينتصر على أولئك المنتهِكين لفروع الدّين بطرقٍ موكولةٍ إلى حين زمنها.
والخلاصة: إنّ الفقه وأهله المخلصين سيُزكى ويُنصرون من قبل الإمام حين ظهوره.

(٢٢٩)

٣/ نصرٌ أخلاقي
الظلمُ خُلُقٌ قبيحٌ، فلا وجود له في الدولة العادلة، لذا يستعين الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالله تعالى ويطلب منه النصر على الظالمين الذين تعدّوا حقوق المظلومين، والظلم الذي تعرّض وسيتعرّض له الإمام هو ظلمٌ لأهل بيته ولجميع أتباعه. فلو أردت استضعاف دولةٍ ما لا يكفي أنْ تظلم فردًا أو عشرةَ أفرادٍ من تلك الدولة مثلًا، بل تظلم قائدها وحينئذٍ سترى الاستضعاف بادٍ على جميع مفاصلها ومواطنيها.
نعم، ممكن أنْ يُصب الظلم على الرعية بتعليمهم قبيح الأخلاق؛ حتى يُشكِّلوا عقبةً صعبةَ المعالجة في أوائل فترةِ ظهور الإمام، كتعليمهم السرقة والكذب والخيانة وما شابه ذلك، حتى روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ الأمر سيصل إلى حدِّ سرقة ثياب المصلي! وأيُّ سوءِ خلقٍ أشنع من هذا!
فقد روي عنه أنّه قال: «... ورأيت الرجل يخرج إلى مصلّاه ويرجع، وليس عليه شيء من ثيابه)(٢٩٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٥) الكافي: للشيخ الكليني, ج٨, ب , ص٤٠, ح٧.

(٢٣٠)

وبالتالي إنّ النصر الذي سيحققه الله تعالى للإمام من هذه الناحية هو نصرٌ أخلاقي؛ بانتصار القسط والعدل والخلق الحسن على الظلم والجور والخلق السيء.
والنصرُ متحققٌ جزمًا لا محالة، حيثُ إنّ الإمامَ نفسَه أولُ المظلومين المستضعفين، لذا نجد أنّ الوعد الإلهي صريحٌ بأنْ يجعله الله تعالى وارثَ الأرض وحاكمها بعد الظلم والاستضعاف. قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين﴾(٢٩٦) فبوراثته الأرض سينتصر على العتاة الظالمين أخلاقيًا.
والخلاصة: إنّ الأخلاق ستبلغ أوج درجاتها على يدِ الإمام حين ظهوره.
٤/ نصرٌ اقتصادي
من الواضح أن بعض التجار الكبار يحتكرون البضائع، ويستضعفون الصغار منهم، حتى بدا السوق وكأنّه ملكٌ لهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٦) سورة القصص: ٥.

(٢٣١)

فانتشر الظلم الاقتصادي بسبب لؤمهم، وسوء تصرفهم؛ روي عن الإمام علي (عليه السلام): «... ويملك المال من لا يكون أهله، لكع [لئيم] من أولاد اللكوع [اللئام])(٢٩٧).
هذا فضلًا عن سوء التدبير الاقتصادي كتلف المنتوجات بسبب سوء خزنها، فلعل ذلك يكون من أهم أسباب انتشار القحط والجوع قبل ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، حيثُ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إنَّ قدّام قيام القائم علامات: بلوى من الله تعالى لعباده المؤمنين، قلت: وما هي؟ قال: ذلك قول الله (عزّ وجل): ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾(٢٩٨)، قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ يعنى المؤمنين،... ﴿وَالْجُوعِ﴾ بغلاء أسعارهم، و﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ﴾ فساد التجارات وقلة الفضل فيها،... ﴿وَالثَّمَراتِ﴾ قلة ريع ما يزرع وقلة بركة الثمار،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٧) إلزام الناصب في اثبات الحجة الغائب: للشيخ علي اليزدي الحائري, ج٢, ص١٥٩.
(٢٩٨) سورة البقرة: ١٥٥.

(٢٣٢)

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ عند ذلك بخروج القائم (عليه السلام)...)(٢٩٩).
أضف إلى ذلك أنّ المجتمع الذي تتفشى فيه المعصية ترتفع البركة عنه، وتقل خيراته؛ روي عن الإمام علي (عليه السلام): «إنَّ الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات، وحبس البركات، وإغلاق خزائن الخيرات)(٣٠٠).
لذا سينتعش الاقتصاد في زمن ظهور الإمام، حتى يخرج من الأرض بركاتها، ويضع قانونًا اقتصاديًا يحفظ منتوجاتها، وتكثر السماء ببركته مائها؛ رويَ أنّه "إذا قام القائم حكم بالعدل...وأخرجت الأرض بركاتها)(٣٠١).
كما "وهناك أسبابٌ عديدة لا يسع المقام لنقلها فيها إشارة واضحة إلى كيفية النصر الاقتصادي الذي سيحققه الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) حين ظهوره)(٣٠٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٩) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, باب١٤, ص٢٥٧, ح٥.
(٣٠٠) نهج البلاغة, ج٢, ص٢٥, خ١٤٣.
(٣٠١) الإرشاد: للشيخ المفيد, ج٢, ص٣٨٤.
(٣٠٢) ظ: دراسة مقارنة للوضع الاقتصادي بين الغيبة والظهور: للشيخ ماهر الحجاج, مجلة الموعود, العدد٨/ ذي الحجة/ ١٤٤٠ه.

