دراسة في دعاء الفرج (اللَّهمَّ كن لوليّك...) (سنداً - متناً - دلالة)

 

دراسة في دعاء الفرج (اللَّهمَّ كن لوليّك...)
(سنداً - متناً - دلالة)
 

حميد أحمدي جلفائي
ترجمة: السيد جلال الموسوي (رحمه الله)

 

مجلة الموعود - العدد (٢٠)

ربيع الأوَّل ١٤٤٨هـ / آب ٢٠٢٦م

 

 

 

 

«اللَّهُمَّ كنْ لِوَلُيك الحجّة بن الحسن، صَلَوَاتُك عَلَيهِ وعَلى آبَائِهِ، فِي هذِهِ السَّاعَةِ وفِي كلِّ سَاعَة، وَلِياً وحَافِظاً، وقَائِداً ونَاصِراً، ودَليلاً وعَيناً، حتَّى تُسْكنَهُ أَرْضَك طَوْعاً، وتُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلاً».
مصادر وطرق دعاء الفرج:

ورد دعاء الفرج لإمام العصر والزمان (عجَّل الله فرجه) - والمذكور في مصادر عدَّة بتفاوت بسيط - بأربعة طرق هي:
١ - الكافي؛ عن محمد بن عيسى عن الصالحين (المعصومين): ويبدو أنَّ بين الكليني (رحمه الله) وبين محمد بن عيسى عدَّة رواة قد حذفوا بدليل القرائن، وهم: أحمد بن محمد، وأبو الحسن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال، وأبو جعفر محمد بن عيسى اليقطيني.
٢ - الإقبال: السيد ابن طاووس عن جماعة من أصحابه، منهم ابن أبي قرّة، وهو بإسناده عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال، وهو عن محمد بن عيسى بن عبيد، والأخير بإسناده عن المعصومين (عليهم السلام).
٣ - الكفعمي في المصباح وفي البلد الأمين، بدون أن يسنده.

(٢٠٧)

٤ - الكفعمي في البلد الأمين تحت عنوان (دعاء كنز العرش)، ذكره مرسلاً عن النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله).
وبملاحظة هذه الطرق نجد أنَّ الطريقين الأوَّل والثاني يمكن تمشية حالهما ببعض الاعتبارات في الجملة، وأمَّا الطريقان الأخيران، فمع أنَّ الدعاء المذكور ورد ضمن دعاء طويل آخر، لابدَّ من القول بأنَّه، وعلى الرغم من عدم ذكر السند، فإنَّ وثاقة واعتبار المؤلف يؤثِّران في اعتبار وقبول الرواية.
ومن الواضح، أنَّ من جملة وظائف الشيعة في عصر الغيبة والانتظار، الدعاء لتعجيل فرج وظهور المولى صاحب الأمر (عجَّل الله فرجه) وسلامته.
وبطبيعة الحال، فإنَّ الدعاء في هذا الصدد، وكما في الموارد الأخرى، مقبولٌ عند الله (تعالى شأنه)، بأي لغةٍ وبيانٍ كان، فالمهمُّ في الدعاء هو روحه وشرائطه الكيفية، والتي ورد التأكيد عليها كثيراً في المصادر الروائية والدينية في تراثنا، ولكن لا يخفى على أحدٍ أهمية وقيمة الأدعية المأثورة (الأدعية التي وردت على لسان أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)) ليُمن وبركة الأنفاس القدسية لأنوار المعصومين الأطهار (عليهم السلام).
وبُغيتنا في هذا المقال المختصر، دراسة الاعتبار السندي للطرق المختلفة لنقل أحد أشهر أدعية زمن الغيبة، أي الدعاء لسلامة إمام العصر (عجَّل الله فرجه)، مضافاً إلي بيانٍ مختصرٍ في شرح وتوضيح محتوى هذا الدعاء.
دراسة المتن الوارد في الكافي:
مُحَمَّدٌ بْنُ عيسى، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّالِحِينَ(١)، قَال: تُكرِّرُ فِي لَيلَةِ ثَلاثَ وعِشْرينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ هَذا الدُّعَاء سَاجِداً وقَائِماً وقَاعِداً وعَلَى كلِّ حَالٍ وفِي الشَّهْرِ كلِّهِ، وكيفَ أمْكنَك ومَتَى حَضَرَك مِنْ دَهْرِك، تَقُولُ بَعْدَ تَحْمِيدِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) في التهذيب، كلمة (الصادقين) بدل (الصالحين).

(٢٠٨)

اللهِ(٢) (تَبَارَك وتَعَالَى) والصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صلَّى الله عليه وآله): «اللَّهُمَّ كنْ لِوَلِيك - فُلَانِ بْنِ فُلَان(٣) - فِي هذِهِ السَّاعَةِ(٤) وفِي كلِّ سَاعَة، وَلِيًّا وحَافِظاً، (وَنَاصِراً ودَلِيلاً، وقَائِداً وعَوْناً وعَيناً)(٥)، حتَّى تُسْكنَهُ أَرْضَك طَوْعاً وتُمَتِّعَهُ(٦) فِيهَا طَوِيلاً».
والملاحظ فإنَّ بعض الاختلاف موجودٌ بين هذه العبارات وبين ما هو متداول عند عموم الداعين (كما أشرنا إلى ذلك في الهوامش).

