هنري كوربان وقراءته الفلسفية
للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
دراسة تحليلية نقدية في ضوء كتاباته عن التشيع والإمامة
حسن هادي سلمان النجفي
مجلة الموعود - العدد (٢٠)
ربيع الأوَّل ١٤٤٨هـ / آب ٢٠٢٦م
المقدمة:...................١٨١
المبحث الأوَّل: في عدَّة
نقاط:...................١٨٢
١ - السيرة الذاتية والفكرية
(١٩٠٣-١٩٧٨):...................١٨٢
٢ - التأثيرات الفكرية - ماسينيون، هيدغر،
السهروردي:...................١٨٣
٣ - منهج كوربان - الظاهراتية والتأويل
الباطني:...................١٨٥
المبحث الثاني: الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه) في فلسفة كوربان، في نقاط:...................١٨٦
١ - الإمامة كـ(ولاية Walayah) - المبدأ
الباطني للتشيع:...................١٨٦
٢ - المهدي والغيبة - تفسير (الاختفاء عن
الأنظار):...................١٨٦
٣ - مفهوم (الانتظار) و(الفرج) - بين اللامكان
والزمان:...................١٨٧
٤ - ألقاب المهدي عند
كوربان...................١٨٨
المبحث الثالث: تحليل نقدي لخطاب كوربان حول
المهدوية، في عدَّة نقاط:...................١٨٩
١ - نقاط القوة - الفهم من الداخل، المنهج
الفلسفي:...................١٨٩
٢ - نقاط الضعف - الإسقاطات الفلسفية، إهمال
البُعد التاريخي:...................١٩٠
٣ - نقد كوربان من منظور إسلامي
معاصر:...................١٩١
٤ - التناقضات الداخلية في خطاب
كوربان:...................١٩٣
٥ - كوربان والمصادر الشيعية - دراسة في النقل
والانتقاء:...................١٩٤
المبحث الرابع: مقارنة كوربان ببعض
المستشرقين، في نقاط:...................١٩٥
١ - كوربان ومرجليوث - قراءتان متقابلتان
للعقيدة المهدوية:...................١٩٥
٢ - كوربان وهاينز هالم - المثالية الفلسفية
مقابل الأنثروبولوجيا التاريخية:...................١٩٧
الدروس المستفادة:...................١٩٩
كلمة أخيرة:...................٢٠٠
ملحق: نصوص مختارة من كتابات كوربان عن الإمام
المهدي (عليه السلام) (ترجمة وتحليل):...................٢٠١
النص الأوَّل: معنى الغيبة كحضور في عالم
الخيال:...................٢٠١
النص الثاني: الانتظار كحالة وجودية
فاعلة:...................٢٠٢
النص الثالث: الإمام المهدي (عليه السلام)
كـ(إمام الزمان):...................٢٠٣
النص الرابع: العلاقة بين الإمام المهدي
والمسيح (عليهما السلام):...................٢٠٤
المقدمة:
تمثِّل العقيدة المهدوية أحد أبرز أركان الإيمان في المذهب الشيعي الإمامي، حيث
تُعد من المسائل الاعتقادية الجوهرية التي يقوم عليها مفهوما (الانتظار) و(الفرج).
وقد استندت هذه العقيدة إلى نصوص متواترة من القرآن الكريم والأحاديث النبوية
الشريفة، وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام).
على الرغم من جذورها الراسخة في التراث الإسلامي، لم تسلم العقيدة المهدوية من
محاولات التشكيك والتفكيك التي قام بها عدد من المستشرقين الغربيين، الذين تعاملوا
معها بمناهج متباينة تراوحت بين الإنكار الصريح والتأويل التاريخاني والنظر إليها
كظاهرة سياسية اجتماعية بحتة.
غير أنَّ ثمة تياراً استثنائياً في الاستشراق، مثّله المستشرق الفرنسي هنري كوربان
(Henry Corbin, ١٩٠٣-١٩٧٨)، لم يكتف بدراسة العقيدة المهدوية من الخارج، بل حاول
فهمها من الداخل، معتبراً إيَّاها (الأساس البنيوي للتشيع والتصوف الشيعي).
يأتي هذا البحث ليقدِّم دراسة
تحليلية نقدية لقراءة هنري كوربان للإمام المهدي والعقيدة المهدوية، من خلال تحليل
كتاباته الرئيسة، خاصة موسوعته (الإسلام الإيراني En Islam Iranien) وكتابه (تاريخ
الفلسفة الإسلامية) (History of Islamic Philosophy) وسنركِّز بشكل خاص على رؤيته
الفلسفية للإمامة والغيبة، وتفسيره لمفهوم (الانتظار) و(الفرج)، ونقاط القوة والضعف
في منهجه الظاهراتي.
تكتسب دراسة موقف كوربان من العقيدة المهدوية أهمية خاصة لعدَّة أسباب:
أوَّلاً: إنَّه يمثل حالة فريدة بين المستشرقين، حيث عرَّف نفسه بأنَّه (مسيحي،
لكنه مع ذلك شيعي روحاني)(١).
ثانياً: إنَّه استطاع أن يقدم قراءة فلسفية عميقة للعقيدة المهدوية، بعيداً عن
الاختزال السياسي أو التاريخاني الذي ساد في المدارس الاستشراقية الأخرى.
ثالثاً: إنَّ كتاباته أسَّست لتيار كامل في الدراسات الغربية عن التشيع، وأثرت في
أجيال من الباحثين.
رابعاً: لأنَّ قراءته للعقيدة المهدوية تتيح لنا فرصة فريدة لتحليل كيفية تعامل
المستشرق مع قضية عقائدية مركزية من منظور تأويلي فلسفي.
هيكل البحث:
ينقسم البحث إلى أربعة محاور رئيسة، تتوزع على النحو التالي:
المبحث الأوَّل: في عدَّة نقاط:
١ - السيرة الذاتية والفكرية (١٩٠٣-١٩٧٨):
وُلد هنري كوربان في ١٤ أبريل ١٩٠٣ في باريس، لعائلة بروتستانتية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) “Imamate and Mahdism in Shi‘ism”, Sireh Pajouhi Journal, ٢٠٢٤.