(٢٣٣)

والخلاصة: إنّ الاقتصاد سيزدهر في دولة العيش الرغيد في زمن ظهور الأمام.
٥/ نصرٌ قانوني
لاشك أنّ القوانين الوضعية لم تُحِطْ علمًا بجميع مصالح البشر، كما أنّ عدم تطبيقها على الجميع نتيجةَ التمييز بين الطبقات الحاكمة والمحكومة، والمُتحزبة والفقيرة، أدى إلى عدم المساواة وتفشي الظلم. بل بات أخذُ الرشوة من بعض القضاة والمحامين وموظفي الدولة أمرًا طبيعيًا، حتى تجرّأ أقل الموظفين رتبةً على طلب الرشوة، وانتشر الفساد المالي، والخيانات الإدارية.
فهذا وأمثاله لا يرضى به الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وبالتالي سينتصر على كلِّ تلك الظواهر السلبية نصرًا قانونيًا؛ من خلال حكمه بالقانون الشرعي الإلهي، الذي يراعي مصالح جميع البشر، وينشر العدل؛ روي عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): «...تاسعهم قائم أمتي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت

(٢٣٤)

جورًا وظلمًا)(٣٠٣).
كما وسيحكم الإمام بإلهامٍ من الله تعالى؛ يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا قام قائم آل محمّد (عليهم السلام) حكم بين الناس بحكم داود لا يحتاج إلى بيّنة، يُلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كلّ قوم بما استبطنوه، ويعرف وليّه من عدوّه بالتوسّم)(٣٠٤)، الأمر الذي ينفي كلَّ شكٍ في حكمه (عجّل الله فرجه الشريف)، وإنّ هذا لنصرٌ عظيمُ على من يحكم بالظن، أو يرتشي ليقبل شهادة زور.
ولا إشكالَ أبدًا بحكمِ الإمام وفقًا لحكم النبي داوود (عليهما السلام)، ولا منقصة؛ لعدّة أسباب، أهمها: «إنّ النبي داوود (عليه السلام) كان يشارك الإمام بتبليغ أركان الدّين، وهي التوحيد والنبوة، بالإضافة إلى عقيدتنا في عصمة الأنبياء جميعهم، وضرورة الإيمان بهم وأخذ الدروس من حياتهم، وأنّ النبي داوود ليس نبيًا لليهود فحسب، وإنّما بُعِثَ لهم، فلا مانع من أنْ يُعطي الله تعالى للإمام كيفية حكم ذلك النبي، وهو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٣) كمال الدين واتمام النعمة: للشيخ الصدوق, ج١, ب٢٤, ص٢٨٥, ح١.
(٣٠٤) الإرشاد: للشيخ المفيد, ج٢, ص٣٨٦.

(٢٣٥)

الحكم بالعلم اللدني)(٣٠٥).
والخلاصة: أنّ السلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية لدولة الإمام ستتحلى بالعدالة والشفافية والنزاهة بقيادته (عجّل الله فرجه الشريف)، فلا ارتشاء، ولا ظلم، ولا حكم مبني على الظن.
٦/ نصرٌ طبّي
باتتِ المجتمعات تعاني الويلات من التدهور الطبي لمرضاها، إمّا لعدم اكتشاف المسبب الحقيقي لبعض الأمراض، أو لقلّة الإمكانيات المادية لتوفير العلاج، أو لخطأ التشخيص، أو لسوء التدبير في الحدِّ من انتشار الأوبئة المعدية، وأمثلة كثيرة تشير إلى ذلك التدهور.
وعلى الرغم من التطور العلمي الطبي، لكنك لا تجد ولو دولة واحدة تعيش بمجتمعٍ صحي نقي، إذ كلّ المجتمعات لا تخلو من العلل والأمراض، فمنها ما ينتقل بالعدوى، ومنها ما لا شفاء منها بصيرورتها مزمنة، فضلًا عن قلّة الثقافة الطبية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٥) إشكالية حكم الإمام المهدي عجل الله فرجه بشريعة داود: لحميد عبد الزهرة, مجلة الانتظار, العدد ١٢/ محرم/ ١٤٢٩ه.

(٢٣٦)

عند أغلب الشعوب.
فالإمامُ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في دولته سينتصر على جميع تلك الحالات غير الصحيحة في المجال الطبي، كيف لا وقد كان أجداده (عليهم السلام) ببركاتهم يشفى المريض، فالطب الجسدي والروحي علمه عندهم أيضاً؛ روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «من أدرك قائم أهل بيتي من ذي عاهةٍ برأ، ومن ذي ضعفٍ قوي)(٣٠٦)، والعاهةُ هي المرض، أما الضعفُ فهناك من العلماء من احتمل أمرين، هما:
- أن يكون ذلك الضعف ضعفًا جسديًا بسبب الأمراض، ومعنويًا بسبب الحالات النفسية.
- أو أنْ يزول ضعف المريض في دولةِ الإمام ويُبدله الله تعالى قوةً؛ اعتمادًا على قرينةٍ منفصلةٍ، وهي قولٌ رويَ عن الإمام السّجّاد (عليه السلام): «إذا قامَ القائمُ أذهب الله عن كلِّ مؤمنٍ العاهة، وردّ إليه قوّته)(٣٠٧)، وهذا بحدِّ ذاته انتصارٌ على المرض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٦) الخرائج والجرائح: لقطب الدين الراوندي, ج٢, ف٥٤, ص٨٣٩.

(٣٠٧) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب٢١, ص٣٣٠, ح٢.

(٢٣٧)

واستئصاله.
ونصرٌ "كهذا الانتصار وغيره في المجال الطبي لا يسع المقام لاقتباسه، توكل مراجعته إلى مصدر تحليله)(٣٠٨).
والخلاصة: إنّ الإمام سينتصر على الأمراض، ويحقق مجتمعًا واعيًا صحيًا.

 

(٣٠٨) ظ: دولة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف: السيّد مرتضى المجتهدي السيستاني, ص٩٦-١٠٥.

(٢٣٨)

الفقرة الخامسة عشر:

«وانصر الحقّ وأزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا"
كأنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هنا يُجمل في دعائه بطلب نصرة عموم الحق حتى يزهق عموم الباطل. والدعاء - كالعادة- له جذرٌ قرآني، وتفسيرٌ روائي؛ فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقا﴾(٣٠٩).
ووجه التشبيه بين الدعاء والآية هو أنّ الإمام يدعو بنصرة الحق، والآية تبشّر بمجيئه، وبما أنّ الإمام دعاؤه مستجاب فممكن أن تكون الآية بشرى مستقبلية له بتلبية ما طلب، وهذا نظير الآية الكريمة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجا﴾(٣١٠)، فالآية تشير إلى زمن ظهور الإمام كما هو وارد في كتب التفسير المعتبرة، فالحق سيأتي وينتصر على الباطل زهقًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٩) سورة الاسراء: ٨١.
(٣١٠) سورة النصر: ١-٢.

