التصفية المعرفية
وأثرها على فهم القضية المهدوية وطرق العلاج الواعي
الشيخ حميد عبد الجليل الوائلي
مجلة الموعود - العدد (٢٠)
ربيع الأوَّل ١٤٤٨هـ / آب ٢٠٢٦م
مقدمة:...................٢٢٧
المحور الأوَّل: مفاهيم المعرفة المهدوية
ومستوياتها وخصائصها وأساليب التوظيف:...................٢٣٠
١ - تعريف المعرفة المهدوية:...................٢٣٠
٢ - مستويات المعرفة المهدوية:...................٢٣٠
٣ - خصائص المعرفة المهدوية:...................٢٣١
٤ - تحدِّيات دور العقل المعرفي وصيرورته كجزء
من الامتحان:...................٢٣١
٥ - قراءة فاحصة
ودقيقة:...................٢٣٢
المحور الثاني: التلوُّث المعرفي، مصادره،
أشكاله، أثره:...................٢٣٣
المبحث الأوَّل: مصادر التلوُّث المعرفي قبل
الظهور، في نقاط:...................٢٣٣
١ - الإشاعة بوصفها أخطر مصادر
التلوُّث:...................٢٣٣
٢ - الروايات المختلة والنصوص المبتورة
والتفسيرات المبالغ فيها:...................٢٣٤
٣ - الإعلام الموجه وصناعة السرديات:...................٢٣٤
٤ - من المعلومات إلى
الوهم:...................٢٣٤
٥ - البنية النفسية لتقبل
الزيف:...................٢٣٥
المبحث الثاني: أشكال التزييف المهدوي
المعاصر، في نقاط:...................٢٣٥
١ - المهدوية الرقمية:...................٢٣٥
٢ - المهدوية النفعية:...................٢٣٥
٣ - ظاهرة المدَّعين:...................٢٣٦
٤ - بحث الوهمية حول
العلامات:...................٢٣٦
المبحث الثالث: أثر التلوُّث المعرفي على
الهوية الروحية للإنسان:...................٢٣٦
المحور الثالث: الامتحان المعرفي في عصر
الغيبة:...................٢٣٧
المبحث الأوَّل: الفتن بوصفها اختباراً
معرفياً، في نقاط:...................٢٣٧
١ - المعرفة ساحة
امتحان:...................٢٣٧
٢ - طبيعة الفتنة
المعرفية:...................٢٣٨
٣ - أثر الفتن على
العقل:...................٢٣٩
المبحث الثاني: الانسداد المعرفي قبل الظهور،
في نقاط:...................٢٣٩
١ - معنى الانسداد
المعرفي:...................٢٣٩
٢ - علاقة الانسداد بسنن
التاريخ:...................٢٤٠
المبحث الثالث: التصفية المعرفية كقانون
سُنني، في نقاط:...................٢٤٠
١ - معنى التصفية
المعرفية:...................٢٤٠
٢ - مستويات التصفية:...................٢٤١
٣ - هدف التصفية:...................٢٤١
المحور الرابع: البصيرة بوصفها أداة
معرفية:...................٢٤١
١ - مفهوم البصيرة:...................٢٤٢
٢ - البصيرة بوصفها نتاج التصفية
المعرفية:...................٢٤٣
٣ - أنواع البصيرة:...................٢٤٣
المحور الخامس: التصفية المعرفية وشواهد
الواقع الرقمي المعاصر:...................٢٤٨
المحور السادس: خلاصة النظرية، الإشكال عليها،
رد الإشكال:...................٢٥١
مقدمة(١):
يشهد العالم المعاصر واحدة من أعقد التحوُّلات المعرفية في التاريخ البشري إلى
الآن، إذ تتدفَّق المعلومات بلا حدود، وتختلط الحقائق بالروايات المصطنعة، وتتنازع
العقول موجات متلاحقة من التأويلات، والخطابات التي لا تستند إلى معيار يقيني
وحجَّة معتبرة في كثير من الأحيان.
ومع تزايد هذا الاضطراب، بدا واضحاً أنَّ الأزمة التي يعيشها الإنسان ليست أزمة
أخلاقية محضة، ولا سياسية أو مالية أو نفسية فحسب، بل هي في جوهرها أزمة معرفية، أو
قل أزمة في طبيعة إدراك الحقائق، وفي معايير التمييز، وفي فاعلية أدوات الفهم التي
يعتمد عليها العقل البشري.
في هذا السياق المضطرب، تذكر العقيدة المهدوية بوصفها أحد أهم الميادين التي
تتعرَّض لهذا الخطر المعرفي، سواء عبر المعلومة المضطربة، أو التهويل المعاكس
والمناوئ، أو التأويل الضيِّق، أو الاستغلال النفسي، أو القراءة العاطفية غير
المنضبطة للنصوص، أو غير ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) ما سنذكره ليس استحداثاً، بل جملة منه واقع في أزمنة سابقة، ما يميزه الآن هو السرعة الهائلة في تحصيل المعلومة وسرعة تلوّثها وتحريفها.
ولم
يعد الخطر مقتصراً على الروايات التي لا يُعلم مصدرها، أو الفهم السطحي، أو
الاستغلال السيء أو السرديات الجماهيرية والشعبوية، بل تجاوزه إلى تحوُّلات عميقة
في بنية الوعي نفسه، بحيث أصبح الإنسان رهيناً لمنصّات - تعتمد على الذكاء
الاصطناعي - تصنع قناعاته تدرجاً دون شعور بها، وتوجّه انتباهه، وتعيد تشكيل نظرته
إلى العالم، وإلى نظرته لسيادة العدل ومفاهيم القسط ورعاية الحقوق وطرق انتزاعها.
وهنا تبرز الحاجة لطرحٍ مِنْ شأنه محاولة استيعاب هذا الواقع - المفروض - المعقد،
ويفسِّر موقع (المعرفة) في مشروع الغيبة، والانتظار والقيام المهدوي المرتقب.
ومن هنا تنبع أهمية هذا البحث الذي يقترح أنَّ (الغربلة المعرفية قبل الظهور) معضلة
البشرية في العصر الراهن من جهة، ومحاولة لبناء إطار معرفي يفسر طبيعة الابتلاءات
الفكرية والفتن الثقافية والاضطرابات الإدراكية التي تعصف بالبشرية في زمن الغيبة
من جهة ثانية، بما يعني أنَّ الامتحان الحقيقي قبيل الظهور ليس امتحاناً أخلاقياً
وعملياً فحسب، بل امتحان معرفي بالدرجة الأولى.
فالغيبة ليست فقط مرحلة لابتلاء الولاء والإيمان، بل هي مرحلة لإعادة غربلة منظومات
المعرفة البشرية، وتنقية الوعي من الزيف، ورفع مستوى التمييز.
فتسعى هذه الدراسة إلى تحليل جذور هذا الاضطراب المعرفي، وتحديد مصادر التلوُّث
الفكري، وبيان أثر التلقي من الأدوات الرقمية - والاعتماد على الذكاء الاصطناعي،
دون غربلة - في تشويه أو توجيه الوعي المهدوي،
واستكشاف كيف تحوَّلت جملة من الابتلاءات إلى امتحان لكفاءة الإنسان المعرفية،
وكيف أصبح العالم - قد - يقترب تدريجياً من مرحلة الانسداد المعرفي التي تعجز فيها
القدرات البشرية عن التمييز بين الحقِّ وما هو حجَّة، وبين الزيف والباطل.
كما يحاول البحث بناء إطار نظري لفهم البصيرة بوصفها آلة معرفية تمنح الإنسان قدرة
على النجاة في زمن الفوضى، وتعيد رسم مفهوم (النقاء المعرفي) كقانون للثبات قبل
الظهور.
