فتنة التوقيت
الشيخ ميثم السلمان
مجلة الموعود - العدد (٢٠)
ربيع الأوَّل ١٤٤٨هـ / آب ٢٠٢٦م
تمهيد:...................٦٧
تاريخية ظاهرة التوقيت:...................٦٨
خطورة تحويل التوقيت إلى ثقافة:...................٧٠
الموقِّت شريك في الإرادة الإلهية:...................٧١
التوقيت بين الرجاء والخوف:...................٧٢
التوقيت تمثيل نفسي:...................٧٣
التوقيت وعلم النفس:...................٧٤
التوقيت ينتج الاستعجال ضدَّ سُنَّة الله تبارك
وتعالى:...................٧٤
الموقِّت يقيس التاريخ بمزاجه لا بالخضوع للحكمة
الإلهية:...................٧٤
تحذير أهل البيت (عليهم السلام) من التوقيت:...................٧٥
منافاة التوقيت للعدل الإلهي:...................٧٥
التوقيت وعلاقة المؤمن بالله تعالى:...................٧٩
العقل الموقِّت من حبِّ الظهور إلى ادِّعاء العلم
بالغيب:...................٨٠
من الغيرة إلى الغرور - التحوُّل النفسي للعقل
الموقِّت:...................٨٠
كل موقِّت يبحث عن سلطة روحية:...................٨٣
وهمُ المعرفة - كيف يُبرِّر الموقِّت لنفسه
سلطته؟...................٨٥
الموقِّت ووهم التكليف بتبليغ الناس:...................٨٧
وهمُ المعرفة عند الموقِّت:...................٨٨
من سمات أتباع الموقِّت:...................٩٠
مراحل الوعي المهدوي:...................٩٢
التوقيت حين يتحوَّل إلى سلطة:...................٩٣
من الموقِّت الفرد إلى الجماعة المؤمنة به - النشأة الاجتماعية
للتنظيم السرِّي:...................٩٣
شرعنة عمل الموقِّت:...................٩٦
اللغة الجديدة - كيف تصنع التنظيمات خطابها الخاصّ وتُعيد تشكيل
الوعي؟...................٩٨
التقسيم بين (خطابٍ عامّ) و(خطابٍ خاصّ):...................١٠٠
التوقيت كأداةٍ للسلطة والسيطرة والصدام مع المرجعية ثمَّ تفكيك
الظاهرة وإعادة الوعي:...................١٠٢
الخطر الباطني لحركات التوقيت:...................١٠٤
تمهيد:
لم يكن التوقيت في جوهره خطأً زمنيًّا فحسب، بل هو خطأٌ في فهم العلاقة بين الإنسان
والقدر، بين المخلوق والزمن، بين الرغبة والحكمة، فحين يسعى الإنسان لأن يحدِّد
ساعة الغيب، فإنَّه في الحقيقة لا يبحث عن العلم، بل يبحث عن السيطرة، يريد أن
يُخضع المجهول لمقاييس إدراكه المحدود، وأن يُحوِّل الانتظار إلى يقينٍ مُبرمجٍ لا
يُفاجئه بشيء، إنَّها محاولةٌ للفرار من القلق الأزلي أمام المجهول، لأنَّ الإنسان
لا يحتمل المعلَّق، لا يحتمل الفاصل بين المعرفة والجهل، فيملأ الفراغ بالتخمين،
ومن هنا بدأ التوقيت؛ من حاجةٍ نفسيةٍ أكثر منها فكرية، ومن عطشٍ إلى الطمأنينة
أكثر منه بحثاً عن الحقيقة.
لقد أراد الله للغيب أن يكون امتحاناً للعقل، لكنّ بعض العقول أرادت أن تُعيد صياغة
الامتحان على طريقتها، أن تجعل المجهول معلوماً، والمنتظر محدّداً، والزمن خاضعاً
لمعادلاتها، وهنا يُولد الوهم الذي يختلط فيه الإيمان بالغرور؛ لأنَّ من يُريد أن
يعرف ما لم يُؤذن له بمعرفته، إنَّما يزعم ضمناً أنَّه شريكٌ في
علم الله، ولهذا
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كذب الوقّاتون»(١) كلمةٌ قصيرةٌ، لكنَّها كالسيف
القاطع تفصل بين حدّ الإيمان وحدّ الادِّعاء.
وليس الكذب هنا مجرَّد خطأٍ في المعلومة، بل هو كذبٌ ontological - كذبٌ في الوجود،
لأنَّ من يوقِّت يتحدَّث في منطقةٍ لا يملك فيها لساناً، ويدَّعي النظر في غيبٍ لم
يُفتح له بابه، هو كذبٌ في علاقة العبد بربِّه قبل أن يكون كذباً في اللفظ أو
الحساب، فالوقّات لا يكذب على الناس فحسب، بل يكذب على الله حين يُوهم نفسه أنَّه
يملك معرفةَ ما حجب الله عنه، فينطق بلسانٍ لم يُؤذن له بالكلام، ولهذا كان التحذير
في الروايات صارماً، لا لأنَّه مجرَّد نهيٍ أخلاقي، بل لأنَّه دفاعٌ عن حرمة الغيب.
تاريخية ظاهرة التوقيت:
إنَّ ظاهرة التوقيت ليست جديدة، بل هي قديمةٌ قِدَمَ القلق البشريّ، ففي كلِّ زمانٍ
كان هناك من يريد أن يُعجِّل الوعد، أن يُعلِن النهاية، أن يُمسِك بمفاتيح الساعة
التي لم يُوكَّل بها أحد، من أيَّام الأنبياء إلى عصور الأئمة، ظلَّ هذا الصوت
يتكرَّر بأشكالٍ مختلفة: (اقتربت الساعة)، (ظهرت العلامة)، (انتهى الزمن)، حتَّى
صار الزمن نفسه أسيراً لتوقُّعات الإنسان، كأنَّ العقل البشريّ يُعيد رسم القدر على
صورته.
ولعلَّ أولَ جذور التوقيت كانت في السؤال القرآني القديم: ﴿يَسْأَلُونَكَ
عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها﴾ (الأعراف: ١٨٧؛ النازعات: ٤٢)، كان
السؤال في ظاهره نابعاً من الفضول، لكنه في جوهره كان تمرّداً على الغيب؛ لأنَّ
السائل لا يسأل عن الساعة ليتَّعظ، بل ليسبقها، ليُفلت من مفاجأتها؛ ولذلك جاء
الجواب إلهيًّا صارماً: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها * إِلى
رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٢.
(النازعات: ٤٣-٤٤)، أي: إنَّ السؤال في ذاته غير مشروعٍ
إلَّا في حدوده التربوية، لأنَّ الإنسان حين يسأل عن الساعة وهو لم يستعدّ لها،
يكون كمن يسأل عن النتيجة قبل أن يجتهد في العمل.
ثمّ تكرَّر السؤال في صورٍ أخرى عبر التاريخ، حتَّى بلغ ذروته في العصور التي اشتدّ
فيها الظلم، إذ يصبح الغيب في وعي الناس وعداً بالتعويض، والمهدي رمزاً للخلاص
الآتي، وحين يطول الظلم، يُريد الناس أن يُعجِّلوا العدالة، فيستدعوا الغيب إلى
حاضرهم، فيخلقوا التوقيت، فالتوقيت في أحد وجوهه هو صرخة المظلوم الذي تعب من
الصبر، لكنّها حين تتجاوز حدود الإيمان تصبح فتنةً، لأنَّها تُحوِّل الرجاء إلى
استحقاق، وتحوِّل الله تعالى إلى تابعٍ لتوقيتات البشر.
ولذلك، كان كلّ توقيتٍ في التاريخ يُولَد من رحم أزمةٍ اجتماعيةٍ أو فكريةٍ أو
سياسية، ثمَّ يلبس لباس الدين ليمنح الناس أملاً عاجلاً، وبهذا يصبح التوقيت وسيلةَ
تسكينٍ نفسيٍّ أكثر منه مشروعاً إيمانيًّا، فالناس الذين يوقِّتون لا يفعلون ذلك
بالضرورة لأنَّهم لا يؤمنون، بل لأنَّهم يؤمنون بشدّةٍ تفوق احتمالهم، إيماناً يلهث
وراء النتائج، ولا يصبر على المسار.
وإذا عدنا إلى التجربة التاريخية، نجد أنَّ التوقيت بدأ كهمسٍ في أطراف الوعي، ثمَّ
تحوَّل إلى خطابٍ عامٍّ في بعض الأزمنة، حين أصبح انتظار الإمام عند بعضهم انتظاراً
للموعد لا انتظاراً للإصلاح.
فبدل أن يكون الإيمان بالمهدوية باعثاً على العمل، صار عند بعضهم تعويضاً عن العمل،
وهذه هي المفارقة التي أراد الأئمة (عليهم السلام) أن يُحذِّروا منها بعبارةٍ
واحدةٍ قاطعة: «كذب الوقّاتون»(٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٢ و٣.
تلك الكلمة تختصر فلسفة الغيب كلَّها؛ لأنَّها تُعيد الإنسان إلى موقعه الطبيعي
أمام الله تعالى: موقع الجهل الشريف، فهناك جهلٌ مذمومٌ هو جهل الغفلة، وهناك جهلٌ
ممدوحٌ هو جهل الأدب؛ الجهل الذي يقرّ بحدوده، فلا يمدّ يده إلى ما لم يُؤذن له
فيه، ومن هنا نفهم أنَّ التوقيت ليس فقط انحرافاً معرفيًّا، بل انحرافٌ في الأخلاق
أيضاً، لأنَّه يُخِلّ بآداب العبودية، إذ يجعل من العقل البشريّ حاكماً على إرادة
الله (عزَّ وجلَّ).
ولذلك، حين قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كذب الوقّاتون، وهلك المستعجلون،
ونجا المسلِّمون»(٣)، كان يرسم ثلاث درجاتٍ من الوعي: الكاذب هو الذي تجاوز الحدّ
فادَّعى العلم، والمستعجل هو الذي استعاض عن الإيمان بالانتظار باليقين الوهميّ،
أمَّا المسلِّم فهو الذي سلَّم الأمر إلى الله (عزَّ وجلَّ) فعاش الغيب كعبادةٍ لا
كمسألةٍ رياضية.
خطورة تحويل التوقيت إلى ثقافة:
إنَّ التوقيت، حين يتحوَّل إلى ثقافة، يُصيب الوعي الجماعيّ بالشلل، لأنَّ الناس
ينتظرون موعداً بدل أن ينتظروا تكليفاً، ويصبح الانتظار حالةَ جمودٍ لا حركة، إذ
يُختصر المشروع الإلهيّ في سؤالٍ واحد: متى؟ بينما السؤال الحقيقيّ الذي أراد الله
تعالى أن نطرحه هو: كيف؟ كيف نتهيّأ؟ كيف نصبر؟ كيف نُصلح؟
ولأنَّ الناس لا تحتمل الفراغ، فإنَّ كلّ زمانٍ يخلو من يقينٍ واضحٍ يملؤه
الموقِّتون، فينتشر بينهم ما يُسمَّى بـ(العلم بالعلامات)، والحقّ أنَّ أكثر ما
يُغري الناس بالتوقيت هو ظنّهم بأنَّ العلامات خارطة، وأنَّ بإمكانهم أن يسيروا بها
إلى النهاية، ولكنّ العلامات لم تكن يوماً دعوةً إلى الحساب، بل إلى التأمُّل، هي
إشاراتٌ تربويةٌ لا جداول زمنية، ومن يقرأها كمواقيت يُخطئ مقصدها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٢.
ومن هنا نفهم أنَّ تحذير أهل البيت (عليهم السلام) من التوقيت لم يكن مجرَّد
تحفُّظٍ على معلومةٍ مجهولة، بل دفاعاً عن بنية الإيمان نفسها؛ لأنَّ الإيمان لا
يعيش إلَّا على الحافة بين العلم والجهل، بين الأمل والاحتمال، فإذا صار كلّ شيءٍ
معلوماً، لم يبقَ للإيمان معنى؛ لأنَّ الإيمان يعيش من مساحة (اللايقين الجميل)
التي تتيح للإنسان أن يعمل دون أن يرى.