تلقى تعليمه في المدرسة العليا
للدراسات العملية (École Pratique des Hautes Études) في باريس، حيث درس الفلسفة
والعربية والفارسية(٢).
تأثر في بداياته بالفلاسفة الألمان، خاصة مارتن هيدغر، الذي ترجم بعض أعماله إلى
الفرنسية في عام ١٩٢٨، اكتشف أعمال السهروردي المقتول (ت ٥٨٧هـ/١١٩١م) من خلال
محاضرات المستشرق لويس ماسينيون، الذي كان له تأثير حاسم في توجهه الفكري(٣).
من عام ١٩٣٩ إلى ١٩٤٥، عمل كوربان ملحقاً بالمعهد الفرنسي في إسطنبول، حيث تعمَّق
في دراسة التصوُّف والفلسفة الإسلامية.
ثم انتقل إلى طهران عام ١٩٤٥، حيث أسَّس قسم الإيرانيولوجيا (علم الإيرانيات) في
المعهد الفرنسي، وأصدر سلسلة (المكتبة الإيرانية Bibliothèque Iranienne) التي نشر
فيها أهم أعماله.
ظلَّ في إيران حتَّى عام ١٩٥٤، حيث درس الفلسفة الإسلامية والتصوُّف الشيعي، وأقام
علاقات وثيقة مع كبار العلماء الإيرانيين(٤).
عاد كوربان إلى باريس عام ١٩٥٤، حيث تولى منصب مدير الدراسات في قسم الدراسات
الإسلامية في المدرسة العليا للدراسات العملية، وتفرغ للكتابة والتدريس حتَّى وفاته
في ٧ أكتوبر ١٩٧٨(٥).
٢ - التأثيرات الفكرية - ماسينيون، هيدغر،
السهروردي:
تشكَّل فكر كوربان من خلال ثلاثة مصادر رئيسة متداخلة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) Nasr, “Henry Corbin”, p. ١٠٧.
(٣) Ibid., p. ١٠٨.
(٤) Ibid., pp. ١٠٩-١١٢
(٥) Ibid., p. ١١٥.
أوَّلاً: لويس ماسينيون (Louis
Massignon, ١٨٨٣-١٩٦٢) - كان ماسينيون أستاذ كوربان والمؤثّر الأوَّل في توجهه نحو
الدراسات الإسلامية.
ماسينيون، المستشرق الفرنسي الكاثوليكي، تميز بمنهج (التعاطف الاستبطاني
sympathetic introspection) الذي حاول من خلاله فهم الإسلام من الداخل(٦).
اهتمَّ ماسينيون بشخصية الحلاج، وألَّف عنه دراسة موسعة، كما اهتمَّ بالتصوُّف
الشيعي والفلسفة الإشراقية.
وقد نقل هذا الاهتمام إلى تلميذه كوربان، الذي قال عنه: (كان ماسينيون هو من كشف لي
عن الثيوصوفيا الشرقية للسهروردي)(٧).
ثانياً: مارتن هيدغر (Martin Heidegger, ١٨٨٩-١٩٧٦) - تأثر كوربان بفلسفة هيدغر
الوجودية، خاصة مفهوم (الوجود Dasein) ونقد الميتافيزيقا الغربية.
ترجم كوربان محاضرات هيدغر إلى الفرنسية، وساهم في تعريف الأوساط الفرنسية
بفلسفته(٨).
وقد أسهم هذا التأثير في تشكيل منهجه الظاهراتي، حيث سعى إلى فهم الظواهر الدينية
من خلال تجربتها الذاتية لا من خلال تحليلها الموضوعي.
ثالثاً: شهاب الدين السهروردي (ت ٥٨٧ هـ / ١١٩١ م) - يعتبر كوربان أنَّ السهروردي
هو المؤسِّس الحقيقي للفلسفة الإسلامية بعد ابن سينا. فقد خصص له جزءاً كبيراً من
كتابه (تاريخ الفلسفة الإسلامية)، ورأى أنَّ فلسفته (الإشراقية) تمثّل منعطفاً
حاسماً في تطوُّر الفكر الإسلامي(٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦) Massignon, La Passion de
Hallaj.
(٧) Corbin, History of Islamic Philosophy, p. xv.
(٨) Nasr, “Henry Corbin”, p. ١١٠.
(٩) Corbin, History of Islamic Philosophy, pp. ٢٠١-٢٢٤.
من خلال السهروردي، اكتشف كوربان
عالم المثال (mundus imaginalis) الذي أصبح مفهوماً مركزياً في فلسفته.
٣ - منهج كوربان - الظاهراتية والتأويل
الباطني:
تميز منهج كوربان بميزتين رئيستين:
أوَّلاً: المنهج الظاهراتي (Phenomenological Approach) - سعى كوربان إلى فهم
الظواهر الدينية من خلال تجربتها الذاتية، وليس من خلال تحليلها الخارجي، تأثر في
ذلك بهيدغر وبالمنهج الظاهراتي لهوسرل.
يرى كوربان أنَّ فهم العقيدة المهدوية يتطلَّب الدخول إلى عالمها الداخلي،
والانفتاح على بُعدها الروحي، وليس مجرَّد تحليلها كظاهرة تاريخية أو اجتماعية(١٠).
ثانياً: التأويل الباطني (Esoteric Hermeneutics) - اعتمد كوربان على منهج التأويل
الباطني الذي يرتكز على فكرة أنَّ النصوص الدينية تحمل معانٍ باطنية تتجاوز معانيها
الظاهرية.
وقد وجد في التفسير الإشراقي والتأويل الشيعي نموذجاً لهذا المنهج، يكتب كوربان في
مقدمة كتابه (الإسلام الإيراني): (إن التأويل الباطني هو المفتاح الذي يفتح أبواب
المعنى الخفي للنصوص المقدسة)(١١).