إنَّ هذا البحث لا يكتفي بتشخيص الواقع المعرفي، بل يسعى - قدر المستطاع - إلى
تقديم قراءة منهجية لعلاقة ما قبل الظهور بإعادة ضبط المعرفة البشرية، ومنع
التأثيرات الجارفة للمفاهيم المغلوطة والمصنوعة في منصَّات الذكاء الاصطناعي على
الرصيد المعرفي النقي المتوارث.
وبناءً على ذلك، يهدف هذا العمل إلى بيان معايير التصفية، ويحلل آليات الانحراف،
ويكشف علاقة الوعي بالمهدوية، فهو يسعى إلى بيان: التحوُّلات الحضارية، الانهيار
المعرفي، الحاجة إلى البصيرة، تهيؤ الوعي لتقبل المهدوية، وإعادة بناء الإنسان في
ضوء القيادة الإلهية.
فنحن سنتعامل مع (المعرفة) لا بوصفها وعاءً للنصوص فحسب، بل بوصفها ساحة الامتحان
في زمن الغيبة، ومفتاح العبور نحو فهم واعي في زمن تشابك معلوماتي عنيف.
ويجري عرض الموضوع في ستة محاور، تتناول المحاور الأربعة الأولى مظاهر التلوُّث
المعرفي وسبل معالجته، ويأتي المحور الخامس في نماذج تطبيقية توضح ذلك، ثم نعرض أصل
الفكرة للنقد وندافع عنها في المحور السادس.
المحور الأوَّل: مفاهيم المعرفة المهدوية
ومستوياتها وخصائصها وأساليب التوظيف:
الإنسان اليوم لا يبتلى فقط في أخلاقه، بل في وعيه، وكيف يفهم ويميِّز، وكيف يزن
الأخبار التي يسمعها من وسائل التواصل الاجتماعي وعبر الذكاء الاصطناعي، وبعيداً عن
المتخصِّص، وهذا ما يجعل دراسة العقيدة المهدوية ضرورة لا غنى عنها، بوصفها أهم
أجزاء العقيدة التي تؤمِّن الارتباط الصحيح والسليم مع السماء.
والكلام في هذا المحور في عدَّة نقاط:
١ - تعريف المعرفة المهدوية:
هي منظومة مفاهيمية تستند في بناء مفاهيمها إلى النص القرآني والروائي عن العترة
الطاهرة (عليهم السلام)، وكذا إلى العقل، وعناصر قراءة النص على يد المتخصِّص،
وتتناول فهم وجود الحجة الإلهية (عليه السلام) في زمن الغيبة، وأثر هذا الوجود على
الإنسان بل والكون، حيث تسعى المعرفة بالمهدوية لبناء الرؤية المستقبلية عن القضية
المهدوية، وهندسة الوعي، وفهم الامتحان الإلهي، ووظيفة الإنسان زمن الغيبة، وضبط
العلاقة بين المعرفة والبصيرة.
٢ - مستويات المعرفة المهدوية:
ويمكن تصنيفها إلى أربع دوائر:
أ - دائرة المصادر المعتبرة: وتتمثَّل في الآيات الكريمة، الروايات الشريفة،
الأحاديث المنقولة عن العلماء وأفهامهم المستقاة عن الحجج العقلية والعقلائية.
ب -
دائرة الاستظهارات والتحليل العقلي والعقلائي: وتتمثَّل في تحليل المفاهيم الكبرى
في هذه القضية: كمفهوم الحجية، والولاية، والحاكمية، والغيبة، والانتظار، النصرة،
والعدالة، وسُنن التاريخ.
ج - الدائرة التاريخية: وتتمثَّل في تجارب الأُمم، الحركات المهدوية المنحرفة، أثر
الأحداث الكبرى، دور العلماء في ضبط المسار الواعي للمهدوية.
د - الدائرة المعاصرة: وتتمثَّل في قراءة العالم المعاصر، من: الاقتصاد، الحروب،
التكنولوجيا، الإعلام، تحوُّلات الوعي العالمي، ومقدار تأثيرها على العقيدة
المهدوية، وهذه الدوائر الأربع لا يمكن فهمها دون نظرية معرفية متكاملة.
٣ - خصائص المعرفة المهدوية:
وتتمثَّل في بعدين:
أ - إنَّها معرفة - في الغالب - مستقبلية: تتعامل مع أحداث لم تقع بعد، وفي ذات
الوقت فيها قابلية عالية للتأويل والانحراف.
ب - إنَّها معرفة غيبية - في بعض جوانبها -: فهي خارج نطاق الإدراك الحسي، لذلك
تحتاج طريقة محدَّدة لفهم نصوصها، رغم اختلاف أفهام المجتمع باختلاف الآليات
وتطوُّرها، وأنَّها معرفة مرتبطة بالقيادة المعصومة، ومصدرها الأعلى غائب، كما
وأنَّها من بين أشدّ المعارف عرضة للتشويه، بسبب غيبيتها وغياب قائدها وارتباط عدد
من مفاهيمها بالمستقبل.
٤ - تحدِّيات دور العقل المعرفي وصيرورته كجزء
من الامتحان:
في زمن حضور المعصوم (عليه السلام)، الأُمَّة تستند إلى يقين مباشر، ولكن في زمن
الغيبة يتعاظم دور العقل والعقلاء، حيث يكون العقل جزءاً من الامتحان، مع أنَّه هو
أداة التمييز، وهو الذي يمنع الانزلاق نحو الخرافة أو الاندفاع اللاواعي.
نعم،
العقل في الغيبة ليس بديلاً عن الحُجة، بل آلية مهمة في الفهم، حيث يقوم بفرز
الروايات، وتمييز الصحيح من الضعيف، وضبط التأويل المنفلت، وعدم تحميل النص فوق ما
يحتمل، وقراءة الواقع بوعي، وكشف التوظيف السياسي والمالي والنفسي والمصالحي، ومنع
استغلال المهدوية من قبل الحركات المغالية والأنظمة والإعلام والمدَّعين، ومقاومة
الفتن المعرفية باستخدام أدوات التحليل المنطقي بدلاً عن الانجرار الانفعالي
اللاواعي العام، أو الناشئ عن وسائل التواصل الاجتماعي أو المُعدّ في برامج الذكاء
الاصطناعي.
فالتحديات التي يواجهها العقل اليوم عديدة، منها: التضخم المعلوماتي، حيث يتعامل
العقل مع ملايين البيانات يومياً، التي تشتمل على التزييف العميق، حيث يمكن تزوير
الواقع نفسه، فلم يعد الصدق معياراً وحسب، بل التأثير.
ولم يعد هناك مصدر موثوق عند الجمهور البعيد عن المتخصصين، حيث تتشكَّل صناعة الوعي
الزائف - عادة - على يد المؤثِّرين من أصحاب الخوارزميات وأصحاب منصَّات التواصل
الاجتماعي وبرامج الذكاء الاصطناعي، في تشكيل قناعات الجمهور.
هذه التحديات تجعل العقل مرهقاً وهشًّا أمام الزيف الهائل.
٥ - قراءة فاحصة ودقيقة:
لأنَّ المعرفة المهدوية ليست بسيطة، فالعلامات قابلة للقراءات المتناقضة، والإشاعة
أخطر من أي زمن مضى، والتكنولوجيا تُضاعف سرعة انتشار الزيف، والجماهير تستسلم
للمعلومات الجاهزة، والمعرفة الملوَّثة تمنع رؤية الحق، إذن فالمهدوية بحاجة إلى
جهد خاص، وقراءة فاحصة من متخصِّص يواكب الحدث ويستثمر في الأدوات المتاحة، بل
ويطور عمل الأدوات.