وقد كان في التراث المهدوي نماذج عديدة لمن تورَّطوا في التوقيت، لا عن خُبثٍ، بل
عن حماسٍ غير منضبط، فظنُّوا أنَّهم يُحسنون صنعاً، ثمَّ أدركوا بعد فوات الأوان
أنَّهم فتحوا أبواب الفتنة، فالتاريخ الشيعي يعرف أسماءَ من وَقَّتوا الظهور في
القرن الثالث والرابع والخامس، وربطوه بعلاماتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ ظنُّوها قريبةَ
الظهور، فلم يتحقَّق شيءٌ منها، فخمدت الآمال، وضعفت الثقة، وتكاثرت التساؤلات، ومن
هنا جاء خطر التوقيت الحقيقيّ: ليس في كذب المعلومة، بل في أثرها على النفوس حين
تخيب.
فالخطر ليس في أن يقول أحدهم: (سيظهر الإمام بعد عام) فحسب، بل في أنَّ الناس حين
لا يرونه بعد العام، يظنون أنَّ الإمام هو الذي تخلَّف عن الموعد، لا الموقِّت الذي
كذب، وهنا يبدأ الخلل الإيماني العميق: يتحوَّل الرجاء إلى شكّ، ويتحوَّل الشكّ إلى
فتور، وتتحوَّل الفتنة من لفظٍ إلى واقع.
ولذلك، كان التحذير الإلهيّ في غاية الدقّة حين قال: ﴿يَسْتَعْجِلُ
بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ (الشورى: ١٨)، أي أنَّ الاستعجال في
ذاته علامة ضعف الإيمان، لأنَّ المؤمن الحقيقيّ لا يطلب الموعد، بل يعيش العمل إلى
أن يأتي الموعد.
الموقِّت شريك في الإرادة الإلهية:
إنَّ التوقيت ليس خطأً في الحساب، بل أزمةٌ في العلاقة بين الإنسان والزمان، لأنَّ
الموقِّت يُريد أن يصبح شريكاً في القرار الإلهيّ، في حين أنَّ الإيمان
هو أن
تُسلِّم التوقيت لله، وتكتفي بأن تكون في الموعد دائماً وإن لم تعرف متى يأتي، إنَّ
التوقيت لا يولد من فراغٍ فكريٍّ ولا من جهلٍ بالنصوص فحسب، بل من قلقٍ يسكن في
أعماق النفس المؤمنة.
فالموقِّت في حقيقته ليس عدوًّا للغيب، بل أسيرٌ له، يحاول أن يُحطِّم جدار
الانتظار بمعرفةٍ مبكرةٍ تُريحه من التوتُّر.
إنَّه لا يُريد أن يرى الغيب، بل أن يتخلَّص من جهله به، ولهذا فإنَّ التوقيت ليس
حبًّا للعلم بقدر ما هو كرهٌ للجهل، وشتّان بين من يسعى إلى العلم تعبُّداً، ومن
يسعى إليه هروباً من قلقه.
الإنسان بطبعه لا يحتمل الفراغ الزمنيّ؛ لأنَّ الزمن بالنسبة إليه ليس مجرَّد مرورٍ
للأحداث، بل هو مقياس الوجود ذاته، وكلّ ما لا يُحدَّد بزمانٍ يظلّ عالقاً في الوعي
كقلقٍ مفتوح؛ لهذا، فإنَّ الغيبة الطويلة للإمام المهدي (عليه السلام) تُصبح في
الوعي النفسي امتحاناً للثبات؛ لأنَّها تجرِّد الإيمان من المواعيد، وهنا يظهر
الموقِّت بوصفه ابناً لهذا القلق الجمعيّ، يريد أن يُعيد للزمن حدوده، أن يضع على
صفحة الغيب تاريخاً يسكِّن اضطرابه الداخليّ.
التوقيت بين الرجاء والخوف:
لقد خلق الله في الإنسان نزعتين متناقضتين: نزعة الرجاء ونزعة السيطرة، فإذا غلبت
الأولى، عاش الإنسان مؤمناً منتظراً، وإذا غلبت الثانية، صار موقِّتاً متحذلقاً،
يريد أن يتحكَّم حتَّى في المواعيد الإلهية.
والتوقيت هو ابن السيطرة المقنّعة بالإيمان، لأنَّه يُخفي في باطنه رغبة الإنسان في
أن يكون شريكاً لله في إدارة الوقت، ولذلك كانت خطيئة الموقِّت من نوعٍ آخر: ليست
خطأً في الحساب، بل تجاوزٌ لمقام العبودية.
في كلِّ توقيتٍ رغبةٌ في الاطمئنان المزيَّف؛ لأنَّ النفس التي لا تصبر على الغيب
تبحث عن بديلٍ ماديٍّ يُغلق الأسئلة، والموقِّت يظنّ أنَّه حين يُحدِّد الزمان
يقرِّب الفرج، بينما هو في الحقيقة يقتل معنى الانتظار، فالإيمان بالمهديّ هو
إيمانٌ مفتوحٌ على الأبد، لا يُختصر في تقويمٍ ولا في رقم، لأنَّه وعدٌ يتجاوز
الزمن، وكلّ محاولةٍ لتحديده هي تقزيمٌ لذلك الأُفق الرحب الذي أراده الله أن يبقى
سرًّا.
التوقيت تمثيل نفسي:
ثمَّ إنَّ الموقِّت لا يدرك أنَّه حين يوقِّت، إنَّما يُمارس نوعاً من (التمثيل
النفسيّ) للظهور، أي أنَّه يُحقِّق في خياله ما لم يتحقَّق في الخارج، فهو يستعجل
المعنى بالوهم حين يعجز عن احتماله باليقين، ولهذا فإنَّ كلّ توقيتٍ هو في جوهره
عزاءٌ نفسيٌّ جماعيّ؛ لأنَّه يُنقذ الوعي من عبء الانتظار الطويل بجرعةٍ من اليقين
المؤقّت، لكنّ هذا اليقين لا يدوم، وسرعان ما ينقلب إلى خيبة، ثمَّ إلى شكّ، ثمَّ
إلى فتورٍ في الإيمان، ولهذا كان التوقيت أخطر على العقيدة من العداء، لأنَّ العدوّ
يُهاجم الإيمان من الخارج، والموقِّت يُخرِّبه من الداخل باسم المحبّة.
وحين نقرأ التاريخ، نجد أنَّ كلّ توقيتٍ كان يبدأ بلهفةٍ صادقة وينتهي بانكسارٍ
جماعيٍّ للثقة، فالموقِّت يُشعل في القلوب أملاً كبيراً، ثمَّ يتركها بعد الفشل
رماداً، وهكذا يزرع في الأُمَّة داء التردُّد بين التصديق والتكذيب، بين الرجاء
واليأس، وهذا ما قصده الإمام (عليه السلام) حين قال: «كذب الوقّاتون» أي أنَّهم لم
يصدقوا في التبليغ عن الله (عزَّ وجلَّ)، بل صدَّقوا أوهامهم ونسبوها إلى الله
تعالى، والكذب هنا ليس مقصوداً به نية الخداع - وإن كان في بعض الأحيان يكون
مقصوداً -، بل وقوع الخداع في القلب دون وعي.
التوقيت وعلم النفس:
علم النفس يُبيِّن أنَّ التوقيت ظاهرةٌ دفاعيةٌ تُنتجها النفس حين تعجز عن احتمال
الانتظار؛ لأنَّ الانتظار في ذاته موقفٌ صعبٌ، يتطلَّب يقيناً بلا دليل، وصبراً بلا
موعد؛ لذلك، فإنَّ أغلب من وقع في التوقيت لم يكونوا من منكري الإمام ، بل من
محبِّيه، لكنَّهم أرادوا أن يُحوِّلوا الحبّ إلى موعدٍ محسوسٍ كي يُخفِّفوا عن
أنفسهم عناء الشوق، فكانت النتيجة أنَّهم أساؤوا إلى الفكرة باسم الغيرة عليها.
والعجيب أنَّ التوقيت كلَّما فشل عاد في ثوبٍ جديد؛ لأنَّ الإنسان يكره أن يعترف
بجهله، فيُبرِّر الفشل بتأويلٍ جديد: (أخطأنا في الحساب)، (الروايات رمزية)،
(العلامة لم تتحقَّق بعد)، فيتحوَّل الخطأ إلى دائرةٍ مغلقةٍ لا تنتهي، وهكذا
يتحوَّل التوقيت إلى منظومةٍ فكريةٍ كاملةٍ تُبرِّر نفسها باستمرار، حتَّى يغدو
الموقِّت مريضاً بـ(اليقين المستمرّ) الذي لا يعرف التراجع.
التوقيت ينتج الاستعجال ضدَّ سُنَّة الله تبارك وتعالى:
ولعلَّ أخطر ما في التوقيت أنَّه يُنتج ثقافةَ حرق المراحل، والاستعجالُ ضدّ سُنَّة
الله تعالى في الخلق، لأنَّ الله تعالى يُنضج الأحداث كما يُنضج الثمار، لا
يُعجِّلها قبل أوانها، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ
بَعِيداً * وَنَراهُ قَرِيباً﴾ (المعارج: ٦-٧)، فالبُعد والقُرب في نظر الله
تعالى ليسا مسافةً في الزمن، بل نضجٌ في المعنى، وما يراه الإنسان بعيداً قد يكون
قريباً في حكمة الله، وما يظنه قريباً قد يكون بعيداً لأنَّه لم يتهيّأ له.
الموقِّت يقيس التاريخ بمزاجه لا بالخضوع للحكمة الإلهية:
من هنا نفهم أنَّ خطيئة الموقِّت ليست في معرفته، بل في نظره المحدود إلى الزمان،
فالموقِّت يقيس التاريخ بمزاجه، لا بمنطق الحكمة الإلهية، وإذا ما
طال البلاء، ظنَّ
أنَّ الله تعالى تأخَّر، بينما البلاء هو عين التربية التي بها يتهيّأ الظهور؛ لذلك
فإنَّ من أراد أن يوقِّت للغيب، فهو كمن يريد أن يقطف الثمرة قبل أن تنضج، فيفسدها
ويفسد شجرته.
وهذا ما يجعل التوقيت خطراً على الإيمان الجمعيّ؛ لأنَّه يُنتج جماعاتٍ تَعد الناس
بالفرج، ثمَّ تخذلهم حين لا يتحقَّق الوعد، فتتكرَّر الخيبة، ويتكرَّر الانكسار،
حتَّى يفقد الناس حسَّ الانتظار الشريف، فيتحوَّل الوعي المهدويّ من مدرسةٍ للصبر
إلى مسرحٍ للتكهُّن.
وهكذا، يصبح الدين ساحةً لتداول الإشاعات الروحية، بدل أن يكون طريقاً للتهذيب.
تحذير أهل البيت (عليهم السلام) من التوقيت:
ولقد حذَّر الأئمة (عليهم السلام) من هذا الداء مبكراً، لا لأنَّهم أرادوا كتمان
السرّ، بل لأنَّهم علموا أنَّ الغيب لا يحتمل إلَّا قلباً مطهّراً، فقال أبو عبد
الله (عليه السلام): «كذب الوقّاتون، إنَّا لا نوقِّت هذا الأمر»(٤)، فكأنَّه يُريد
أن يقول: من يوقِّت فقد كذَّب في فهمه للغيب، لا في نقله للرواية؛ لأنَّ الحقيقة
ليست في التاريخ، بل في التهيّؤ، وما لم ينضج الإنسان، فلن يأتي الموعد، ولو تكرَّر
ألف توقيت.
منافاة التوقيت للعدل الإلهي:
إنَّ في عمق التوقيت خللاً في فهم معنى العدل الإلهيّ؛ لأنَّ الموقِّت يظنّ أنَّ
العدالة لا تتحقَّق إلَّا بظهور الإمام، في حين أنَّ الله يُريد للعدل أن يُزرع في
القلوب قبل أن يُقام في الأرض، وكلّ من ينتظر العدل من الخارج دون أن يُصلح نفسه في
الداخل، فقد غاب عنه لبّ الفكرة المهدوية، ولهذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٣.
فإنَّ التوقيت يسرق من الناس أعظم
دروس الغيبة: أن يعملوا للعدل في غياب الإمام، كما لو أنَّه حاضرٌ يراهم.
إنَّ الغيبة امتحانٌ مستمرٌّ للوعي الجمعيّ، والتوقيت إفلاسٌ من الصبر على هذا
الامتحان، فالموقِّت في النهاية يطلب أن يُغلق الامتحان قبل أن يُتمّ الأسئلة،
ولهذا، فإنَّ الروايات الشريفة كانت تُكرِّر التحذير من الاستعجال كما تُكرِّر
التحذير من الشكّ، لأنَّ الاستعجال هو الوجه الآخر للشكّ؛ كلاهما عدمُ رضا بالحكمة
الإلهية.