هذا المزيج من الظاهراتية والتأويل الباطني جعل من كوربان حالة استثنائية في
الاستشراق، حيث حاول فهم التشيع من الداخل، واعترف بأنَّه يتعاطف مع رموزه ومفاهيمه
الفلسفية، وقد عرَّف نفسه بأنَّه (مسيحي، لكنَّه مع ذلك شيعي روحاني)(١٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) Ibid., p. xiii-xiv.
(١١) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ١, p. xviii.
(١٢) “Imamate and Mahdism in Shi‘ism”, Sireh Pajouhi Journal, ٢٠٢٤.
المبحث الثاني: الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) في فلسفة كوربان، في نقاط:
١ - الإمامة كـ(ولاية Walayah) - المبدأ
الباطني للتشيع:
يرى كوربان أنَّ مفهوم (الولاية Walayah) هو المبدأ الباطني الذي يقوم عليه التشيع،
وهو الذي يعطي معنى للإمامة والمهدوية.
في كتابه (الإسلام الإيراني)، يخصّص كوربان فصولاً مطولة لتحليل مفهوم الولاية،
معتبراً إياه (السر الباطني للإسلام الشيعي)(١٣).
يعرِّف كوربان الولاية بأنَّها (البُعد الباطني للرسالة النبوية، الذي يتجلى في
شخصية الإمام بعد وفاة النبي).
ويرى أنَّ الولاية ليست مجرَّد سلطة سياسية، بل هي (حقيقة روحية متَّصلة بالوجود
الإلهي)(١٤).
يكتب كوربان: (الولاية هي الخيط الباطني الذي يربط بين عوالم الوجود، وهي التي تمنح
للإنسان القدرة على الارتقاء من عالم الشهادة إلى عالم الغيب)(١٥).
ويرى أنَّ هذا المفهوم - الولاية - هو الذي يفسر لماذا يحتاج المسلمون إلى وجود
إمام في كلِّ زمان، ولماذا لا يمكن أن تخلو الأرض من حجة لله.
٢ - المهدي والغيبة - تفسير (الاختفاء عن
الأنظار):
يقدِّم كوربان تفسيراً فلسفياً عميقاً للغيبة، يختلف جوهرياً عن التفسيرات
التاريخية أو السياسية التي قدَّمها بعض المستشرقين الآخرين، يرى كوربان أنَّ
الغيبة ليست مجرَّد غياب مادي، بل هي (حضور في مستوى آخر من الوجود).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) Corbin, En Islam Iranien,
Vol. ٢, p. ٤٥.
(١٤) Ibid., p. ٥٠.
(١٥) Ibid., p. ٥٢.
يكتب كوربان في كتابه (تاريخ
الفلسفة الإسلامية):
(إنَّ معنى [الاختفاء عن الأنظار] لا يعني أنَّ الإمام غير موجود، بل يعني أنَّ
البشرية مغطاة بحجب تمنعها من إدراكه.
ورغم غيابه الظاهري، فإنَّ الإمام يستمر في إشعاع الهداية إلى قلوب المؤمنين الذين
يتَّصلون به عبر الولاية الباطنية)(١٦).
٣ - مفهوم (الانتظار) و(الفرج) - بين اللامكان
والزمان:
يحلِّل كوربان مفهومي (الانتظار) و(الفرج) كأبعاد وجودية للتجربة الشيعية.
يرى أنَّ الانتظار ليس مجرَّد انتظار سلبي، بل هو (نوع من الحضور الفاعل في الزمن
المقدّس).
يكتب كوربان: (الانتظار هو موقف وجودي يمنح المؤمن القدرة على العيش في الحاضر مع
استشراف المستقبل، إنَّه يخلق نوعاً من التوتر الإيجابي بين الواقع الحالي والوعد
المستقبلي، وهذا التوتر هو مصدر الإبداع والتحوُّل في الحياة الشيعية)(١٧).
أمَّا مفهوم (الفرج)، فيراه كوربان تجسيداً للأمل في انكشاف الحقيقة وإزالة الحجب
التي تخفي الإمام عن الأنظار.
يربط كوربان بين الفرج ومفهوم (الرؤية) في الفلسفة الإشراقية، حيث يرى أنَّ الخلاص
النهائي هو (رؤية النور الإلهي في صورته الكاملة)(١٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) Corbin, History of Islamic
Philosophy, p. ٣٠٥.
(١٧) Ibid., p. ١١٢.
(١٨) Corbin, History of Islamic Philosophy, p. ٣١٠.
٤ - ألقاب المهدي عند
كوربان:
يستخدم كوربان عدَّة ألقاب للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في كتاباته، ويعطي
لكلِّ لقب دلالة فلسفية خاصة:
أوَّلاً: القائم: يرى كوربان أنَّ لقب (القائم) يشير إلى (الذي يقوم في الحق)(١٩).
وهو عنده تعبير عن مفهوم (القيام بالحق) الذي يمثِّل الوجود الحقيقي للإنسان(٢٠).
ثانياً: المهدي: يفسر كوربان لقب (المهدي) بمعنى (الذي يهدي)(٢١)، ويرى أنَّه يشير
إلى وظيفة الإمام كمرشد روحي للإنساني(٢٢).
ثالثاً: المنتظر: يعتبر كوربان أنَّ لقب (المنتظر) يعبر عن الانتظار كحالة وجودية،
وليس فقط عن انتظار حدث مستقبلي(٢٣).
رابعاً: الحجة: يرى كوربان أنَّ لقب (الحجة) يشير إلى (البرهان الإلهي)(٢٤) الذي لا
يمكن أن تخلو الأرض منه، وهو تجسيد للمعرفة اليقينية التي يفتقدها البشر في زمن
الغيبة(٢٥).
خامساً: الإمام الغائب: يفسّر كوربان هذا اللقب في ضوء فلسفته عن (الوجود في
الخفاء)(٢٦)، حيث الوجود لا يعني بالضرورة الظهور المادي(٢٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) qui se lève en vérité.
(٢٠) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, p. ٢٠٥.
