إشكالية السياق في آية المستضعفين

 

إشكالية السياق في آية المستضعفين
 

 

الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي

 

مجلة الموعود - العدد (٢٠)

ربيع الأوَّل ١٤٤٨هـ / آب ٢٠٢٦م

 

 

 

تمهيد:...................١٠٧
المطلب الأوَّل: السياق:...................١٠٨
المطلب الثاني: تعميم آية المستضعفين:...................١١٣
الأمر الأوَّل: أنَّ السياق ليس قرينة:...................١١٣
النحو الأوَّل: ما تكون قرينة بالمادة:...................١١٣
النحو الثاني: ما تكون قرينة بهيئتها:...................١١٣
النحو الثالث: ما تكون قرينة غير لفظية:...................١١٣
الأمر الثاني: وجوه تعميم آية المستضعفين:...................١١٦
الوجه الأوَّل: الوجه التعبُّدي:...................١١٧
الطائفة الأولى: ما دلَّ على انطباق الآية على كل أهل البيت (عليهم السلام): ...................١١٧
الطائفة الثانية: ما دلَّ على انطباقها على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):...................١٢٠
اللسان الأوَّل: نُطْقُ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بها عند ولادته:...................١٢٠
اللسان الثاني: تطبيق المعصوم للآية على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):...................١٢١
الوجه الثاني: التعميم باعتبار الاعتبار:...................١٢٢
الوجه الثالث: التعميم باعتبار سُنَّة الله تعالى:...................١٢٤
الوجه الرابع: التعميم الأدبي:...................١٢٥
فتحصَّل من كل ما تقدَّم:...................١٢٩

تمهيد:
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (القصص: ٥).
لا ريب في أنَّ القرآن الكريم كتاب هدايةٍ وتشريع، نزل بلسانٍ عربيٍّ مبين، وجرى على موازين العقلاء في بيان مراداته وتفهيم المعاني المقصودة، ومن ثَمّ، فلابدَّ من مراعاة أساليب اللغة العربية - بما فيها من بيان وبلاغة وأساليب أداء المعاني -، لمن يريد فهم معانيه والاستفادة من مضامينه.
وقد اشتهر لدى الأصوليين أنْ ليس للشارع طريقة خاصة في بيان مراداته غير طريقة العقلاء في ذلك، ومن ثَم كان ظاهر القرآن حجة يُعتمد عليها، لأنَّ سيرة العقلاء على ذلك، ولو كان للشارع طريقة أخرى لبيان مراداته لصرَّح بيها، منعاً للإغراء بالخطأ، ولطفاً بالعباد ببيان طريقته الخاصة، قال الشيخ الآخوند الخراساني: (لا شبهة في لزوم اتِّباع ظاهر كلام الشارع في تعيين مراده في الجملة، لاستقرار طريقة العقلاء على اتِّباع الظهورات في تعيين المرادات، مع القطع بعدم الردع عنها، لوضوح عدم اختراع طريقة أخرى في مقام الإفادة لمرامه من كلامه، كما هو واضح...)(١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) كفاية الأصول: ص٢٨١.

(١٠٧)

وقد فتح هذا المعنى المجال رحباً أمام الأصوليين للبحث في طريقة العقلاء وما يقع في طريق إيصال المعاني، فكانت هناك بحوث مطولة في ما يتحقَّق به ظاهر الكلام الحجة، واعتماد القرائن المتصلة والمنفصلة، وردع الشارع عن بعض السير العقلائية وإمضائه لبعض آخر، مما فُصِّل في كتب أصول الفقه.
هذا البحث يريد الإشارة إلى أن السياق - وحده - لا يمثِّل قرينة من القرائن التي تقيد الكلام في معنى محدَّد، أو تصرِفه من معنى إلى آخر، وإن كان له أثر في ذلك فهو لا يعدو كونه أثراً غير تام، أي إنَّه لا ينفرد في تحديد المعنى، ثم تطبيق هذا المعنى على آية المستضعفين، حيث قد يُدَّعى أنَّها خاصة ببني إسرائيل، بقرينة السياق، ومن ثم فلا يصح تطبيقها على أهل البيت (عليهم السلام) عموماً، والإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) خصوصاً، وسنذكر طرقاً عدَّة - إن شاء الله تعالى - للخروج عن مقتضى السياق - بأيِّ معنى فُهم، أي فُهم كونه قرينة أو لا -، ليثبت أنَّ هذه الآية من الآيات التي تشير إلى دولة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) التي هي آخر الدول، وأنَّ الصالحين هم من سيرثون الأرض.
وفي البحث مطلبان:
المطلب الأوَّل: السياق:
بمراجعة كلمات الباحثين في هذا المجال، قد نجد تفاوتاً في تحديد معناه المقصود، ولسنا في صدد تحقيق معناه، ولا في صدد توحيد وجهات النظر أو الجمع بينها، فإنَّه ليس مقصوداً بهذا البحث، المهم أنَّ المقصود - فيما يتعلَّق ببحثنا - هو أنَّ تتابع الآيات الكريمة(٢) في موضوع معيَّن، يمثِّل قرينة على إرادة المعنى والموضوع نفسه من كل آيات السياق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) في محل البحث، وإلَّا فالبحث ذاته يأتي في جملة صغيرة ضمن آية واحدة، أو كلمة ضمن آية.