ولذلك قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كذب الوقاتون، هلك المستعجلون، ونجا
المسلِّمون وإلينا يصيرون»(٥)؛ لأنَّ المستعجل يريد أن يُخرج الظهور من دائرة الله
تعالى إلى دائرته، وهذه هي الخطيئة الكبرى: أن نُحوِّل الوعد الإلهيّ إلى مشروعٍ
بشريٍّ نُديره بالعواطف والتحليل، بينما الله تعالى يُديره بالحكمة والتقدير.
إنَّ أولى نتائج التوقيت على المجتمع هي تفكيك الثقة بين الناس وبين المرجعية
الشرعية؛ لأنَّ الموقِّت حين يُحدِّد موعداً، ثمَّ يتخلَّف الموعد، تتوجَّه الأنظار
إلى العلماء لتسأل: لماذا سكتتم؟ أو لماذا لم تصدقوا؟ فتُصبح المرجعية في موقع
الدفاع عن الوحي بدل أن تبقى مرجعاً في تفسيره، وهنا يُحدث التوقيت ما لم يُحدثه
العدو: يزرع الشكّ في المؤسسة التي تحفظ الدين، ويُربك الوعي الجمعي في تمييز
المصدر من التفسير.
ولذلك، فإنَّ أعظم ما فعله التوقيت هو أنَّه نقل المرجعية من مجال العلم إلى مجال
التكهُّن؛ فبدل أن يُسأل العالم عن الحكم الشرعي، صار يُسأل عن زمن الظهور، وكأنَّ
مهمَّته لم تعد بيان الحلال والحرام، بل فكّ رموز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) الإمامة والتبصرة لابن بابويه القمي: صور المخطوطة ٣٩.
(شيفرات - cipher) الغيب، وهكذا
يُصاب الدين بتشويشٍ في الأولويات، لأنَّ العقل الذي تعوَّد على التوقيت لا يعود
قادراً على الإصغاء لصوت التدرُّج، بل يطلب كلّ شيءٍ دفعةً واحدة: الفرج، والعدل،
والانتصار، والحسم، دون أن يدرك أنَّ سُنن الله تعالى لا تعمل بالاستعجال، بل
بالتربية.
وحين يُصاب الوعي الجمعي بحُمّى المواعيد، يبدأ الناس يعيشون بين موجات من الأمل
الكاذب واليأس العميق، وكلّ موجةٍ من التوقيت الفاشل تترك فيهم ندبةً لا تزول؛ ندبة
خيبةٍ متكرّرة تُضعف الثقة حتَّى في النصوص الصحيحة، فيصبح المؤمن بين نارين: نار
الشكّ في الموقِّتين، ونار الخوف من أن يُكذِّب الغيب نفسه، وهكذا تُصبح العقيدة
المهدوية ميداناً للمشاعر المتضاربة، لا للحقيقة الواضحة.
وفي مثل هذه الحالة، يضعف أثر الكلمة الصادقة لأنَّ الناس اعتادوا الأصوات العالية،
ويبهت نور الرواية الصحيحة لأنَّ العيون أُتخمت بصورٍ من الوهم.
ولذا، فإنَّ أخطر ما يفعله التوقيت في الوعي العامّ أنَّه يُفقد النصوص هيبتها؛
فحين تُستخدم الروايات في غير موضعها، أو تُسقط على واقعٍ ناقص، يظنّ الناس أنَّ
الرواية قد أخطأت، بينما الخطأ في فهمها لا في مضمونها.
ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ التوقيت لا يُنتج فوضى فكرية فحسب، بل فوضى اجتماعية أيضاً،
لأنَّ الموقِّت حين يُعلن موعداً للظهور، يبدأ الناس بالاستعداد له بطريقتهم
الخاصة: منهم من يبيع ماله، ومنهم من يعتزل عمله، ومنهم من يُخاصم غيره ظنًّا أنَّ
المعركة وشيكة.
وهكذا تتحوَّل الفكرة المهدوية من طاقةٍ للعمل إلى عاملٍ للركود، ومن مدرسةٍ للصبر
إلى منبرٍ للارتباك، وقد شهدت بعض الحركات في التاريخ مثل
هذه الانهيارات النفسية،
حين راهن أتباعها على توقيتٍ لم يتحقَّق، فانهاروا في اليأس أو في الشكِّ في أصل
الغيب.
إنَّ المجتمع الذي يفقد التوازن بين الغيب والواقع يصبح هشًّا أمام أيّ خطابٍ
يتلاعب بعواطفه، والتوقيت - بهذا المعنى - يُمهِّد دائماً لولادة المدَّعين الجُدد
الذين يزعمون الاتِّصال بالغيب أو النيابة عن الإمام، لأنَّ الناس، بعد خيباتٍ
متكرِّرة، لا يعودون يثقون بالعقل ولا بالمرجعية، بل يبحثون عن صوتٍ خارقٍ يُعيد
إليهم الثقة المفقودة، وهكذا ينشأ ما يُمكن تسميته بـ(اقتصاد الخيبة)، حيث تُصبح
كلّ خيبةٍ أرضاً خصبةً لمولودٍ جديدٍ من الموقِّتين أو المتنبّئين أو أصحاب الرؤى.
ومن هنا، نفهم أنَّ التوقيت ليس حدثاً عابراً في التاريخ، بل دورةٌ اجتماعيةٌ
تتكرَّر كلَّما غاب الوعي، فحين يضعف العلم، يُولد الموقِّت، وحين يطول الصبر،
يُولد المستعجل، وحين تتَّسع الفجوة بين الإيمان والعمل، يُولد الكاذب الذي يملأها
بشعاراتٍ مهدويةٍ متحمِّسة؛ لذلك قال الإمام (عليه السلام): «كذب الوقّاتون»،
لأنَّهم يُكذِّبون الله تعالى حين يجعلون وعده مؤجّلاً بحكمةٍ، فيُعلنونه عاجلاً
بعاطفةٍ.
وليس المقصود بـ(كذب الوقّاتين) مجرَّد تحريمٍ شرعيّ، بل توصيفٌ لحالةٍ نفسيةٍ
عميقةٍ في العلاقة بين الإنسان والزمن، فالذي يوقِّت، يكذب على الزمن نفسه، لأنَّه
يُعطيه أسماء لم يقلها الله تعالى، ويحمِّله مواعيد لم يُعهد بها إليه، إنَّ الزمان
في القرآن مخلوقٌ مطيع، يسير بأمر الله وحده، ولا يُقدِّم ساعةً ولا يُؤخِّرها
إلَّا بإذنه، أمَّا الموقِّت، فهو يريد أن يُدخل يده في هذا النظام الكونيّ،
فيتصرَّف في الوقت كما يتصرَّف في الأحداث، فيخرق نظام العبودية دون أن يشعر.
ومن مظاهر الفتنة الكبرى في التوقيت أنَّه يحوِّل الإيمان من عبادةٍ إلى توقُّع، أي
من علاقةٍ روحيةٍ بالله إلى انتظارٍ آليٍّ لحدثٍ محدَّد، فيغيب العمق الروحيّ من
الفكرة المهدوية، ويحلّ محلَّه الترقُّب الميكانيكيّ، فيصبح الظهور حدثاً سياسياً
بدل أن يكون تحقيقاً للعدل الإلهيّ.
ومن هنا، تبدأ المزايدات المهدوية، حيث يتنافس الناس في تحديد العلامات كأنَّهم في
سباقٍ إلى اليقين، بينما الإيمان الحقيقي لا يُقاس بالسرعة، بل بالثبات.
لقد أراد الله أن تكون المهدوية مدرسةً للتهذيب، فإذا بها في بعض الأزمنة تتحوَّل
إلى ميدانٍ للغلوّ في التأويل، والغلوّ في العاطفة، والغلوّ في التوقيت، وهذا
الغلوّ، وإن بدا في ظاهره حبًّا للإمام، إلَّا أنَّه في حقيقته استبدالٌ للمحبّة
بالامتلاك، فالمحبّ يرضى بالغيب لأنَّه يثق بالمحبوب، أمَّا المملوك بالهوى، فيُريد
أن يُمسك المحبوب بيده في الموعد الذي يختاره هو.
التوقيت وعلاقة المؤمن بالله تعالى:
إنَّ أخطر ما في التوقيت أنَّه يُفسد العلاقة بين الإنسان والله تعالى، لأنَّه
يُحوِّل الدعاء إلى مطالبة، والصبر إلى حساب، والرجاء إلى انتظارٍ مشروط.
والموقِّت في نهاية المطاف، لا يثق بالله تمام الثقة، لأنَّه يريد أن يعرف كيف
ومتى، كأنَّه يخاف أن يُخلف الله وعده، ولهذا كان التوقيت في جوهره شكًّا مموَّهاً
بالإيمان، لأنَّ الإيمان الحقيقيّ يُسلِّم، ولا يسأل إلَّا عن الاستعداد، لا عن
الساعة.
وقد أدركت الشخصيات العلمية والدينية المسؤولة على امتداد التاريخ هذا الخطر،
فواجهته بالعلم والسكينة، لا بالصخب والاتِّهام؛ لأنَّ الفتنة لا تُطفأ بالخصومة،
بل بالوعي.
فالموقِّت، وإن ضلَّ، هو ابن بيئةٍ عطشى إلى اليقين، ودواؤه ليس القسوة، بل إحياء
معنى الإيمان المتَّزن في الناس، حتَّى يعودوا إلى الأصل: أنَّ الغيب أمانةٌ لا
تُكسر أبوابها بالعاطفة، بل تُفتح بالمجاهدة.
وفي الختام، فإنَّ فتنة التوقيت تُظهر لنا كيف يمكن لفكرةٍ صغيرةٍ أن تُربك أُمَّةً
بأكملها إذا فقدت الوعي بمنهج التعامل مع الغيب.
فالمشكلة ليست في الرغبة بمعرفة الغيب، بل في سوء الأدب أمامه، والتوقيت هو صورةٌ
مكبّرةٌ لهذا السوء؛ إذ يجعل من حبِّ الإمام سبباً للخطأ في حقِّ الإمام.
ولذلك، فإنَّ أوَّل إصلاحٍ للعقل المهدويّ هو أن يتعلَّم متى يسكت، وأن يدرك أنَّ
الصمت في حضرة الغيب ليس غياباً عن المعرفة، بل حضورٌ في أعمق درجاتها.
فمن كَذَب في الغيب خسر الإيمان، ومن استعجل في الظهور خسر الصبر، ومن سلَّم لله في
أمره نجا، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ وهَلَكَ
المُسْتَعْجِلُونَ ونَجَا المُسَلِّمُونَ»(٦)، فالتوقيت فتنةٌ، والاستعجال هلاكٌ،
أمَّا النجاة، فهي في التسليم.
العقل الموقِّت من حبِّ الظهور إلى ادِّعاء العلم بالغيب:
من الغيرة إلى الغرور - التحوُّل النفسي للعقل الموقِّت:
ليست كلُّ الأخطاء التي تقع في الفكر الدينيّ من ضعفِ الفهم أو قلّةِ العلم، بل
كثيرٌ منها يبدأ من حرارةِ القلب قبل برودة العقل، فكم من فكرةٍ انطلقت من شوقٍ
صادقٍ، ثمّ تحوَّلت إلى انحرافٍ عميقٍ حين لم تُهذِّبها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٢.
البصيرة، ولعلَّ التوقيت هو
أصدق مثالٍ على ذلك، إذ يبدأ من غيرةٍ على الإمام، وينتهي بغرورٍ باسم الإمام، يبدأ
من الحُبّ، وينتهي بالادِّعاء.
فالعقل الموقِّت ليس بالضرورة عقلاً جاحداً، بل قد يكون عقلاً محبًّا فَقَدَ
توازنه، فهو كالسالك الذي استعجل الوصول إلى النور، فلم ينتبه أنَّ الله جعل بينه
وبين المقصد طريقاً من الصبر والتربية، لا من التكهُّن والتقدير، إنَّه عقلٌ يُحبّ
الحقّ إلى درجةٍ تجعله يريد أن يُشرف على مواعيد الله، وأن يتكلَّم في ما سكتت عنه
السماء.
ومن هنا يبدأ التحوُّل الخفيّ في البنية النفسية للموقِّت: من غيرةٍ مشروعةٍ إلى
غرورٍ مقدّسٍ.