المحور الثاني: التلوُّث المعرفي، مصادره،
أشكاله، أثره:
إذا كانت العقيدة المهدوية تعتمد على وعي نقي وبصيرة نافذة، ولا زالت فيما لو قدر
لها أن تؤخذ من الأيادي الأمينة والمتخصِّصة، ولكن نجد وفي خصوص هذا الزمان أنَّ
أخطر ما يواجه الإنسان ليس الانحراف الأخلاقي فحسب، بل انحراف المعرفة، فالامتحان
الحقيقي في آخر الزمان يقع كذلك في العقل قبل السلوك، وفي الوعي قبل الفعل، وفي
تمييز الحقائق قبل تطبيقها، وهذا ما يجعل (التلوُّث المعرفي) مدخلاً أساسياً لفهم
الفتن السائدة، والغلوّ، والإشاعات، والادِّعاءات الكاذبة، وسقوط الناس في موجات
الزيف.
في هذا المحور نعمد إلى تحليل هذا التلوُّث عبر ثلاثة مباحث: مصادره، أشكاله
النفسية والمعرفية، أثره على المهدوية في العصر الراهن.
والكلام في عدَّة مباحث:
المبحث الأوَّل: مصادر التلوُّث المعرفي قبل
الظهور، في نقاط:
١ - الإشاعة بوصفها أخطر مصادر التلوُّث:
فهي ليست نقل خبر خاطئ فحسب، بل عملية إعادة تشكيل للوعي، حيث تكمن خطورتها لأنَّها
في المجال المهدوي تتضاعف لعدَّة أسباب مضافاً لما تقدَّم: من ارتباطها بالعاطفة
الدينية، وكثرة النصوص المؤوَّلة، ورغبة الناس في ربط الأحداث بالظهور، وهشاشة وقلة
الوعي أمام قضايا الغيب والمجهول.
وعليه، الإشاعة المهدوية تؤدِّي إلى: تثبيت توقُّعات غير واقعية، انحراف القراءة
لدى عامة المتلقين ممن لا يرتبطون بالمتخصص، انهيار الثقة بالمرجعية العلمية
الدينية والأخلاقية للقضية المهدوية، بما يسهم في تمهيد الأرض للمدَّعين الكاذبين،
والنفعيين المتسلقين، والأعداء المتربصين.
٢ - الروايات المختلة والنصوص المبتورة
والتفسيرات المبالغ فيها:
حيث تشكِّل الروايات المبتورة والخارجة عن سياقاتها والمقطعة لغرض التزييف والتعمية
على الجمهور المتلقي، أدوات لإنتاج واقع معرفي زائف، ومداخل أولية تبني عليها
الجماهير تصورها للمهدوية، حيث تصير وسيلة بيد الجماعات المنحرفة لصناعة شرعية
كاذبة عبر وسائل التواصل المختلفة ومنصات الذكاء الاصطناعي، وتكمن خطورتها في
تشابهها مع النصوص الصحيحة، وتداولها في المجتمع دون تمحيص، ودخولها في الوعي
الشعبي كمسلَّمات، ومع توسُّع الفضاء الرقمي، أصبح انتشارها أسرع من قدرة العلماء
على الرد.
٣ - الإعلام الموجه وصناعة السرديات(٢):
الإعلام لا يقدِّم خبراً فقط، بل يصنع: مزاجاً عاماً، ورؤى مستقبلية، وثقافة شعبية،
وشعوراً طاغياً بالأزمة أو الانفراج، وفي جانب القضية المهدوية، يمكن للإعلام أن
يصنع تصوُّرات سياسية للظهور، ويربط الظهور بأحداث مختلقة، وكذا يمكنه صناعة أبطال
وهميين في الوعي العام، وبذلك ينتقل الإنسان المؤمن من المهدوية الحقة إلى مهدوية
إعلامية.
٤ - من المعلومات إلى الوهم:
العصر الرقمي يضاعف تلوُّث الوعي عبر الخوارزميات(٣) التي تعزِّز قناعات المستخدم،
والفقاعات المعلوماتية التي تمنع رؤية الفكرة المخالفة، والفيديوهات المفبركة التي
تحاكي الواقع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢)
مصطلح متداول يقصد به بناء قراءة يفهم من خلالها بعض المفاهيم أو إعطاء معاني
لقضايا بعيداً عن واقعها أو موروثها في العادة.
(٣) أسلوب بني على خطوات مترابطة ومحدّدة تؤدِّي إلى نتيجة معيَّنة ومعلومة مسبقاً،
نسبة إلى الخوارزمي.
فإنَّ
الذكاء الاصطناعي الذي يصنع روايات بلا مصدر، مع وجود الجماهير الرقمية التي تمنح
الوهم سلطة وصوتاً، هذه الظواهر تصنع ذكاءً جمعياً ملوّثاً يقود ملايين الناس بلا
وعي.
٥ - البنية النفسية لتقبل الزيف:
الإنسان - في العادة - يميل بطبيعته إلى تصديق ما يوافق رغباته، من خلال البحث عن
قصص مثيرة لا حقائق، وعن ربط الأحداث دائماً بالمجهول، والانحياز للجماعة بدل
العقل، وهذه الانحيازات تمثِّل بيئة خصبة للتزييف فيما يرتبط بالمهدوية، فالمهدوية
مجال جاذب لأنَّها تحمل طابعاً غيبياً يرتبط بالخلاص، ويلامس أعمق احتياجات الإنسان
النفسية، لذلك يميل الإنسان إلى تضخيم أي خبر يوحي بقرب الظهور، دون تحليل أو
تحقيق.
المبحث الثاني: أشكال التزييف المهدوي
المعاصر، في نقاط:
١ - المهدوية الرقمية:
ظاهرة جديدة بالكامل، تتمثَّل في صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي حيث تمتلك
سيولاً من المعلومات يصعب إلى حدٍّ كبير السيطرة عليها، وكذا في مؤثِّرين، وقنوات،
ومحتوى مرئي جذاب، وبث مباشر للأخبار المزعومة، هذه الظاهرة تصنع متلقِّين سطحيين،
وعواطف متضخمة، جمهوراً يرفض النصوص إذا لم توافق توقعاته.
٢ - المهدوية النفعية:
توظيف مفاهيم الغيبة والظهور لتحقيق شرعية، ولإثارة الجماهير، ولتبرير صراع معيَّن،
ولبناء جماعة مهدوية مزيفة، وهو أخطر أشكال التزييف لأنَّه: يستخدم الدين للمصلحة
الخاصة، حيث يمتلك أدوات السلطة، فيحول المهدوية إلى سلاح أيديولوجي.
٣ - ظاهرة المدَّعين:
حيث يكثر - خصوصاً قبل الظهور -: المدَّعون، وأصحاب الرؤى والمنامات، والمتحدِّثون
باسم السماء، والمكلَّفون من الإمام (عجَّل الله فرجه)، وأصحاب الرسائل المزعومة،
وكلّهم يستغلون تشتُّت المعرفة، وضعف النقد العلمي، وعياً شعبياً هشاً يستقي
معلومته من حيث لا مصدر سوى الفضاء الافتراضي.
٤ - بحث الوهمية حول العلامات:
حيث يحصل الربط لأيِّ حدث بآخر الزمان، وتحويل التحليلات السياسية إلى علامات، بل
واختلاق علامات جديدة، من خلال تحميل النصوص ما لا تحتمل، والمبالغة في تفسير الصوت
من السماء، وتأويل الخسف في البيداء، وإخراج الرايات عن سياقها، هذه السرديات تبني:
خوفاً جمعياً، وتوتراً دائماً، ورؤية سوداوية للعالم، وتصوراً غير واقعي عن الظهور.
المبحث الثالث: أثر التلوُّث المعرفي على
الهوية الروحية للإنسان:
عندما تفسد المعرفة يفسد الإدراك، ويختل الميزان، ويضعف الإيمان، ويضيع مفهوم
الانتظار الحق، عند ذاك يحصل تآكل الثقة بالمصادر الصحيحة بسبب الوعي الملوَّث، حيث
لا يوثق بـ(المرجعية الدينية الناصحة)، ولا العلماء الأُمناء، ولا المنهج العلمي
الرصين، ولا النقد القويم البناء، ولا التحقيق والتدقيق، فيتَّجه الناس نحو:
المحتوى العاطفي، والمؤثِّرين، والإشاعة، والخطابات غير العلمية.