(٢٣٩)

ومعنى زهق: أي "...بطل وهلك واضمحل. وفي التنزيل: إن الباطل كان زهوقا. وزهق الباطل إذا غلبه الحق، وقد زاهق الحق الباطل. وزهق الباطل أي اضمحل، وأزهقه الله. وقوله عز وجل: فإذا هو زاهق، أي باطل ذاهب)(٣١١).
أما تفسير الآية التي هي جذر الدعاء، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال في تفسير آية ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل﴾: «إذا قام القائم (عليه السلام) ذهبت دولة الباطل)(٣١٢). فالإمام الصادق (عليه السلام) يشبّه قيام الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالحق، ويفسر زهوق الباطل بانحلال كل دولة الباطل.
فلا تخلو دولة من دول العالم إلاّ والباطل يسودها - في الحكم أو في الأفراد باختلاف السعة والضيق فيه-، فما إن يقوم الإمام أي يتحرّك عسكريًا نحو أعدائه فإنّهم سيزهقون حتمًا.
وتعبير الإمام الصادق (عليه السلام) بالقيام تعبير دقيق جدًا، فلفظ القيام يختلف عن لفظ الظهور، فبعد خروج الإمام إلى مكة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١١) لسان العرب: لابن منظور, ج١٠, ص١٤٧.
(٣١٢) الكافي: للشيخ الكليني, ج٨, ص٢٨٧, ح٤٣٢.

(٢٤٠)

وبعد ظهوره العلني في مكة، يقوم بالتحركات العسكرية والدعوية ضد أعدائه.
وفي رواية أخرى بشأن مجيء الحق وزهوق الباطل، روي "أنَّ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) حينما وُلد كان مكتوبًا على ذراعه الأيمن قوله تعالى: (جاء الحق وزهق الباطل إِنَّ الباطل كان زهوقاً)" (٣١٣). وهذا الحدث يؤيد تفسير الإمام الصادق (عليه السلام) أعلاه بأنّ الحق هو قيام القائم (عجّل الله فرجه الشريف).
وبالتالي فإنّ الحق متحقق ظهوره على يدي الإمام (عجّل الله فرجه الشريف).
نعم، هناك روايات نصت على أنّ النبي محمداً (صلى الله عليه وآله) حينما دخل المسجد الحرام في يوم فتح مكّة حطم بعصاه (٣٦٠) صنمًا كانت لقبائل العرب، وكانت موضوعة حول فناء الكعبة، وكان يردد الآية (جاء الحق وزهق الباطل إِنَّ الباطل كان زهوقاً)(٣١٤)، فللإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) اسوة حسنة، وقدوة داعية بجدّه النبي (صلى الله عليه وآله)، فلا يستبعد أن يحطم أصنام الأنا والباطل وهو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٣) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج١, ص٢٦٣, ح٢٠٧.
(٣١٤) تفسير الامثل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج٩, ص٩٦.

(٢٤١)

يردد تلك الآية المباركة.

(٢٤٢)

الفقرة السادسة عشر:

«وأوردْ عليّ من شيعتي وأنصاري [و]من تقرّ بهم العين، ويُشدُّ بهم الأزر، واجعلهم في حرزِك وأمنِك برحمتِك يا أرحمَ الرّاحمين"
ويختم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) دعاءه بأنْ يجمعه الله تعالى بشيعتِه وأنصاره بإحضارهم عنده، حيثُ محلّ ظهوره الأكبر- مكة المكرمة-، بل والذين يُمهدون له حين ظهوره الأصغر، فيدعو لهم بالحفظِ والصونِ.
* قوله: «وأوردْ عليّ"
أي "أحضِر لي، فيقال: أوردَ الشيء أيّ أحضره)(٣١٥)، كما وجاء في التنزيل العديد من الآيات المشتملة على لفظة (الورود)، و"أنَّ الورود لا يدلُّ على أزيدِ من الحضور والإشراف عن قصد)(٣١٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٥) ظ: تاج العروس: للزبيدي, ج٦, ص٢٨٥.
(٣١٦) تفسير الميزان: للسيد الطباطبائي, ج١٤, ص٩١.

(٢٤٣)

* وقوله: «من شيعتي"
أي من أتباعي ومن سار على خطاي ونصرني ولم يخالفني.
* وقوله: «وأنصاري"
جمع ناصر، "فيُسمى رجل نصرة، فأنصار النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، حيث غلبت عليهم صفة النصر فسُموا بالأنصار)(٣١٧)، كما لله تعالى أنصار، جاء في التنزيل: «قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّه)(٣١٨).
ولعل هناك فرقًا بين شيعةِ الإمام وأنصاره، من حيث إنّ الأنصار أخص من الشيعة، فهم شيعة بدرجة الأنصار، وهناك شيعة لكن لم يصلوا إلى درجة الأنصار.
وعلى كل حال، فالذين ينصرون الإمام لاشكّ أنّهم من شيعته، وإلاّ كيف ينصرونه إنْ كان مخالفًا لهم بالمنهج.
وقد يجمعهما مصطلحٌ واحدٌ وهو الأصحاب، الأحياءُ الذين سيعاصرون زمن الإمام، أو الأموات الذين سيرجعون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٧) ظ:القاموس المحيط: للفيروز آبادي, ج١, ص٤٨٣.
(٣١٨) سورة آل عمران: ٥٢.