الغيرةُ في ذاتها ليست مذمومة، فهي علامةُ حياةِ الإيمان، ولكنَّها حين تتجاوز
حدودها تصبح كالنار التي تأكل ما أنضجت، فالموقِّت يغار على الدين من صمته، يغار
على الناس من بطئهم، يغار على الغيب من احتجابه، فيتقدَّم نيابةً عن الجميع ليقول:
أنا أعلم متى يظهر الفرج.
هكذا يتحوَّل الإخلاص إلى استبدادٍ، والمحبة إلى تسلُّطٍ، لأنَّ النفس التي لم
تتربَّ على الصبر تُحوَّل غيرتها إلى رغبةٍ في السيطرة، وتُلبسها ثوب القداسة لتخفي
بها قلقها العميق.
إنَّ دراسة الموقِّت تكشف لنا عن مفارقةٍ نفسيةٍ مدهشة: إنَّه إنسانٌ يبدو مؤمناً
بالغيبة، لكنَّه في العمق غير قادرٍ على تحمُّلها، إيمانه بالغيبة من الخارج، ورفضه
لها من الداخل.
هو يذكر الإمام (عليه السلام) في كلِّ دعاء، لكنَّه يرفض أن يبقى الله وحده العالِم
بموعد ظهوره، وهذه المفارقة هي جوهر التحوُّل من الغيرة إلى الغرور.
فبدل أن يعيش الموقِّت الإيمان كرحلةٍ في المجهول، يريد أن يُحدِّد الإيمان كما
تُحدَّد المواعيد الرسمية، وكأنَّ الغيب مجرَّد حدثٍ يُبرمج لا سرٍّ يُنتظر.
وفي عمق هذا التحوُّل يكمن ما يمكن تسميته بـ(النرجسية الروحية)، وهي أخطر أشكال
الغرور؛ لأنَّها لا تظهر في صورة الكِبر، بل في صورةِ الإخلاص، فالموقِّت لا يقول
(أنا) صراحةً، لكنَّه يجعل كلّ كلامه يدور حول (أنا من علمت)، و(أنا من استنبطت)،
و(أنا من كشفت)، كأنَّه الوسيط بين الله والناس، وفي لحظةٍ واحدةٍ ينتقل من مرتبة
السائل إلى مرتبة المجيب، ومن مقام المنتظر إلى مقام المُبلِّغ، دون أن يدرك أنَّه
- بهذا التحوُّل الدقيق - فَقَد جوهر العبودية الذي يقوم على التسليم لا على
الإعلان.
لقد قيل في الحكمة القديمة: (من أراد أن يُبصر النور قبل أن يطهِّر عينه، عميت
عينُه من شدَّته)، وكذلك الموقِّت؛ أراد أن يرى الساعة قبل أن يُهيّئ نفسه، فأعماه
وهجُ الفضول، ولو أنَّه صَبَر لرأى من الغيب ما لم يُرَ، لكنَّه استعجل، فاختصر
الطريق، فغاب عنه المعنى.
لذلك، فإنَّ التوقيت في أحد وجوهه هو (هروبٌ من التربية الإلهية)؛ لأنَّ الغيبة
ليست غياباً، بل امتحانٌ ممتدٌ في الزمان، والانتظار ليس فراغاً، بل مدرسةٌ من
الانضباط، والموقِّت حين يوقِّت، يهرب من هذه المدرسة إلى اختصارٍ زائفٍ للمنهج.
وفي عمق النفس الدينية التي تميل إلى التوقيت نزعةٌ دفينةٌ إلى احتكار السرّ،
فالإنسان الذي يرى نفسه أقرب إلى الله، يظنّ أنَّ الله يُطلعه على ما حُجب عن غيره.
وهذه الظنّة، حين لا تُهذَّب، تنقلب إلى مرضٍ في الوجدان يُشبه الوَهم، ولذلك نجد
أنَّ الموقِّت في العادة يعيش بين نبرتين متناقضتين:
- التواضع الظاهريّ الذي يُخفيه في لغته.
- والعظمة الباطنية التي تفضحه في نبرته.
فهو يقول: (لسنا إلَّا خدّام الإمام)، لكنَّ كلامه عن المواعيد يُفصح عن يقينٍ
يُشبه يقين المرسَل.
وما إن يبدأ هذا الشعور بالوصال حتَّى يُصبح الزمن نفسه موضوعاً للسلطة، فالموقِّت
لا يكتفي بأن يقول: (سيظهر الإمام قريباً)، بل يبدأ في تحديد العلامات وتفسير
الحوادث، كأنَّه يملك مفاتيح التأويل التي لم تُفتح لغيره، وهنا يتجلّى الغرور في
أنقى صوره: الغرور المعرفيّ الذي يُلبِس صاحبه ثوبَ العالِم وهو لا يعلم أنَّه
أسيرُ رغبته في الظهور.
كل موقِّت يبحث عن سلطة روحية:
ولذلك، فإنَّ التوقيت لا يُفهم دون تحليلٍ لعلاقة الإنسان بالسلطة الرمزية، فكلّ
موقِّتٍ في العمق يبحث عن سلطةٍ روحيةٍ يعوِّض بها عجزه عن السلطة المادية، هو
يُريد أن يُصدَّق لا لأنَّه فقيهٌ أو عالم، بل لأنَّه يملك (معلومةً من الغيب)،
والمعلومة هنا تتحوَّل إلى تاجٍ رمزيٍّ يمنحه النفوذ في قلوب الناس، إنَّها لعبة
السلطة التي تتخفّى في ثوب الإيمان، وهذا هو ما يجعل الموقِّت خطيراً؛ لأنَّه لا
يطلب الدنيا علناً، بل يطلبها باسم السماء.
وحين يتبنَّى المجتمع خطاب الموقِّت، تبدأ العدوى تنتشر ببطءٍ في القلوب؛ لأنَّ
الناس تميل إلى تصديق من يُغريها بالسرّ، فالموقِّت لا يُقدِّم معلومةً فحسب، بل
يُقدِّم طمأنينةً مؤقتة، والإنسان يميل إلى من يُسكِّن
قلقه، لا إلى من يُربِّيه
عليه، وهكذا، يخلق الموقِّت من حوله دائرةً من المريدين الذين يظنون أنَّهم أقرب
إلى الحقيقة من سواهم، لأنَّهم (علموا الموعد)، فيبدأ التميّز الشعوريّ، ثمّ الغلوّ
الجماعيّ، ثمّ الانفصال عن الوعي العامّ.
وفي تحليلٍ أعمق، يمكن القول: إنَّ الموقِّت يُمثِّل حالةً من (التعويض الروحيّ)،
فحين يفقد الإنسان السيطرة على واقعه، يبحث عن مجالٍ يُمارس فيه سلطةً بديلة،
والغيب هو المجال الأوسع لذلك، فكما يُمارس السياسيّ سلطته في الأرض، يُمارس
الموقِّت سلطته في السماء، وكما يصوغ الزعيم خطاب المستقبل، يصوغ الموقِّت خطاب
الظهور، وفي الحالتين، يكون الجمهور هو الضحية؛ لأنَّ الناس تبحث عن صوتٍ يطمئنها،
ولو كان صدى لوهمها.
إنَّ الغرور في الموقِّت ليس غروراً شخصياً فحسب، بل غرورٌ عقديٌّ يخلط بين مقام
العالم ومقام النبيّ، فيظنّ أنَّ الفهم الخاصّ للوعد الإلهيّ نوعٌ من الإلهام، وحين
يتذوَّق لذّة هذا الشعور، يصبح أسيراً له، فلا يستطيع الرجوع عنه حتَّى لو تهاوى
بناؤه، وهنا يتحوَّل التوقيت إلى إدمانٍ نفسيٍّ على الوهم؛ إذ كلَّما سقط توقيتٌ،
وُلد آخر، لأنَّ النفس التي ذاقت نشوة الإلهام الكاذب لا تشفى بسهولة.
وفي لحظةٍ ما، يُصبح الموقِّت مقتنعاً أنَّه يخدم الدين، وأنَّ الله يُلهمه من حيث
لا يشعر، فلا يرى في نفسه متجاوزاً، بل يرى نفسه مأذوناً بالسرّ، وهذه أخطر درجات
الغرور؛ لأنَّها تُغلق باب التوبة، فالغافل يمكن أن يُنبَّه، والمخطئ يمكن أن
يُصحَّح، أمَّا من ظنَّ نفسه متَّصلاً بالغيب، فإنَّ النصح له يصبح في نظره معارضةً
لله، وهكذا يتحوَّل حبّ الإمام إلى وسيلةٍ لتبرير الذات، وتُصبح الغيبة ذريعةً
للمجد الشخصيّ.
ولذلك، حين قال الإمام (عليه السلام): «كذب الوقّاتون»، لم يكن يقصد تكذيب التاريخ
فحسب، بل تكذيب الذات التي نصَّبت نفسها ناطقة عن الله دون
إذنه، فالموقِّت لا
يُخطئ في الحساب فقط، بل يُخطئ في مقامه؛ لأنَّه نسي أنَّ العلم بالغيب ليس
تفضُّلاً عقلانيًّا، بل اصطفاءٌ إلهيّ، وأنَّ أقصى درجات الإيمان هي أن تُسلِّم لله
فيما جهلت، لا أن تتكلَّم فيه بثقة العارفين.
إنَّ العقل الموقِّت، في عمقه، عقلٌ لم يتعلَّم الأدب أمام السرّ؛ لأنَّه يظنّ أنَّ
الطريق إلى الله يُقطع بالعقل وحده، وهو بذلك يُكرِّر خطأ إبليس الذي لم يكفر بالله
فقط، بل غلبه عقله عن أمر الله، فالشيطان لم يُنكر الخالق، بل اجتهد في غير موضع
الاجتهاد، حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ (الأعراف:
١٢؛ ص: ٧٦)، والموقِّت بطريقةٍ أخرى يُعيد هذا الاجتهاد المغرور، فيقول: (أنا أعلمُ
بزمان أمر الله)، وكأنَّه يُعيد صياغة الغرور الأوَّل بلغةٍ دينيةٍ جديدة.
وهكذا نرى أنَّ التوقيت ليس حادثةً فكرية، بل عمليةٌ روحيةٌ ونفسيةٌ متكاملةٌ تبدأ
من لحظةِ حبٍّ صادقٍ غير مهذَّب، وتنتهي بادِّعاءٍ مقدَّسٍ لا يُراجَع، وفي هذه
المسافة بين الغيرة والغرور يتكوَّن (العقل الموقِّت).
وهمُ المعرفة - كيف يُبرِّر الموقِّت لنفسه سلطته؟
ليس أشدُّ خطراً على العقل الدينيّ من أن يُصاب بوهم المعرفة؛ لأنَّ هذا الوهم لا
يُعلن عن نفسه في صورة الجهل، بل يتقمَّص هيئة العلم، ويستعير لغته، ويستخدم
أدواته، والموقِّت في جوهره ضحيةُ هذا الوهم: يظنّ أنَّه يعرف، لا لأنَّ لديه
برهاناً، بل لأنَّ في داخله حاجةً عاطفيةً إلى أن يكون عارفاً، إنَّه لا يبحث عن
الحقيقة بقدر ما يبحث عن الشعور بأنَّه يملكها.
فالعقل الموقِّت يبدأ رحلته من لحظةٍ بسيطةٍ هي التصديق بالعلامات، ثمَّ ينتقل منها
إلى التأويل المفرط، ومن التأويل إلى الاستنتاج الحتميّ، حتَّى يصل في النهاية إلى
الاعتقاد الجازم بأنَّه وصل إلى سرِّ الغيب، وبين كلّ مرحلةٍ
وأخرى، يُراكم العقل الموقِّت مبرّراته، فيبني لنفسه قلاعاً من الاستدلالات التي تبدو عقليةً في ظاهرها،
لكنَّها مشاعرُ متخفّيةٌ في لباس المنطق.
ولكي يبرّر يقينه، يلجأ الموقِّت إلى لغةٍ مشبعةٍ بالإيحاءات الإيمانية: (ورد في
الروايات)، (نُقِل عن أهل البصائر)، (تواترت الإشارات)، (رأيتُ في المنام)، (استفدت
من مقام الإلهام).
كلّها عباراتٌ تُوهم المستمع بأنَّ المتكلِّم لا يتكلَّم من فراغ، بل من وحيٍ
روحيٍّ يُحيط به هالة من القداسة، ومن هنا تتكوَّن السلطة الرمزية للموقِّت: سلطة
المعرفة التي لا تُراجع، لأنَّها لا تقوم على البرهان، بل على الهيبة.