(١٠٨)

وبعبارة أخرى:
إنَّنا في مقام فهم مرادات المتكلِّم، نعتمد على أمور عدَّة، ومنها ظاهر كلامه، والقرائن التي اعتمدها، متَّصلة كانت أو منفصلة، بالإضافة إلى عناصر أخرى من قبيل كونه في مقام البيان، والجد - لا الهزل -، وجهة البيان، وما شابه هذه الجهات.
وقد يُدَّعى أنَّ السياق - بمعنى تتابع الكلام في موضوع معيَّن - يمثِّل قرينة متصلة على إرادة معنى معيَّن من جملة يُحتمل فيها أكثر من معنى.
وبوضوح أكثر:
إنَّ بحثنا هو في مورد تتابع آيات عدَّة، تتحدَّث عن موضوع معيَّن، ولكننا نجد أنَّ إحدى الجمل أو الآيات في هذا التتابع تحتمل معنيين، أحدهما مرتبط بذات السياق، والآخر بغيره، بحيث لو عزلنا الآية وحدها لأعطت معنى مغايراً لمعنى السياق السابق، أو أعطت تطبيقاً آخر من تطبيقاته.
فيُبحث: هل يمثِّل السياق - بمعنى التتابع المشار إليه - قرينة على أنَّ المقصود من الآية هو ذات المعنى في الآيات المتتابعة، أو لا، بحيث يُمكن أن يكون للآية معنى آخر على ما مرّ؟!
وهذا يعني: أنَّنا لا نريد من السياق هنا ما أشار إليه السيد الشهيد من أنَّ المقصود منه هو كل ما له مدخلية في صياغة المعنى النهائي للكلام، بدءاً بالعمدة في الكلام - المسند والمسند إليه - مروراً بفضلات الكلام فالتوابع اللغوية - الصفة والحال والتمييز... - فالجار والمجرور والظرف... وانتهاءً بالقرائن والمؤثِّرات غير اللفظية (قرينة الحال وما شابه)، إذ قال: (ونريد بـ[السياق] كلّ ما يكتنف اللفظ الذي نريد فهمه من دوالّ أخرى، سواء كانت لفظيةً - كالكلمات التي تشكِّل مع اللفظ الذي نريد فهمه كلاماً واحداً

(١٠٩)

مترابطاً -، أو حاليةً كالظروف والملابسات التي تحيط بالكلام وتكون ذات دلالةٍ في الموضوع...)(٣).
وإنَّما نريد بالسياق ما أشرنا إليه مما له علاقة بمحل البحث، هو: التتابع بين الجمل والآيات.
بيان آخر للمراد من السياق هنا:
لا ريب في أنَّ لكلِّ علم ناظماً يجمع شتات مسائله، ويكون هو المحور الذي تدور حوله مسائله، فيمنع الغير من الدخول، كما يمنع المسألة العلمية من الخروج إلى علم آخر، سواء افترض أنَّه الموضوع، أو الغاية، أو المركَّب منهما - على خلاف مذكور في محله -، فالرابط والناظم والجامع بين مسائل العلم ضرورة، وهو يمثِّل محوراً يفسر قضايا العلم، ويُدخل فيه ما هو منه، ويُخرج منه ما ليس منه، ومن ثَمّ يخرج العلم عن كونه مجموعة مسائل مبعثرة إلى مجموعة من المسائل المتَّسقة والمترابطة...
هذا المعنى ضرورة في كل علم، سمِّه سياقاً، أو قرينةً، أو موضوعاً، أو أي شيء آخر.
وفي المقام، فلا ريب أنَّ القرآن الكريم كتاب توحيد، وهذا المعنى المهيمن على هذا الكتاب يمنع من تفسير أي آية من آياته بما لا ينسجم مع التوحيد وبمختلف مراتبه، ولذا تجد علماءنا - تبعاً لأهل البيت (عليهم السلام) - أصرُّوا على تفسير آيات الصفات الخبرية - أي ما ظاهره التجسيم مما أثبته القرآن الكريم لله تعالى - بما لا ينتهي إلى التجسيم ولو من بعيد، لاستلزامه الخروج عن موضوع القرآن الكريم، التوحيد.
وهذا لا كلام فيه ولا بحث.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) دروس في علم الأصول: ج١، ص١٠٨-١٠٩.

(١١٠)

إنَّما البحث هنا هو: إذا جاءت جمل متعدِّدة، ليس لها هيئة خاصة لتكوِّن مدلولاً واحداً، وكانت إحداها تحتمل معنيين: فإن رُبطت بالجمل التي جاءت معها أعطت معنى معيَّناً، وإن فُصلت عنها كان لها معنى مستقل مقبول في حدِّ نفسه، فهل مجيئها مع أو ضمن جمل أخرى قرينة على الترابط بينها أو لا؟
وكنموذج على ذلك: آية التطهير، فإنَّها وردت وسط آيات تتحدَّث عن نساء النبي (صلَّى الله عليه وآله)، قال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً * يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ (الأحزاب: ٣٠ - ٣٤).
فهل تتابُع الآيات في نساء النبي (صلَّى الله عليه وآله) قرينة تعيِّن أنَّ المقصود من آية التطهير هن نساؤه (صلَّى الله عليه وآله) أيضاً، أو لا؟ وعلى الثاني لابدَّ من استئناف بحث جديد لتحديد المراد من أهل البيت في آية التطهير.
أو مثلاً: آية إكمال الدين، حيث جاءت ضمن آية تتحدَّث عن حلية بعض اللحوم، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ

(١١١)

أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: ٣).
فهل هذا التتابُع يعيّن المقصود من إكمال الدين بأنَّه كان بتشريع حرمة المذكورات، أو لا، ومن ثم يُمكن استئناف بحث جديد لتحديد الحادثة التي كمل بها الدين؟
وفي محل بحثنا - آية المستضعفين -، فإنَّها وردت في تتابع آيات تتحدَّث عن بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: ٤-٧).
فهل تتابُع الآيات قرينة على أنَّ المقصود من المستضعفين هو خصوص بني إسرائيل، فتكون الآية إخباراً عما منَّ الله تعالى به على بني إسرائيل بعد أن أغرق فرعون وجنوده، من وراثتهم مساكنهم ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ * وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (الأعراف: ١٣٦-١٣٧).
أو أنَّه ليس كذلك، ومن ثَمّ فلابدَّ من استئناف بحث في أنَّ المقصود من الآية هو خصوص بني إسرائيل، أو أنَّهم تطبيق من تطبيقات الآية،

(١١٢)

ومصداق من مصاديقها، فلا مانع من وجود تطبيقات ومصاديق أخرى لها، وعلى الثاني، ما المبرّرات التي نخرج بها عن سياق التتابُع إلى التعميم لما تنطبق عليه الآية، أو قل: كيف نخرج عن سياق التتابع إلى التعميم؟
هذا هو ما سنعرفه في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى.
المطلب الثاني: تعميم آية المستضعفين:
في المطلب أمران:
الأمر الأوَّل: أنَّ السياق ليس قرينة:
إنَّ القرائن - كما هو معلوم - على ثلاثة أنحاء:
النحو الأوَّل: ما تكون قرينة بالمادة:
كما في قولك: (رأيتُ أسداً أعني، أو أقصد، رجلاً شجاعاً)، فإنَّ كلمة (أعني) وأخواتها قرينة على المقصود النهائي للكلام، دلَّت عليه بوضع المادة للتفسير وبيان المراد.
النحو الثاني: ما تكون قرينة بهيئتها:
كما في (يرمي) في قولك: (رأيت أسداً يرمي)، فإنَّها تدل على أنَّ المراد الجدي من (أسد) هو الرجل الشجاع، من خلال الذائقة الأدبية والسياقات الفنية، لا من الوضع.
النحو الثالث: ما تكون قرينة غير لفظية:
كما في (البيئة) التي صدر فيها الكلام، بما تحتويه من أنظمة مختلفة، على مستوى الثقافة والسياسة والاقتصاد وغيرها، كما في القرائن الحالية وما شابه.
وهذه القرائن لا حجية لها ما لم يُحرز في مرحلة سابقة أنَّ المتكلِّم اعتمد عليها في بيان مراده الجدِّي، وأنَّه أخذها بعين الاعتبار في ذلك، وأنَّه وظَّف الواقع الذي يحيط به للدلالة على المقصود النهائي لكلامه، ليتقيَّد كلامه -وتشريعاته - بحدود تلك الظروف المحيطة.

(١١٣)

أمَّا لو لم يُحرز ذلك - نوعاً أو شخصاً -، فلا تكون تلك الظروف قرينة على تقييد المراد بها، ولا يُتنازل عن إطلاق كلام المتكلِّم ولا عن عمومه لمجرَّد احتمال دخالة تلك الظروف في المراد الجدِّي والنهائي له.
بل إنَّ هذا المعنى مأخوذ حتَّى في القرائن اللفظية، فإنَّها إنَّما تدل على تقييد اللفظ - أو الدلالة أو صرفها أو تعيينها - فيما لو أُحرز أنَّ المتكلِّم اعتمدها في ذلك، وأنَّها لم تصدر منه غلطاً، ولذا لو قال المتكلم: (رأيت أسداً يرمي)، وأحرزنا أنَّه لم يقصد كلمة (يرمي)، أو أحرزنا أنَّها صدرت منه غلطاً ومن سبق اللسان، فلا يُقال: إنَّ مراده الحقيقي هو الرجل الشجاع، بل يبقى المراد له هو الأسد الحقيقي لا غيره.
ولذا يصح أن يُضرِب عن تلك اللفظة فيقول: (بل يزأر)، ولا يؤاخذ بذلك.
فإذا كان الحال كذلك في القرينة اللفظية، فالحال أوضح وأولى في القرينة غير اللفظية.
والسؤال هنا:
هل مجرَّد التتابع اللفظي بين الجمل فقط، وحده، ومن دون أي إضافة (من ضمير أو عطف أو تكرار أو تابع أو غيرها من الروابط) يدل على وحدة كل المتتابعات من حيث الحكم، بحيث يكون حاكماً على الجملة المشكوك أمرها؟
الجواب:
لم يثبت بدليل واضح كون التتابع الصرف دليلاً وقرينة على وحدة حكم المتتابعات، خصوصاً أنَّنا لم نجد إشارة إلى ذلك في علوم البلاغة التي عنيت بضبط الهيئات المرتبطة باللغة، فلم يشيروا إلى هيئة التتابع على أنَّها واحدة من الهيئات التي يتقيَّد بها الكلام وتكون لها المدخلية في تحديد المراد منه.