بيان الاختلاف في المتون:

وعمدة الاختلافات الموجودة هي:
١ - في هذا المتن ورد في المتن عبارة (فلان بن فلان) بدلاً عن (الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه) المتداولة في المتن المشهور على ألسنة الداعين، فلم يذكر اسم الإمام (عجَّل الله فرجه) صراحة في هذا الطريق.
ولكن، وبملاحظة متن هذا الخبر يتَّضح بأنَّ المراد من عبارة (فلان بن فلان) هو الاسم الشريف لحضرة صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)، وعدم ذكر الاسم صريحاً لا يوجب خللاً في اعتبار هذا الطريق.
وقد تكرَّر مثل ذلك كثيراً في عدَّة أخبار وروايات حيث يستبدل اسم المعصوم (عليه السلام)، أو أسماء بعض أعدائهم بعبارات مموَّهة مثل فلان وغيرها، وقد يكون الاستبدال من الراوي للخبر، رعاية لبعض المصالح، كالتقية وأمثالها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) في التهذيب ومصباح المتهجّد والمزار: تمجيد الله، وفي البلد الأمين: تمجيده.
(٣) في مصباح الكفعمي: (محمد بن الحسن المهدي) بدل (فلان بن فلان).
(٤) في المزار: (الليلة) بدل (الساعة).
(٥) في التهذيب، مصباح المتهجّد، مختصر البصائر، المزار، فلاح السائل، المصباح، البلد الأمين: (وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً) بدل العبارة التي بين المعقوفتين. وفي أكثر النسخ الخطية لكتاب الكافي وكذا في المستدرك لم ترد عبارة (وعوناً).
(٦) في التهذيب: (وتمكنّه) بدل (وتمتعّه).

(٢٠٩)

أضف إلى ذلك أنَّ المرحوم الكفعمي والمرحوم السيد ابن طاووس (رحمهما الله) - الذين ذكرا اسم صاحب الزمان بالكناية في هذا الطريق - كانا قد ذكرا اسم الإمام وألقابه صراحةً في الطريق الثاني والذي سيأتي ذكره لاحقاً إن شاء الله.
٢ - عبارة (وعوناً) الواردة في هذا الخبر، والتي لم يرد ذكرها في المتن المشهور.
وهذا الاختلاف لا يعبأ به، نظراً لعدم وروده في أكثر النسخ الخطية لكتاب الكافي والمصادر الأخرى لهذا الخبر، ومن أجل هذا الترديد يمكن غضَّ الطرف عنه.
٣ - التفاوت الآخر هو في عبارة (وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً) والتي ورد بدلاً عنها في هذا الخبر عبارة (وناصراً ودليلاً وقائداً وعوناً وعيناً). وهذا الاختلاف ليس مهمّاً كثيراً، لأنَّه اختلاف في ترتيب هذه الكلمات وتقدّمها وتأخّرها، ماعدا زيادة كلمة (وعوناً) التي عالجناها في الاختلاف الثاني، مضافاً إلى أنَّ أكثر المصادر التي جاءت بعد الكافي كالتهذيب، مصباح المتهجد، مختصر بصائر الدرجات، المزار، المصباح، البلد الأمين وفلاح السائل، لم يرد فيها مثل هذا الاختلاف. لذا، فالاختلاف الموجود في الكتاب عن المتن المشهور هو مجرَّد تقدم وتأخر هذه الكلمات.
الأحوال السندية للطريق:
إنَّ السند المذكور في كتاب (الكافي) لهذا الخبر هو:
محمد بن عيسى بإسناده عن الصالحين. والملاحظ بدواً على هذا السند هو: أنَّ من المسلَّم عند أهل الفنِّ أنَّ المرحوم الكليني صاحب كتاب (الكافي) لا يمكنه أن ينقل مباشرة ومن دون واسطة عن محمد بن عيسى، ولذا فأمثال هذه الأسانيد قد تُعلَّق على سند الحديث أو الأحاديث السابقة عليه.