يترتَّب على هذا تشوُّه صورة المهدوية، حيث يتحوَّل الاعتقاد بالمهدوية من مشروع
إصلاحي عالمي على يد إمام معصوم (عليه السلام) إلى الاعتقاد برمز سياسي، أو أسطورة،
أو مادة إعلامية تتمثَّل في منقذ سينمائي وهذا من أخطر أشكال التلوُّث.
يظهر
من هذا المحور أنَّ التلوُّث المعرفي ليس مجرَّد أخطاء في فهم النصوص، بل بنية
تزييف كاملة، وهذه التراكمات قد تؤدِّي إلى انسداد معرفي، يجعل الناس بشكل عام
عاجزين عن التمييز.
المحور الثالث: الامتحان المعرفي في عصر
الغيبة:
من المعروف أنَّ الغيبة مرحلة امتحان، وأنَّها ليست محصورة في البُعد الأخلاقي أو
العاطفي أو العملي، حيث تكشف القراءة الواعية للنصوص وسُنن التاريخ أنَّ الامتحان
قبل الظهور هو امتحان العقل، والبصيرة، والتمييز، والمعرفة أيضاً، وأنَّ هذا
الامتحان ليس طارئاً، بل جزء من الهندسة الإلهية لمرحلة الغيبة، حيث تختبر البشرية
وهي في مواجهة وفرة معلومات، والضجيج الإعلامي، وتزييف الحقائق الرقمي، والسؤال: من
هو الذي يمتلك وعياً نقياً قادراً على النجاة من الفتن، وكيف؟
هذا المحور يحلِّل هذه الظاهرة عبر ثلاثة مباحث:
١ - الفتن بوصفها اختباراً معرفياً لا عملياً أو أخلاقياً فحسب.
٢ - فكرة الانسداد المعرفي.
٣ - التصفية المعرفية كقانون ونتيجة.
والكلام في هذا المحور في عدَّة مباحث:
المبحث الأوَّل: الفتن بوصفها اختباراً
معرفياً، في نقاط:
١ - المعرفة ساحة امتحان:
ما يظهر من ملاحظة الواقع الفعلي وما طرأ عليه أنَّ الابتلاء سيمس الرؤية والإدراك
وقوة التمييز وثبات البصيرة، فلا يُمتحَن الناس في قدرتهم على فعل الخير والثبات
على العمل الصالح فقط، بل في قدرتهم على معرفة الخير
والحق، فالفتنة ليست في انحراف السلوك البشري، بل في انحراف فهمهم، وكذا ليست
الفتنة في الظلم الاجتماعي فقط، بل في ظلم قراءة البشرية للأحداث والدين.
ولذا نقرأ في الدعاء: «اللَّهم أرنا الحقَّ حقًّا ووفِّقنا لاتِّباعه، وأرنا الباطل
باطلاً ووفِّقنا لاجتنابه».
سؤال: لماذا يصبح الامتحان معرفياً، أكثر منه عملياً وسلوكياً؟
لأنَّ طبيعة الغيبة من جهة، وطبيعة البشرية المادية من جهة ثانية، وما طرأ من
تحوُّلات هائلة في طرق تحصيل المعلومات من جهة ثالثة، كلّها تستدعي التوسع في مساحة
الظنون بضم الاعتماد على وسائل غير واعية ولا منضبطة في تحصيل المعلومة والاعتماد
عليها، حيث ينفتح باب الاجتهاد لغير المؤهَّلين، وتُجعل النصوص محط تأويل متناقض،
فيترك الناس أمام تعدُّد مصادر المعرفة إذا لم يرجعوا إلى ركن وثيق، وحيث تضع العقل
أمام معلومات متضاربة، هذه العناصر تجعل الامتحان يدور حول منطق جديد للإنسان في
التفكير والاستنتاج، وفي قراءته للأحداث وفهمه للنصوص، وفي مقاومته للزيف، يترك
لوحده بلا ناصر له ولا معين.
٢ - طبيعة الفتنة المعرفية:
الفتنة الحاصلة ليست في اختلاط الحلال والحرام فقط، بل اختلاط الصدق والكذب،
واختلاط الحقائق بالأباطيل، واختلاط علم ووهم وإشاعة، حيث تظهر الفتنة على أربعة
مستويات:
أ - فتنة النص: من اختلاط الروايات الصحيحة بالسقيمة، وتضخيم الروايات الضعيفة
والمبتورة والمشوَّهة.
ب - فتنة الواقع: من أحداث مختلفة تشبه العلامات دون أن تكون منها.
ج -
فتنة التأويل والتطبيق: من تطبيق العلامات على الواقع بلا معايير، والخلط بين الوعد
الإلهي والتحليل غير المحكم والرصين.
د - فتنة الأشخاص: من مدَّعين ومؤثِّرين ومن جماعات تستغل الغيبة لتحقيق نفوذ
معيَّن.
٣ - أثر الفتن على العقل:
الفتن تضغط على عقل الإنسان وتستنزف قدرته على التمييز، حيث تدفعه إلى الانفعال
وتجعله بحاجة دائمة لإجابات جاهزة، وفيما بعد تدفعه للتسليم بأي مقولة تشبه
توقُّعاته، هذه الحالة من الاضطراب الإدراكي هي صميم الامتحان.
المبحث الثاني: الانسداد المعرفي قبل الظهور،
في نقاط:
١ - معنى الانسداد المعرفي:
هو مرحلة تصل فيها البشرية إلى العجز - أو ما يشبهه - عن الوصول إلى حقائق واضحة،
وحدوث اختلاط لا يمكن تجاوزه بوسائل معتادة، وفقدان المعايير، وانهيار الثقة بكلِّ
المصادر، وتشويش كبير يمنع رؤية الحق، أنَّها حالة يصبح فيها الوعي البشري غير قادر
على إنتاج ما يوثق به بشكل مؤثِّر، وليس كما كان معهوداً في أزمان سبقت حالة
الانتشار المعلوماتي المعاصر.
كل هذا يحصل بسبب التراكم المعلوماتي الموجب لتضخم البيانات، بحيث يجعل الدماغ
عاجزاً عن معالجة الحقائق، فيسبب التشتُّت الإدراكي، بحيث يعجز الإنسان عن ربط
المعلومات بشكل منطقي، وينتج الاستسلام للسرديات الشعبية، بحيث تصبح الرواية
العاطفية أقوى من البرهان.
ويسبب فقدان البوصلة، وغياب معايير الثقة: لا نعرف من نصدق؟
من نتَّبع؟
ما هو
الصحيح؟
هذه الحالة التي يصح أن نعبِّر عنها بالتبدُّل المعرفي، حيث تصبح الحقيقة نفسها
موضع شك، وتفقد الكلمات معناها.
نعم، هذا التبدل - عند البعض - بشارة وليس خسارة، فهو يؤدِّي إلى تهيئة بشرية
للقبول بالمعصوم (عليه السلام)، لأنَّ العقل بعد التبدُّل والانسداد يدرك محدوديته،
ويطلب اليقين من المطلق، فحين تصبح البشرية عاجزة عن صنع المعنى، بل عن فهمه، وعن
فهم التاريخ، وعن تفسير الأحداث، وعن إدراك الحقيقة، تظهر الحاجة جلية إلى الإمام
(عليه السلام).
٢ - علاقة الانسداد بسنن التاريخ:
ذلك لأنَّ التحوُّلات الكبرى غالباً ما يصاحبها تبدل معرفي، وسقوط فلسفات، وأفول
منظومات، كما حدث حين ظهور أصحاب الشرائع من الأنبياء، أو سقوط الإمبراطوريات، أو
نشوء الحضارات الجديدة، فكذا يحتمل أنَّ الظهور أيضاً يأتي بعد انسداد معرفي كما
أشار إليه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «إنَّ الإسلام بدأ غريباً، وسيعود
غريباً كما بدأ، طوبي للغرباء»(٤)، وكذلك ما نقله سلمان عن رسول الله (صلَّى الله
عليه وآله) في حديث طويل جاء فيه: «يا سلمان إن عندها يكون المنكر معروفاً،
والمعروف منكراً»(٥).