(١١٤)

نعم، لا ريب في أنَّ التتابع له مدخلية ما في بيان المقصود، ولكن المقصود أنَّه لا يكفي وحده لتقييد آية عامة به، وإنَّما التقييد - أو التعميم - بحاجة إلى تتمة أخرى غير السياق التتابعي.
إذا تبيَّن هذا نقول:
في موضوع بحثنا، لابدَّ أن نلتفت إلى أنَّ التتابُع ظاهرة واقعية تكوينية في كل السورة القرآنية، ولكن في الوقت ذاته لا دليل يدل على أنَّ هناك موضوعاً واحداً يربط آيات السورة الواحدة ولو كانت متتابعة، فقد يكون لها موضوع واحد، وقد يكون لها أكثر من موضوع، تجتمع كل مجموعة من الآيات تحت موضوع مختلف عن موضوع الآيات الأخرى، وهذا أمر واضح لكلِّ من تلا القرآن الكريم.
ومعه، فلو وردت مجموعة من الآيات بتتابُع معيَّن، وظهورها في أنَّها تعالج موضوعاً محدَّداً، ثم تلتها (أو سبقتها أو توسطتها) آية يُحتمل فيه احتمالان: فقد تكون جزءاً من التتابُع السابق بموضوعه وغايته، وقد لا تكون، فإن أُرجعت إلى ما سبق، كان لها معنى يختلف عما إذا قُطعت عنه، فحينها لا يكفي التتابُع لتحديد المعنى المقصود من تلك الآية - سمِّها الاعتراضية مثلاً -، فقد تكون مختلفة مع السياق وبنحو التباين، كما في آية التطهير وآية إكمال الدين، فإنَّ المعنى الذي يظهر منها من دون السياق مختلف عما يظهر منها مع السياق.
أو يكون الاختلاف بنحو العموم والخصوص، فمع السياق يتقلَّص معنى الآية ليكون خاصاً بمورد السياق، ومن دونه يعم ويشمل موضوع السياق كتطبيق من تطبيقاته، ومن ثَم يُمكن أن ينطبق على موارد أخرى، كما هو في محل بحثنا في آية المستضعفين.

(١١٥)

والحاصل:
إنَّه لا يمكن إنكار وجود أثرٍ للتتابُع اللفظي في الإيصال إلى المعنى المقصود للمتكلِّم، وأنَّه لون من ألوان التعبير الفني لذلك، إلَّا أنَّه وحده ليس قرينة، أو ليس قرينة تامة، فليس هو هيئة خاصة، ولا هو قرينة مستقلة، بل إمَّا أن يكون قرينة موردية، أو قرينة بضم ضمائم أخرى معه.
وإلى ما ذكرناه من أن التتابُع وحده ليس كافياً للقرينية، أشار السيد الطباطبائي في الميزان بقوله: (فليس مجرَّد وقوع الآية بعد الآية أو قبل الآية يدل على وحدة السياق، ولا أنَّ بعض المناسبة بين آية وآية يدل على نزولهما معاً دفعة واحدة أو اتِّحادهما في السياق)(٤).
الأمر الثاني: وجوه تعميم آية المستضعفين:
لقد وردت آية المستضعفين - كما تقدَّم - في ضمن سياق يتحدَّث عن بني إسرائيل، وأنَّ فرعون علا في الأرض، وأخذ يتعامل معهم بطريقة سيئة جداً، فبعد أن علا في مصر، استضعف أهلها، وتعامل معهم بقسوة، فأخذ يقتل الذكور ويُبقي الإناث، استناداً منه إلى نبوءة أُخبر بها بأنَّ ذكراً من بني إسرائيل هو الذي سيزيل ملكه، وقد وصفه القرآن الكريم بأنَّه من المفسدين، وبعد بيان هذه الصفات لفرعون، عطف القرآن الكريم على ذلك الآية محل البحث، وبعدها رجع للحديث عن فرعون وهامان، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) الميزان: ج٦، ص٦.

(١١٦)

إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: ٤-٧).
والمدَّعى:
إنَّ وقوع آية المستضعفين في وسط سياق يتحدَّث عن بني إسرائيل لا يعني اختصاصها بهم، وإنَّما ذُكرت الآية في هذا السياق لبيان أنَّ ما جرى على بني إسرائيل، وما منَّ الله تعالى به عليهم، هو تطبيق من تطبيقات هذه الآية العامة الشاملة لهم ولغيرهم.
ومن هنا، يتَّجه البحث في بيان الأدلة أو الوجوه والقرائن التي تُعمِّم مفاد الآية لغير سياق تتابُعها، وسنذكر مجموعة من تلك الوجوه، إن لم يكن أحدها مقنعاً، فإنَّها بمجموعها تمثِّل قرينة قطعية على المدَّعى.
ومن تلك الوجوه:
الوجه الأوَّل: الوجه التعبُّدي:
المقصود من هذا الوجه: هو أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) قد ذكروا تطبيقاً آخر لهذه الآية، غير بني إسرائيل، وهذا يكفي في الخروج عن تقييد السياق لها بخصوص بني إسرائيل، وتعميمها لموارد أخرى يدلّ عليها الدليل الخاص.
والطوائف في هذا متعدِّدة، كلّها تشترك في إيجاد تطبيق آخر لهذه الآية غير بني إسرائيل، وتشترك أيضاً في أنَّ هذا التطبيق الثاني هم أهل البيت (عليهم السلام) عموماً، والإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) خصوصاً، وهي على طائفتين:
الطائفة الأولى: ما دلَّ على انطباق الآية على كل أهل البيت (عليهم السلام):
فإنَّ هذا اللسان واضح في أنَّ (أهل البيت (عليهم السلام)) تطبيق آخر للمستضعفين الذين سيمنّ الله تعالى عليهم ويجعلهم الوارثين.