(٢١٠)

وفي خصوص هذا الحديث، يعلق سنده على سند الحديث السابق عليه والذي ورد عن أحمد بن محمد عن علي بن الحسن، وهو الحديث الثاني في نفس الباب، وتكون النتيجة على النحو التالي: أحمد بن محمد عن عليّ بن الحسن بن عيسى بإسناده عن المعصومين الصالحين.
ومما يؤيده أنَّ هذا الخبر، وفي الطريق اللاحق، قد ورد عن علي بن الحسن بن علي بن فضّال عن محمد بن عيسى.
وتفصيل الأسناد: أمّا أحمد بن محمد:
فقد ورد اسمُه في صدر أحاديث كثيرة في كتاب (الكافي) للمرحوم الكليني، وبنحوين مختلفين.
فقد ورد اسمه في بعض الموارد بإضافة اسم جدِّه إليه - وحينئذٍ تكون شخصيتُهُ معلومة بلا غموض - وفي بعض الموارد - وهي ليست قليلة - ورد اسمه واسم أبيه فقط، أي: أحمد بن محمد.
وفي الصورة الثانية يدور البحث حول تحديد هوية هذا الشخص، فأيُّ أحمد بن محمد هو المقصود، إذ إنَّ هنا احتمالات سبعة لوجود سبعة أشخاص بهذا الاسم وكلُّهم من مشايخ المرحوم الكليني أو من الذين روى عنهم الكليني (قدّس سرّه)(٧)، وهم:
١ - أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن طلحة العاصمي.
٢ - أبو العبّاس، أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمان الهمداني (ابن عقدة).
٣ - أبو جعفر، أحمد بن عيسى بن عبد الله الأشعري القميّ.
٤ - أحمد بن محمد بن خالد البرقي.
٥ - أحمد بن محمد بن عبد الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) راجع: مقدمة كتاب الكافي، الأستاذ محفوظ؛ دفاع عن الكافي - ثامر العميدي: ج١، ص٤٠.

(٢١١)

٦ - أحمد بن محمد بن علي.
٧ - أحمد بن محمد الكوفي.
وبالأخذ بنظر الاعتبار، أنَّ الكليني (رحمه الله) لا يروي عن الأربعة الأواخر إلَّا بواسطة أو أكثر من واسطة، وكذلك أنَّ هؤلاء الأربعة لا يروون عن شخص علي بن الحسن أو محمد بن عيسى عادةً، لذا فإنَّ وجود هؤلاء ينتفي بالكامل ويخرجون عن المحتملات.
فينحصر الأمر في الثلاثة الأوائل، وقد روى الكليني (رحمه الله) في كتاب الكافي عن الراوي الأوَّل (أحمد بن محمد بن طلحة العاصمي) ما يقارب (١٤٥ رواية)، وعن أحمد بن محمد بن سعيد ما يقارب (الأربعة روايات) وعن أحمد بن محمد بن عيسى ما يقارب (٣٤ رواية)، ومن دون واسطة.
ومن جهة أُخرى، فإنَّ من بين هؤلاء الثلاثة، وبحسب أسانيد الكافي، لم ينقل عن محمد بن عيسى بلا واسطة إلَّا أحمد بن محمد بن عيسى، حيث روى عنه ما يقارب (١٨٢ رواية)، فيكون هذا الراوي هو الأقوى من بين المحتملات الثلاث.
نعم، إنَّ أغلب المحقِّقين في هذا المجال، قالوا بانصراف أحمد بن محمد إلى أحمد بن محمد بن طلحة العاصمي، ولكنَّ ذلك لا يغير في الأمر شيئاً، إذ إنَّ هؤلاء الثلاثة موثَّقون من قبل علماء الرجال ومعتبرون عندهم، ولم يرد في حقِّ أيِّ منهم جرحٌ أو قدح.
وهنا نذكر آراء بعض الرجاليين المشهورين في حقِّ هؤلاء الثلاثة بنحو الاختصار.
الشخص الأوَّل: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن طلحة العاصمي الكوفي، قال المرحوم النجاشي (الرجالي المشهور) في وصفه: ثقةٌ في الحديث، سالمٌ، خيرٌ؛ له كتب(٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) في رجال النجاشي: ص٩٣.

(٢١٢)

وقال عنه العلّامة (رحمه الله) وابن داود (رحمه الله): ثقةٌ في الحديث، سالم الجنبة(٩).
الشخص الثاني: أبو العباس، أحمد بن سعيد بن عبد الرحمن الهمداني (ابن عقدة)، ومدحه الشيخ الطوسي (رحمه الله) في رجاله بقوله: جليل القدر، عظيم المنزلة، له تصانيف كثيرة ذكرناها في كتاب الفهرست وكان حفظة(١٠).
وقال عنه النجاشي (رحمه الله): هذا رجل جليل في أصحاب الحديث مشهور بالحفظ والثقة، له كتب...(١١).
كما قال في وصفه العلّامة (رحمه الله): جليل القدر، عظيم المنزلة وكان حفظة، له كتب ذكرناها في كتابنا الكبير...(١٢).
وقال عنه ابن داود: أمره في الجلالة أشهر من أن يذكر(١٣).
وقال عنه الشيخ الحر العاملي (رحمه الله) في خاتمة كتابه (وسائل الشيعة): وثَّقهُ النعماني في الغيبة، ووثَّقهُ ابن شهرآشوب.
الشخص الثالث: أبو جعفر محمد بن عيسى بن عبد الله الأشعري القميِّ.
قال عنه الشيخ الطوسي (رحمه الله): ثقة له كتاب(١٤).
وقال عنه النجاشي: شيخ القميين ووجههم وفقيههم غير مدافَعٌ، لقي أبا الحسن الرضا (عليه السلام) وأبا الحسن العسكري (عليه السلام)، له كتب...(١٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) في رجال العلّامة: ص١٦؛ وفي رجال ابن داود: ص٣٨.
(١٠) في رجال الطوسي: ص٤٠٩.
(١١) في رجال النجاشي: ص٩٤.
(١٢) في رجال العلّامة: ص٢٠٣.
(١٣) في رجال ابن داود: ص٣٨٥ و٤٢٢.
(١٤) في رجال الطوسي: ص٣٥١.
(١٥) في رجال النجاشي: ص٨٢.