(٢١) celui qui guide.
(٢٢) Ibid., p. ٢٠٨.
(٢٣) Ibid., p. ٢١٠.
(٢٤) la preuve divine.
(٢٥) Ibid. p. ٢١٢.
(٢٦) l’être en occultation.
(٢٧) Ibid., p. ٢١٥.
المبحث الثالث: تحليل
نقدي لخطاب كوربان حول المهدوية، في عدَّة نقاط:
١ - نقاط القوة - الفهم من الداخل، المنهج
الفلسفي:
لا يمكن إنكار أنَّ كوربان أسهم في إيصال الفكرة بشكلها الصحيح إلى الغرب.
يمكن تحديد نقاط القوة التالية في منهجه:
أوَّلاً: الفهم من الداخل:
نجح كوربان في تجاوز النظرة الاستعلائية التي سادت الاستشراق الكلاسيكي، وحاول فهم
التشيع من داخله.
لم يتعامل مع الشيعة كـ(موضوع) للدراسة فقط، بل حاول الدخول إلى عالمهم الروحي
والفلسفي(٢٨).
ثانياً: الاهتمام بالبُعد الفلسفي:
كان كوربان من أوائل المستشرقين الذين أدركوا أهمية البعد الفلسفي في التشيع.
فقد سلَّط الضوء على مفاهيم مثل (الإمامة) و(الولاية) و(الغيبة) من منظور فلسفي،
مما أثرى الفهم الغربي للتشيع(٢٩).
ثالثاً: استعادة التراث الفلسفي الشيعي:
ساهم كوربان في تعريف الغرب بالفلاسفة الشيعة مثل السهروردي وصدر الدين الشيرازي،
كما ساهم في نشر نصوص فلسفية شيعية كانت مهمشة في الأوساط الأكاديمية الغربية(٣٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨) الصريفي، (إمامة الإمام
المهدي)، ص ٥٨٠.
(٢٩) المصدر نفسه، ص ٥٨٢.
(٣٠) فخاري، الذهنية الاستشراقية، ص ١٢٨.
رابعاً: المنهج الظاهراتي:
قدم كوربان نموذجاً لدراسة الظواهر الدينية من خلال تجربتها الذاتية، وهو منهج لا
يزال ذا قيمة في الدراسات الدينية المعاصرة(٣١).
٢ - نقاط الضعف - الإسقاطات الفلسفية، إهمال
البُعد التاريخي:
لكن هذه الإسهامات لا يمكن أن تخفي نقاط الضعف الكبيرة التي شابت قراءة كوربان:
أوَّلاً: الإسقاطات الفلسفية الغربية:
أسقط كوربان مفاهيم فلسفية غربية (كفلسفة هيدغر) على التراث الشيعي، مما أدَّى إلى
قراءة مشوّهة في بعض الأحيان.
يكتب الباحث عبد الحسين فخاري منتقداً كوربان: (كان يقرأ الفلسفة الإسلامية من خلال
عدسة فلسفة هيدغر، مما جعله يغفل عن خصوصية التجربة الإسلامية)(٣٢).
ثانياً: إهمال البعد التاريخي:
ركَّز كوربان على البُعد الفلسفي للتشيع، وأهمل البُعد التاريخي والاجتماعي
والسياسي، هذا الإهمال جعل قراءته ناقصة، لأنَّ التشيُّع ظاهرة تاريخية قبل أن تكون
فلسفية، كما لاحظ الباحث محمد علي أمير معزي أنَّ كوربان (اهتم بالتشيع المثالي
(ideal Shi'ism أكثر من اهتمامه بالتشيُّع التاريخي(٣٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣١) حكيميان وآخرون، (آراء
المستشرقين في المهدوية)، ص ٥٥.
(٣٢) حكيميان وآخرون، (آراء المستشرقين في المهدوية)، ص ٥٥.
(٣٣) Amir-Moezzi, “Imam in Shi’ism”, Encyclopaedia Iranica.
ثالثاً: التهميش المصادري:
اعتمد كوربان بشكل كبير على مصادر فلسفية متأخِّرة، وأهمل المصادر التاريخية
والحديثية المبكرة التي تشكل أساس العقيدة المهدوية، هذا جعله يغفل عن الجذور
النصية للعقيدة(٣٤).
رابعاً: المثالية المفرطة:
قدَّم كوربان صورة مثالية عن التشيُّع، تخلو من التناقضات والصراعات التي شهدتها
المجتمعات الشيعية عبر التاريخ.
هذا الجانب جعله أقرب إلى (الروحاني) منه إلى (العالم الموضوعي)(٣٥).
٣ - نقد كوربان من منظور إسلامي معاصر:
تجاوز النقد الموجه لكوربان حدود الوسط الأكاديمي الغربي ليشمل نقاداً من المفكرين
والعلماء المسلمين الذين رأوا في فلسفته إشكاليات منهجية وعقائدية.
يمكن إجمال أبرز هذه الانتقادات في النقاط التالية:
أ - نقد السيد محمد باقر الصدر (١٩٣٥-١٩٨٠):
في كتابه (فلسفتنا) (١٩٥٩)، لم يتعرَّض الصدر لكوربان مباشرة، لكنَّه نقد المنهج
الفلسفي الذي يعزل العقيدة عن سياقها التاريخي والاجتماعي.
يرى الصدر أنَّ فهم العقيدة المهدوية يتطلَّب النظر إلى جذورها في النص القرآني
والحديثي، وليس فقط إلى تجلياتها الفلسفية المتأخِّرة(٣٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) موسوي گيلاني، المهدوية، ص ٥٨.
(٣٥) الصريفي، (إمامة الإمام المهدي)، ص ٥٨٥.
(٣٦) راجع: الصدر، فلسفتنا، ص ٢١٥-٢٢٠.
ب - نقد الشيخ محمد تقي مصباح
اليزدي (١٩٣٤-٢٠٢١):
تناول مصباح اليزدي في بعض كتاباته المنهج الظاهراتي في دراسة الدين، وأشار إلى
أنَّ هذا المنهج قد يؤدِّي إلى (تسامح معرفي) يضع الوحي الباطني في مرتبة الوحي
الظاهر.