(١١٧)

ومما يدل على هذا اللسان روايات كثيرة، نذكر منها:
ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا»، وتَلَا عَقِيبَ ذَلِكَ: «﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]»(٥).
وما روي عن أبي الصادق، قال: قال لي علي (عليه السلام): «هي لنا أو فينا هذه الآية ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾»(٦).
وما وروي عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيِّ، قَالَ: نَظَرَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) إِلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَمْشِي فَقَالَ: «تَرَى هَذَا؟ هَذَا مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾»(٧).
وما روي عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
«إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) نظر إلى علي والحسن والحسين (عليهم السلام) فبكى وقال: أنتم المستضعفون بعدي»، قال المفضل: فقلت له: ما معنى ذلك يا ابن رسول الله؟ قال: «معناه أنَّكم الأئمة بعدي، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾، فهذه الآية جارية فينا إلى يوم القيامة»(٨).
وفي البحار:
وروي أنَّه تلي بحضرته [الإمام الصادق] (عليه السلام): ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الآية، فهملتا عيناه (عليه السلام) وقال: «نحن والله المستضعفون»(٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) نهج البلاغة رقم الحكمة: ٢٠٩.
(٦) الأمالي للشيخ الصدوق: ص٥٦٦، ح٧٦٨ / ٢٦.
(٧) الكافي للكليني: ج١، ص٣٠٦، بَابُ الإِشَارَةِ والنَّصِّ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عليه السلام)، ح١.
(٨) معاني الأخبار للشيخ الصدوق: ص٧٩.
(٩) بحار الأنوار: ج٥١، ص٦٤.

(١١٨)

وفي تفسير فرات الكوفي: عن زيد بن سلام الجعفي، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقلت: أصلحك الله، إنَّ خيثمة الجعفي حدَّثني عنك أنَّه سألك عن قول الله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾، وأنَّك حدَّثته أنَّكم الأئمة وأنَّكم الوارثون قال: «صدق والله خيثمة، لهكذا حدَّثته...»(١٠).
وفي بعض النصوص أنَّ الأئمة (عليهم السلام) تطبيق لهذه الآية في الرجعة، فقد روي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال لسلمان: «والله يا سلمان ليحضرنَّ إبليس وجنوده وكلّ من محض الكفر محضاً حتَّى يؤخذ بالقصاص والأوتاد والتراث ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩] ونحن تأويل هذه الآية: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥-٦]»(١١).
وعن عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]، قال: «ما بعث الله نبياً من ولد آدم (عليه السلام) إلَّا ويرجع إلى الدنيا فينصر أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ يعني برسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ﴿وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ يعني أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومثله كثير مما وعد الله تبارك وتعالى الأئمة (عليهم السلام) من الرجعة والنصر، فقال: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور: ٥٥]، وهذا إنَّما يكون إذا رجعوا إلى الدنيا، وقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) تفسير فرات الكوفي: ص٣١٥.
(١١) مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق (عليه السلام): ص٦٦؛ ودلائل الإمامة للطبري: ص٤٤٩.

(١١٩)

اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ [القصص: ٥-٦]، فهذا كلّه مما يكون في الرجعة»(١٢).
وفي تفسير علي بن إبراهيم: وذلك أنَّ الله أخبر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وبشَّره بالحسين (عليه السلام) قبل حمله وأنَّ الإمامة تكون في ولده إلى يوم القيامة ثم أخبره بما يصيبه من القتل والمصيبة في نفسه وولده ثم عوضه بأن جعل الإمامة في عقبه وأعلمه أنَّه يقتل ثم يردّه إلى الدنيا وينصره حتَّى يقتل أعداءه ويملكه الأرض وهو قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ﴾ الآية»(١٣).
الطائفة الثانية: ما دلَّ على انطباقها على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
وهذه الطائفة جاءت بلسانين:
اللسان الأوَّل: نُطْقُ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بها عند ولادته:
من ذلك ما جاء في رواية حكيمة: ... قالت حكيمة: فلمَّا كان في اليوم السابع جئت فسلَّمت وجلست فقال: «هلُمِّي إليَّ ابني»، فجئت بسيدي (عليه السلام) وهو في الخرقة، ففعل به كفعلته الأولى، ثم أدلى لسانه في فيه كأنَّه يغذيه لبناً أو عسلاً، ثم قال: «تكلَّم يا بني، فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله»، وثنى بالصلاة على محمد وعلى أمير المؤمنين وعلى الأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) حتَّى وقف على أبيه (عليه السلام)، ثم تلا هذه الآية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾...»(١٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) مختصر البصائر: ص٤٢.
(١٣) تفسير القمي: ج٢، ص٢٩٧.
(١٤) كمال الدين: ص٤٢٥، ب٤٢، ح١.