(٢٤٤)

إلى الحياة الدنيا.
وعليه، فلا بأس في تسليطِ الضوء على بعضِ الفئات التي ستُصاحب الإمام (عجل الله فرجه) وتنصره آنذاك، وهي:
١/ الملائكة
روي عَنْ أبي حمزة الثمالي أنّه قَالَ: «سمعتُ أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) يَقُول: لو قد خَرَجَ قائمُ آلِ محمدٍ (عليهم السلام) لَنَصَرَهُ اللهُ بالملائكة المسومين، والمردفين، والمنزلين، والكروبيين، يكون جبرئيل أمامه، وميكائيل عَنْ يمينه، وإسرافيل عَنْ يساره،...الملائكة الْمقربون حذاه)(٣١٩).
٢/ بعض الأنبياء (عليهم السلام) والصالحين.
كالنبي عيسى (عليه السلام)، فعن الإمام الرضا (عليه السلام): «...إذا خَرَجَ المَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي نَزَلَ عيسى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) فَصَلّى خَلْفَه)(٣٢٠).
وكالخضر؛ رويَ عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «إِنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٩) الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب١٣, ص٢٣٧-٢٨٣, ح٢٢.
(٣٢٠) عيون أخبار الرضا: للشيخ الصدوق, ج١, ص٢١٨, ح١.

(٢٤٥)

الخِضْرَ (عليه السلام) شَرِبَ مِنْ مَاءِ الحَيَاةِ، فَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ،... وَسَيُؤْنِسُ اللهُ بِهِ وَحْشَةَ قائِمِنَا فِي غَيْبَتِهِ وَيَصِلُ بِهِ وَحْدَتَه)(٣٢١).
٣/ النبيُّ وأهلُ بيته (عليهم السلام أجمعين)
جاء في تفسير علي بن إبراهيم...عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في قوله: «إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قال: «يرجع إليكم نبيكم (صلى الله عليه وآله))(٣٢٢).
٤/ من سائر البشر غير ما سبق، وهم أصناف:
أ) سبعون ألف صدّيق؛ كما روي عَنْ الفضل بن شاذان بإسناده عَنْ أبي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: «إذا ظَهَرَ الْقَائِمُ وَدَخَلَ الكُوفَةَ بَعَثَ اللهُ تعالى مِنْ ظَهْرِ الكُوفَةِ سَبْعينَ ألْفِ صِدّيقٍ، فَيَكُونُونَ في أصْحَابِهِ وَأنْصَارِهِ)(٣٢٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢١) كمال الدين وتمام النعمة: للشيخ الصدوق, ج١, باب ما روي من حديث الخضر (عليه السلام), ص٤١٨-٤١٩, ح٤.
(٣٢٢) تفسير القمي: لعلي ابراهيم القمي, ج٢, ص١٤٧.
(٣٢٣) مصدر سابق, ج٥٢, ب٢٧, ص٣٩٠, ح٢١٢.

(٢٤٦)

ب) بعض أصحاب الأنبياء السابقين، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إذَا قَامَ قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله) استخرجَ مِنْ ظَهْرِ الكَعْبَةِ [الكوفة. خ.ل] سبعةَ وعشرين رَجُلًا؛ خمسة وعشرين من قوم مُوسَى الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أصْحَاب الكهف، ويوشع وصي مُوسَى، ومؤمن آل فرعون، وسلمان الفارسي، وأبا دجانة الأنصاري، ومالك الأشتر)(٣٢٤).
- فإن قيل: إنّهم ليسوا على المذهب الجعفري حتى يُلزموا بطاعةِ ونصرةِ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)!
- فممكن أنْ يُقال:
أولًا: إنّ أوّل من شهد بالربوبية لله تعالى في عالمِ الذر هو النبي محمد وأهل بيته (عليه وعليهم السلام)، أمام مرأى ومسمع الأنبياء الآخرين، فلا يُستبعد أنّ الأنبياءَ أخبروا أصحابَهم عن فضل النبي الخاتم وأهل بيته (صلوات الله وسلامه عليهم)، ووجوب طاعة خاتم أهل البيت حين رجوعهم للحياة الدنيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٤) تفسير العياشي: لمحمد العياشي, ج٢, ص٣٢.

(٢٤٧)

ثانيًا: هناك رواياتٌ تشيرُ إلى أنّ أحد الحواريين كان قد علّمه النبي عيسى (عليه السلام) فضلَ الإمام الخاتم الذي سيُصلّي النبي عيسى خلفه؛ حيث روي "أنّ رجلًا نصرانياً معه كتاب أتى أمير المؤمنين وقال له: إنّه من نسلِ حواري عيسى بن مريم (عليه السلام)، وأنّ عيسى أوصى إليه ودفع إليه كتبه، وفيها...أنّ الله (تبارك وتعالى) يبعثُ رَجُلًا من العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الله...يُقَالُ لَهُ: أحمد،... وفيها ما تلقى أمته بعده إلى أنْ ينزل عيسى بن مريم من السماء، وأنّهم من أحبِّ خلقِ الله إليه، والله ولي لمن والاهم، وعدو لمن عاداهم، من أطاعهم اهتدى، ومن عصاهم ضل، طاعتهم لله طاعة، ومعصيتهم لله معصية،... وفيه الذي يظهر مِنْهُم وينقادُ له الناس حتى ينزل عيسى بن مريم (عليه السلام) على آخرهم فيصلي عيسى خلفه ويَقُول: إنّكم لأئمة، لا ينبغي لأحدٍ أنْ يتقدمكم، فيتقدم فيصلي بالناس وعيسى خلفه في الصف)(٣٢٥).
ج) اليماني.
كذلك هناك من هم قادة جيشٍ سينالون شرف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٥) ظ: الغيبة: للشيخ النعماني, ج١, ب٤, ص٧٧, ح٩.