وهذه الهيبة ليست هيبة العلم، بل هيبة (الوصال)، فالموقِّت لا يُقدِّم نفسه
كمُجتهدٍ في الروايات، بل كـ(شاهدٍ على العلامات)، وكأنَّ الغيب قد خاطبه مباشرةً،
وهنا يتسلَّل نوعٌ من الإلهام الزائف الذي يُشبه في علم النفس ما يُعرف بـ(الإيحاء
الذاتيّ المتكرّر)، أي حين يُكرِّر الإنسان فكرةً حتَّى يصدقها تماماً، ثمَّ يبحث
في الواقع عمّا يُؤيِّدها، ويُهمل ما يُخالفها.
فالموقِّت يُشبه العالم الذي يبدأ بالنتيجة قبل البحث، ثمَّ يُعيد صياغة الأدلّة
لتتناسب مع ما يريد إثباته، وهو لا يشعر أنَّه يُزوِّر الحقيقة، بل يظنّ أنَّه
(يكشفها)، لأنَّ اليقين قد سبق البرهان في نفسه، وهذه هي آفة كلّ باحثٍ حين يفقد
النزاهة المعرفية: أن يُصبح أسيرَ فكرته قبل أن يختبرها.
وفي كلِّ زمنٍ تتجدَّد هذه الظاهرة في ثوبٍ جديد: في القديم كانت عبر تفسير النجوم
أو الحسابات العددية أو رموز الحروف، وفي الحديث عبر تحليل الأحداث السياسية أو
التغيُّرات الاجتماعية أو حتَّى الكوارث الطبيعية، فالموقِّت يُفسِّر كلّ حادثةٍ
على أنَّها علامةٌ على اقتراب الظهور، وكلّ غموضٍ على أنَّه إشارةٌ خفيّةٌ لا
يفهمها غيره، وهكذا يتحوَّل الواقع إلى مرآةٍ لرغباته، لا لمشيئة الله.
الموقِّت ووهم التكليف بتبليغ الناس:
إنَّ الموقِّت لا يعيش في وهم العلم فحسب، بل في وهم التكليف أيضاً، فهو يرى نفسه
(مكلَّفاً) بإبلاغ الناس، كأنَّ الله أوكل إليه مهمة التبشير بما لم يُؤمر به أحد،
وهذا الشعور بالاختيار الروحيّ يمنحه طاقةً نفسيةً هائلة؛ لأنَّه يخلِّصه من
الإحساس بالعجز أمام العالم المضطرب، فحين يعجز عن تفسير ما يجري حوله، يلوذ بفكرةٍ
تمنحه مكانةً خاصة: أنَّه يعلم السرّ الذي يجهله الجميع.
ولأنَّ الإنسان بطبعه يخاف المجهول، فإنَّ من يدَّعي معرفة الغيب يكتسب قوةً رمزيةً
على من حوله، حتَّى لو لم يكن في قوله برهان، وهذا ما يجعل خطاب الموقِّت مؤثِّراً،
لأنَّه لا يُخاطب العقل فقط، بل يُخاطب خوف الإنسان من الغيب، إنَّه يقدِّم له
خريطةً تُبدّد غموض المستقبل، ولو كانت مرسومةً بالحبر الوهميّ.
وهكذا، يصبح الموقِّت صانعَ يقينٍ في زمن القلق، وتتحوَّل كلماته إلى ملاذٍ نفسيٍّ
للجماهير التي سئمت الانتظار، فهو لا يقول لهم: (اصبروا)، بل يقول: (اقترب الوعد)،
ولا يحدِّثهم عن التهيّؤ، بل عن الموعد، والإنسان بطبعه يُفضِّل المعلومة على
الدعوة، والزمان المحدَّد على الصبر الطويل؛ لذلك ينجح الموقِّت في بناء سلطته على
وعدٍ لا يملكه، لأنَّه يعرف كيف يُغري النفوس باليقين السهل.
لكن هذا الوهم لا يستمرّ إلى الأبد، فحين يمرّ الموعد الموعود دون أن يتحقَّق، لا
يعود الموقِّت قادراً على التراجع؛ لأنَّه بنى صورته الذاتية على يقينه، فلو تراجع
لانهارت مكانته، ولو أقرَّ بخطئه لفقد جمهوره، فيلجأ إلى التأويل الجديد: (تحقَّق
الظهور المعنويّ)، أو (تأخَّر الموعد لذنب الناس)، أو
(تبدَّلت العلامات) أو وقع البداء، وهكذا يُعيد الموقِّت تدوير الكذبة الأولى بلغةٍ أكثر تعقيداً، ليحافظ على
سلطته.
وفي هذه اللحظة، يتحوَّل الوهم إلى منظومةٍ فكريةٍ كاملةٍ لها منطقها الخاصّ، فكلّ
دليلٍ ضدّها يصبح دليلاً لها: إذا لم يظهر الإمام، فذلك دليلٌ على أنَّ الظهور
قريب، لأنَّ الفتنة اشتدَّت! وإذا لم تتحقَّق العلامة، فذلك لأنَّ الله يُريد
امتحان المؤمنين! وهكذا يُغلق الموقِّت دائرته المحكمة التي لا يدخلها النور،
لأنَّه جعل من نفسه مرجعاً أعلى لا يُسأل.
وفي أعماق هذا السلوك تكمُن آليةٌ نفسيةٌ دقيقة تُعرف في علم النفس بـ(التنافر
المعرفيّ)؛ أي عجز الإنسان عن الاعتراف بخطئه حين تتعارض قناعته مع الواقع.
والموقِّت، كي يتخلَّص من هذا التنافر، يُعيد صياغة العالم حتَّى يتوافق مع فكرته؛
لذلك نراه يستخرج من الروايات ما يؤيِّد قوله، ويُغفل ما يُبطلها، فيخلق لنفسه
(نظاماً تأويلياً مغلقاً) لا يراه أحدٌ سواه.
ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ الموقِّت لا يعيش وحده في هذا الوهم، بل يصنع حوله جماعةً من
المصدِّقين الذين يمنحونه الدعم العاطفيّ، وهذه الجماعة تُصبح بدورها أسيرةً للوهم،
لأنَّها تربط خلاصها الروحيّ به، فلو سقط، سقطت معه؛ لذلك تدافع عنه حتَّى وهي تشكّ
في كلامه، وهكذا تتحوَّل الفكرة إلى عقيدة، والعقيدة إلى حركةٍ ترفض النقد؛ لأنَّها
تربط وجودها بصدق الموقِّت.
وهمُ المعرفة عند الموقِّت:
إنَّ وهم المعرفة عند الموقِّت ليس خطأً في التفكير فقط، بل أزمةٌ في بنية الوعي
الإيمانيّ نفسه، حين يختلط العلم بالهوى، والإلهام بالادِّعاء، والتأويل بالحلم،
فالموقِّت لا يتعامل مع النصّ ككلمةٍ تُعلَّم، بل كرمزٍ يُكشَف، فيُصبح
النصّ مرآةً
لخياله، لا مرآةً للحقيقة، وهذه هي نقطة الانكسار بين (العقل المتعبِّد) و(العقل
المتصرِّف)، إذ الأوَّل يُقدِّس النصّ فيسكت أمامه، والثاني يُعيد صياغته.
وقد نبَّه الأئمة (عليهم السلام) إلى هذه الآفة منذ القرون الأولى، حين قال الإمام
الباقر (عليه السلام): «كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ»(٧)، فالكذب هنا ليس بمعنى الافتراء
فقط، بل بمعنى الخطأ في مقام النفس، لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لم يجعل العلم بالساعة
من اختصاص أحد، لا نبيٍّ مرسلٍ ولا وصيٍّ مقرَّب، فكيف يدَّعيه من لم يُؤذن له
بشيء؟
إنَّ الموقِّت يعيش مأزقاً مزدوجاً: بين إيمانه الذي يدفعه لتوقير الغيب، وعقله
الذي يُغريه بفكِّ رموزه، فهو لا يريد أن يُكذِّب الروايات، لكنَّه لا يحتمل أن
تبقى مغلقةً أمامه، ومن هنا يولد وهم المعرفة: أن يُقنع نفسه بأنَّه (يخدم الدين)،
بينما هو في الحقيقة يخرق حرمة السرّ.
وهكذا يتبيَّن أنَّ العقل الموقِّت هو في جوهره عقلٌ مشغولٌ بإثبات ذاته أكثر من
إثبات الحقّ.
لذلك، لا يمكن علاجه بالجدال؛ لأنَّ الجدال يُغذِّي شعوره بالتفرُّد، بل بالتربية
على التواضع المعرفيّ: أن يتعلَّم أنَّ (السكوت على ما جهل، علمٌ في نفسه).
كلّ فكرٍ حين لا يُراقَب يتحوَّل إلى تيارٍ، وكلّ تيارٍ حين لا يُقوَّم يتحوَّل إلى
جماعةٍ مغلقةٍ ترى نفسها الفرقة الناجية، وهكذا وُلدت الجماعات الموقِّتة عبر
التاريخ، لا من جهلٍ بالنصوص، بل من تجمُّع العواطف حول صوتٍ واحد أقنع الناس أنَّه
(العالم بالموعد)، فالموقِّت الفرد، حين يُصدَّق، يتحوَّل إلى رمزٍ نفسيّ، وحين
يُتَّبع، يُصبح محوراً لبنيةٍ اجتماعيةٍ كاملةٍ تتغذَّى من حاجاتٍ روحيةٍ حقيقيةٍ
لكنَّها تُدار بعقلٍ مضطربٍ ومؤمنٍ بذاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٥.
إنَّ الموقِّت لا يُمارس سلطته بالقوة، بل بالمهابة، فالمهابة في الفكر الدينيّ
أقوى من السيف؛ لأنَّها تُخاطب الخوف والرجاء في آنٍ واحد، ولأنَّ الناس يميلون إلى
من (يبدو واثقاً بالله)، فإنَّهم يُسلِّمون له عقولهم بسهولة، وفي البيئات التي
يطول فيها الصبر الجماعيّ ويقلّ فيها الوعي النقديّ، يبرز الموقِّت كمنقذٍ أكثر من
كونه عالماً، وكاشفٍ أكثر من مفسِّر، وهنا يبدأ الخطر الحقيقيّ: حين تتحوَّل
المعرفة بالغيب إلى سلطةٍ على القلوب.
من سمات أتباع الموقِّت:
تتكوَّن حول الموقِّت عادةً دائرةٌ من التابعين الذين يجدون فيه ما يعجزون عن
إيجاده في أنفسهم: الطمأنينة أمام الغيب، واليقين أمام الغموض، وهذه العلاقة ليست
علاقة فكرٍ بفكر، بل علاقة روحٍ بروحٍ مضطربة، فالموقِّت يُغذِّيهم باليقين، وهم
يُغذّونه بالإيمان بصدقه، فينشأ بينهم عقدٌ غير مكتوبٍ من المصالح النفسية: هو
يُعطيهم المعنى، وهم يُعطونه المكانة، وهكذا يولد (العقل الجمعيّ للموقِّتين).
هذا العقل الجمعيّ لا يُفكِّر بالبرهان، بل بالإجماع العاطفيّ، فكلَّما ازداد
التصفيق لكلام الموقِّت، ازداد يقينُهم بأنَّ الله يؤيِّده، ومن هنا، تصبح الجماعة
دائرةً مغلقةً: تُكرِّر القول نفسه حتَّى يُصبح حقيقةً داخليةً لا تحتاج إلى دليل.
وحين تُواجَه بالنقد، تردّ عليه بالخشوع لا بالحجّة، وتعتبر الشكّ في الموقِّت
شكًّا في الإمام نفسه.
إنَّها عبادةُ الوسيط التي حذَّر منها القرآن الكريم حين قال: ﴿ما
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ (الزمر: ٣)،
فالموقِّت يصبح - دون أن يدري - صورةً مصغّرةً من هذا المنطق: إنَّما نصدِّقه
لأنَّه أقرب إلى الإمام، وإنَّما نطيعه لأنَّه يرى ما لا نرى، وهكذا يُصبح الإنسان
بينه وبين الله، في حين أنَّ جوهر
الانتظار هو أن تبقى علاقتك بالله مباشرةً لا عبر
المواعيد والوسطاء، وفي هذه الجماعات، تتشكَّل آلياتٌ دقيقةٌ للحفاظ على الوهم.
أوَّلها - اللغة: إذ تتحوَّل الكلمات إلى رموزٍ داخليةٍ يفهمها (المقرَّبون) فقط،
فلا يقولون (التوقيت)، بل (الإلهام)، ولا يقولون (الموعد)، بل (العلامة)، ولا
يقولون (الزعيم)، بل (الخادم)، وهكذا يُعاد بناء الخطاب ليبدو متواضعاً وهو يحمل في
باطنه احتكاراً للغيب.