(٢١٣)

وقال العلّامة (رحمه الله) في وصفه: لقي أبا الحسن الرضا (عليه السلام)، وأبا الحسن العسكري (عليه السلام) وكان ثقة وله كتب ذكرناها في كتابنا الكبير(١٦).
الراوي الثاني: أبو الحسن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال (الفياض الكوفي):
لقد روى هذا الشخص (١٦ خبراً) عن محمد بن عيسى في الكتب الأربعة.
قال عنه الشيخ الطوسي (رحمه الله) في رجاله: فطحيّ المذهب، ثقة، كوفي، كثير العلم، واسع الأخبار، جيد التصانيف، غير معاند، وكان قريب الأمر إلى أصحابنا الإمامية القائلين بالاثني عشر، له كتب...(١٧).
وقال النجاشي عنه: كان فقيه أصحابنا بالكوفة ووجههم، وثقتهم، وعارفهم بالحديث، والمسموع قوله فيه، سُمع منه شيءٌ كثيرٌ، لم يعثر على زلّةٍ فيه، ولا ما يشينه، وقلَّ ما روى عن ضعيف وكان فطحياً(١٨).
وأضاف العلّامة على ذلك قائلاً: وأنا أعتمد على روايته وإنْ كان مذهبه فاسداً(١٩).
وعليه، فلا إشكال في وثاقة أبي الحسن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال.
الراوي الثالث: أبو جعفر محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين العبيدي اليقطيني:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) في رجال العلّامة: ص١٤.
(١٧) في رجال الطوسي: ص٢٧٢.
(١٨) في رجال النجاشي: ص٢٥٨.
(١٩) في رجال العلّامة: ص٩٣.

(٢١٤)

ضعَّفه الشيخ الطوسي (رحمه الله) في رجاله، وقال في وجه تضعيفه: إنَّ ابن بابويه (رحمه الله) لم يذكر اسمه في (نوادر الحكمة) ونسب إليه الغلّو.
وقال الشيخ الحرُّ العاملي (رحمه الله) في خاتمة كتاب الوسائل، جواباً عن تضعيف الشيخ الطوسي له: ولا يلزم منه الضعف، فلا توقُّف في توثيقه، ولا معارض له، ونقل الكشّي عن الفضل أنَّه كان يحبُّ العبيدي ويثني عليه ويميل إليه، ويقول: ليس في أقرانه مثله(٢٠).
ويبدو لنا أنَّ عدم المعارضة إنَّما يصح فيما لو كان ابن بابويه قد اقتصر على عدم ذكر اسمه في كتاب النوادر، وأمّا إذا كان قد صرَّح بنسبته إلى الغلو، فالمعارضة متحقِّقة بلا إشكال.
وبعد الشيخ الطوسي (رحمه الله)، أطبق علماء الرجال تقريباً على توثيق محمد بن عيسى، فقد قال عنه النجاشي (رحمه الله): جليل في أصحابنا، ثقة، عين، كثير الرواية، حسن التصانيف(٢١).
وقال العلّامة (رحمه الله) في حقِّه: والقويّ عندي قبول روايته(٢٢).
وقال المرحوم الشيخ الحرّ: هذا فوق التوثيق، وهو يبطل نسبة الغلو فيه(٢٣).
وهكذا فقد رأينا أنَّ جميع الرواة الموجودين في سند هذا الطريق موثّقون.
مضافاً إلى اعتبار نفس كتاب الكافي ومؤلفه عند عموم العلماء - خاصة أولئك الذين قبلوا قاعدة اعتبار الكتب - وهو ما يضاعف اعتبار هذا الخبر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) وسائل الشيعة (الإسلامية) - الحر العاملي: ج٢٠، ص٣٣٩، ح١٠٩٧.
(٢١) في رجال النجاشي: ص٣٣٣ و٣٤٨.
(٢٢) في رجال العلّامة: ص٩٣.
(٢٣) في رجال الطوسي: ص٣٩١ و٤٠٢.