(١٢٠)

وفي نصٍّ آخر في الغيبة للطوسي...: فإذا أنا بولي الله (صلوات الله عليه) متلقياً الأرض بمساجده، فأخذت بكتفيه فأجلسته في حجري، فإذا هو نظيف مفروغ منه، فناداني أبو محمد (عليه السلام): «يا عمَّة هلُمِّي فآتيني بابني»، فأتيته به، فتناوله وأخرج لسانه فمسحه على عينيه ففتحها، ثم أدخله في فيه فحنكه ثم [أدخله] في أذنيه وأجلسه في راحته اليسرى، فاستوى ولي الله جالساً، فمسح يده على رأسه وقال له: «يا بني أنطق بقدرة الله»، فاستعاذ ولي الله (عليه السلام) من الشيطان الرجيم واستفتح: «بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾»، وصلَّى على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وعلى أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام) واحداً واحداً، حتَّى انتهى إلى أبيه...(١٥)، مما يعني انطباق الآية على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
اللسان الثاني: تطبيق المعصوم للآية على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
ومن ذلك ما روي عن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن جدِّه، عن علي (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾، قال: «هم آل محمد، يبعث الله مهديهم بعد جهدهم، فيعزهم ويذل عدوهم»(١٦).
والحاصل: أنَّ هذه الروايات واضحة في أنَّ الآية تنطبق على غير بني إسرائيل، ومن ثم فهي تُخرج الآية عن قيد سياق التتابع، وتُعمِّمه لغيره، فلو فُرض عدم تمامية أي وجه من وجوه تعميم الآية، فإنَّ هذا الوجه التعبُّدي كافٍ للخروج عن سياق التتابُع، فإنَّ بيان المعصوم حجة في هذا المجال، خصوصاً أنَّ الروايات متكثِّرة، مما يولِّد استفاضة فيها على الأقل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) الغيبة للطوسي: ص٢٣٦، ح٢٠٤.
(١٦) الغيبة للطوسي: ص١٨٤، ح١٤٣.

(١٢١)

الوجه الثاني: التعميم باعتبار الاعتبار:
من المعلوم أنَّ القرآن الكريم ليس كتاب قصص للتسلية، وإنَّما يذكر القصص من أجل الاعتبار، وإلى هذا المعنى تشير العديد من الآيات الكريمة، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ (يوسف: ٣).
وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ * وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:١٧٥-١٧٦).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (يوسف: ١١١).
من جهة أخرى، فإنَّ الاعتبار يعني: النظر في الحادثة التي يذكرها القرآن الكريم، ومتابعة ظروفها المحيطة، وما جرى فيها، وما فعله الله تعالى بها، ومن ثَمّ، فلو وقع ما يشبه تلك الحادثة التي ذكرها القرآن الكريم فيما بعد، فلا وجه للغرابة أو التنكُّر لها، ومن هنا وجدنا العديد من النصوص التي صرَّحت بوقوع سُنن الأنبياء في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فإنَّ ذلك وجه من وجوه الاعتبار بالقصص القرآني وعدم استغراب وقوعه في المستقبل.
ولربما يُشير إلى هذا المعنى ما ورد من نصوص متعدِّدة من أنَّ كل ما وقع في الأُمم السابقة سيقع في أُمَّة الإسلام، من قبيل ما روي عن النبي (صلَّى الله عليه وآله): «يكون في هذه الأُمَّة كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل و[حذو] القذة بالقذة»(١٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق: ج١، ص٢٠٣، ح٦٠٩.

(١٢٢)

وعنه (صلَّى الله عليه وآله): «لتركبنَّ أُمَّتي سُنَّة بني إسرائيل حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، وباعاً بباع»(١٨).
بل يُمكن استفادة ضرورة الوقوع من قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ (الانشقاق: ١٩)، المفسَّرة بأنَّه يقع في أُمَّة النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) ما وقع في الأُمم السابقة، فقد روي عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ مِنَّا غَيْبَةً يَطُولُ أَمَدُهَا»، فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ‏: «لِأَنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) أَبَى إِلَّا أَنْ تَجْرِيَ فِيهِ سُنَنُ الْأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) فِي غَيْبَاتِهِمْ، وَإِنَّهُ لَابُدَّ لَهُ يَا سَدِيرُ مِنِ اسْتِيفَاءِ مَدَدِ غَيْبَاتِهِمْ، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أَيْ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ‏»(١٩).
ومن هنا أيضاً نجد أنَّ القرآن الكريم يذكِّر الكافرين بالاتِّعاظ بما جرى على الأُمم السابقة، وعدم تكرار نفس خطئهم الذي أوقعهم في استحقاق العقوبة، قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: ١٠٩).
فالآية تخاطب الأقوام اللاحقة بأنَّ عليهم أن يعتبروا بالأقوام السابقة وكيف أنَّ العذاب نزل عليهم، وكأنَّ الآية توحي أنَّ أحد عوامل نزول العقوبة التي نزلت على الأقوام أنَّها جرس إنذار للأقوام اللاحقين ليكون عبرة لهم، وبطريقة: أنَّ التاريخ يعيد نفسه، حذو القذة بالقذة.
وعلى منوالها: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: ١١١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) الاحتجاج للطبرسي: ج١، ص١١٣.
(١٩) كمال الدين: ص٤٨٠، ب٤٤، ح٦؛ ورواه المصنِّف (رحمه الله) في علل الشرائع: ج١، ص٢٤٥، باب ١٧٩، ح٧.