وثانيها - العزل النفسيّ: إذ يتَّفق الموقِّت وأتباعه ضمناً على أنَّ (العالم لا
يفهمهم)، وأنَّ المرجعيات غافلة، وأنَّهم وحدهم (المنتبهون)، وبذلك يُعاد تشكيل
الهوية الجمعية للجماعة على أساس التميُّز لا المشاركة.
وثالثها - تقديس التجربة الشخصية: إذ تُصبح الأحلام والرؤى أدلّةً لا تُناقش،
والمشاعر حججاً لا تُراجع، فينحلّ البرهان العلميّ في عاطفةٍ تُغذّي نفسها بنفسها.
وهكذا تتكوَّن هالة القداسة حول الموقِّت، لا لأنَّه ادَّعى النبوّة، بل لأنَّ
الناس أرادوا نبيًّا دون أن يعترفوا بذلك، فهو بالنسبة لهم (الصوت القريب من
الإمام)، والإنسان حين يخاف من الغيب، يبحث عن صوتٍ يتكلَّم باسم الغيب.
ومن هنا نفهم لماذا أشار الأئمة (عليهم السلام) إلى أنَّ أخطر الناس على الدين
ليسوا أعداءه، بل أدعياء محبَّته.
ولأنَّ هذه الهالة لا تُبنى إلَّا بالخوف؛ فإنَّ الموقِّت يُغذّيها بلغةٍ تقوم على
الوعيد: (سيُهلك الله المكذّبين قريباً)، (سيبدأ التمحيص)، (اقترب الفرز الإلهيّ)،
وكلّها عباراتٌ تُدخل الناس في توتّرٍ مستمرٍّ يخلط بين الإيمان والرعب.
وهكذا تُصبح الجماعة في حالة تأهُّبٍ دائمٍ، لا للعقل، بل للعاطفة.
وفي علم النفس الجمعيّ، تُعرف هذه الحالة بـ(الانفعال الجماعيّ المقدَّس)، وهي
اللحظة التي تذوب فيها العقول الفردية في شعورٍ مشتركٍ بالقرب من الحقيقة المطلقة،
وهذه اللحظة تمنح الإنسان سعادةً روحيةً مؤقتةً، لكنه يدفع ثمنها باهظاً: فقدان
حريّة التفكير.
ومن هنا نفهم أنَّ كلّ جماعةٍ موقِّتةٍ هي في حقيقتها (إلغاءٌ للعقل باسم الإيمان).
غير أنَّ التاريخ يُعلِّمنا أنَّ هذه الهالة لا تدوم، فحين يخيب الموعد، تنكسر
الجماعة من داخلها، ويبدأ الانقسام بين من يُكابر ويؤوّل، ومن يستيقظ ويتوب، ومن
يهرب إلى جماعةٍ جديدةٍ أكثر يقيناً، وهكذا يُعاد إنتاج الدورة نفسها: من توقيتٍ
إلى خيبةٍ إلى توقيتٍ آخر.
ولذلك، فإنَّ علاج هذه الظاهرة لا يكون بالردع وحده، بل بإعادة بناء الوعي المهدويّ
الناضج الذي يُفرِّق بين الرجاء والاستعجال، بين الغيب والظنّ، بين العلم والحدس.
مراحل الوعي المهدوي:
إنَّ الوعي المهدويّ الناضج لا يُلغِي الإيمان بالعلامات، لكنَّه يضعها في موضعها
الصحيح: إشاراتٌ تربويةٌ لا جداول زمنية، وهو لا يُنكر الشوق إلى الظهور، لكنَّه
يُعلّم أنَّ الشوق لا يُقاس بالأيام بل بالأعمال، فالمنتظر الحقيقيّ ليس من يعرف
الموعد، بل من يتهيّأ له في كلِّ لحظةٍ دون أن يسأل متى؛ ولذلك، فإنَّ بناء هذا
الوعي يمرّ بثلاث مراحل:
الأولى - تفكيك الوهم:
أن نُدرك أنَّ الموقِّت لا يملك سرًّا إلَّا ما صنعه خيالُه، وأنَّ الغيب لا يُدار
بالرغبة بل بالإذن.
الثانية - إعادة الثقة بالمرجعية والعقل:
لأنَّ العلم هو الحصن الذي يمنع من الانزلاق في خرافة المعرفة الخاصة.
الثالثة - تحويل الانتظار إلى مشروعٍ أخلاقيٍّ عمليّ:
بأن يُصبح السؤال: (كيف نُصلح أنفسنا ومجتمعنا ليكون مستحقًّا للعدل؟) لا (متى يأتي
العدل؟).
وهنا تكتمل دائرة الإصلاح: حين يتحوَّل الغيب من موعدٍ إلى معنى، ومن وعدٍ إلى
مسؤولية، فالمؤمن الذي يُدرك أنَّ الغيب ليس ملكاً له، يُصبح أكثر تواضعاً وأقلَّ
انجرافاً، لأنَّه يعلم أنَّ الله لا يُحِبّ من يستعجل السرّ.
إنَّ أخطر ما في التوقيت أنَّه يُربّي الناس على الانتظار السلبيّ، بينما المطلوب
أن يُربَّوا على الاستعداد المستمرّ، فبدل أن يسألوا: (متى يظهر الإمام؟)، ينبغي أن
يسألوا: (متى نُصبح نحن جديرين بظهوره؟)، وبهذا فقط تتحوَّل المهدوية من مجالٍ
للتكهّن إلى مجالٍ للعمل، ومن فضولٍ إلى فريضةٍ أخلاقية.
فالنجاة ليست في أن نعرف الموعد، بل في أن نُهيّئ الموعد في قلوبنا وأعمالنا، ومن
هنا، نفهم عمق قول الإمام الصادق (عليه السلام): «كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ وهَلَكَ
المُسْتَعْجِلُونَ ونَجَا المُسَلِّمُونَ»(٨)، لأنَّ المسلِّم لا يُسلِّم لعجزه، بل
يُسلِّم لأمر ربِّه، ويعمل في الغيب كأنَّه الحاضر، ويثبت في الصبر كأنَّه يرى.
التوقيت حين يتحوَّل إلى سلطة:
من الموقِّت الفرد إلى الجماعة المؤمنة به - النشأة الاجتماعية للتنظيم السرِّي:
لم يكن التوقيت في بداياته مشروعاً جماعياً، بل كان حالةً فرديةً من القلق
العقائديّ أمام الغيب، رجلٌ يقرأ الروايات، فيحسّ أنَّ قلبه التقط سرّها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٦٨، ح٢.
فيبدأ
يهمس لمن حوله بأنَّ الظهور قريب، أو أنَّ العلامات بدأت تتحقَّق، أو أنَّ الزمان
دخل مرحلة الحسم.
كان الأمر في البداية شعوراً فردياً متوتراً، لكنَّ التاريخ يُثبت أنَّ كلّ شعورٍ
متوترٍ حين يجد له أذناً تصدّق، يتحوَّل إلى بذرة حركةٍ اجتماعية، وهكذا يولد
التنظيم الموقِّت: من نفسٍ قلقةٍ صدَّقها الناس، ومن جمهورٍ عطشانٍ إلى المعنى،
صدَّق أيّ نداءٍ يشبه الرجاء.
إنَّ كلّ تنظيمٍ منحرف يبدأ من جرحٍ روحيٍّ جماعيّ، حين تطول الغيبة، وتتوالى
الأزمات، وتخيب الوعود الأرضية، يبحث الناس عن يقينٍ جديدٍ يملأ الفراغ بين السماء
والواقع، وفي هذا الفراغ تحديداً يظهر الموقِّت، لا بصفته خصماً للمرجعية أو منكراً
للغيب، بل بصفته المتكلِّم باسم الدين.
وهنا تكمن جاذبيته: فهو لا يُقدِّم نفسه نبيًّا، ولا يدَّعي الوحي، بل يقول: إنه
(يقينٌ نابعٌ من الروايات والإشارات)، وأنَّه (لا يتجاوز حدود الأدب مع الإمام)،
فيصدِّقه الناس لأنَّه يُشبههم، ويتكلَّم بلغتهم، ويُعبِّر عن وجعهم.
لكنَّ ما يبدأ كتعبيرٍ صادقٍ سرعان ما يتَّسع؛ لأنَّ الوجدان الجمعيّ في لحظات
القلق لا يحتمل الصمت، فحين يقول رجلٌ واحد: (العلامات قد اكتملت)، يشعر الآخرون
أنَّه حرَّرهم من الانتظار الطويل، وأنَّه أعطاهم إذناً نفسياً للرجاء، وهكذا
تتشكَّل نواة الجماعة الأولى، لا على أساس علمٍ، بل على أساس عاطفةٍ دينيةٍ تواطأت
على تصديق رجلٍ أكثر جرأةً في التعبير عمّا يضمرونه هم في قلوبهم.
في علم الاجتماع الدينيّ، تُسمَّى هذه اللحظة (لحظة الإيمان الناقل) - أي حين ينتقل
الإيمان من النصِّ إلى الشخص، فيتحوَّل الشخص إلى حامل المعنى، ويغدو تصديقه شرطاً
لتصديق العقيدة نفسها.
فبدل أن يقول الناس: (نؤمن بالظهور)، يقولون: (نؤمن بمن علم وقت الظهور).
وهنا يحدث الانزلاق: فالإمام يغيب، ويظهر الموقِّت بوصفه (المرآة البشرية) لتلك
الغيبة.
وما إن تتكوَّن حوله الدائرة الأولى من المقرَّبين حتَّى تبدأ ظاهرة التعويض
الجمعيّ، فالجماعة الصغيرة التي تشكَّلت من الخيبة والانتظار تتحوَّل إلى مجتمعٍ
مصغّرٍ يُقيم لنفسه نظاماً من الطقوس والعلاقات والقيم، وفي كلِّ جماعةٍ موقِّتةٍ
نلمس سماتٍ متشابهةً مهما اختلفت الأسماء: الثقة المطلقة بالقائد، احتقار الخارجين،
الإحساس بالاختيار الإلهيّ، الاعتقاد بأنَّهم يعيشون (الزمن الحاسم)، وأنَّ الآخرين
ما زالوا غارقين في الغفلة.
إنَّ الاجتماع الدينيّ في أصله قائمٌ على الحبّ، لكنّ الحبّ حين يُفرغ من الرقابة
العقلية يتحوَّل إلى تعصُّبٍ مقدَّسٍ يرفض المساءلة؛ ولهذا كانت الجماعة الموقِّتة
منذ بدايتها جماعةً محبّةً لا جماعةً عاقلةً، إذ تقوم على حرارة الإيمان لا على
نظام الفكر، فهي جماعةٌ تشبه حلقة النار: كلّ من يقترب منها يُدفَّأ، لكنّ من يبتعد
يُتَّهم بالبرود، ومن يحاول إطفاءها يُرمى بالعداء.
وحين تتحوَّل هذه الحرارة إلى هوية، يبدأ التنظيم بالظهور، فالموقِّت الذي كان
يتكلَّم من قلبه، يجد نفسه الآن مطالباً بأن يُنظِّم القلوب من حوله، لأنَّ جمهوره
يطلب منه برنامجاً، لا مجرَّد وعدٍ؛ فيُنشئ (المجلس الخاصّ)، و(مجموعة المؤمنين)،
و(المقرّ الروحي)، ويُعيد تعريف الانتماء إلى الدين من خلال الانتماء إلى جماعته،
ومع كلّ خطوةٍ تنظيميةٍ جديدةٍ، ينحسر البُعد الروحي الأصلي، ويزداد الطابع الإداري
والسياسي للفكرة، حتَّى تغدو المهدوية إطاراً سلطوياً جديداً.
شرعنة عمل الموقِّت:
في هذه المرحلة، تبدأ عملية الشرعنة: فالموقِّت لا يُريد أن يُرى كزعيمٍ دنيويّ، بل
كأمينٍ على الوعد؛ لذلك يُلبس جماعته لبوس التهيئة للظهور، فيُطلق عليها أسماءً ذات
دلالاتٍ رمزية: (أنصار الظهور، طلائع النور، أصحاب الأمر، خدام الإمام)، وهكذا
يُعيد إنتاج الرموز الروحية في قالبٍ اجتماعيٍّ مغلق، يجعل الولاء له مرادفاً
للولاء للإمام.