في قراءة نقدية لأفكار كوربان، يرى مصباح اليزدي أنَّ الاعتماد المفرط على التأويل
الباطني قد يؤدِّي إلى تفريغ العقيدة من محتواها التاريخي والحقيقي(٣٧).
ج - نقد الدكتور عبد الحسين فخاري:
في كتابه (الذهنية الاستشراقية - ٢٠٠٦)، يقدِّم فخاري نقداً منهجياً لكوربان من
منظور إسلامي.
يرى فخاري أنَّ كوربان (واقع في فخ الإسقاطات الفلسفية الغربية) و(أهمل الجذور
النصية للعقيدة المهدوية)(٣٨).
كما ينتقد فخاري اعتماد كوربان على (خطبة البيان) كمصدر أساسي لفهم حقيقة الإمام،
مشيراً إلى أنَّ هذه الخطبة مثار جدل كبير بين العلماء(٣٩).
د - نقد الدكتور محمد علي أمير معزي:
في دراساته عن التشيُّع في موسوعة إيرانيكا، ينتقد أمير معزي منهج كوربان في
(المثالية المفرطة)، مشيراً إلى أنَّه (قدم صورة للتشيُّع تخلو من تناقضاته
التاريخية والسياسية)(٤٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٧) راجع: مصباح اليزدي، المدرسة
الفلسفية في قم، ص ١٤٥.
(٣٨) فخاري، الذهنية الاستشراقية، ص ١٣٢
(٣٩) المصدر نفسه، ص ١٤٥.
(٤٠) Amir-Moezzi, “Imam in Shi’ism”, Encyclopaedia Iranica.
ويرى أمير معزي أنَّ كوربان (اهتمَّ
بالتشيُّع المثالي ideal Shi'ism) أكثر من اهتمامه بالتشيُّع التاريخي (historical
Shi'ism).
هـ - نقد الدراسات المعاصرة:
أشارت دراسة حديثة (٢٠٢٤) إلى أنَّ أفكار كوربان حول المهدوية تحمل نقاط قوة ونقاط
ضعف.
من نقاط الضعف: إهماله لبُعد إقامة العدل في رسالة الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه)، وإغفاله لمسؤوليات المنتظر في سياق رسالة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وتأثُّره بنظرية (هورقليا Hurqolya) في وصف زمان ومكان حياة الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه)، واعتماده المفرط على (خطبة البيان) في مناقشة الإنسان الكامل(٤١).
هذه الانتقادات مجتمعة تكشف أنَّ قراءة كوربان للعقيدة المهدوية، رغم عمقها
الفلسفي، تعاني من إشكاليات منهجية وعقائدية تضعف قيمتها كتفسير شامل للعقيدة.
فهي تظل قراءة فلسفية باطنية تهمل البُعد التاريخي والاجتماعي والسياسي للتشيُّع،
كما تهمل الجذور النصية للعقيدة في القرآن والحديث(٤٢).
٤ - التناقضات الداخلية في خطاب كوربان:
لا يخلو خطاب كوربان من تناقضات داخلية تكشف عن هشاشته المنهجية:
أوَّلاً: التناقض بين الدفاع عن التشيُّع والإسقاط الغربي:
يدَّعي كوربان أنَّه يقدِّم قراءة من داخل التشيع، لكنَّه في الواقع يقرأ التشيُّع
من خلال مفاهيم فلسفية غربية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤١) Khoubbin Khoshnazr & Fazeli, “Critique of Henry Corbin’s Messianic Thought”, ٢٠٢٤.
(٤٢) راجع: الصريفي، (إمامة الإمام المهدي)، ص ٥٨٥-٥٩٠.
هذا التناقض يضعف ادِّعاءاته
بالانتماء الروحي للتشيع(٤٣).
ثانياً: التناقض بين الباطنية والتاريخانية:
يرفض كوربان القراءة التاريخانية للتشيع، لكنَّه في الوقت نفسه يقدِّم قراءة
تاريخانية أخرى تقوم على تقسيم التاريخ الإسلامي إلى (عصور ذهبية) و(عصور انحطاط).
هذا التناقض يعكس إشكالية منهجية عميقة(٤٤).
٥ - كوربان والمصادر الشيعية - دراسة في النقل
والانتقاء:
اعتمد كوربان في دراساته على مصادر شيعية متنوِّعة، لكن تعامله معها كان انتقائياً:
أوَّلاً: الاعتماد على مصادر فلسفية متأخِّرة:
اعتمد كوربان بشكل أساسي على مصادر فلسفية من القرنين السابع والثامن الهجريين (مثل
صدر الدين الشيرازي)، وأهمل المصادر الحديثية والتاريخية المبكرة.
هذا جعله يقدِّم صورة مشوَّهة - بنحوٍ من الأنحاء - للتشيُّع، حيث ركَّز على الجانب
الفلسفي على حساب الجانب الحديثي والفقهي(٤٥).
ثانياً: تجاهل الاختلافات داخل التشيع:
تعامل كوربان مع التشيُّع ككتلة واحدة، وتجاهل الاختلافات الكبيرة بين المدارس
الشيعية (كالأصولية والإخبارية والفلسفية).
هذا التجاهل جعل قراءته أحادية الجانب(٤٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣) فخاري، الذهنية الاستشراقية، ص
١٣٥.
(٤٤) المصدر نفسه، ص ١٣٨.
(٤٥) الصريفي، (إمامة الإمام المهدي)، ص ٥٨٨.
(٤٦) المصدر نفسه، ص ٥٩٠.
ثالثاً: الاجتراء الانتقائي للنصوص:
اختار كوربان من النصوص الشيعية ما يخدم رؤيته الفلسفية، وتجاهل النصوص التي لا
تتَّفق معها.
هذا الاجتراء الانتقائي يضعف القيمة العلمية لدراساته(٤٧).