(٢٤٨)

نصرة الإمام؛ كاليماني؛ كما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «...وَلَيْسَ فِي الرَّايَاتِ رَايَةٌ أَهْدَى مِنْ رَايَةِ اليَمانِيِّ، هي رايَةُ هُدىً، لأنّه يَدْعُو إِلى صَاحِبِكُم)(٣٢٦).
د) الخراساني وشعيب بن صالح
وهما اللذان سيكونُ لهما دورٌ في النصر؛ رويَ عن جابر عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «يخرجُ شاب من بني هاشم بكفِّه اليمنى خال، من خراسان براياتٍ سود بين يديه شعيب بن صالح يقاتل أصحاب السفياني فيهزمهم)(٣٢٧).
ه) قادة جيشِ الإمام من الرجال والنساء
روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «فيقومُ القائمُ بين الركنِ والمقام فيصلي.... ويجئ والله ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكةَ على غيرِ ميعاد قزعًا كقزعِ الخريف يتبع بعضهم بعضًا)(٣٢٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٦) مصدر سابق, ج١, ب١٤, ص٢٦٢, ح١٣.

(٣٢٧) الملاحم والفتن: للسيد ابن طاووس, ج١, ب٩٧, ص١١٧, ح١١٥.
(٣٢٨) معجم أحاديث الامام المهدي: للشيخ الكوراني, ج٥, ص ١١, ح١٤٥٢.

(٢٤٩)

٥/ الجن
روي عن المفضل عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «فإذا طلعت وابيضت صاح صائح بالخلائق من عين الشمس بلسانٍ عربيٍ مبين يسمعه من في السماوات والأرض يا معاشر الخلائق هذا مهديُ آل محمد ويسميه باسم جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)...فأول من يلبي نداءه الملائكة ثم الجن ثم النقباء ويقولون سمعنا وأطعنا...)(٣٢٩).
* وقوله: «[و]من تقرّ بهم العين"
فأما معنى قرّت، فيقال: «قَرَّت عينُه مأْخوذٌ من القَرُور، وهو الدمعُ الباردُ يخرجُ مع الفرح، وقيلَ: هو من القَرارِ، وهو الهُدُوء)(٣٣٠). ولاشك أنّ الإمام (عجل الله تعالى فرجه) ستقرُّ عينُه بأتباعه وأنصاره؛ إذ ثبتوا على عقيدتهم، وطبقوا أحكام فروع دينهم، وكانت أزكى الأخلاق أخلاقهم، فجاهدوا أنفسهم، حتى باتوا أورع الناس في زمنهم. فلعلّ الإمام يبكي فرحًا، بدمعٍ باردٍ؛ لما يراه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٩) الهداية الكبرى: للخصيبي, ص٣٩٧.
(٣٣٠) لسان العرب: لابن منظور, ج٥, ص٨٦.

(٢٥٠)

من أنصاره من الرجال والنساء، ولعلّه يهدأ روعه لما يرى من تمهيد أنصاره وشيعته له.
* وقوله: «ويشدّ بهم الأزر"، أي تتضاعف بهم قوّتي، فيقال: «أَزَرَهُ وآزَرَهُ: أَعانه وأَسعده، من الأَزْر: القُوَّةِ والشِّدّة)(٣٣١).
ودعاء الإمام (عليه السلام) هذا نظير الدعاء الذي دعا به النبي موسى (عليهما السلام) بأنْ يشدّ أزره بهارون (عليه السلام)؛ قال تعالى في مقام الحكاية: «هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)(٣٣٢). حيثُ إنّ سبب طلب النبي موسى (عليه السلام) كان "احتياجه إلى من ينتصرُ به؛ لكثرةِ مهامه التي لا يستطيع القيام بها لوحده، فاستجابَ له ربّه وشدّ أزره - قوّته- بأخيه هارون)(٣٣٣).
فكذا الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) لكثرة مهامه المباركة يطلبُ من الله تعالى أنْ يشد قوّته بشيعته وأنصاره، فيتقاسموا مهام النصرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣١) المصدر نفسه, ج٤, ص١٧.
(٣٣٢) سورة طه: ٣٠-٣١.
(٣٣٣) تفسير الميزان: للسيد الطباطبائي, ج١٤, ص١٤٦-١٤٧.

(٢٥١)

معه؛ حيث إنّ الروايات صدحت بدورهم في عملية النصرة، سواء أكانت نصرةً عسكريةً فتشمل شدَّ الأزر بالأنصار من الرجال، أو نصرةً دعويةً عقائدية، أخلاقية، فتشملُ شدَّ الأزر بالأنصار من الرجال والنساء.
* وقولُه: «واجعلهم في حرزك وأمنك"
يدعو الإمام لشيعته وأنصاره بالحفظ؛ لما سيتعرضون له من الأعداء، فالحرز هو الحصن الذي يصون الشخص، وظاهرًا المراد هو: احفظهم يا ربِّ في مكانٍ يأمنون شرَّ الأعداء فيه.
أما أمن الله تعالى: فالأمن ضد الخوف‏ مطلقًا - سواء كان خوفًا عسكريًا أو فكريًا-، ومعه، يدعو الإمام لهم أنْ يكونوا بأمنٍ وأمانٍ برعاية الله تعالى لهم، وفعلًا يستجيب تعالى له؛ حيث يروي الإمام الصادق (عليه السلام) صفات بعض أنصار الإمام قائلًا: «... ورجالٌ كأنَّ قلوبَهم زبرُ الحديد، لا يشوبها شكٌّ في ذاتِ الله، أشدّ من الحجر، لو حملوا على الجبالِ لأزالوها،...فيهم رجالٌ لا ينامون الليل، لهم دويٌّ في صلاتهم كدويِّ

(٢٥٢)

النحل، يبيتون قيامًا على أطرافهم، ويصبحون على خيولهم، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، هم أطوع له من الأَمَة لسيِّدها، كالمصابيح، كأنَّ قلوبهم القناديل، وهم من خشية الله مشفقون، يدعون بالشهادة، ويتمنَّون أنْ يُقتَلوا في سبيل الله، شعارهم: يا لثارات الحسين، إذا ساروا يسيرُ الرعبُ أمامهم مسيرة شهر، يمشونَ إلى المولى إرسالًا، بهم ينصرُ الله إمام الحقِّ)(٣٣٤).
* وقوله: «برحمتك يا أرحمَ الرّاحمين"
لعلّه اشارةٌ من الإمام إلى جانب الرحمة من الله تعالى والتي يُجسدها هو (عجّل الله فرجه الشريف).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٤) بحار الأنوار: للعلاّمة المجلسي, ج٥٢, ب٢٦, ص٣٠٨, ح٨٢.