المبحث الثالث: التصفية المعرفية كقانون
سُنني، في نقاط:
١ - معنى التصفية المعرفية:
التصفية المرادة هنا ليست إزالة الجاهلين، بل إزالة المعرفة الملوَّثة، وليست غربلة
أشخاص فقط، بل غربلة أفكار ومفاهيم، فالتصفية المعرفية هي: عملية لإعادة تشكيل
الوعي البشري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤)
عوالي اللئالئ لابن أبي جمهور الإحسائي: ج١، ص١٠١، ح٢٧.
(٥) تفسير القمي - لعلي بن إبراهيم القمي: ج٢، ص٣٠٤.
٢ - مستويات التصفية:
أ - تصفية الفكر: لتصفية الخرافات، والمبالغات، وربط كل حدث بالظهور.
ب - تصفية النص: لكشف الروايات الموضوعة، وتصحيح المفاهيم، ووضع أدوات الفهم في
سياقها.
ج - تصفية الواقع: لكشف زيف الحركات المهدوية الكاذبة، وجماعات وأفراد المتاجرة
بالمهدوية.
٣ - هدف التصفية:
يكمن الهدف في تهيئة عقل نقي، وبصيرة راسخة، وإنسان منتظر، ومجتمع قادر على استقبال
الظهور، فالتصفية رحمة، لأنَّها تنقية الوعي لئلا يسقط الناس عند أوَّل امتحان بعد
الظهور.
يظهر من هذا المحور أنَّ الامتحان المعرفي هو المحور المركزي في زمن الغيبة، وأنَّ
الفتن ليست حالات سياسية أو اجتماعية فحسب، بل حالات معرفية عميقة تهدف إلى كشف من
يمتلك عقلاً قادراً على النجاة،
فالإنسان قبل الظهور - يحتمل أنَّه - سيواجه انسداداً معرفياً عالمياً، يجعل العقل
البشري عاجزاً عن الوصول لليقين بنفسه، فتأتي التصفية المعرفية لإعادة بناء وعي
البشرية، وتهيئة العالم لقيادة معصومة تعيد ضبط الحقيقة.
المحور الرابع: البصيرة بوصفها أداة معرفية:
بعد أن تناولت المحاور السابقة طبيعة المعرفة المهدوية، وآليات التلوُّث، والامتحان
المعرفي، يركز هذا المحور على ما بعد التصفية: ما الذي ينتج من هذه التصفية؟
إنَّ
التصفية المعرفية ليست عملية تهدف إلى كشف الضعف وإسقاط الأدعياء فقط، بل هي عملية
بناء وتنقية وصياغة جيل يتمتَّع بقدرة معرفية واعية عالية تؤهِّله للتمحيص، ولذلك
فإنَّ نتائج هذه التصفية تنعكس على مستوى تقوية وتنشيط البصيرة كأداة معرفية.
والكلام في عدَّة نقاط:
١ - مفهوم البصيرة:
أداة معرفية تمتلك القدرة على النفوذ داخل هذه الفوضى المعلوماتية غير المنضبطة،
ورؤية الحقيقة في وسط المعلومات المتشابكة، فهي ليست حالة روحانية وفقط، وهي لا
تكتفي بمعالجة المعلومات معرفياً، وحسب، بل تقوم بالبحث عن التفاصيل بوعي وتخصص، هي
أوسع منْ ما يمتلكه العقل من مؤهِّلات، فهي تقوم بدمج المعرفة، ورؤية المآلات،
والتقاط الإشارات الخفية، والسعي لإيجاد الانسجام مع سُنن الله (عزَّ وجلَّ) في
التاريخ.
وبعبارة محكمة:
البصيرة حالة معرفية راسخة تقوم على التمييز بين الحقِّ والباطل.
فهي أوَّلاً: انكشاف للحق نتيجة اجتماع العلم والتقوى، إذ يربط القرآن الكريم زيادة
الهداية بالعمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا
زادَهُمْ هُدى﴾ (محمد (صلَّى الله عليه وآله): ١٧)، مما يدل على أنَّ
البصيرة ثمرة لمنهج موضوعي يقوم على طلب الحق والاستقامة.
وهي ثانياً: إدراك يجاوز ظاهر الأحداث إلى معناها، فالقرآن يقرِّر أنَّ العمى
الحقيقي هو عمى القلب، قال تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى
الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج:
٤٦)، فيشير إلى نوع من الإدراك التحليلي العميق الذي يقرأ الأحداث.
وهي
ثالثاً: قدرة على ربط الجزئيات بسُنن الله تبارك وتعالى في التاريخ، لأنَّ القرآن
الكريم يطلب النظر في السُنن بمنهج استقرائي، قال تعالى: ﴿قَدْ
خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرضِ﴾ (آل عمران: ١٣٧)،
مما يجعل البصيرة وعياً بقوانين الابتلاء والتمييز التي تحكم حركة الأُمم.
ثم هي رابعاً: تغذى بالتمييز الدقيق بين الهدى والضلال الذي يؤكِّد عليه القرآن في
مواضع كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ﴾
(الجاثية: ٢٠)، أي دلائل وبيِّنات تكشف الطريق لمن أراد أن يستقيم، فتغدو البصيرة
بناءً معرفياً يقوم على الدليل القرآني، والنظر العقلي، والالتزام العملي.
وأخيراً: اتِّحاد المعرفة بالنظر والعمل، فالدعوة إلى بصيرة تعني امتلاك دليل
وبرهان، قال تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى
اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ (يوسف: ١٠٨)، أي على حُجَّة واضحة وفهم متماسك، لا
على مجرَّد ظن أو انفعال.
٢ - البصيرة بوصفها نتاج التصفية المعرفية:
كل امتحان معرفي يترك خلفه شكلين من الناس: من تبع السرديات، ومن امتلك بصيرة
نقيّة، وهذا التمييز هو جوهر الغربلة قبل الظهور، فالبصيرة تنتج مقاومة الإشاعة،
وتجاوز الانحيازات والانفكاك من التوظيف السياسي والتحرُّر من الفوضى الرقمية
وصيانة العقل من التلوُّث وممارسة النقد الواعي والبناء وضبط العاطفة الدينية ضمن
موازين القرآن الكريم وروايات العترة الطاهرة (عليهم السلام)، والتثبُّت.
٣ - أنواع البصيرة:
تُمثِّل البصيرة ملكة معرفية مركبة تقوم على إحكام الدليل، واستقامة
المنهج، وقدرة على قراءة النص والواقع والتاريخ والإنسان ضمن منطق السُنن الإلهية،
لا ضمن الانطباعات أو الصور الذهنية المسبقة، وهي على أنواع:
أوَّلاً: البصيرة النصيّة:
وهي القدرة على فهم خطابات الوحي وفق مناهج الاستدلال التي اعتمدها المتكلِّمون
والمفسِّرون، وتقوم على قواعد اللغة بوصفها الوعاء الحامل للمعنى، ومباني العقل
والعقلاء، والجمع بين الروايات وردِّ المتشابه إلى المحكم وفق منهج الأئمة (عليهم
السلام)، في إطار السياق التاريخي الذي نزلت فيه الآيات وصدرت فيه الأخبار، لتمييز
موضوعاتها وحدودها، وهي - القدرة على فهم الخطاب - تخضع إلى السُنن الإلهية التي
تشكِّل البنية العليا لفهم حركة النص في الواقع، لقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ
اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾.