المبحث الرابع: مقارنة كوربان ببعض
المستشرقين، في نقاط:
١ - كوربان ومرجليوث - قراءتان متقابلتان
للعقيدة المهدوية:
تكشف مقارنة منهج هنري كوربان مع منهج ديفيد صموئيل مرجليوث (D.S. Margoliouth) عن
التباين الكبير في المقاربات الاستشراقية للعقيدة المهدوية.
فبينما يمثل كوربان الاتِّجاه الفلسفي الظاهراتي الذي يحاول فهم العقيدة من الداخل،
يمثِّل مرجليوث الاتِّجاه التاريخاني النقدي الذي ينظر إلى العقيدة من الخارج.
أوَّلاً: المنهج:
كوربان: يعتمد المنهج الظاهراتي والتأويل الباطني، ويحاول الدخول إلى عالم العقيدة
المهدوية من خلال مفاهيمها الفلسفية.
يرى أنَّ فهم المهدوية يتطلَّب تبنِّي منظورها الداخلي، وليس تحليلها كظاهرة
خارجية(٤٨).
مرجليوث: يعتمد المنهج التاريخي النقدي، وينظر إلى العقيدة المهدوية كظاهرة تاريخية
يمكن تحليلها من خلال المصادر الخارجية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧) فخاري، الذهنية الاستشراقية، ص ١٤٢.
(٤٨) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ١, p. xviii.
في مقالته الشهيرة On Mahdis and
Mahdiism (١٩١٥)، يتتبَّع مرجليوث ظهور الحركات المهدوية في التاريخ الإسلامي،
ويحاول تفسيرها في ضوء الظروف السياسية والاجتماعية(٤٩).
ثانياً: الموقف من المصادر:
كوربان: يعتمد على المصادر الفلسفية الشيعية (كصدر الدين الشيرازي، وروزبهان البقلي)،
ويهتم بالجانب الباطني من النصوص(٥٠).
مرجليوث: يعتمد على المصادر التاريخية السنية بشكل أساسي، ويتعامل مع المصادر
الشيعية بحذر.
يميل إلى تفسير الروايات المهدوية في ضوء السياق السياسي لظهورها(٥١).
ثالثاً: الموقف من أصل العقيدة:
كوربان: يرى أنَّ العقيدة المهدوية أصلية في التشيُّع، وتمثِّل جوهره الباطني.
يعتبرها (الأساس البنيوي للتشيُّع)(٥٢).
مرجليوث: يتبنَّى موقفاً أكثر تشكُّكاً، ويميل إلى رؤية العقيدة المهدوية كنتاج
لظروف تاريخية واجتماعية معينة، متأثِّرة بالأفكار المسيحية والإيرانية(٥٣).
رابعاً: النقد:
يمكن القول: إنَّ كلا المنهجين يعاني من قصور:
قصور كوربان: إهمال البُعد التاريخي والسياسي للعقيدة، والمثالية المفرطة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٩) Margoliouth, “On Mahdis and
Mahdiism”, p. ٢١٣.
(٥٠) Corbin, History of Islamic Philosophy, pp. ٣٠٠-٣١٥.
(٥١) Margoliouth, “On Mahdis and Mahdiism”, p. ٢٢٠.
(٥٢) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ١, p. xv.
(٥٣) Margoliouth, “On Mahdis and Mahdiism”, p. ٢٢٨.
قصور مرجليوث: اختزال العقيدة إلى
ظاهرة سياسية بحتة، وإهمال أبعادها الروحية والفلسفية(٥٤).
هذه المقارنة تظهر أنَّ المستشرقين ليسوا كتلة واحدة، بل تنوَّعت مناهجهم بحسب
خلفياتهم الفكرية وانتماءاتهم المذهبية(٥٥).
٢ - كوربان وهاينز هالم - المثالية الفلسفية
مقابل الأنثروبولوجيا التاريخية:
يعد المستشرق الألماني هاينز هالم (Heinz Halm - ١٩٤٢) من أبرز المتخصِّصين
المعاصرين في الدراسات الشيعية، ويمثِّل اتِّجاهاً منهجياً مغايراً لكوربان.
فبينما يمثِّل كوربان الاتِّجاه الفلسفي الظاهراتي، يمثِّل هالم الاتِّجاه التاريخي
الأنثروبولوجي، يمكن تحديد الفروق الرئيسية بينهما على النحو التالي:
أوَّلاً: المنهج:
كوربان: يعتمد المنهج الظاهراتي والتأويل الباطني، ويركز على البعد الفلسفي والروحي
للتشيع، يحاول فهم العقيدة من الداخل عبر مفاهيمها الفلسفية(٥٦).
هالم: يعتمد المنهج التاريخي الأنثروبولوجي، ويركِّز على البُعد الاجتماعي والسياسي
للتشيُّع، يدرس التشيُّع من خلال تطوّره التاريخي وطقوسه ومؤسساته(٥٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤) راجع: الصريفي، (إمامة الإمام
المهدي)، ص ٥٨٥-٥٨٨.
(٥٥) راجع: فخاري، الذهنية الاستشراقية، ص ١٤٥-١٤٨.
(٥٦) Corbin, En Islam Iranien,
Vol. ١, p. xviii.
(٥٧) Halm, The Shi‘ites: A Short History, p. ١-٥.
ثانياً: الموقف من المهدي:
كوربان: يرى المهدي (عجَّل الله فرجه) كحقيقة وجودية فلسفية، مركزاً على دوره كـ(إمام
الزمان) الذي يمنح الزمن معناه، يهتم بالجوانب الباطنية والفلسفية للعقيدة(٥٨).
هالم: يرى المهدي (عجَّل الله فرجه) في سياقه التاريخي والاجتماعي، يخصِّص فصلاً
كاملاً بعنوان (عودة المهدي The Return of the Mahdi) في كتابه (تاريخ الشيعة)، حيث
يتتبَّع تطوُّر العقيدة المهدوية عبر العصور، ويربطها بالحركات السياسية والطقوس
الشيعية(٥٩).