(٢٥٣)

الخاتمة

في ختام هذا العمل المتواضع، أحمد الله تعالى على توفيقه، أرجو أن أكون قد سددت، ووفقت فعلاً لبيان قصد الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) من خلال كلماته الشريفة، وإن لم أصب فالحيرة فيه، وفي مقاصده توجب المحاولة تلو الأخرى.
أسأل الله تعالى أن يعجّل لوليّه الفرج، ويبلّغه عنّي تحيةً كثيرةً، وسلامًا.
هناك نتائج توصلت إليها من وراء هذا الجهد المتواضع، منها:
١/ هناك ارتباطٌ وثيق بين الخطاب القرآني والخطاب المهدوي؛ فالأول جذر للثاني، كيف لا! والإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) شريك القرآن.
٢/ إمكان وقوع البداء في العلامات الحتمية، فضلاً عن

(٢٥٥)

غير الحتمية؛ نعم، من باب إخبار المعصوم بضرورة وقوع الحتمية فلا بد ن أن تقع، ومقام الوقوع غير مقام الإمكان.
٣/ أتباع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) لن ينحصروا بكونهم من مذهب الشيعة الإمامية، بل ولا من الدّين الإسلامي وحسب، وإنّما سيلتحق به ركبٌ من بعض أصحاب الأنبياء السابقين، ومن غير المذاهب بعد استبصارهم، وتشيعهم، وحتى من غير الأديان ممن يهديه الله تعالى.
٤/ الخطاب المهدوي يحوي ثلاثية المنظومة الدّينية، من عقيدة وفقه وأخلاق.
٥/ تركيز الخطاب المهدوي على الدعاء، وهذا يعني التذكير بالثبات على توحيد الربوبية.
وختامه مسك، بعض التوصيات لمن رام خدمة الخطاب المهدوي، منها:
١/ الدقة في تجذير الخطاب المهدوي وإرجاعه إلى آيات القرآن الكريم، التي يظهر أنّها توافقه، فيتحتم الرجوع إلى

(٢٥٦)

تفسير الآية في الكتب المعتبرة، ومعرفة سبب نزولها.
٢/ عدم التشخيص في الموارد التي تحتمل عدّة احتمالات، وذلك في حال فقد القرينة، ويكفي طرح الاحتمالات الممكنة والمتوافقة مع الأصول العامة للمذهب.
٣/ عدم الجزم حين سرد الفرضيات؛ حتى وإن كانت معتضدة بأدلة، فيبقى ما نتوصل إليه غير يقيني.
٤/ ضرورة الرجوع إلى أهل الاختصاص في القضية المهدوية، أو متابعة المركز المختص بها، مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام)، والاستفادة من خبراتهم، والعقل يحكم برجوع الجاهل إلى العالم.
٥/ قبل الكتابة في الخطاب المهدوي الأفضل أن تكون للكاتب معرفة ولو إجمالية، مكتسبة بالبحث، والتأمل، فضلاً عن معرفة الكتب المعتبرة المعتمدة في القضية المهدوية.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله تعالى على سيّدنا محمدٍ وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

(٢٥٧)

المصادر والمراجع

١- القرآن الكريم.
٢- نهج البلاغة.
٣- إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات: الشيخ محمد بن الحسن بن علي بن الحسين الحرّ العاملي، تقديم: آية الله العظمي السيد شهاب الدين المرعشي النّجفي قدّس سرّه، تخريج: علاء الدّين الأعلمي، ج٥، ط١، ١٤٢٥ ه - ٢٠٠٤ م، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان.
٤- إرشاد القلوب: الشيخ أبي محمد الحسن بن محمد الديلمي، ج٢، منشورات الرضّي، قم - إيران.
٥- أطلس سيرة الإمام المهدي (عليه السلام): رسول عبد السادة، ط١، ١٤٣٧ه- ٢٠١٦م، دار المتقين للطباعة والنشر، بيروت- لبنان.
٦- أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين، ج٢،١، تحقيق واخراج: حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت.
٧- إعلام الورى بأعلام الهدى: الشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، ج٢، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، ط٢،

(٢٥٩)

١٤١٧ه، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم.
٨- إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب: الشيخ علي اليزدي الحائري، ج٢، بلا.
٩- الإتقان في علوم القرآن: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ج٢، بلا، ١٣٩٤ه- ١٩٧٤م، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
١٠- الاحتجاج: الشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، ج٢، تعليق وملاحظات: السيد محمد باقر الخرسان، ١٣٨٦ه - ١٩٦٦م، منشورات دار النعمان للطباعة والنشر، مطبعة النعمان، النجف الأشرف.
١١- الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الشيخ المفيد، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، ط٢، ١٤١٤ه- ١٩٩٣م، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان.
١٢ الأصول العامة للفقه المقارن: السيد محمد تقي الحكيم، ط٢، ١٩٧٩م، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) للطباعة والنشر.
١٣- الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل: الشيخ حسن محمد مكي العاملي، ج٣، ط١، ١٤٣٥ه- ٢٠١٤م، مؤسسة التاريخ العربي،

(٢٦٠)

