عوامل عدم
التسليم للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وطرق علاجها
السيد علي السيد محمد حسين الحكيم
مجلة الموعود - العدد (٢٠)
ربيع الأوَّل ١٤٤٨هـ / آب ٢٠٢٦م
من العوامل الموجبة إمَّا للتقصير أو عدم الامتثال
للأمر:...................٥٦
العامل الأوَّل: خفاء مقام
الطرف الآخر:...................٥٦
العامل الثاني:
الفتنة:...................٥٧
العامل الثالث:
التكبر:...................٥٧
العامل الرابع:
الطمع:...................٥٨
العامل الخامس:
الحسد:...................٥٨
العامل السادس: حب
الظهور:...................٥٩
أوَّلاً: قراءة نصوص مقام
أهل البيت (عليهم السلام) والتدبُّر فيها:...................٦٠
وحديث
الأنوار:...................٦٢
الثاني: قراءة روايات
ضرورة التسليم لهم:...................٦٣
الثالث: قراءة روايات حسن
الخلق:...................٦٤
الرابع: التعرُّف على سيرة
خُلَّص أصحابهم في التسليم لأوامرهم فهم القدوة بذلك:................... ٦٤
عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال أبو
عبد الله (عليه السلام): «لَمْ تَبْقَ الأَرْضُ إِلَّا وَفِيهَا مِنَّا عَالِمٌ،
يَعْرِفُ الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ، قَالَ إِنَّمَا جُعِلَتِ التَّقِيَّةُ لِيُحْقَنَ
بِهَا الدَّمُ، فَإِذَا بَلَغَتِ التَّقِيَّةُ الدَّمَ فَلَا تَقِيَّةَ، وَأيْمُ
اللهِ لَوْ دُعِيتُمْ لِتَنْصُرُونَا، لَقُلْتُمْ لَا نَفْعَلُ إِنَّمَا نَتَّقِي،
وَلَكَانَتِ التَّقِيَّةُ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ آبَائِكُمْ وَأُمَّهَاتِكُمْ،
وَلَوْ قَدْ قَامَ القَائِمُ، مَا احْتَاجَ إِلَى مُسَاءَلَتِكُمْ عَنْ ذَلِكَ،
وَلَأَقَامَ فِي كَثِيرٍ مِنْكُمْ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ حَدَّ اللهِ»(١).
بما أنَّنا بعيدون عن معاشرة الأئمة (عليهم السلام) فلم نتعوَّد على أن نتعامل مع
الولي المطلق، ومن له ولاية تكوينية وتشريعية، ومعصوم من الخطأ، وعالم بالغيب، بل
كل تعاملنا مع أناس أقصى ما يكونون مجتهدين ليس لهم ولاية ولا علم غيب، فقد لا نكون
على استعداد تام لحال ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) بل قد تصدر منا معصية لبعض
أوامره إذا كانت فيها نوع من الغرابة والشدة، أو التأثير على الحياة العامة، أو تمس
الأهل أو المال، فلا نستغرب من ذلك ونتصوَّر أنفسنا بمنأى عن المعصية له (عجَّل
الله فرجه) بما أنَّنا متلهفون ومتشوِّقون لظهوره، لأنَّ العوامل الموجبة لعدم
الطاعة كثيرة وقد تسببت بانحراف كثيرين، وبهذه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي: ج٦، ص٣٩٩.
العجالة نستعرض بعض ما خطر في الذهن
من عوامل تمنع التسليم المطلق للإمام (عجَّل الله فرجه).