ثالثاً: الموقف من المصادر:
كوربان: يعتمد على المصادر الفلسفية المتأخِّرة، على ما تقدَّم مكرّراً(٦٠).
هالم: يعتمد على مصادر متنوِّعة تشمل المصادر التاريخية (كالطبري والمسعودي)،
والمصادر الحديثية، والمصادر الجغرافية، والدراسات الأنثروبولوجية الميدانية، يهتم
بشكل خاص بالطقوس والشعائر المهدوية في العصر الحديث(٦١).
رابعاً: الموقف من التشيُّع المعاصر:
كوربان: يقدِّم صورة مثالية عن التشيُّع، على ما تقدَّم(٦٢).
هالم: يهتم بالتشيُّع المعاصر وطقوسه ومؤسساته، يخصِّص فصولاً للحديث عن المراجع
الدينية، والحوزات العلمية، والشعائر الحسينية، والسياسة الشيعية في إيران
والعراق(٦٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٨) Corbin, En Islam Iranien,
Vol. ٤, p. ٢٠٥.
(٥٩) Halm, The Shi‘ites, pp. ١١٠-١٢٥.
(٦٠) فخاري، الذهنية الاستشراقية، ص ١٤٢.
(٦١) Halm, The Shi‘ites, pp.
١١٠-١٢٥.
(٦٢) Amir-Moezzi, “Imam in Shi’ism”, Encyclopaedia Iranica.
(٦٣) Halm, The Shi‘ites, pp. ١٥٠-١٨٠.
خامساً: التقييم:
يمكن القول: إنَّ كوربان وهالم يمثِّلان تيارين متكاملين أكثر منهما متناقضين:
كوربان: يقدم الفهم الفلسفي للعقيدة، ويكشف عن أبعادها الروحية والباطنية.
هالم: يقدِّم الفهم التاريخي والاجتماعي للعقيدة، ويكشف عن تطوّرها عبر الزمن
وتجلياتها في الواقع المعاش.
الدراسة المتكاملة للعقيدة المهدوية تحتاج إلى الجمع بين المنهجين: الفلسفي لفهم
عمق العقيدة، والتاريخي الأنثروبولوجي لفهم تطورها وتجلياتها(٦٤).
الدروس المستفادة:
تقدِّم دراسة حالة كوربان دروساً مهمة للباحثين في مجال الدراسات الإسلامية:
١ - أهمية الفهم من الداخل:
يبيِّن نموذج كوربان أنَّ محاولة فهم الظواهر الدينية من الداخل يمكن أن تنتج
قراءات أعمق وأكثر إنصافاً، لكنَّها تتطلَّب توخِّي الحذر من الإسقاطات الذاتية.
٢ - ضرورة التوازن بين الفلسفة والتاريخ:
يظهر نموذج كوربان أهمية التوازن بين المنهج الفلسفي والمنهج التاريخي، فالإفراط في
أحدهما على حساب الآخر يؤدِّي إلى قراءة ناقصة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٤) راجع: الصريفي، (إمامة الإمام المهدي)، ص ٥٩٠-٥٩٢.
٣ - أهمية تنويع المصادر:
يظهر نموذج كوربان كيف أنَّ الاعتماد على مصادر محدودة (فلسفية متأخِّرة) يمكن أن
يؤدِّي إلى قراءة مشوَّهة، التنويع بين المصادر التاريخية والحديثية والفلسفية
ضروري للوصول إلى صورة متكاملة.
٤ - الوعي بالانحيازات:
يذكرنا نموذج كوربان بأهمية الوعي بالانحيازات الشخصية والثقافية في العمل
الأكاديمي، وضرورة التمييز بين التعاطف والموضوعية.
كلمة أخيرة:
يبقى درس كوربان الأهم هو: أنَّ محاولة فهم الآخر من الداخل يمكن أن تنتج معرفة
عميقة ومتعاطفة، لكنَّها تظل محكومة بإطارها الثقافي والفلسفي الخاص.
إنَّ دراسة هذا النموذج تساعدنا على فهم آليات التفاعل بين الثقافات، وتذكرنا بأنَّ
الحوار الحقيقي لا يتحقَّق بالهيمنة أو الانغلاق، بل بالانفتاح على الآخر مع الوعي
بالاختلاف.
كما تذكرنا هذه الدراسة بأهمية النقد المنهجي والمصادري في التعامل مع التراث
الفلسفي الإسلامي، وضرورة موازنة المناهج المختلفة للوصول إلى صورة أكثر اكتمالاً
وإنصافاً للعقيدة المهدوية، فالتاريخ الفلسفي ليس ملكاً لفريق دون آخر، ولا يمكن
اختزاله في قراءة واحدة، مهما بدت مقنعة أو عميقة.
نأمل أن يكون هذا البحث قد أضاف جديداً إلى المكتبة العربية في مجال النقد
الاستشراقي، وأن يفتح الباب أمام دراسات مماثلة عن مستشرقين آخرين تناولوا العقيدة
المهدوية، تسهم في تفكيك آليات التحيُّز وبناء جسور أفضل للفهم المتبادل بين
الثقافات.
ملحق: نصوص مختارة من
كتابات كوربان عن الإمام المهدي (عليه السلام) (ترجمة وتحليل):
النص الأوَّل: معنى الغيبة كحضور في عالم
الخيال:
النص الفرنسي الأصلي (مقتبس من En Islam Iranien, Vol. ٤ :)
"L'occultation de l'Imam ne signifie pas son absence pure et simple, mais plutôt son existence dans un mode de réalité que l'homme ordinaire ne peut percevoir en raison des voiles qui recouvrent son cœur. L'Imam continue d'être présent dans le monde imaginal (mundus imaginalis), ce monde intermédiaire où les réalités spirituelles se manifestent sous des formes sensibles. C'est là que le croyant peut le rencontrer, dans ses rêves et ses visions spirituelles."(٦٥)
الترجمة:
(غيبة الإمام لا تعني غيابه المطلق، بل تعني وجوده في نمط من الواقع لا يستطيع
الإنسان العادي إدراكه بسبب الحجب التي تغطي قلبه. الإمام يستمر في الحضور في عالم
المثال (mundus imaginalis)، ذلك العالم الوسيط حيث تتجلَّى الحقائق الروحية في صور
محسوسة. هناك يمكن للمؤمن أن يلتقيه، في أحلامه ورؤاه الروحية).