ثانياً: البصيرة الواقعية:
وهي القدرة على تشخيص الواقع كما هو، لا كما يصاغ في الإعلام أو الخطابات المنفلتة
والمنفعلة، بل وفق منهج يقوم على التثبُّت القرآني، قال تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾
(الحجرات: ٦)، هذه البصيرة تميِّز بين ظاهر الحدث وباطن علله، وتمنع من الانخداع
بالمشهد الذي يراد رسمه، على يد عقل الذكاء الاصطناعي دون موازين أو وعي مرجعي
رصين.
ثالثاً: البصيرة الأخلاقية:
وهي إدراك الدوافع البشرية العميقة كما يشرحها القرآن الكريم في علل الانحراف، من
الهوى والطمع والخوف والاستكبار وشهوة السلطة، هذه البصيرة تمنح المتحلِّي بها
القدرة على تفسير السلوك السياسي والاجتماعي، وتكشف ما تخفيه الدوافع وإن تستَّرت
بالشعارات.
رابعاً: البصيرة المستقبلية:
وهي القدرة على قراءة الاتِّجاهات الكبرى في حركة التاريخ وتوقع المآلات بالاستناد
إلى السُنن الإلهية، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْعاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ
نُداوِلُها﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْباطِلَ كانَ
زَهُوقاً﴾، فهي ليست توقُّعاً غيبياً وحسب، بل استقراء عقلي ونصي يستند إلى
قواعد التغيير، وتوازن القوى، ومسار قيام الحُجَّة واندحار الباطل.
تشير الروايات إلى أنَّ عدداً كبيراً من الناس يسقطون عند الظهور مع أنَّهم من
المنتظرين، ولعلَّ علَّة هذا السقوط تعود إلى افتقاد البصيرة بأنواعها المتقدِّمة،
إذ يسقطون لأنَّهم بنوا صورة ذهنية خاطئة عن الإمام (عليه السلام) لا تمت بصلة
لصورة الوحي والروايات الشريفة، أو انتظروا سيناريو معيَّناً فأنكروا ما خالف
توقُّعاتهم، أو لم يحتملوا فجوة الواقع بين ما تصوَّروه وما تقتضيه السُنن في حركة
التمحيص، أو صدموا - عندما يقرأون - بحجم التغيير الذي سيجريه الإمام (عليه السلام)
في البنى الدينية والاجتماعية والسياسية، وغيرها.
والنتيجة أنَّ البصيرة - كما يؤكِّد القرآن في قوله تعالى: ﴿هذا
بَصائِرُ لِلنَّاسِ﴾ (الجاثية: ٢٠) - هي سلاح النجاة عند المفاجأة الكبرى،
لأنَّها تجعل المؤمن مستعداً لقراءة أفعال الإمام (عليه السلام) وفق منهج الوعي
والإحكام والتخصُّص والحق، لا وفق صورة الهوى أو ضغط الجماعة أو منشورات الصفحات
والعقول الاصطناعية، حيث تعيش المعرفة البشرية اليوم حالة من التشتُّت والاضطراب،
فالعلوم نسبية، والفلسفات متناقضة، والإعلام يعيد تشكيل الوعي وفق ما يملك من قوة
لا وفق ما يملك من برهان، وهكذا تحوَّلت الحقيقة إلى مجال للانطباعات المتقابلة، لا
ميزان لها إلَّا منطق القوى المسيطرة.
غير
أنَّ الروايات تكشف أنَّ هذا العصر ليس سوى مقدمة لمرحلة أخرى تتوحَّد فيها
المعرفة، ويزول فيها التشويش، ويظهر اليقين الموضوعي بعد طول احتجاب، لأنَّ الظهور
يمثِّل النهاية الطبيعية لعصر الضجيج المعرفي وبداية حضور الميزان الواعي المحكم
الذي يضع الأشياء في مواقعها.
وعندما يظهر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تتأسَّس مرحلة جديدة من إعادة بناء
العلوم، إذ يفتح القرآن على معانيه الحقيقية، ويكشف عن مستويات الفهم التي حجبت
لطول العهد وكثرة الاختلاف، فيميِّز الصحيح من الدخيل، ويعيد ضبط مباني الفقه بعد
أن كانت الاجتهادات محكومة بغياب المعصوم (عليه السلام)، وتنهار الكثير من البنى
الفلسفية التي شيدت على الظن والتحليل البشري المحدود، ويعاد تعريف الأخلاق
والسياسة والاجتماع ضمن منظومة معرفية موصولة بالوحي، لا تخضع لمزاج العصر ولا
لتقلُّبات الإنسان.
ولهذا ورد في الروايات الشريفة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنَّه قال: «...
والله لكأنِّي أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد، على العرب
شديد...»(٦)، لا بمعنى كتاب آخر، بل بمعنى المنهج الجديد والفهم الجديد والرؤية
التي تعيد وصل العلم بمصدره الأوَّل.
وفي هذه اللحظة التاريخية تسقط الفرضيات العالمية التي شكَّلت وعي العصر الحديث، من
الليبرالية والمادية والقومية والحداثية والرقمية، وجميع ما هو بديل، والتي حاولت
تفسير الإنسان والكون بلا وحي، تتهاوى عندما توضع أمام معيار اليقين الإلهي.
فهذه المقولات مهما بلغت من القوة تبقى عاجزة عن تقديم معنى حقيقي لحياة الإنسان،
وستفشل عند لحظة الاختبار التي يكشف فيها الإمام (عجَّل الله فرجه) زيف الأُسس التي
قامت عليها، ورخاوة المقولات التي سوقتها، ومن هنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦) غيبة النعماني: ص٢٠٠، باب١١، ح١.
سيصبح
الظهور ليس حدثاً سياسياً فقط، بل حدثاً معرفياً كونياً يعيد صياغة العقل الإنساني
وحدود معرفته.
ولما كان الظهور مشروعاً إلهياً يحتاج إلى حاضنة مستعدة، فلا يمكن أن يتحقَّق في
وسط ملوَّث بالجهل والفوضى المعلوماتية والانغلاق العقلي بسبب العقول الصناعية،
فالمجتمع الذي يستقبل الظهور يجب أن يكون قد مرَّ بمرحلة (التصفية المعرفية) التي
تغربل الوعي، وتختبر القناعات، وتظهر القلوب الصافية من بين طبقات التشويش، هذه
التصفية تخلق مستوى خاصاً من الوعي، ووجوداً بشرياً صافياً، وتخلق يقظة فكرية،
وبصيرة جماعية، وهي شروط لا تتكوَّن دفعة واحدة، بل تنضج عبر الفتن التي تمتحن
العقول وتستخرج جوهر الإنسان الحقيقي.
والإنسان الذي اجتاز هذه التصفية يتحوَّل إلى كائن قادر على التمييز والنقد، ثابت
الوعي، محرَّر من الفوضى الإعلامية، ممتلك لصفاء داخلي يمكنه من استقبال المعرفة
الإلهية بلا تشويش، ومتمكِّن من فهم النصوص بعمق لا يختلط بالعاطفة المنفلتة ولا
بالانبهار الحضاري.
ومن هذا الإنسان تتشكَّل الجماعة الحافظة للوعي، وهي ليست الكثرة العددية، بل
الصفوة التي تمثِّل الجسد الحقيقي للأُمَّة، والقاعدة الشعبية للمشروع الإلهي،
والجبهة التي تبقى ثابتة حين تتساقط الانتماءات الانفعالية، وهي الفئة القادرة على
حمل الدولة الإلهية بعد قيامها لأنَّها تمتلك صفاءً ونقاءً وثباتاً يليق بزمن الحق.
هذه الفئة لا تنشأ اعتباطاً، بل عبر استعداد طويل لقبول التغيير الجذري، وفهم طبيعة
الحكم الإلهي، وتحمُّل القرارات الصعبة، واليقين بالحكمة العليا، والثبات أمام
المفاجآت المعرفية الكبرى التي يكشفها الظهور، لأنَّ القيادة المعصومة ليست تغييراً
في السلطة، بل تغييراً في بنية الوعي نفسه،
وعندما يتشكَّل هذا الأساس يصبح التحوُّل الحضاري ممكناً، إذ تنشأ بنى معرفية
جديدة، ويعاد تشكيل الوعي العالمي في ضوء معيار جديد.