بيروت- لبنان.
١٤- الأمالي: الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق: قسم الدراسات الاسلامية، ط١، ١٤١٤ه، مؤسسة البعثة للطباعة والنشر والتوزيع، دار الثقافة.
١٥- الأمثل تم في تفسير كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر ج٦ ١٤٢٦ق- ١٣٨٤، مدرسة الامام علي بن ابي طالب قم.
١٦- الخرائج والجرائح: الشيخ الأقدم أبو الحسين سعيد بن هبة الله المشهور ب " قطب الدين الراوندي، تحقيق ونشر: مؤسسة الإمام المهدي (عليه السلام) - قم المقدسة، باشراف الحاج السيد محمد باقر نجل المرتضى الموحد الأبطحي الأصفهاني دامت بركاته، ج٢، ط١، ١٤٠٩ه.ق، المطبعة العلمية، قم المقدسة.
١٧- الخصال: الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ١٤٠٣- ١٣٦، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية قم المقدسة.
١٨- الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر السيوطي، بلا، دار المعرفة، بيروت - لبنان.
١٩- السفياني حتم مر: السيد جلال الموسوي، اعداد وتقديم وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية

(٢٦١)

في الإمام المهدي (عليه السلام)، ط٦، ١٣٢٧ه- ٢٠١٦م، النجف الأشرف.
٢٠- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: إسماعيل بن حماد الجوهري، ج١، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم.
٢١- الغيبة: الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، ج١، تحقيق: الشيخ عباد الله الطهراني- الشيخ على احمد ناصح، ط١، ١٤١١ه، مؤسسة المعارف الاسلامية، مطبعة بهمن، قم.
٢٢- الغيبة: الشيخ محمد بن ابن إبراهيم المعروف بالنعماني، ج١، تحقيق: فارس حسون كريم، ط١، ١٤٢٢ه، أنوار الهدى، مطبعة مهر.
٢٣- القاموس المحيط: الشيخ مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، ط٨، ١٤٢٦ه- ٢٠٠٥م، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان.
٢٤- الكافي: الشيخ محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ج١، ط٥، ج٢، ط٤، ١٣٦٥، دار الكتب الاسلامية، طهران.
٢٥- المزار: الشيخ محمد بن المشهدي، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، ط١، ١٤١٩ه، مؤسسة الآفاق، طهران.
٢٦- المصباح: الشيخ تقى الدين إبراهيم بن علي الحسن بن محمد

(٢٦٢)

بن صالح العاملي الكفعمي، ط٣، ١٤٠٣ه - ١٩٨٣م، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان.
٢٧- المعجم الوسيط: لإبراهيم مصطفى وأحمد الزيات وحامد عبد القادر ومحمد النجار، ج٢، مجمع اللغة العربية، دار الدعوة، القاهرة.
٢٨- الملاحم والفتن: السيد ابن طاووس رضي الدين علي بن موسى بن جعفر، تحقيق: مؤسسة صاحب الامر(عج)، الاخراج الفني: السيد حسن عزيز الحكيم، ط١، ١٤١٦ه، مطبعة: نشاط، أصفهان.
٢٩- الميزان في تفسير القرآن: السيد محمد حسين الطباطبائي، ج١، ج١٤، ج١٧، ج١٩، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم.
٣٠- الهدى والضلال في القرآن الكريم: الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي، تقديم: معهد تراث الأنبياء للدراسات الحوزوية الألكترونية، ط١، ١٤٣٨ه.
٣١- الهداية الكبرى: الشيخ عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي، ط٤، ١٤١١ه - ١٩٩١م، مؤسسة البلاغ، لبنان - بيروت.
٣٢- بحار الأنوار: الشيخ محمد باقر المجلسي، ج٣، ج٥٢، ج٥٣، ج٩١، ج٩٥، ١٤٠٣ه - ١٩٨٣م، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.
٣٣- تاج العروس: السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي

(٢٦٣)

الحنفي، دراسة وتحقيق: علي شيري، ١٤١٤ه- ١٩٩٤م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.
٣٤- تحف العقول: أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط٢، ١٣٦٣ - ش ١٤٠٤ - ق، مؤسسة النشر الاسلامي، إيران.
٣٥- تفسير الإمام العسكري: الامام أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليهم السلام)، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهدي قم المقدسة، ط١، ١٤٠٩ه، مطبعة مهر، قم.
٣٦- تفسير العياشي: محمد بن مسعود العياشي، ج١، ج٢، تصحيح وتعليق وتعليق: السيد هاشم الرسولي المحلاتي، المكتبة العلمية الاسلامية، طهران.
٣٧- تفسير القمي: للشيخ علي بن إبراهيم القمي، ج٢، تصحيح وتعليق وتقديم: السيد طيب الموسوي الجزائري، ج٢، ١٣٨٧ه، منشورات مكتبة الهدى، مطبعة النجف.
٣٨- تفسير فرات الكوفي: فرات بن إبراهيم الكوفي، ط١، ١٤١٠ه - ١٩٩٠م، طهران - إيران.
٣٩- جامع البيان عن تأويل القرآن: الشيخ محمد بن جرير الطبري، تقديم: الشيخ خليل الميس، ضبط وتوثيق وتخريج: صدفي جميل العطار،

(٢٦٤)

ج٢٦، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
٤٠- دروس في علم الأصول: السيد محمد باقر الصدر، ج٣، ط٢، ١٤٣٠ه- ٢٠٠٩م، ط٢، دار المناهل للطباعة والنشر والتوزيع.
٤١- دولة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف: السيد مرتضى المجتهدي السيستاني، ترجم من الفارسية الى العربية: ضياء الزهاوي، ط١، ١٤٣٢ه، منشورات الماس، مطبعة الهادي، قم المقدسة.
٤٢- رجال النجاشي: الشيخ أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي الأسدي الكوفي، التحقيق: الحجة السيد موسى الشبيري الزنجاني، مؤسسة النشر الاسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين، قم المشرفة.
٤٣- زينب الكبرى من المهد إلى اللحد: السيد محمد كاظم القزويني، تحقيق وتعليق وتقديم: السيد مصطفى القزويني، دار المرتضى، بيروت.
٤٤- سنن الترمذي: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (ج ١، ٢) ومحمد فؤاد عبد الباقي (ج ٣) وإبراهيم عطوة عوض (ج ٤، ٥)، ط٢، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.
٤٥- شذرات مهدوية: الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي، تقديم وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام)، ط٢، ١٤٣٨