(٢١٥)

دراسة الرواية في الإقبال: قال: فصل فيما نذكره ممّا يختم به كلُّ ليلة من شهر الصيام:
ومتن الخبر في هذا الكتاب هو:
(ما ذكره جماعة من أصحابنا، وقد اخترنا ما ذكره ابن أبي قرّة في كتابه، فقال بإسناده إلى عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال، عن محمد بن عيسى بن عبيد، بإسناده عن الصالحين)، قال: (وكرِّر في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، قائماً وقاعداً وعلى كلِّ حال، والشهر كلّه وكيف أمكنك ومتى حضرت في دهرك تقول بعد تمجيد الله تعالى والصلاة على النّبي وآله: «اللَّهمّ كن لوليك القائم بأمرك الحجّة(٢٤)، محمد بن الحسن المهدي - عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام - في هذه الساعة، وفي كلّ ساعة، ولياً وحافظاً، وقاعداً(٢٥) وناصراً، ودليلاً ومؤيداً، حتَّى تُسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه فيها طولاً وعرضاً، وتجعله وذرّيته من الأئمّة الوارثين. اللَّهم انصره وانتصر به و...» إلى آخر الدعاء وهو طويل.
وهنا اختلافان هما:
الأوَّل: عدم التصريح باسم الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وقد ذكرنا الوجه فيه فيما تقدَّم.
التفاوت الثاني: في قائداً؛ حيث وردت في هذا الطريق بحرف العين - قاعداً - خلافاً لكلِّ مصادر الطريق السابق والطرق اللاحقة، وكذا خلافاً لما ورد في الكتابين اللذين ورد فيهما هذا الطريق نقلاً عن (الإقبال) (أي بحار الأنوار ومستدرك بحار الأنوار)، ولم تذكر هذه الكلمة بحرف العين إلّا في كتاب الإقبال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) بحار الأنوار: بأمرك محمد بن.
(٢٥) بحار الأنوار والمستدرك: وقائداً.

(٢١٦)

وهذه الكلمة وإن كانت لا تخلو من وجه، كما سنذكر معناها في آخر هذه المقالة، ولكنَّ هذا الوجه بعيدٌ، ويبدو لنا أنَّ الأمر لا يعدو كونه خطأً في الطباعة، فلابدَّ في مراجعة النسخ الخطية لكتاب (الإقبال)، كما يمكن أن يكون ذلك من سهو قلم النسّاخ والكُتّاب، حيث كتبوا الكلمة بالعين بدلاً عن الهمزة.
دراسة سند هذا الحديث في كتاب الإقبال:
أبو القاسم، السيد رضيّ الدين، عليّ بن موسى بن جعفر بن طاووس الحلّي (المتوفي سنة ٦٦٤ق)، كاتب كتاب (الإقبال) الشريف، وهو من العلماء والمحدّثين جليلي القدر الشيعة، وشهرته ووثاقته لا غبار عليها أبداً.
قال فيه العلّامة الحرّ العاملي في كتابه (أمل الآمل): حاله في العلم والفضل والزهد والعبادة والثقة والفقه والجلالة والورع أشهر من أن يذكر(٢٦).
وقال في وصفه العلّامة التستري:
السيد السند المعظَّم المعتمد العالم العابد الزاهد الطيب الطاهر، مالك أزمَّة المناقب والمفاخر، صاحب الدعوات والمقامات والمكاشفات والكرامات، مظهر الفيض السني واللطف الخفيّ والجليّ(٢٧).
ابن أبي قرّة: هو أبو الفرج محمد بن أبي قرّة قال عنه الشيخ النجاشي...: محمد بن علي بن يعقوب بن إسحاق بن أبي قرّة، أبو الفرج القنائي، الكاتب، كان ثقة وسمع كثيراً، وكان يورق لأصحابنا ومعنا في المجالس، له كتب منها: عمل يوم الجمعة، كتاب عمل الشهور، كتاب معجم رجال أبي المفضَّل، كتاب التهجُّد، أخبرني وأجازني جميع كتبه(٢٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) أمل الآمال: ج٢، ص٨٢.
(٢٧) المقابس: ص١٦.
(٢٨) رجال النجاشي: ص١٥٦، ٣٦٦ و٣٩٨.

(٢١٧)