من العوامل الموجبة إمَّا للتقصير
أو عدم الامتثال للأمر:
العامل الأوَّل: خفاء مقام الطرف
الآخر:
كما حصل مع نبيِّنا موسى والخضر (عليهما السلام) حيث خفي على نبي الله موسى (عليه
السلام) ما عند الخضر (عليه السلام) من العلم وكونه مطَّلعاً على الغيب الذي هو لم
يكن بعد مطَّلعاً عليه، ومع أنَّه هو من طلب مرافقة الخضر على أن يتعلَّم منه
قائلاً: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا
عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ (الكهف: ٦٦) إلَّا أنه اعترض عليه حينما لم يعرف وجه
الحكمة وخفي عليه أمر الغيب في تصرفه، وليس هذا غريباً مع أئمتنا (عليهم السلام)،
فهذا هو ما جعل خُلَّص أصحاب الإمام الحسن (عليه السلام) يعترضون على مشروع الصلح
الذي قام به (عليه السلام) مع معاوية حتَّى اعترضوا عليه أشد الاعتراضات، وردَّ
عليهم (عليه السلام) كما ورد عن أبي سعيد عقيصا، قال: قلت للحسن بن علي بن أبي
طالب: يا بن رسول الله، لِـمَ داهنت معاوية وصالحته وقد علمت أنَّ الحق لك دونه
وأنَّ معاوية ضالٌّ باغ؟ فقال: «يا أبا سعيد ألست حجة الله (تعالى ذكره) على خلقه
وإماماً عليهم بعد أبي (عليه السلام)»؟ قلت: بلى، قال: «ألست الذي قال رسول الله
(صلَّى الله عليه وآله) لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»؟ قلت: بلى،
قال: «فأنا إذن إمام لو قمت وأنا إمام إذ لو قعدت، يا أبا سعيد علَّة مصالحتي
لمعاوية علَّة مصالحة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل
مكة حين انصرف من الحديبية، أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل، يا
أبا سعيد إذا كنت إماماً من قبل الله (تعالى ذكره) لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته
من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً ألا ترى الخضر (عليه
السلام) لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى (عليه السلام) فعله
لاشتباه وجه الحكمة عليه
حتَّى أخبره فرضي، هكذا أنا، سخطتم
عليَّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد
إلَّا قتل»(٢).
ويمكن أن نقع بنفس ما وقع به غيرنا من الاعتراض عليه (عجَّل الله فرجه) إذا قتل من
نراه لا ينبغي قتله أو فعل فعلاً بحسب نظرنا القاصر لا ينبغي فعله.
العامل الثاني: الفتنة:
كما حصل للزبير مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، فمن يرى موقفه يوم السقيفة وشدَّة
دفاعه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وعن أحقيته بمنصب الإمامة وشدَّة اعتراضه على
ما جرى في السقيفة يتمنَّى أنَّه قتل قبل أن يدرك إمامة الإمام أمير المؤمنين (عليه
السلام) ويخرج لحربه في معركة الجمل، وذلك بسبب افتتانه بولده عبد الله حتَّى قال
أمير المؤمنين (عليه السلام) في حقِّه: «مازال الزبير رجلاً منا أهل البيت حتَّى
نشأ ولده المشؤوم عبد الله»(٣)، وكم كان الولد أو الزوجة أو المال أو المنصب أو
الجاه فتنة ومانعاً عن اتِّباع الحق.
ومن الفتن التي ذكرتها الروايات، وذكرت أنَّها من أسباب الانحراف عنه (عليه السلام)
ما ورد في رجوعه (عليه السلام) شاباً، ففي الغيبة بسنده عن أبي عبد الله (عليه
السلام): «لو قد قام القائم لأنكره الناس، لأنَّه يرجع إليهم شاباً موفقاً لا يثبت
عليه إلَّا من قد أخذ الله ميثاقه في الذر الأوَّل»(٤).
العامل الثالث: التكبر:
فقد يكون الشخص عارفاً بمقام الآمر لكن يأخذه التكبُّر والتعالي عن الطاعة مع سبق
الطاعة منه كما حصل لإبليس لعنه الله مع الله تعالى بعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) بحار الأنوار: ج٤٤، ص٢.
(٣) نهج البلاغة: ص٥٥٥، بالرقم ٤٥٣.
(٤) الغيبة للشيخ النعماني: ص١٩٤.
خلق آدم، فلو كان مات قبل خلق آدم
لكان من أقرب المقرَّبين، لكن تكبُّره منعه من امتثال أمر الله تعالى مع علمه بمقام
الله تعالى ووجوب طاعته، بل هو كان من أشد المطيعين، فرفض السجود بحجة كونه أشرف من
آدم، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ
وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف: ١٢؛ ص: ٧٦)، مع علمه بأنَّ الله تعالى
لا يأمر بشيء عبثاً فتكبره وقياسه الأمور بحسب مقاييسه الجاهلة أوجب عصيانه لأمر
الله تعالى مع علمه بمقامه ومنزلته.