(٢٦٥)

ه، النجف الأشرف.
٤٦- شرح أصول الكافي: المولى محمد صالح المازندراني، تعليق: الميرزا أبو الحسن الشعراني، ضبط وتصحيح: السيد علي عاشور، ج١١، ط١، ١٤٢١ه _ ٢٠٠٠م، دار احياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت _ لبنان.
47- شرح سنن أبي داود: عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن العباد البدر، ج225، دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net [ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 598 درسا].
٤٨ - شرح نهج البلاغة: ميثم بن علي بن ميثم البحراني، تصحيح: عدّة من الأفاضل، ج٣.
٤٩- صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٥٠- صفات الشيعة: أبي محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، المشهور بالصدوق.
٥١- عقائد الامامية: الشيخ محمد رضا المظفر، تقديم: الدكتور حامد حفني داود، مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر، مطبعة بهمن، قم.

(٢٦٦)

٥٢- على ضفاف الانتظار: الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي، تقديم: مركز القمر للإعلام الرقمي، ١٤٣٨ه.
٥٣- علل الشرايع: الشيخ أبو جعفر محمد بن علي ابن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، المعروف بالصدوق، ج١، ١٣٨٥ه - ١٩٦٦م، مطبعة المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف.
٥٤- عيون أخبار الرضا: محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، تصحيح وتقديم وتعليق: الشيخ حسين الأعلمي، ج١، ط١، ١٤٠٤ه - ١٩٨٤م، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت- لبنان.
٥٥- كشف الغمة في معرفة الأئمة: المحقق أبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي، ج٣، دار الأضواء، بيروت - لبنان.
٥٦- كمال الدين واتمام النعمة: محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ج١، ١٤٠٥ه، مؤسسة النشر الاسلامي، قم.
٥٧- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: علاء الدين علي بن حسام الدين ابن قاضي خان القادري الشاذلي الهندي، تحقيق: بكري حياني وصفوة السقا، ج١٤، ط٥، مؤسسة الرسالة.
٥٨- لسان العرب: جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري، ج١، ج٣، ج٤، ج٥، ج٧، ج١٠، ط٣، ١٤١٤ه، دار صادر،

(٢٦٧)

بيروت.
٥٩- مجمع البيان في تفسير القرآن: الفضل بن الحسن الطبرسي، تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين، تقديم: السيد محسن الأمين العاملي، ج١٦، ط١، ١٤١٥ه - ١٩٩٥م، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت- لبنان.
٦٠- مسند الإمام أحمد بن حنبل: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط١، ١٤١٦ه - ١٩٩٥م، دار الحديث - القاهرة.
٦١- معاني الأخبار: الشيخ الجليل الأقدم الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، تصحيح: علي أكبر الغفاري، انتشارات إسلامي وابسته بجامعة مدرسين حوزهء علميه، قم.
٦٢- معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): الشيخ علي الكوراني، ج٣، ج٤، ج٥، ط١، ١٤١١ه، مؤسسة المعارف الاسلامية، مطبعة بهمن، قم.
٦٣- معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة للامام الأكبر زعيم الحوزات العلمية السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (قدس سره الشريف) الكتاب الرابع عشر الطبعة الخامسة طبعة منقحة ومزيدة السنة ١٤١٣ ه - ١٩٩٢ م

(٢٦٨)

٦٤- معجم اللغة العربية المعاصرة: د أحمد مختار عبد الحميد عمر، ج١، ج٣، ط١، ١٤٢٩ه - ٢٠٠٨م.
٦٥- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، تحقيق: محمد رشاد سالم، ط١، ١٤٠٦ه- ١٩٨٦م، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
٦٦- موجز دائرة معارف الغيبة: إعداد وتأليف: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه، ط١، ١٤٢٧ه، النجف الأشرف.
المقالات:
١- إشكالية حكم الإمام المهدي عجل الله فرجه بشريعة داود: حميد عبد الزهرة، مجلة الانتظار، العدد ١٢/ محرم/ ١٤٢٩ه.
٢- الدعاء المهدوي وآثاره في بناء الفكر والعقيدة البناء التوحيدي أُنموذجاً: الشيخ حميد عبد الجليل الوائلي، مجلة الموعود، العدد٤/ ذو الحجة/ ١٤٣٨ه.
٣- التراث المهدوي استقراء التطور الفكري في مسيرة التراث المهدوي الشيعي: لمجتبى السادة، مجلة الموعود، العدد ٥/ ذو القعدة/ ١٤٣٩ه.
٤- الغيبة أقسامها وأسبابها: الشيخ عادل الحريري، مجلة صدى المهدي،

(٢٦٩)

العدد: ٨١/ ربيع الأول/ ١٤٣٧ه.
٥- تجليات معرفية في الخطاب المهدوي: علوية الحسيني، ف٨، ف١٠، مدونة الكفيل.
٦- دراسات استراتيجية الاعداء في حربهم ضد الامام المهدي (عليهم السلام) حالياً: الكاتب مجتبى السادة، مجلة الانتظار، العدد١٦/محرم/ ١٤٣٠ه.
٧- دراسات/ أفكار في سلاح الإمام المهدي (عليه السلام) عند الظهور: الكاتب حسين عبد الأمير الظالمي، مجلة الانتظار، العدد١٢، ١٤٢٩ه.
٨- دراسة مقارنة للوضع الاقتصادي بين الغيبة والظهور: الشيخ ماهر الحجاج، مجلة الموعود، العدد٨/ ذي الحجة/ ١٤٤٠ه.
٩- عنصر الخفاء في القضية المهدوية: الشيخ حسين الأسدي، مجلة الموعود، العدد٤/ ذو الحجة/ ١٤٣٨ه.
المواقع:
مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام).
صحيفة صدى المهدي، العدد ٨٥، ربيع الأول، ١٤٣٥ه، الأسئلة الموجهة إلى مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام).

تم بحمد الله تعالى

(٢٧٠)