وعندها يبدأ العالم مرحلة لا يمكن أن تقوم إلَّا على العقول النقية، والمفاهيم
المصححة، والوعي المعاد تشكيله.
فالتصفية المعرفية ليست مجرَّد مقدمة، بل هي الهيكل الذي سيقوم عليه التحوُّل
الحضاري بعد الظهور، وهي النفق الذي بدونه يصعب للعالم أن يدخل في زمن الحقيقة
الواضحة والمعرفة الموصولة بأصلها.
المحور الخامس: التصفية المعرفية وشواهد
الواقع الرقمي المعاصر:
تستند نظرية التصفية المعرفية قبل الظهور(٧) إلى قراءة سُننية تقرِّر أنَّ الابتلاء
الإلهي في عصر الغيبة لا يقتصر على السلوك، بل يمتد إلى البنية الإدراكية للإنسان،
لأنَّه من دون وعي نقي لا يمكن للإنسان أن يميِّز الحق أو يثبت عليه، ولأجل تدعيم
هذه الفكرة وإخراجها من التجريد إلى المصداق الواقعي، يمكن استحضار قاعدة أصولية
تتمثَّل بـ(حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد).
فإذا ثبت الحكم في مثال من جنس معيَّن، جاز حمل ما يماثله عليه، لأنَّ وحدة العلة
تستلزم وحدة الحكم.
وبناءً على هذا، فإذا كانت السُنن الإلهية تظهر أنَّ الفتن والابتلاءات ينكشف زيفها
غالباً بعد تشويه الحقيقة من خلال قدرة الإنسان على التمييز وذلك لا يتم إلَّا بعد
التصفية المعرفية، فإنَّ ما نشهده اليوم من انفجار في التزييف الرقمي وتلاعب بالوعي
يدخل في الجنس نفسه الذي تحدَّثت عنه الروايات، وتساق عليه أحكامها وفق القاعدة
المذكورة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) هي وإن كانت سنة إلهية عامة لجميع العصور والأزمان، إلَّا أنَّ الحديث مختص بما قبل زمان الظهور، لذلك صار مصباً للبحث، فاقتضى التنويه.
ولذلك، فإنَّ الشواهد الحديثة ليست حالات منفصلة عن المنطق الغيبي، بل هي أمثلة
تماثل ما ورد في النصوص عن الفتن، فيحمل حكم الثانية على حكم الأولى تبعاً لوحدة
الجنس ووحدة العلَّة.
إنَّ ما يجري اليوم في العالم الرقمي يقدم عشرات الأمثلة الميدانية التي تكشف أنَّ
العقل البشري لم يعد يواجه (الشبهة) بمعناها القديم، بل يواجه تزييفاً حقيقياً
للواقع نفسه، وهذا يكشف أنَّ الامتحان هو امتحان إدراك وتمييز قبل أن يكون امتحان
نية وسلوك.
وإليك عدَّة شواهد:
١ - حملات كاملة تفبرك أخباراً كاذبة عن أشخاص أو جماعات، تنتشر انتشار النار في
الهشيم، ثم لا يكفي التكذيب لإزالتها، والأثر المتبقي يكشف هشاشة الوعي أمام الكذب
الممنهج.
٢ - فيديوهات يصور فيها شخص يُقوَّل ما لم يقل، وينسب إليه ما لم يفعل، ورغم كشف
التزييف لاحقاً، تبقى الصدمة الأولى أعمق من التصحيح، وهذا يمثِّل امتحاناً معرفياً
صريحاً، يتمثل في أنَّه: هل يستطيع العقل مقاومة الانطباع الأوَّل؟
٣ - ينشر تسجيل صوتي مزيّف لزعيم أو مسؤول، فيتغيَّر اتِّجاه الرأي العام فوراً،
قبل أن يصدر أي نفي أو تدقيق، وهذا الانخداع السريع (بما يشبه الحقيقة) هو جوهر ما
تحتاجه من التصفية المعرفية.
٤ - في الساعات الأولى من أي نزاع، تنتشر آلاف المواد الكاذبة، ويصنع الإعلام
واقعاً معرفياً بديلاً لا يمت للحقيقة بصلة، ثم تأتي التحقيقات بعد فوات الأوان.
٥ -
يعاد نشر فيديو قديم على أنَّه حادثة جديدة، فيحرِّك الجماهير ويصنع رأياً عاماً
مبنياً على تاريخ مزيَّف، ثمَّ حتَّى بعد كشف الحقيقة، يبقى الأثر النفسي، فضلاً عن
غيره.
٦ - منصَّات التواصل تدفع نحو المحتوى الأكثر إثارة لا الأكثر صدقاً، فتتحدَّد
حقيقة الناس بالذي تفضِّله الخوارزمية لا الواقع، وهذا يدل على أنَّ (مصادر
الحقيقة) أصبحت خارج سيطرة الإنسان.
٧ - يؤخذ مقطع صحيح، ثم يقتطع من سياقه، ويعاد تأويله، فيتحوَّل الحق إلى باطل
والباطل إلى حق، وهذا أخطر من الكذب المباشر.
٨ - مئات الدراسات العلمية المنشورة بأرقام وإحصاءات مخدوشة، لكنَّها مقنعة شكلياً،
فتغش القارئ باسم العلم، وهذا تزييف للسلطة المعرفية نفسها.
٩ - حسابات وهمية تُنشِئ رأياً عاماً وتدخل في النقاشات وتعبِّر عن مواقف وكأنَّها
بشر حقيقيون، وهذا مثال صارخ على خلق (وعي جماعي قائم على أوهام).
١٠ - يغير منشئ المحتوى تاريخ أحد المنشورات أو يحذف ما يناقضه فيبدو وكأنَّه تنبأ
بالحادثة، وهذا دليل على قدرة العصر الرقمي على إعادة كتابة الماضي نفسه.
ووجه الشاهد في محل بحثنا، أنَّ هذه الشواهد:
أ - تثبت أنَّ العقل أصبح هدفاً للامتحان لا مجرَّد كاشف له وشاهد عليه، فالمعرفة
اليوم ليست مرآة صادقة للواقع، بل ساحة صراع تحكمها الخوارزميات والسرعة والعاطفة.
ب - أنَّها تكشف أنَّ الحقيقة لم تعد تأتي إلى الإنسان بسهولة، بل تتطلَّب جهداً
مضاعفاً، وهذا الجهد نفسه جزء من التصفية.
ج -
أنَّها تُظهر أنَّ الزيف أقرب إلى القبول من الحق، وهو ما يتطابق مع وصف الروايات
لمرحلة ما قبل الظهور: «يا سلمان إن عندها يكون المنكر معروفاً، والمعروف
منكراً»(٨).
خ - أنَّها تدل على أنَّ الانطباع الأوَّل أصبح أقوى من الدليل اللاحق، وهذا يوضح
أنَّ البشر يختبرون في صمود بصيرتهم لا في قدرتهم على تلقي التصحيح.
ح - أنَّها تجعل من البصيرة أمراً لا غنى عنه، إذ دون بصيرة حادة، لا يمكن للإنسان
النجاة من هذا الطوفان المعرفي.
المحور السادس: خلاصة النظرية، الإشكال عليها،
رد الإشكال:
تقوم نظرية (التصفية المعرفية قبل الظهور) على فرضية مؤدَّاها أنَّ الامتحان الإلهي
في عصر الغيبة ليس أخلاقيًّا فحسب، بل معرفيًّا في جوهره.
فالمسألة ليست فقط: هل يلتزم الإنسان بالحلال والحرام؟
بل كيف يعرف أصلاً الحلال من الحرام، والحق من الباطل، والهدى من الضلال؟
حيث تنطلق النظرية من ملاحظة أنَّ عصر الغيبة يتَّسم بتكاثر هائل للمعلومات، وتزاحم
في الخطابات، وتضارب في القراءات، وانهيار تدريجي لأنماط الثقة التقليدية، تسببت
فيه وسائل تحصيل المعلومات الحديثة كالذكاء الاصطناعي.