العامل الرابع: الطمع:
الذي قد يحصل أيضاً مع معرفة تامة بمقام الطرف الآخر ولكنَّه قد يحصل حتَّى من
الأوحدي من الناس ومن هو ذو مقام ومنزلة، فحتَّى من يكون في مقام رفيع قد يقع في
فتنة الطمع الدنيوي والوجاهة، كما حصل للواقفة كعلي بن أبي حمزة البطائني وزياد
القندي، وعثمان بن عيسى الرواسي، حيث طمعوا بما كان عندهم من مال وما كان لهم عند
الناس من مقام وامتنعوا عن طاعة الإمام الرضا (عليه السلام) طمعاً في المال
والوجاهة، فقد يصل الإنسان لمقامٍ سامٍ ويمنعه الطمع من طاعة الإمام بما يراه من
إقبال الناس عليه وغير ذلك، حيث يرى نفسه متبوعاً وإذا به يكون تابعاً ويزول ما كان
تحت يده من مال وجاه ومكانه.
العامل الخامس: الحسد:
وهو أيضاً يكون مع علم تام بمقام الطرف الآخر كما حصل للشلمغاني بحسده للحسين بن
روح (رضوان الله عليه) حيث كان يتوقَّع أن يكون هو السفير بدل الحسين بن روح مع
أنَّه كان يعرف مقام الحسين بن روح ويعرف مقام الإمام الحجة (عجَّل الله فرجه) ومع
ذلك عصى أمر الإمام (عجَّل الله فرجه) حسداً منه لأنَّه كان يرجو أن تكون السفارة
له فمنعه حسده من التسليم والطاعة للإمام (عجَّل الله فرجه).
ومن أشدِّ النصوص الصادرة من هذا
المنحرف قوله الذي يكشف عن نفسيته الحسودة حيث روي عنه: (ما دخلنا مع أبي القاسم
الحسين بن روح (رضي الله عنه) في هذا الأمر إلَّا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه لقد كنا
نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف)(٥).
العامل السادس: حب الظهور:
أنقل قصة سمعتها عن سيدنا الأستاذ المرجع الديني فقيه أهل البيت (عليهم السلام)
السيد محمد سعيد الحكيم (قدّس سرّه) عن شخص من الفضلاء كان يرافقه شخص التفت إلى
أنَّه حينما يذكر صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه) فإنَّه لا يذكره بتعجيل
الفرج، فصار في نفسه أن يتابع ذلك منه حتَّى تأكد من عدم تعجيله ظاهراً، فالتفت
إليه وسأله عن سبب ذلك، فقال: إنِّي ألَّفت كتاباً وقد بذلت فيه جهداً أحب أن يعرف
فإذا ظهر (عجَّل الله فرجه) من يعرف قيمة كتابي مع وجود من عنده الحكم الواقعي،
فقال (قدّس سرّه): سبحان الله نقل أنَّه لم يوفق لا إلى طباعة الكتاب ولا إلى أن
يكون له شأن علمي مع ما كان عليه من مقام علمي وهؤلاء وأمثاله من ورد فيهم ما رواه:
«ويسير إلى الكوفة فيخرج منها ستة عشر ألفاً من البترية، شاكين في السلاح، قراء
القرآن، فقهاء في الدين، قد قرحوا جباههم وسمروا ساماتهم وعمهم النفاق، وكلّهم
يقولون: يا بن فاطمة ارجع لا حاجة لنا فيك، فيضع السيف فيهم على ظهر النجف»(٦)،
وكذلك ما حصل للسامري مع موسى (عليه السلام) حيث كان حب الظهور موجباً لعصيان أمر
النبي (عليه السلام)، وصنع العجل والدعوة للشرك وعبادة الأصنام مع معرفته بمقام
موسى (عليه السلام) والله (عزَّ وجلَّ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) الغيبة للشيخ الطوسي: ص٣٩١.
(٦) تفسير أبي الجارود: ص٣١٨.