ومن هنا يبدأ التحوُّل الخطير: يتحوَّل الإمام الغائب (عليه السلام) من محورٍ
للعبادة إلى رمزٍ تبريريٍّ للزعيم الحاضر.
وفي عمق هذه البنية النفسية للجماعة، تنشأ علاقةٌ خفيةٌ بين الإيمان والسلطة، فكلّ
موقِّتٍ يحتاج إلى من يؤمن به، وكلّ مؤمنٍ يحتاج إلى من يُطمئنه بأنَّ إيمانه ليس
عبثاً، وهكذا يتبادلان الحاجة، ويتحوَّلان إلى شريكين في صناعة الوهم الجميل،
والموقِّت - وإن بدأ صادقاً - يجد في تصديق الناس غذاءً خفيًّا لغروره؛ فالذي كان
ينتظر الإمام (عليه السلام) صار هو المنتظَر من الناس.
وحين تتكرَّر اللقاءات والخطب والمواعيد، تُصبح الجماعة وحدةً رمزيةً متكاملةً؛ لهم
أدبيّاتهم، ومواعظهم، وصيغ دعائهم الخاصة، ومع الوقت تنشأ بينهم (ذاكرةٌ جمعيةٌ
موازية).
لكنّ الموقِّت لا يُدرك أنَّه حين يؤسِّس جماعته على الوعد المؤجَّل، فإنَّه
يُؤسِّسها على الوقود ذاته الذي سيحرقها لاحقاً: لأنَّ الأمل الذي بُني على تاريخٍ
محدَّدٍ لابدَّ أن ينكسر حين يأتي التاريخ ويمضي دون أن يتحقَّق شيء، ومن هنا تبدأ
مرحلة الانهيار الداخلي، التي تُؤدِّي إمَّا إلى الانشقاقات، أو إلى ظهور زعيمٍ
جديدٍ أكثر جُرأةً، يدَّعي وصلاً أعمق بالغيب.
وقد لاحظ علماء الاجتماع أنَّ الجماعات الدينية المغلقة تمرّ دائماً بهذه الدورات:
تأسيسٌ على الإيمان، توسُّعٌ بالعاطفة، استقرارٌ بالسلطة، سقوطٌ بالخيبة، ثمّ
ولادةٌ جديدةٌ تحت اسمٍ آخر، فالفكر لا يموت، بل يُعيد تشكُّله مادام القلق نفسه
قائماً في النفوس، ومن هنا كانت مسؤولية العلماء والمرجعيات أن تُبقي الإيمان
حيًّا، لكنَّها لا تسمح له بالتحوُّل إلى نظامٍ من الخرافة.
إنَّ التنظيمات الموقِّتة ليست انحرافاً طارئاً، بل هي جزءٌ من التاريخ الطبيعي
للوجدان الديني حين يفقد توازنه، فالإنسان الذي لا يستطيع أن يتحمل الغيبة،
يُحوِّلها إلى حضورٍ رمزيٍّ عبر الزعيم، والزعيم الذي لا يستطيع أن يتحمل العجز،
يُحوِّل الانتظار إلى سلطةٍ تُبرِّر وجوده، وهكذا تتوالد الجماعات، واحدةً بعد
أخرى، كلٌّ تزعم أنَّها الأقرب إلى الموعد، وكلٌّ تبرِّر فشلها بأنَّها (مُمتحَنةٌ
في الصبر).
وفي كلِّ جيل، يُولد الموقِّت من جديدٍ بأسماءٍ أخرى: مرّةً يُسمَّى الباحث في
العلامات، ومرّةً حامل الأسرار، ومرّةً صاحب الرؤيا، ومرّةً الواسطة بين الإمام
وأتباعه.
والناس، ما داموا عطشى إلى الغيب، يجدون فيه المرآة التي تُريهم ما يريدون أن يروا.
ومن هنا، فإنَّ مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بتكذيبها فحسب، بل بفهمها، فالموقِّت في
جوهره ليس عدوًّا للعقيدة، بل شاهدٌ على وجعها، لكنَّه حين يلبس وجعها ثوب السلطة،
يُصبح خطراً على الإيمان نفسه؛ لذلك لابدَّ من وعيٍ جديدٍ يُفرِّق بين العطش إلى
الإمام، وبين محاولة امتلاك الإمام، فالأوَّل عبادة، والثاني شركٌ خفيّ في
المقامات.
وهكذا يُمكن القول: إنَّ التنظيمات الموقِّتة هي المرآة الاجتماعية لعجز الأُمَّة
عن التوازن بين الغيب والعمل، وحين يفهم المؤمنون هذه المعادلة، يسقط سحر الموقِّت،
لأنَّ سلطته لا تقوم على دليلٍ، بل على الفراغ النفسي الذي يُحيط بالغيب.
اللغة الجديدة - كيف تصنع التنظيمات خطابها الخاصّ وتُعيد تشكيل الوعي؟
ما إن يتكوَّن التنظيم الموقِّت حتَّى يبدأ أولى خطواته في تثبيت وجوده عبر اللغة،
لأنَّ اللغة ليست مجرَّد وسيلةٍ للتواصل، بل هي أوَّل أشكال السلطة.
فمن يملك تعريف الأشياء، يملك توجيه الوعي، ومن يحدِّد معنى (الإمام)، و(الظهور)،
و(التمهيد)، و(العلامة)، يملك النفوذ على من يؤمن بها؛ لذلك تُدرك هذه التنظيمات
منذ بداياتها أنَّ معركتها ليست مع النصّ، بل مع تفسير النصّ، فيُعيدون بناء اللغة
لتصبح عالماً مغلقاً لا يفهمه إلَّا من ينتمي إليهم.
في البداية، يحرص الموقِّت على استخدام المصطلحات الدينية المألوفة، حتَّى يُشعر
الناس أنَّه من نسيجهم، ثمَّ يبدأ بتغيير دلالاتها تدريجياً.
فالـ(ظهور) لم يعد وعداً غيبياً، بل أصبح مشروعاً سياسياً أو مهدياً قريباً.
و(العلامات) لم تعد رموزاً للتذكير، بل مؤشِّراتٌ تنفيذية.
و(التمهيد) لم يعد إصلاحاً ذاتياً، بل تحرُّكٌ جماعيٌ بإشراف القيادة الروحية.
وهكذا، تتسلَّل المفاهيم الجديدة تحت أسماءٍ مألوفة، فيخدع التشابهُ السامعَ، بينما
الجوهر تغيَّر.
تُنشئ التنظيمات الموقِّتة لنفسها قاموساً خاصًّا، لا يُعلن رسمياً، لكنَّه يُتداول
بين أتباعها في الخطاب اليومي، فيُقال: (وصل الأمر)، (أُذن بالتكليف)، (النداء
قريب)، (التصفية بدأت)، (الفرز جارٍ)، وكلّها تعبيراتٌ
توحي بأنَّهم في قلب الحدث المهدوي، بينما سائر الناس في الخارج يعيشون في (الغفلة)، هذه المفردات تُنتج ما
يمكن تسميته بـ(اللغة المغلقة) لغة تُؤسِّس الهوية وتُفكّك المجتمع في الوقت نفسه،
لأنَّها تخلق داخلَ الدين ديناً آخر، له ألفاظه وطقوسه ومعاييره الخاصة.
ولا يقتصر الأمر على الكلمات، بل يمتدّ إلى النغمة التي تُقال بها، فالتنظيم
الموقِّت يتبنّى أسلوباً لغوياً مفعماً باليقين، خالياً من الشكوك، مطعّماً
بالرمزية، فيصبح الخطاب أشبه بالمزامير الغيبية: لا تُقدِّم دليلاً، بل تُثير رهبةً
وجدانيةً تُغني عن الدليل، فاللغة هنا ليست لنقل الحقيقة، بل لبناء الإحساس
بالحقيقة.
ولذلك، فإنَّ أتباع هذه الجماعات لا يُصدّقون الموقِّت لأنَّه أقنعهم، بل لأنَّ
كلماته تُشعرهم بالسكينة التي فقدوها.
ومع الوقت، تتحوَّل اللغة إلى طقسٍ، يُكرَّر حتَّى يُصبح عقيدة.
فكلّ عبارةٍ تتكرَّر على الألسنة تُعيد تشكيل الدماغ العاطفيّ للجماعة، وتجعلها
تأنس بها أكثر من النصوص الأصلية، وهذا ما يسمِّيه علماء الاجتماع بـ(تقديس اللغة
الثانوية) - أي أن تصبح مصطلحات الجماعة أكثر حضوراً في الوعي من مصطلحات الدين
نفسه، فيُصبح (النداء السماويّ) أكثر ذكراً من (الصلاة)، و(التمهيد) أكثر حماساً من
(الإصلاح)، و(الرؤية) أكثر قداسةً من (العلم).
وهكذا يُعاد ترتيب الأولويات دون قرارٍ صريح: تُنسى السُنن اليومية البسيطة التي
تُربِّي الإيمان، ويُركَّز على الكلمات الكبيرة التي تُشعل الحماسة، والناس بطبعهم
يميلون إلى العبارات التي تحمل وعداً ومغامرةً، أكثر من تلك التي تدعوهم إلى العمل
الصامت.
وهنا ينجح التنظيم في تحويل اللغة إلى سُلَّمٍ نفسيٍّ للهيمنة.
التقسيم بين (خطابٍ عامّ) و(خطابٍ خاصّ):
في العلن، يتحدَّث الموقِّت بلغةٍ متسامحةٍ ومفتوحةٍ حتَّى لا يُثير الريبة،
فيتحدَّث عن الأخلاق والإصلاح وخدمة الإمام، أمَّا في الخفاء، فله لغةٌ أخرى،
حادّة، مليئة بالتكليفات والرموز، فالخارجون يُسمَّون (الممتحنين)، والمنتقدون
(المنكرين)، والمراجع (المتأخرين في الفهم)، وبذلك تُنشأ طبقةٌ لغويةٌ باطنيةٌ
تُميّز الداخل عن الخارج، وتُغلق الجماعة على نفسها من الداخل.
ومن هنا، تنشأ قوة التنظيم: فاللغة الباطنية تُولِّد شعوراً بالتميّز، من يفهمها
يشعر بأنَّه من (الخاصة)، وأنَّ له علماً لا يعرفه أحد.
وهذه اللذة المعرفية هي ما يُغذِّي انتماء الفرد للجماعة أكثر من أيِّ مصلحةٍ
مادية، فكلّ إنسانٍ يحبّ أن يشعر بأنَّه في الدائرة الأقرب، وأنَّ له مكاناً في قلب
السرّ، والموقِّت الذكيّ يعرف كيف يُغذِّي هذا الشعور بالتدريج، حتَّى يصبح
الانتماء للجماعة هو هويّة الشخص، لا اختياره.
وفي هذه اللحظة، تُصبح اللغة نفسها نظام حمايةٍ للتنظيم، فمن يُرد أن يُراجع
الموقِّت أو يناقشه لا يجد مدخلاً، لأنَّ الكلام عندهم أصبح شفرةً لا تُفكّ إلَّا
من الداخل، وكلّ اعتراضٍ يُترجم إلى (اختبارٍ من الله)، وكلّ شكٍّ يُؤوَّل على
أنَّه (تمحيصٌ للمؤمنين)، وهكذا تنقلب اللغة من وسيلةٍ للفهم إلى أداةٍ للغلق، ومن
طريقٍ إلى الحقيقة إلى سورٍ حول الوهم.
ولأنَّ التنظيم الموقِّت يحتاج دائماً إلى تغذيةٍ رمزيةٍ جديدةٍ تُبقي النار
مشتعلة، فإنَّه يُعيد صياغة الأحداث العامة لتُناسب خطابه.
فإذا وقعت حربٌ في مكانٍ ما، قالوا: هذه علامة.
وإذا تغيَّر حاكمٌ أو انهار اقتصادٌ، قالوا: هذه بداية التحوُّل.
وكلّ خبرٍ في العالم يصبح جزءاً من نبوءتهم الكبرى، وهكذا يُصاغ الواقع اليوميّ
بعيونٍ مهدويةٍ ضيِّقةٍ لا ترى في التاريخ إلَّا تمهيداً لتأكيد روايتهم.
ولعلَّ أخطر ما في هذه اللغة أنَّها تُفرغ النصّ من مقصده وتملأه بضلالها،
فالروايات المهدوية التي كانت دعوةً إلى الصبر والتهيّؤ، تتحوَّل في خطابهم إلى
خرائط وأسماء، والقرآن الذي كان يُربِّي الناس على انتظار وعد الله دون استعجال،
يُقرأ في سياقٍ من الارتقاب السياسي، وهكذا تتحوَّل اللغة الدينية إلى جهازٍ من
أجهزة التنظيم، تُعيد تفسير الغيب بما يخدم حضور الجماعة وزعيمها.