وأمَّا بقية الأشخاص الذين ورد اسمهم في سند هذا الطريق، فهم نفس الأشخاص الواردين في سند الطريق السابق وقد تمَّ بيان أحوالهم.
دراسة سند الحديث في كتاب المصباح والبلد الأمين، والمتن الوارد في هذين الكتابين هو(٢٩):
الساعة الثانية عشر: من اصفرار الشمس إلى غروبها، للخلف الحجَّة (عجَّل الله فرجه): «يا من توحَّدَ بنفسه عن خلقه، يا من هو غنيٌّ عن خلقه بصنعه، يا من عرَّف نفسه خلقه بلطفه، يا من سلك بأهل طاعته مرضاته، يا من أعان أهل محبّته على شكره، يا منْ مَنَّ عليهم بدينه ولطف لهم بنائله، أسألك بحقّ وليك الخلف الصالح، بقيتك في أرضك، المنتقم لك من أعدائك وأعداء رسولك، وبقية آبائه الصالحين، محمد بن الحسن، وأتضرَّع إليك به، وأقدمه بين يدي حوائجي ورغبتي إليك، أن تصلِّي على محمد وآل محمد، وأن تفعل بي (كذا وكذا) وأن تداركني به، وأن تنجيني ممّا أخافه وأحذره، وألبسني به عافيتك وعفوك في الدنيا والآخرة، وكن له ولياً وحافظاً، وناصراً وقائداً، وكالياً وساتراً، حتَّى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه فيها طويلاً، يا أرحم الراحمين، ولا حول ولا قوّة إلَّا بالله العلي العظيم، فسيكفيكهم الله وهو السَّميع العليم، اللّهمَّ...».
ولابدَّ من التذكير بأنَّ الشيخ الطوسي فسَّره في كتاب (مصباح المتهجّد)، وكذا آخرون، قد ذكروا هذا الدعاء للساعة الثانية عشرة من اليوم وختموه بعبارة (كذا وكذا) ولم يذكروا بقية الدعاء وخاصة تلك العبارات التي هي مورد نظرنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) المصباح: ص١٤٦؛ البلد الأمين: ص١٤٥.

(٢١٨)

وقد لا يبدو لبعضٍ، أنَّ هذا الطريق - والطريق اللاحق له - هما من طرق نقل هذا الدعاء، وذلك لأنَّ عبارات الدعاء المذكور بعينها قد وردت في ضمن دعاء طويل باختلاف بسيط جدّاً.
ولكنَّنا نرى بأنَّ ذكر مثل هذه الموارد له دخلٌ كبير في اعتبار متن الدعاء، وأنَّ لذكرها ثمرة واضحة.
شهرة واعتبار الكفعمي وكتابي (المصباح) و(البلد الأمين):
إنَّ شهرة المرحوم تقيّ الدين، إبراهيم بن عليّ الجبعيّ الكفعمي (المتوفي سنة ٩٠٥ق) صاحب كتابي (المصباح) و(البلد الأمين) المشهورين، وكذا شهرة كتبه الأخرى، غنيةٌ عن التعريف، وسنذكر بعض أقوال كبار العلماء والأجلّاء، في هذا الصدد:
قال المرحوم السيد حسن الصدر في كتاب (تكملة أمل الآمل) بعد أن نقل كلام المرحوم صاحب الرياض في مدح ووصف الكفعميّ: العالم الكامل الفقيه، المعروف بالكفعمي من أجلّاء علماء الأصحاب(٣٠).
وقال المرحوم الشيخ عباس القميّ في وصفه: كان ثقةً فاضلاً أديباً شاعراً عابداً زاهداً ورعاً له كتب...(٣١).
وأخيراً، ما قاله المرحوم آية الله العظمى السيد الخوئي في معجم رجاله حول الكفعمي، قال: الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد بن صالح العامليّ الكفعميِّ مولداً، الويزي محتداً الجبعي أباً، التقي لقباً كان ثقة فاضلاً أديباً شاعراً عابداً زاهداً ورعاً له كتب منها...(٣٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) تكملة أمل الآمال: ص٧٥.
(٣١) الكنى والألقاب: ج٣، ص١١٦.
(٣٢) معجم رجال الحديث: ج١، ص٢٣٧.

(٢١٩)

أمّا وأين كتاب البلد الأمين - دعاء كنز العرش، ص٣٦٠ -، ومتن الدعاء فيه هو:
ما روي عن النبي (صلَّى الله عليه وآله): «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلَّا الله الحليم الكريم... اللّهمّ وكن لوليك في أرضك، وحجّتك على عبادك، ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتَّى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه فيها طويلاً، وعجّل فرجه، واجعلنا من شيعته وأوليائه وأعوانه وأنصاره ومحبّيه وأتباعه، اللّهمّ...».
ولا يخفى أنَّ دعاء (كنز العرش) لم يرد إلَّا في هذا المصدر من بين كل المصادر الشيعية والسنية، طبقاً لرواية نقلها المرحوم العلّامة النوري في كتابه (مستدرك الوسائل).
هذا وقد وردت روايات كثيرة في المصادر السنية شبيهةٌ بهذا الخبر، يمكن للقارئ المحترم مراجعتها(٣٣).
شرح مختصر لدعاء سلامة إمام الزمان (عجَّل الله فرجه):
يبدو لنا أنَّ فقرات هذا الدعاء هي عبارات تبيِّن إيمان وإخلاص الشيعة المنتظرين إمامهم المغيَّب، وتظهر حرقتهم وجزعهم من ألم فراقه.
وسنحاول في هذا المقطع من المقالة أن نقدِّم توضيحاً مختصراً حول كلِّ فقرة من فقرات الدعاء الشريف، آملين بذلك المساهمة في نشر وخدمة الدين.
«اللّهمّ كن لوليك الحجّة بن الحسن - صلواتك عليه وعلى آبائه - في هذه الساعة وفي كلِّ ساعة»:
الحجّة في اللغة بمعنى الدليل والبرهان، وقال بعضهم: الأصل في معنى هذه العبارة هو كلُّ شيء يعين الإنسان على الغلبة على عدوِّه، ولما كان الدليل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) المستدرك: ج٤، ص٢٦؛ كتاب الدعاء - الطبراني: ص٤٦٦؛ فيض القدير: ج١، ص٧٢٠؛ سبل الهدى والرشاد: ج١٠، ص٢٦٩و ٢٩٨.