وقد يُسأل حينئذٍ عن كيفية العلاج
لذلك:
والجواب: أنَّ هناك العديد من الأمور النافعة، ومنها:
أوَّلاً: قراءة نصوص مقام أهل البيت
(عليهم السلام) والتدبُّر فيها:
ليزداد بهم معرفة ويقيناً ولا يتردد في معرفة مقامهم ومنزلتهم عند الله تعالى مثل
حديث اللوح(٧) الوارد عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قَالَ
أَبِي لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيِّ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً
فَمَتَى يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ أَخْلُوَ بِكَ فَأَسْأَلَكَ عَنْهَا؟ فَقَالَ لَه
جَابِرٌ: أَيَّ الأَوْقَاتِ أَحْبَبْتَه، فَخَلَا بِه فِي بَعْضِ الأَيَّامِ
فَقَالَ لَه: يَا جَابِرُ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّوْحِ الَّذِي رَأَيْتَه فِي يَدِ
أُمِّي فَاطِمَةَ (عليها السلام) بِنْتِ رَسُولِ الله (صلَّى الله عليه وآله) ومَا
أَخْبَرَتْكَ بِه أُمِّي أَنَّه فِي ذَلِكَ اللَّوْحِ مَكْتُوبٌ، فَقَالَ جَابِرٌ:
أَشْهَدُ بِالله أَنِّي دَخَلْتُ عَلَى أُمِّكَ فَاطِمَةَ (عليها السلام) فِي
حَيَاةِ رَسُولِ الله (صلَّى الله عليه وآله) فَهَنَّيْتُهَا بِوِلَادَةِ
الحُسَيْنِ ورَأَيْتُ فِي يَدَيْهَا لَوْحاً أَخْضَرَ ظَنَنْتُ أَنَّه مِنْ
زُمُرُّدٍ ورَأَيْتُ فِيه كِتَاباً أَبْيَضَ شِبْه لَوْنِ الشَّمْسِ، فَقُلْتُ
لَهَا: بِأَبِي وأُمِّي يَا بِنْتَ رَسُولِ الله (صلَّى الله عليه وآله)، مَا هَذَا
اللَّوْحُ؟ فَقَالَتْ: هَذَا لَوْحٌ أَهْدَاه الله إِلَى رَسُولِه (صلَّى الله عليه
وآله)، فِيه اسْمُ أَبِي واسْمُ بَعْلِي واسْمُ ابْنَيَّ واسْمُ الأَوْصِيَاءِ مِنْ
وُلْدِي، وأَعْطَانِيه أَبِي لِيُبَشِّرَنِي بِذَلِكَ، قَالَ جَابِرٌ:
فَأَعْطَتْنِيه أُمُّكَ فَاطِمَةُ (عليها السلام) فَقَرَأْتُه واسْتَنْسَخْتُه،
فَقَالَ لَه أَبِي: فَهَلْ لَكَ يَا جَابِرُ أَنْ تَعْرِضَه عَلَيَّ؟ قَالَ:
نَعَمْ، فَمَشَى مَعَه أَبِي إِلَى مَنْزِلِ جَابِرٍ فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مِنْ
رَقٍّ، فَقَالَ: يَا جَابِرُ انْظُرْ فِي كِتَابِكَ لأَقْرَأَ أَنَا عَلَيْكَ،
فَنَظَرَ جَابِرٌ فِي نُسْخَةٍ فَقَرَأَه أَبِي فَمَا خَالَفَ حَرْفٌ حَرْفاً،
فَقَالَ جَابِرٌ: فَأَشْهَدُ بِالله أَنِّي هَكَذَا رَأَيْتُه فِي اللَّوْحِ
مَكْتُوباً:
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هَذَا كِتَابٌ مِنَ الله العَزِيزِ الحَكِيمِ لِمُحَمَّدٍ نَبِيِّه ونُورِه
وسَفِيرِه وحِجَابِه ودَلِيلِه نَزَلَ بِه الرُّوحُ الأَمِينُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ
العَالَمِينَ، عَظِّمْ يَا مُحَمَّدُ أَسْمَائِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٥٢٧-٥٢٨، ح٣، باب فيما جاء في الاثني عشر والنص عليهم (عليهم السلام).