(١٢٣)

وكذا: ﴿فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ (الزخرف: ٥٥-٥٦).
ولعلَّه من أجل ذلك تجد أنَّ القرآن لم يذكر كل قصص الماضين، بل اختار بعضاً منها بالذكر، وبعضها بتكرار الذكر - كما فيما نحن فيه -، مما يعني أنَّ اختياره لم يكن اعتباطياً، وإنَّما من أجل أخذ العبرة منه عندما يتكرَّر وقوعه.
ومعه نقول:
إنَّ الآية محل البحث، وردت في سياق قصص قرآني، ذكرت فيه ظروف المنَّة الإلهية على بني إسرائيل، وأنَّ فرعون عندما أسرف في القتل، وتجرأ على السماء، ووصل به الحال إلى أن يقضي على القائم على المشروع الإلهي - النبي موسى (عليه السلام) -، ولم يكن هناك مهرب منه حسب الظروف العادية، - إذ البحر كان أمام بني إسرائيل، وفرعون وجنوده من خلفهم -، حينها، تدخَّلت اليد الغيبية بأسلوب إعجازي، وأنقذت المشروع والقائم عليه وأنصاره.
فآية المستضعفين تريد الإشارة إلى أنَّ هذه القصة - بما فيها من تدخل غيبي بالنصر والتوريث -، يُمكن أن تتكرَّر في أُمَّة لاحقة، إذا تكرَّرت الظروف ذاتها.
فلا مانع من تعميم الآية إلى غير بني إسرائيل وفق هذا الوجه.
وحينها، ستكون الروايات العديدة - التي ذكرناها في الوجه الأوَّل - مؤيِّدة لهذا المعنى، ومثبتة للتعميم، أي إنَّ الوجهين يتعاونان لإثبات التعميم والخروج عن مقتضى سياق الآية.
الوجه الثالث: التعميم باعتبار سُنَّة الله تعالى:
يصرِّح القرآن الكريم بأنَّ لله تعالى سُنناً في الحياة لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، والمقصود من السُنَّة هو ما يشبه القاعدة التي لو توفَّرت ظروفها لوقعت،

(١٢٤)

هي أشبه بمعادلة كيميائية تتحقَّق عند توفر العناصر الرئيسة والمساعدة وبنسب معيَّنة، فالسُنَّة تعني القاعدة المطَّردة، ويكون تحقُّقها مطَّرداً كلَّما تحقَّق موضوعها، وذلك هو مقتضى كونها سُنَّة، مع تصريح القرآن الكريم بذلك: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ (فاطر: ٤٣).
وإلى هذا المعنى أشار العلامة المجلسي بقوله: (سُنَّة الله تعالى طريقته وعادته الجارية المستمرة، وهي جارية في الآخرين كما جرت في الأولين في المصالح المشتركة التي لا تتبدل بتبدل الأزمان)(٢٠).
وإليه أشار الشيخ الطوسي بقوله: (﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي فهل ينتظرون ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ من نزول العقاب بهم وحلول النقمة عليهم جزاء على كفرهم، فإن كانوا ينتظرون ذلك ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾ يا محمد، والمراد به الكفار ﴿لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ أي لا يغيِّر الله عادته من عقوبة من جحد ربوبيته ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ ولا يبدلها بغيرها...)(٢١).
ويُستفاد أيضاً، أنَّ هذه السُنن الثابتة وغير المتبدلة، لا يكون خروج عن مقتضاها إلَّا باستثناء خاص من الله تعالى، كما في قوم يونس (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ (يونس: ٩٨)، و﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: ٣٣).
أمَّا كيف نعرف أنَّ هذه الآية جاءت بطريقة السُنَّة العامة أو الحادثة الخاصة؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) بحار الأنوار: ج٢٨، ص٢.
(٢١) التبيان في تفسير القرآن: ج٨، ص٤٣٨.

(١٢٥)

قد يكون واحداً من أساليب معرفة ذلك هو عرض القرآن لها بطريقة القضية الحقيقية، لا الخارجية، حتّى لو وردت الآية في سياق خاص.
بمعنى: أنَّه لو وردت آية في سياق، يكون معناها بلحاظ السياق خاصاً، ولكن قطعها عن السياق وأخذها مفردة يُعطي معنى كاملاً لا نقص فيه، مما يعني أنَّ الآية جاءت بطريقة القضية الحقيقية، لا الخارجية المقيَّدة بحدود الحادثة والسياق التي وردت فيه، حينها، يُمكن أن نعد تلك الآية سُنَّة عامة، وقضية حقيقية، تنطبق على موارد متعدِّدة، بشرط تكرُّر الظروف، وواحد من تطبيقاتها هو ما ورد في سياقها.
وآيتنا - محل البحث - من هذا القبيل، فإنَّها وإن وردت في سياق الحديث عن بني إسرائيل، إلَّا أنَّها - في حدِّ نفسها - قضية تامة المدلول واضحة المعنى، فلا مبرِّر لتقييد مضمونها بخصوص قضية النبي موسى (عليه السلام) وقومه المستضعفين، إنَّما سياقها موردٌ من مواردها، ويمكن أن تنطبق على موارد أخرى، كما فسَّرته النصوص الخاصة، التي تقدَّمت.
وإلى هذا المعنى أشار علي بن إبراهيم في التفسير المنسوب إليه بقوله في ذيل الآية: (... وإنَّما ضرب الله هذا المثل لهم في موسى وبني إسرائيل وفي أعدائهم بفرعون وهامان وجنودهما فقال: إنَّ فرعون قتل بني إسرائيل وظلم من ظلمهم فأظفر الله موسى بفرعون وأصحابه حتّى أهلكهم الله وكذلك أهل بيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أصابهم من أعدائهم القتل والغصب ثم يردهم الله ويرد أعداءهم إلى الدنيا حتّى يقتلوهم)(٢٢).
ويمكن بيان هذا الوجه ببيان آخر، حاصله:
هناك آيات عديدة تصرِّح بأنَّ الله تعالى قد جعل نصر المستضعفين سُنَّة عامة، كما في قوله تعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) تفسير القمي: ج٢، ص١٣٣.