التحليل:
يكشف هذا النص عن جوهر فلسفة كوربان في تفسير الغيبة، فهو لا ينظر إلى الغيبة كغياب
أو انقطاع، بل كتحوُّل في نمط الوجود، مفهوم (عالم المثال -(mundus imaginalis
المستمد من فلسفة السهروردي هو المفتاح لفهم هذه الرؤية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٥) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, p. ٧٨.
فالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
ليس غائباً بالمعنى المادي، بل هو حاضر في بُعد آخر من الوجود يمكن للمؤمن أن
يتَّصل به عبر التجربة الروحية.
هذا التفسير يختلف جوهرياً عن القراءات التاريخانية التي تختزل الغيبة في حدث
سياسي(٦٦).
النص الثاني: الانتظار كحالة وجودية فاعلة:
(النص الفرنسي الأصلي (مقتبس من: En Islam Iranien, Vol. ٤
"L'attente (intizâr) n'est pas une simple passivité. C'est une attitude existentielle qui crée une tension positive entre le présent et l'avenir. Celui qui attend est déjà en chemin vers la délivrance (faraj). L'attente est une manière d'être qui transforme le temps vécu en temps sacré."(٦٧)
الترجمة:
(الانتظار (intizâr) ليس مجرد سلبية. إنه موقف وجودي يخلق توتراً إيجابياً بين
الحاضر والمستقبل. الذي ينتظر هو بالفعل في طريقه إلى الفرج. الانتظار هو طريقة في
الوجود تحوّل الزمن المعاش إلى زمن مقدَّس.
التحليل:
يقدِّم كوربان هنا قراءة وجودية لمفهوم (الانتظار) تتجاوز الفهم السائد له كمجرد
انتظار سلبي لحدث مستقبلي.
الانتظار عنده هو موقف إيجابي فاعل، يخلق ديناميكية تحويلية في حياة المؤمن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٦) راجع: Corbin, En Islam
Iranien, Vol. ٤, pp. ٧٨-٨٥.
(٦٧) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, p. ١١٢.
هذا الفهم ينسجم مع التفسير الشيعي
التقليدي للانتظار كفعل إيجابي يتضمَّن الإعداد والتهيؤ.
كما أنَّه يعكس تأثير فلسفة هيدغر الوجودية في فكر كوربان، خاصة مفهوم (الوجود نحو
الموت) الذي يحول الزمن العادي إلى زمن وجودي(٦٨).
النص الثالث: الإمام المهدي (عليه السلام)
كـ(إمام الزمان):
(النص الفرنسي الأصلي (مقتبس من: En Islam Iranien,Vol. ٤
"Le douzième Imam est appelé l'Imam du Temps (Imam al-zamân). Cette désignation signifie qu'il est le maître du temps, celui qui donne son sens au temps. Sans lui, le temps serait vide, dépourvu de direction. Sa présence occulte donne au temps historique sa signification ultime."(٦٩)
الترجمة:
(الإمام الثاني عشر يُدعى إمام الزمان، هذه التسمية تعني أنَّه سيد الزمان، الذي
يعطي الزمان معناه، من دونه، سيكون الزمان خالياً، خالياً من الاتِّجاه، إنَّ حضوره
الخفي يعطي للزمان التاريخي معناه الأسمى).
التحليل:
يُظهر هذا النص كيف يقرأ كوربان مفهوم (إمام الزمان) كحقيقة ميتافيزيقية تمنح الزمن
التاريخي معناه. هذا التفسير يختلف عن القراءات التاريخانية التي ترى في الإمام
شخصية تاريخية اختفت في ظروف سياسية معيَّنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨) راجع: Corbin, En Islam
Iranien, Vol. ٤, pp. ١١٠-١٢٠.
(٦٩) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, p. ٢٠٥.
عند كوربان، الإمام ليس مجرَّد
شخصية تاريخية، بل هو مبدأ وجودي يمنح الزمن اتِّجاهه ومعناه. هذه الرؤية تعكس
تأثُّر كوربان بفلسفة السهروردي وعلم الحضور(٧٠).
النص الرابع: العلاقة بين الإمام المهدي
والمسيح (عليهما السلام):
(النص الفرنسي الأصلي (مقتبس من: En Islam Iranien, Vol. ٤
"La venue du douzième Imam coïncidera avec la seconde venue du Christ. Tous deux se manifesteront ensemble pour accomplir la promesse divine. Le Christ priera derrière l'Imam, reconnaissant ainsi la primauté de l'Imamat sur la prophétie dans l'ordre de la guidance spirituelle."(٧١)
الترجمة:
(مجيء الإمام الثاني عشر سيتزامن مع المجيء الثاني للمسيح. سيتجلَّى كلاهما معاً
لإتمام الوعد الإلهي. سيصلي المسيح خلف الإمام، معترفاً بذلك بسيادة الإمامة على
النبوة في مرتبة الهداية الروحية).
التحليل:
هذا النص يعكس رؤية كوربان للعلاقة بين الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والمسيح
(عليه السلام)، وهي رؤية تستند إلى الروايات الإسلامية التي تتحدَّث عن نزول المسيح
في آخر الزمان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٠) راجع: Corbin, En Islam
Iranien, Vol. ٤, pp. ٢٠٠-٢١٥.
(٧١) Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, p. ٢١٥.
عند كوربان، المسيح يعترف بسيادة
الإمام، مما يعكس فكرة أنَّ الإمامة هي الوجه الباطني للنبوة.
هذا التفسير ينسجم مع منهجه الباطني في فهم العلاقة بين النبوة والإمامة(٧٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٢) راجع: Corbin, En Islam Iranien, Vol. ٤, pp. ٢١٠-٢٢٠.