واشْكُرْ نَعْمَائِي ولَا تَجْحَدْ آلَائِي، إِنِّي أَنَا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنَا، قَاصِمُ الجَبَّارِينَ ومُدِيلُ المَظْلُومِينَ ودَيَّانُ الدِّينِ، إِنِّي أَنَا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنَا، فَمَنْ رَجَا غَيْرَ فَضْلِي أَوْ خَافَ غَيْرَ عَدْلِي عَذَّبْتُه عَذَاباً لَا أُعَذِّبُه أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ، فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ وعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ، إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ نَبِيّاً فَأُكْمِلَتْ أَيَّامُه وانْقَضَتْ مُدَّتُه إِلَّا جَعَلْتُ لَه وَصِيّاً، وإِنِّي فَضَّلْتُكَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ وفَضَّلْتُ وَصِيَّكَ عَلَى الأَوْصِيَاءِ وأَكْرَمْتُكَ بِشِبْلَيْكَ وسِبْطَيْكَ حَسَنٍ وحُسَيْنٍ فَجَعَلْتُ حَسَناً مَعْدِنَ عِلْمِي بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ أَبِيه، وجَعَلْتُ حُسَيْناً خَازِنَ وَحْيِي وأَكْرَمْتُه بِالشَّهَادَةِ وخَتَمْتُ لَه بِالسَّعَادَةِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مَنِ اسْتُشْهِدَ وأَرْفَعُ الشُّهَدَاءِ دَرَجَةً، جَعَلْتُ كَلِمَتِيَ التَّامَّةَ مَعَه وحُجَّتِيَ البَالِغَةَ عِنْدَه، بِعِتْرَتِه أُثِيبُ وأُعَاقِبُ، أَوَّلُهُمْ عَلِيٌّ سَيِّدُ العَابِدِينَ وزَيْنُ أَوْلِيَائِيَ المَاضِينَ وابْنُه شِبْه جَدِّه المَحْمُودِ مُحَمَّدٌ البَاقِرُ عِلْمِي والمَعْدِنُ لِحِكْمَتِي سَيَهْلِكُ المُرْتَابُونَ فِي جَعْفَرٍ الرَّادُّ عَلَيْه كَالرَّادِّ عَلَيَّ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأُكْرِمَنَّ مَثْوَى جَعْفَرٍ ولأَسُرَّنَّه فِي أَشْيَاعِه وأَنْصَارِه وأَوْلِيَائِه أُتِيحَتْ بَعْدَه مُوسَى فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ حِنْدِسٌ، لأَنَّ خَيْطَ فَرْضِي لَا يَنْقَطِعُ وحُجَّتِي لَا تَخْفَى وأَنَّ أَوْلِيَائِي يُسْقَوْنَ بِالكَأْسِ الأَوْفَى، مَنْ جَحَدَ وَاحِداً مِنْهُمْ فَقَدْ جَحَدَ نِعْمَتِي ومَنْ غَيَّرَ آيَةً مِنْ كِتَابِي فَقَدِ افْتَرَى عَلَيَّ، وَيْلٌ لِلْمُفْتَرِينَ الجَاحِدِينَ عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ مُوسَى عَبْدِي وحَبِيبِي وخِيَرَتِي فِي عَلِيٍّ وَلِيِّي ونَاصِرِي ومَنْ أَضَعُ عَلَيْه أَعْبَاءَ النُّبُوَّةِ وأَمْتَحِنُه بِالاضْطِلَاعِ بِهَا يَقْتُلُه عِفْرِيتٌ مُسْتَكْبِرٌ يُدْفَنُ فِي المَدِينَةِ الَّتِي بَنَاهَا العَبْدُ الصَّالِحُ إِلَى جَنْبِ شَرِّ خَلْقِي، حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَسُرَّنَّه بِمُحَمَّدٍ ابْنِه وخَلِيفَتِه مِنْ بَعْدِه ووَارِثِ عِلْمِه فَهُوَ مَعْدِنُ عِلْمِي ومَوْضِعُ سِرِّي وحُجَّتِي عَلَى خَلْقِي لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ بِه إِلَّا جَعَلْتُ الجَنَّةَ مَثْوَاه وشَفَّعْتُه فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِه كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ، وأَخْتِمُ بِالسَّعَادَةِ لِابْنِه عَلِيٍّ وَلِيِّي ونَاصِرِي والشَّاهِدِ فِي خَلْقِي وأَمِينِي عَلَى وَحْيِي أُخْرِجُ مِنْه الدَّاعِيَ إِلَى سَبِيلِي والخَازِنَ لِعِلْمِيَ الحَسَنَ، وأُكْمِلُ ذَلِكَ بِابْنِه [محمد] رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، عَلَيْه كَمَالُ مُوسَى وبَهَاءُ عِيسَى وصَبْرُ
أَيُّوبَ، فَيُذَلُّ أَوْلِيَائِي
فِي زَمَانِه وتُتَهَادَى رُؤُوسُهُمْ كَمَا تُتَهَادَى رُؤُوسُ التُّرْكِ
والدَّيْلَمِ، فَيُقْتَلُونَ ويُحْرَقُونَ ويَكُونُونَ خَائِفِينَ مَرْعُوبِينَ
وَجِلِينَ، تُصْبَغُ الأَرْضُ بِدِمَائِهِمْ ويَفْشُو الوَيْلُ والرَّنَّةُ فِي
نِسَائِهِمْ، أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقّاً، بِهِمْ أَدْفَعُ كُلَّ فِتْنَةٍ
عَمْيَاءَ حِنْدِسٍ، وبِهِمْ أَكْشِفُ الزَّلَازِلَ وأَدْفَعُ الآصَارَ
والأَغْلَالَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ
هُمُ المُهْتَدُونَ»، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمٍ: قَالَ أَبُو بَصِيرٍ:
لَوْ لَمْ تَسْمَعْ فِي دَهْرِكَ إِلَّا هَذَا الحَدِيثَ لَكَفَاكَ فَصُنْه إِلَّا
عَنْ أَهْلِه.