ومن هنا تقرأ الفتن والشبهات بوصفها آليات (غربلة) لقدرة العقل البشري على التمييز،
لا مجرَّد ابتلاءات لسلوك الفرد، وتعتبر أنَّ كثيراً من الظواهر المهدوية المنحرفة
- من المدَّعين إلى أتباع الخرافة إلى المهدويات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨) تفسير القمي - لعلي بن إبراهيم القمي: ج٢، ص٣٠٤.
السياسية - تجليات عملية لهذا التلوُّث المعرفي، وترى أنَّ الامتحان الحقيقي
للإنسان في آخر الزمان هو امتحان لوعيه وأدوات معرفته، قبل أن يكون امتحاناً لسلوكه
الظاهري، فتقبل الإشاعة، والانبهار بالغرائبيات، والانقياد وراء الخطابات الشعبوية،
كلها مظاهر لفشل معرفي يكشف عن عدم الجدارة بنصرة الحق عند ظهوره.
كما تفترض أنَّ التاريخ يسير تدريجياً نحو حالة أشبه بالانسداد المعرفي، حيث تتكاثر
الفوضويات إلى حدٍّ يفقد العقل العادي القدرة على تمييز أيُّها أقرب إلى الحقيقة.
في هذه النقطة الحرجة، تصبح البشرية مهيّأة موضوعيًّا للاحتياج إلى وجود المعصوم
(عليه السلام)، حيث يعيد توحيد مصادر الحقيقة.
هذا الفهم يجعل الظهور حدثاً معرفيًّا اجتماعياً، إذ يعيد بناء العلوم، ويصحح مناهج
الفهم، ويكشف الزيف الراسخ في بنى الإدراك.
وتؤكِّد النظرية أنَّ نتاج هذه التصفية هو تشكل (جماعة واعية ممَهِّدة) نجت من
التلوُّث المعرفي، واستطاعت المحافظة على بصيرتها في خضم الفتن المتراكمة، هذه
الجماعة هي التي تكون قادرة على فهم مشروع الظهور الإلهي، وعلى تحمل مستوى العدل
والحق الذي يحمله الإمام (عجَّل الله فرجه).
في المقابل، تقصي عملية التصفية تلك العقول التي رضيت بالسطحية، أو أغرقت في الزيف،
أو استسلمت لتفسيرات مريحة وإنْ كانت بعيدة عن الحق.
غير أنَّ هذه النظرية، أُثير حولها عدَّة اعتراضات، منها:
١ - إنَّ مصطلح (التصفية المعرفية) بمعناه المصطلح غير وارد نصًّا في القرآن ولا في
الروايات، مما يجعلها - ظاهرياً - بلا مستند مباشر، صحيح
أنَّ
النصوص تتحدَّث عن تمحيص وغربلة وفتن، لكنَّها لا تقدِّم - بشكل صريح - نموذجاً
ابستمولوجيًّا(٩) يُحوِّل هذه الفتن إلى (قانون معرفي مُمنهج)، من هنا قد يُتَّهم
أصحاب النظرية بأنَّهم ينتقلون من أخبار الغيب إلى تأويل زائد يسقط مفاهيم حديثة
على نصوص قديمة.
والجواب عنه:
بالتأكيد على أنَّ غياب المصطلح لا يعني غياب المضمون، فالكثير من المفاهيم
الكلامية والأصولية وغيرهما، لم ترد بأسمائها في النصوص، لكنها تم استخراجها
واستنتاجها من مجموع النصوص والأدلة، كالنصوص التي تتحدَّث عن تمحيص القلوب، وتكاثر
الفتن، وضياع الحق بين الرايات، وتشتُّت الناس، وعليه فإنَّ الانتقال من (التمحيص
الإيماني) إلى (التصفية المعرفية) ليس قفزة مجانبة للواقع والصواب، بل توسعة
تفسيرية منسجمة مع طبيعة الابتلاء.
هذا وأصحاب النظرية لا ينفون الأسباب الطبيعية، بل يوظفونها ضمن سياق سُنني أوسع،
فالصراع الإعلامي، مثلاً، يعمل بأدوات بشرية، لكنَّه يمكن أن يكون - في الوقت نفسه
- ساحة امتحان لسلامة البصيرة.
وكذلك الفوضى الرقمية ليست قدراً غيبيًّا مباشراً، لكنَّها - في نتيجتها - تعري
هشاشة الأدوات المعرفية غير المنتجة عند البعض، وهذا ما تلتقطه النظرية بوصفه جزءاً
من التصفية.
٢ - إنَّ تصنيف العصر الراهن باعتباره يشبه عصر (انسداد معرفي) فكرة تحتاج إلى
استقراء دقيق، وليست بديهية كما تطرح، فالعالم يشهد في الوقت نفسه أعلى درجات
التنظيم العلمي، والتراكم البحثي، وتطوُّر أدوات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) أي نظرية المعرفة.
التحقُّق، ومن الخطأ إلغاء هذا كلّه لصالح صورة سوداء واحدة، قد يكون الوصف الأدق
أنَّنا نعيش (تضخماً معرفيًّا) لا (انسداداً معرفيًّا)، والفرق بينهما جوهري من حيث
التقييم ومن حيث النتائج.
وكذلك أنَّ اختزال الانحرافات المهدوية المعاصرة في جذور معرفية فقط يهمل أبعاداً
أخرى، فليس كل انحراف قراءة خاطئة للنص، بل بعضه تعبير عن رغبات سلطوية، أو أزمات
نفسية، أو صراعات طبقية وتاريخية معقَّدة.
والجواب عنه:
إنَّ الانحرافات ذات جذور معرفية مهما اختلفت مظاهرها، فالخيار السياسي الخاطئ
يرتبط بتصوّر خاطئ عن الحق، ورؤية ناقصة للحُجَّة، وقراءة مغلوطة للنص.
وهكذا، فإنَّ ردّ جذور الانحراف إلى الخلل المعرفي لا ينفي باقي العوامل، بل يضعها
في سياق السبب الأعمق الذي يغذيها.
حيث يعالج إشكال (اللاقابلية للاختبار) عبر اقتراح معايير عملية لقياس مظاهر
التصفية المعرفية، ومن هذه المعايير: رصد تحوُّل المعرفة من الخبر المتثبِّت
والموثوق به إلى الإشاعة، ومن البرهان إلى الخطابة وحسب، ومن القراءة العميقة إلى
الاستهلاك السريع للمحتوى، وكذلك تتبع ظاهرة انهيار الثقة بالمرجعيات العلمية
والدينية الواعية والحريصة على الجمهور مقابل صعود الأصوات الشعبوية والمؤثِّرة غير
المتخصِّصة.
وإحصاء حالات التوظيف الانتهازي للرمزية المهدوية في مشاريع سياسية أو تجارية أو
إعلامية، باعتبارها مؤشِّراً صارخاً على تلوُّث الوعي.
ومع
أنَّ هذه المؤشِّرات لا تمنح يقيناً رياضياً، فإنَّها تشكِّل قاعدة بحث يمكن أن
تجعل النظرية قابلة للاختبار ضمن العلوم الإنسانية، من زاوية أخرى، هذه النظرية لا
تكتفي بتوصيف الأزمة، بل تدعو إلى بناء (وعي مجابه) للتلوُّث المعرفي، هذا الوعي
يتأسَّس على التثبُّت، والتحقُّق، والنقد، ومراجعة المصادر، والتمييز بين العلم
والجهل والتجهيل، وبين البرهان والانفعال.
وكيف كان فهي خطوة في طريق أطول عنوانه: (كيف نبني وعياً مهدويًّا نقيًّا، قادراً
على النجاة في الغيبة، في ظلِّ هذه المتغيِّرات السريعة).