(٢٢٠)

والبرهان له مثل هذه الماهية في النزاعات اللفظية مع الآخرين، سُمِّيا بالحجّة أيضاً(٣٤).
وأمَّا الحجّة في الاصطلاح الديني والعقدي عند المسلمين فهي عبارة عن كلِّ شيء أخذه الله تعالى في مقام الاحتجاج على عباده ورتَّب عليه ثواباً وعقاباً.
وبعبارة أُخرى: كلُّ ما يكون بإقامته - في عالم التشريع أو التكوين - سدُّ كل باب للاعتذار والاحتجاج من قبل العبد على مولاه.
وهذا النوع من الحجّة في الأدبيات الدينية الشيعية والسنية - كما يظهر في الأخبار الكثيرة صراحة - على نوعين:
الأوَّل: الحجّة الباطنة، وهي نعمة العقل.
الثاني: الحجّة الظاهرة، وهم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام).
يقول تعالى في هذا الصدد: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥).
وقد ورد في الروايات الكثيرة الواردة من الشيعة والسُنَّة، أنَّ الله تعالى لا يخلي الأرض من حجّة ظاهرة (نبياً أو إماماً معصوماً) وإن كان الإمام غائباً عن أنظار الناس، حتَّى أنَّه ورد في الخبر: أنَّ الأرض لو كان فيها شخصان فقط لكان أحدهما إماماً للآخر(٣٥).
الحجّة بن الحسن: قد أشير في الدعاء إلى هذه الحقيقة، وهي أنَّ خاتم الحجج هو المهدي (عجَّل الله فرجه) ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وأنَّه آخر حجّة معصوم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) العين: ج٣، ص١٠؛ لسان العرب: ج٢، ص٢٢٨ (الحجج).
(٣٥) الكافي: ج١، ص١٦٨-١٨٠.

(٢٢١)

ولياً: الولي في اللغة، تعني القيِّم والمتولّي، فوليُّ اليتيم هو من يقوم بأمر اليتيم ويتعهده ويدير أُموره وشؤونه المختلفة.
وقد يطلق (الوليّ) على الصديق في مقابل العدو وضدَّه.
وقد يطلق (الوليّ) على الناصر، وهو من أسماء الله تعالى ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ٦٨)(٣٦).
وعلى أيِّ حالٍ، فالقدر المشترك في معنى (الولي) هو النصرة والقيومية وكفاية الأمور.
وحافظاً:
وهي واضحة المعنى، ويراد بها طلب ورجاء حفظ الإمام (عجَّل الله فرجه)، من كلِّ البلايا والآفات السماوية والأرضية.
وقائداً:
القائد في اللغة، مأخوذ من القود، بمعنى الهداية والدلالة، والسوق لجهة معينة. والمراد من العبارة هنا هداية الإمام (عجَّل الله فرجه) وتسديده من قبل الله تعالى.
تنبيه:
جاء في كتاب الإقبال للسيد ابن طاووس لفظ (قاعداً) بدلاً عن لفظة (قائداً).
وكما أشرنا آنفاً، فإنَّ ذلك إذا لم يكن من سهو النسّاخ أو الكتّاب أو المصحِّحين أو الناشرين، فإنَّ له وجهاً وتخريجاً ما.
ويحتمل فيه احتمالات:
الأوَّل: القُرب، فيقال: فلان أقعد من فلان، بمعنى قرُب منه. وتقول العرب: هو أقعدهم، أي أقربهم إلى الجدِّ الأكبر، وفي مقابل ذلك يقال: هو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦) العين: ج٨، ص٣٦٥؛ لسان العرب: ج١٥، ص٤٠٧؛ مجمع البحرين: ج١، ص٤٥٥ (ولي).