وحديث الأنوار(٨):
قال علي بن الحسين (صلوات الله عليهما): «حدَّثني أبي، عن أبيه، عن رسول الله
(صلَّى الله عليه وآله) قال: يا عباد الله، إنَّ آدم لما رأى النور ساطعاً من صلبه
إذ كان الله قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره رأى النور ولم يتبيَّن الأشباح،
فقال: يا ربِّ ما هذه الأنوار؟ قال الله (عزَّ وجلَّ): أنوار أشباح نقلتهم من أشرف
بقاع عرشي إلى ظهرك، ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح،
فقال آدم: يا ربّ لو بيَّنتها لي، فقال الله تعالى: انظر يا آدم إلى ذروة العرش،
فنظر آدم - ووقع نور أشباحنا من ظهر آدم - على ذروة العرش فانطبع فيه صور أنوار
أشباحنا كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة الصافية، فرأى أشباحنا، فقال: ما هذه
الأشباح يا رب؟ فقال الله: يا آدم هذه الأشباح أفضل خلائقي وبرياتي: هذا محمد وأنا
الحميد والمحمود في أفعالي شققت له اسماً من اسمي، وهذا علي وأنا العلي العظيم شققت
له اسماً من اسمي، وهذه فاطمة وأنا فاطر السماوات والأرض فاطم أعدائي عن رحمتي يوم
فصل قضائي، وفاطم أوليائي عما يعتريهم ويشينهم فشققت لها اسماً من اسمي، وهذا الحسن
وهذا الحسين وأنا المحسن المجمل شققت لها اسماً من اسمي، هؤلاء خيار خليقتي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): ص٢١٩.
وكرام بريتي، بهم آخذ وبهم أعطي
وبهم أعاقب وبهم أثيب، فتوسَّل إليَّ بهم يا آدم، وإذا دهتك داهية فاجعلهم إليَّ
شفعاءك، فإنِّي آليت على نفسي قسماً حقًّا لا أخيب بهم آملاً، ولا أرد بهم سائلاً،
فلذلك حين نزلت منه الخطيئة (و خ) دعا الله (عزَّ وجلَّ) بهم فتاب عليه وغفر له».
الثاني: قراءة روايات ضرورة
التسليم لهم:
منها: ما عن ابن مسكان عن سدير، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنِّي تركت
مواليك مختلفين يتبرأ بعضهم من بعض، قال: فقال: «وما أنت وذاك، إنَّما كُلِّف الناس
ثلاثة: معرفة الأئمة، والتسليم لهم فيما ورد عليهم، والرد إليهم فيما اختلفوا
فيه»(٩).
وما ورد عن عبد الله الكاهلي، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لو أنَّ قوماً
عبدوا الله وحده لا شريك له وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا البيت وصاموا شهر
رمضان ثم قالوا لشيء صنعه الله أو صنعه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ألَّا صنع
خلاف الذي صنع، أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلا
وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا
يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[النساء: ٦٥]»، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): «عليكم بالتسليم»(١٠).
وعن زيد الشحام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: إن عندنا رجلاً يقال
له كليب، لا يجيء عنكم شيء إلَّا قال: أنا أسلِّم، فسمَّيناه كليب تسليم، قال:
فترحَّم عليه، ثم قال: «أتدرون ما التسليم»؟ فسكتنا، فقال: «هو والله الإخبات، قول
الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣]»(١١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) بصائر الدرجات - محمد بن الحسن
الصفار: ص٥٤٣.