(١٢٦)

لِلهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٨)، فإنَّها آية عامة في حدِّ نفسها، فتعبير: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ لا يختص ببني إسرائيل، فتكون قاعدة عامة في أنَّ العاقبة للمتَّقين وإن كانوا مستضعفين.
وكما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال: ٢٦).
فإنَّها أيضاً تفيد أنَّ الله تعالى ينصر عباده المستضعفين الذين وصلوا إلى مرحلة عالية من الخوف بحيث إنَّهم يخافون أن يتخطَّفهم الناس...
وأمثالها من الآيات الدالة على أنَّ الله تعالى ينصر عباده ويدافع عنهم ويورثهم الأرض...
وهذا يعني: أنَّ القاعدة العامة هي: أنَّ الله تعالى ينصر عباده ولو كانوا مستضعفين، ومنهم (بنو إسرائيل) أيَّام فرعون، فتكون الآية -محل البحث- تطبيقاً من تطبيقات هذا النصر الإلهي العام، فلا موجب لتخصيصها ببني إسرائيل، وإن كانوا مصداقاً لها.
الوجه الرابع: التعميم الأدبي:
المقصود من هذا الوجه هو: أنَّ القرآن الكريم حيث جاء بلغة العرب واستعمل أساليب العقلاء في بيان مراداته - كما تقدَّمت الإشارة إليه -، فلو كان موضوع الآية محل البحث هو نفس موضوع السياق، لكانت الضمائر الموجودة فيها راجعة على الموضوع ذاته، ولكانت الأفعال المستعملة فيها متناسبة مع سياق التتابع المذكور، وهذا ما لم نجده في الآية محل البحث.
فلو كانت الآية - محل البحث - خاصة ببني إسرائيل، لكان المناسب أن يعبّر عنه بالفعل الماضي (ومننَّا... وجعلناهم... ومكّنّا لهم...) أو يقول:

(١٢٧)

(ونريد أن نمنَّ على مستضعفي بني إسرائيل)... ليكون الربط بهم واضحاً لا لبس فيه، خصوصاً أنَّ الحادثة وقعت في الزمن الماضي بالنسبة لنزول القرآن الكريم، فكان المناسب التعبير بالفعل الدال على الماضي، أمَّا وقد استعمل فعلاً مضارعاً يدل على التجدُّد والاستمرار، ومن دون ضمير يرجع على بني إسرائيل ولا تصريح بذلك، فهو يدل - وعلى الأقل - ينسجم مع كون الآية لبيان سُنَّة عامة، وأنَّ بني إسرائيل أحد تطبيقاتها.
وإلى هذا المعنى أشار علي بن إبراهيم في التفسير المنسوب إليه بقوله: (فأخبر الله نبيَّه بما لقي موسى وأصحابه من فرعون من القتل والظلم ليكون تعزية له فيما يصيبه في أهل بيته من أمته ثم بشره بعد تعزيته أنَّه يتفضَّل عليهم بعد ذلك ويجعلهم خلفاء في الأرض وأئمة على أُمَّته ويردهم إلى الدنيا مع أعدائهم حتّى ينتصفوا منهم فقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما﴾ وهم الذين غصبوا آل محمد حقهم وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من آل محمد ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ أي من القتل والعذاب، ولو كانت هذه الآية نزلت في موسى وفرعون لقال: (ونري فرعون وهامان وجنودهما منه ما كانوا يحذرون) أي من موسى ولم يقل ﴿مِنْهُمْ﴾، فلمَّا تقدَّم قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ علمنا أنَّ المخاطبة للنبي (صلَّى الله عليه وآله) وما وعد الله به رسوله فإنَّما يكون بعده والأئمة يكونون من ولده...)(٢٣).
ونظير هذا المعنى ما يُذكر في آية التطهير، فإنَّ الضمائر الواردة فيها كلها للمذكر، ولو كانت خاصة بنساء النبي (صلَّى الله عليه وآله) بمقتضى السياق، لكان المناسب - بل الصحيح - التعبير بضمائر المؤنثة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) تفسير القمي: ج٢، ص١٣٣.

(١٢٨)

فتحصَّل من كل ما تقدَّم:
إنَّ السياق لا يمثِّل - وحده - قرينة على تخصيص كل ما ورد فيه بموضوع واحد، ما لم تساعده على ذلك قرينة متمِّمة له، وأنَّ آية المستضعفين الواردة في سياق الحديث عن بني إسرائيل ليست خاصة بهم، ولا دليل على اختصاصها بهم، سوى السياق، وهو ليس بقرينة، ولو سُلِّم كونه قرينة، فهناك قرائن عدَّة تُخرج الآية منه وتجعل مفادها عاماً، كما تقدَّم.

(١٢٩)