إنَّ إعادة إنتاج اللغة هي إعادة إنتاج الوعي، لأنَّ الإنسان لا يرى إلَّا بالكلمات
التي يُفكّر بها، فإذا غيَّرت مفرداته، غيَّرت رؤيته للعالم.
ومن هنا، يُصبح أتباع التنظيم الموقِّت عاجزين عن رؤية الحقيقة خارج مفرداتهم
الخاصة؛ لأنَّهم فقدوا القدرة على التفكير بلغةٍ أخرى، وهذه هي ذروة السيطرة: أن
تُقنع الإنسان أنَّه حرّ، بينما هو لا يعرف كيف يتكلَّم إلَّا بلغتك.
ولذلك، فإنَّ مقاومة هذه التنظيمات لا تبدأ بتفنيد أرقامها أو مواعيدها، بل بإعادة
بناء اللغة الدينية الأصلية في وعي الناس، اللغة التي تقول: (الغيب أمانة،
والانتظار تكليف، والظهور وعدٌ لا يُبرمج).
فحين يُستعاد المعنى الصحيح للكلمة، تسقط سلطات كثيرة؛ لأنَّ الكلمة هي أوَّل ما
فسد، وهي أوَّل ما يجب إصلاحه.
وقد أدرك الأئمة (عليهم السلام) خطورة هذا الانحراف اللغويّ، فكانوا يحذِّرون من
(تفسير القرآن بالرأي)؛ لأنَّه يفتح الباب أمام التأويلات التي تُلبس الأهواء ثوب
الدين، فالتنظيم الموقِّت هو استمرارٌ لهذا التفسير بالرأي في صورةٍ جماعيةٍ
معاصرة: كلّ شيءٍ يُؤول على قدر مصلحته، وكلّ غموضٍ يُفسَّر بلسان الجماعة لا بلسان
الله (عزَّ وجلَّ).
إنَّ اللغة في هذه التنظيمات لا تُستخدم للتعبير عن الإيمان، بل لتثبيته كهويةٍ
سياسيةٍ، وكلَّما ضاقت المفردات، اتَّسعت التبعية؛ لذلك فإنَّ مقاومة هذا النمط من
الخطاب تتطلَّب ثورةً في المعجم لا في العنف، يجب أن تعود الكلمة إلى معناها
الأوَّل، لا إلى معناها التنظيمي.
التوقيت كأداةٍ للسلطة والسيطرة والصدام مع المرجعية ثمَّ تفكيك الظاهرة وإعادة
الوعي:
حين تتحوَّل الفكرة إلى جماعة، تتحوَّل العقيدة إلى سلطة، والسلطة بطبيعتها لا
تكتفي بأن تُقنع، بل تُريد أن تُطاع.
ومن هنا تبدأ المرحلة الأخطر في مسار كلّ تنظيمٍ موقِّت:
مرحلة تحويل الوعد الإلهيّ إلى نظامٍ اجتماعيٍّ للضبط والسيطرة.
فالموقِّت بعد أن جمع حوله المؤمنين، يحتاج إلى أن يُحافظ على تماسكهم، لأنَّ
الجماعة التي بُنيت على الخيال لا تعيش إلَّا بالتغذية المستمرة.
والوسيلة الأنجع للحفاظ على ولائهم ليست العلم، بل الخوف من فقدان المكانة الروحية.
وهكذا، يتحوَّل التوقيت من فكرةٍ إلى أداةٍ للسلطة، ومن بشارةٍ إلى تهديدٍ مستتر.
إنَّها طاعةٌ عاطفيةٌ تُمزَج بالرهبة، وتُغلَّف بالدعاء، وتُقدَّم للناس على أنَّها
أعلى درجات التسليم، بينما هي في حقيقتها استسلامٌ لإرادة بشريةٍ لبست ثوب الغيب،
إنَّ التحليل النفسيّ لهذه الظاهرة يُظهر أنَّ الموقِّت يمارس ما يُعرف في علم
النفس السياسيّ بـ(التقديس المتبادل)، فهو يُقدِّس أتباعه بوصفهم (خيرة الأُمَّة)،
وهم يُقدِّسونه بوصفه (عين الغيب فيهم)، وكلّ تقديسٍ متبادلٍ يُنتج علاقةَ تبعيةٍ
مطلقة؛ لأنَّ كِلا الطرفين يظنّ أنَّه يخدم الله في خدمة الآخر، وهكذا
يتحوَّل
الإيمان الصافي إلى دائرةٍ مغلقةٍ من المجاملة الروحية التي تُعطِّل التفكير
وتُبرِّر الأخطاء.
ومع الوقت، يتطوَّر الخطاب الداخليّ للجماعة من البشارة إلى التهديد، فكلّ تأخيرٍ
في الموعد يُفسَّر بأنَّ (الناس قصَّروا)، وكلّ اعتراضٍ يُعتبر (ابتلاءً من
الإمام)، وكلّ فشلٍ يُحوَّل إلى (امتحانٍ في الصبر)، وهكذا يُعاد تدوير الفشل في
قالبٍ إيمانيٍّ جديد، فيبقى القائد مصيباً دائماً، والجماعة على حقٍّ دائماً،
والزمان هو المخطئ الوحيد.
وفي لحظةٍ ما، حين تترسَّخ البنية التنظيمية، يصبح الموقِّت أكثر جرأةً على ما لم
يكن يجرؤ عليه من قبل، فقد يبدأ بـ(التقدير)، ثمّ (التأكيد)، ثمَّ (التكليف)، حتَّى
يصل إلى (التنفيذ)، وهنا تتجاوز الجماعة مرحلة التوقيت لتدخل في مرحلة الوصاية على
الغيب: فالقائد لا يتحدَّث فقط عن الظهور، بل عمّا يجب أن يفعله الناس (قبل
الظهور)؛ فيُصدر الأوامر والنواهي، ويُعيد صياغة الطاعة الشرعية في صورة تكليفٍ
خاصٍّ مرتبطٍ بموعدٍ إلهيٍّ لا يملكه أحد.
في هذه اللحظة، يُصبح التوقيت (سُلطةً ماورائية)، تُخضع الأتباع بلا قسرٍ ماديٍّ،
بل بقسرٍ رمزيٍّ، فالخوف من (فوات الظهور) أقوى من الخوف من أيّ عقوبةٍ دنيوية،
وكلّ من يشكّ أو يتراجع يُوصَف بأنَّه (من الممحوقين)، أو (من الممتحنين)، أو (من
الذين لم يثبِّت الله قلوبهم)، وهكذا، تُحاصَر حرية الفكر داخل خطابٍ مفعمٍ
بالإيمان، بينما هو في حقيقته إلغاءٌ لجوهر الإيمان.
ومن أخطر آثار هذه السلطة أنَّها تُعيد تشكيل الوعي الجمعيّ للمؤمنين؛ فتصبح
المرجعية الشرعية في نظرهم (منزلةً مؤجَّلة) لا يُحتاج إليها ما دام (الأمر)
قائماً، فيُقال لهم: (العلماء منشغلون بالظاهر، ونحن نحمل الباطن)، ويُقال أيضاً:
(المرجعية تنتظر، ونحن نمهِّد)، وبهذا التقابل الخفيّ
تُزرع في النفوس فكرة أنَّ
المرجعية في مرحلةٍ من التأخُّر عن الحدث الإلهيّ، وأنَّ الجماعة الجديدة هي (اليد
الخفيّة التي تُعدّ الأرض للظهور).
إنَّه صِدامٌ هادئ، لا يُعلن الحرب على العلماء، بل يُلغِيهم بصمتٍ تحت عناوين
الاحترام؛ فالموقِّت لا يقول: (لا تتَّبعوا المرجع)، بل يقول: (المرجع له مجاله،
ونحن لنا التكليف الخاصّ)، وهذا الخطاب هو أخطر أنواع الانحراف؛ لأنَّه لا يهدم
صراحةً، بل يُعيد ترتيب المراتب الإيمانية في وعي الناس، فيضع نفسه في مرتبة
(التكليف الإلهيّ)، ويضع المرجع في مرتبة (العلم البشريّ)، فيفقد الجمهور البوصلة
التي تُفرِّق بين الاجتهاد والإلهام.
ولأنَّ المرجعية تمثِّل في الوعي الشيعيّ (ضمير الجماعة)، فإنَّ أيّ محاولةٍ لعزلها
هي في حقيقتها محاولةٌ لعزل الضمير نفسه، فالجماعة التي تنفصل عن ضميرها تفقد
القدرة على تصحيح مسارها؛ لأنَّها لم تَعُد تسمع سوى صداها الداخليّ، وحين تغيب
المرجعية، تحضر الكارثة: كلّ شخصٍ يصبح مرجعاً في التأويل، وكلّ حلمٍ يُصبح دليلاً،
وكلّ حدسٍ يُصبح فتوى.
وفي تلك اللحظة، يدخل التنظيم مرحلة الاضمحلال الداخليّ، لأنَّ الجماعة التي تُبنى
على الكاريزما لا تعيش أكثر من صاحبها، فالموقِّت، مهما بلغت هيبته، محكومٌ بموعدٍ
لم يتحقَّق، وما إن ينقضي الزمن الذي وعد به دون أن يظهر الإمام، حتَّى يبدأ
التصدُّع: فبعضهم يبرِّر، وبعضهم ينشقّ، وبعضهم ينهار في الإيمان نفسه.
وهكذا، تكون نهاية كلّ تنظيمٍ موقِّتٍ هي عكس ما وعد به:
(خيبةٌ تُضعف الإيمان لا تُقوّيه).
الخطر الباطني لحركات التوقيت:
غير أنَّ خطورة هذه الظاهرة لا تنتهي بانهيارها الظاهريّ، لأنَّها تترك أثراً
باطنياً طويل الأمد في وجدان الأُمَّة: فقدان الثقة بالخطاب المهدويّ ذاته،
فكلّ
كذبةٍ عقائديةٍ تُضعف الإيمان العامّ، وكلّ وعدٍ زائفٍ يجعل الناس أقلّ استعداداً
لتصديق الوعد الحقيقيّ، ولهذا كان تحذير الأئمة (عليهم السلام) صارماً، ليس لأنَّهم
يخافون على الغيب، بل لأنَّهم يخافون على الإنسان من اليأس حين يسقط الغيب في أيدي
المتلاعبين به.
ولذلك، فإنَّ تفكيك ظاهرة التنظيمات الموقِّتة لا يكون بالاتِّهام أو النفي، بل
بإعادة الغيب إلى مكانه الطبيعيّ في البناء الدينيّ، فالغيب ليس ميداناً للمعلومات،
بل ميداناً للثقة، وليس وعداً لتحديد المواعيد، بل دعوةٌ لتهذيب القلوب كي تكون
مستحقّةً لمجيء العدل.
فحين يفهم المؤمن أنَّ الغيب ليس جزءاً من سلطته، يتحرَّر من كلّ من حاول أن
يتسلَّط عليه باسمه، وحين يعود الخطاب المهدويّ إلى أصله القرآنيّ - وعدٌ مشروطٌ
بالعمل، لا بموعدٍ زمنيٍّ - تسقط كلّ الأسوار التي بناها الموقِّتون حول عقول
الناس؛ لأنَّ السلطة التي تُبنى على الخوف من الغيب، تُدمَّر حين يُصبح الغيبُ
محلَّ الطمأنينة لا الرعب.
إنَّ الله لم يُخفِ الظهور عن عباده ليحرمهم من الأمل، بل ليحميهم من عبوديّة
المواعيد الزائفة؛ ولذلك، فإنَّ أوَّل خطوةٍ نحو (الوعي المهدويّ الناضج) هي أن
نُعيد تعريف الطاعة: ليست الطاعة أن تُغلق عقلك أمام رجلٍ يقول: (إنِّي أعلم)، بل
أن تفتح قلبك أمام الله الذي يقول: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ
الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: ٥٩)، بهذا فقط تُستعاد
المهدوية من أيدي التنظيمات السرية إلى سكينة الإيمان، وبهذا فقط يُصبح الانتظار
فعلاً من أفعال الوعي، لا من انفعالات الغرور، فمن صدَّق الموقِّت فقد جعل من خوفه
مرجعاً، ومن سلَّم لله فقد جعل من إيمانه وطناً.