(١٠) المحاسن - البرقي: ص٢٧١.
(١١) الكافي: ج١، ص٣٩١.
الثالث: قراءة روايات حسن الخلق:
لتتربَّى النفس على الأخلاق الإيمانية وترك التكبُّر والطمع والتعلُّق بالدنيا وحبّ
الذات وحبّ الظهور وتتعوَّد على التواضع والقناعة والرضا بما قسم الله تعالى والحب
لله تعالى.
الرابع: التعرُّف على سيرة خُلَّص
أصحابهم في التسليم لأوامرهم فهم القدوة بذلك:
ومنه ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) مع سهل الخراساني كما في مناقب ابن
شهرآشوب: حدث إبراهيم، عن أبي حمزة، عن مأمون الرقي، قال: كنت عند سيدي الصادق
(عليه السلام) إذ دخل سهل بن الحسن الخراساني فسلم عليه ثم جلس فقال له: يا بن رسول
الله لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد
عنه!؟ وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف!؟ فقال له (عليه السلام):
«اجلس يا خراساني رعى الله حقَّك»، ثم قال: «يا حنيفة أسجري التنور»، فسجرته حتَّى
صار كالجمرة وابيضَّ علوه، ثم قال: «يا خراساني، قم فاجلس في التنور»، فقال
الخراساني: يا سيدي يا بن رسول الله لا تعذِّبني بالنار، أقلني أقالك الله، قال:
«قد أقلتك»، فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون المكي، ونعله في سبابته، فقال: السلام
عليك يا بن رسول الله، فقال له الصادق (عليه السلام): «ألق النعل من يدك، واجلس في
التنور»، قال: فألقى النعل من سبابته ثم جلس في التنور، وأقبل الإمام (عليه السلام)
يحدِّث الخراساني حديث خراسان حتَّى كأنَّه شاهدٌ لها، ثم قال: «قم يا خراساني
وانظر ما في التنور»، قال: فقمت إليه فرأيته متربِّعاً، فخرج إلينا وسلَّم علينا،
فقال له الإمام (عليه السلام): «كم تجد بخراسان مثل هذا»؟ فقال: والله ولا واحداً،
فقال (عليه السلام): «لا والله ولا واحداً»، فقال: «أما إنَّا في زمان لا نجد فيه
خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت»(١٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) المناقب لابن شهرآشوب: ج٤، ص٢٣٧.
وما ورد عن جعفر بن أحمد بن متيل،
قد روى الشيخ(١٣) قال مشايخنا: كنا لا نشك أنَّه إنَّ كانت كائنة من أبي جعفر (يعني
محمد بن عثمان) لا يقوم مقامه إلَّا جعفر بن أحمد بن متيل أو أبوه لما رأينا من
الخصوصية به وكثرة كينونته في منزله، حتَّى بلغ أنَّه كان في آخر عمره لا يأكل
طعاماً إلَّا ما أصلح في منزل جعفر بن أحمد بن متيل وأبيه بسبب وقع له، وكان طعامه
الذي يأكله في منزل جعفر وأبيه، وكان أصحابنا لا يشكون إن كانت حادثة لم تكن الوصية
إلَّا إليه من الخصوصية به، فلما كان عند ذلك وقع الاختيار على أبي القاسم سلَّموا
ولم ينكروا، وكانوا معه وبين يديه كما كانوا مع أبي جعفر (رضي الله عنه)، ولم يزل
جعفر بن أحمد بن متيل في جملة أبي القاسم (رضي الله عنه) وبين يديه كتصرفه بين يدي
أبي جعفر العمري إلى أن مات (رضوان الله عليه) إلى آخره.
وروى الشيخ أيضاً(١٤) عن علي بن محمد بن متيل، عن عمه جعفر بن أحمد بن متيل، قال:
لما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان العمري (رضوان الله عليه) الوفاة كنت جالساً عند
رأسه أسأله وأحدِّثه، وأبو القاسم بن روح عند رجليه، فالتفت إليَّ ثم قال: أمرت أن
أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح.
قال: فقمت من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني وتحوَّلت إلى عند
رجليه.
والحمد لله ربِّ العالمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) الغيبة للشيخ الطوسي: ص٢٤٠.
(١٤) الغيبة للشيخ الطوسي: ص٢٤١.