(٢٢٢)

أطرفهم أو أسلفهم، أي أبعدهم منه. وعليه، فكلمة (قاعداً) في الخبر يراد منها اِجعله في مقام القرب منك يا ربّ.
الثاني: ويحتمل أن يكون (قاعداً) بمعنى الأساس والوتد، فيكون حينئذٍ كناية عن المأمن والمسند الذي يسند إليه.
ولعلَّ هذا الوجه أوجه من الوجه الأوَّل(٣٧).
الثالث: جاء في اللغة (قعيد) بمعنى (أب)، فقد ورد في أشعار الفرزدق: (قعيدكم الله الذي أنتما له)، فيكون المراد من (قاعداً) في الدعاء، الكناية عن الحصانة والحفظ والحماية الإلهية لإمام العصر والزمان (عجَّل الله فرجه).
الرابع: جاء في التفاسير، في ذيل قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ (ق: ١٧)، أنَّ قعيد بمعنى الحافظ.
ومن المحتمل أن تكون كلمة (قاعداً) في الدعاء بهذا المعنى.
وناصراً: مأخوذة من مادّة نَصَر، وقد ورد في بعض المصادر (وعوناً) بدلاً عن (وناصراً) وهي بنفس المعنى.
ودليلاً:
الدليل في هذا المقام بمعنى الهادي والدالّ على الصلاح. وهي إشارة إلى هداية الله تعالى، وهي عامّة لكلِّ المخلوقات وخاصّة لأولياء الله وخاصّته.
وعيناً:
إنَّ المعنى العامّ والكامل للهداية مذكور في عبارة (وعيناً) ومتبلور فيها، فالداعي يطلب من الله تعالى أن يكون عيناً للإمام في حياته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) لسان العرب: ج٣، ص٣٦١؛ مجمع البحرين: ج٣، ص١٢٩.

(٢٢٣)

وهو نظير ما ورد في الحديث المشهور في فضل النوافل، فقد جاء في هذا الحديث: «لا زال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أكون عينه التي ينظر بها ولسانه الذي ينطق به وأذنه التي يسمع بها».
ومن ثمَّ جاء في بعض الروايات أنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) (عين الله) و(أذن الله) وأمثال ذلك.
هذا وقد جاء في الطريق الرابع - كما تقدَّم - عبارة (وكالئاً وساتراً) أيضاً.
وكلمة (كالئاً) مشتقَّة من (كلأ، يكلأ) وهي بمعنى الحراسة والحفظ(٣٨).
وكلمة (ساتراً) مشتقة من (ستر) بمعنى الإخفاء والحَجْبْ وهي كناية عن طلب الحراسة وحفظ الإمام (عجَّل الله فرجه) ورعايته.
حتَّى تسكنه أرضك طوعاً:
هذا المقطع، يعدُّ لبَّ الدعاء، فالمنتظرون له (عجَّل الله فرجه) يطلبون من الله تعالى ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه)، وشروق شمس الحقيقة وانشقاق ظلمة الهجران والفراق.
وكلمة (طوعاً)، قد تكون من المطاوعة، بمعنى الانقياد والطاعة، وحينئذٍ تشير إلى أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) قد ظهر من أجل إطاعة الأمر الإلهي، وإجراء الأحكام الإلهية.
وقد تكون كلمة (طوعاً) بمعنى الاختيارية والرغبة القلبية في مقابل الكره وإيجاب الإجبار.
وحينئذٍ يحتمل فيها احتمالان:
الأوَّل: يا ربّ أسْكنْ مولانا صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) الأرض فهو المسلِّم لأمرك ومشيئتك بكلِّ شوق ورغبة واختيار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨) العين: ج٥، ص٤٠٧؛ لسان العرب: ج١، ص١٤٦.

(٢٢٤)

الثاني: يا ربّ أسكن حجّتك أرضك بمقتضى مشيئتك وإرادتك، وهو يفعل ما يشاء، كيف يشاء، ومتى يشاء وبأي سبب يشاء.
وأخيراً، قد تكون كلمة (طوعاً) مأخوذة من التطوُّع، بمعنى التبرُّع والإحسان والابتداء.
وحينئذٍ يكون معنى العبارة: يا ربّ أسكن مولانا الحجّة (عجَّل الله فرجه) الأرض بفضلك وكرمك وتتميماً لإحسانك في حقِّ أوليائك(٣٩).
وتمتعه فيها طويلاً:
وهذه العبارة تنمُّ عن رجاء إطالة عمره فهو آخر الحجج الإلهيين والموعود الكوني.
هذا كما ورد في الطريق الرابع - كما أسلفنا - عبارة (طولاً وعرضاً).
وهذه العبارة - على فرض صحّة الورود - تدلّ على عالمية حكومة المهدي (عجَّل الله فرجه) وشموليتها لطول الكرة الأرضية وعرضها، فهو رجاءٌ لتطهير كلِّ الأرض من الظلم والجور والفساد والرذائل، ونشر العدل والصلاح فيها.
نسأل الله تعالى خالق الكرم والفضل أن يمنَّ علينا أيضاً بالحضور والتشرُّف أيَّام الحكومة الرضوانية، وأن يجعلنا وجميع المنتظرين من أنصار وأعوان مولانا صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه).
آمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

*  *  *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) لسان العرب: ج٨، ص٢٤٣.

(٢٢٥)