روايات السكون وأحلاس البيوت قبل الظهور
وأثرها في نفي مشروعية الخروج قبل قيام القائم (عجَّل الله فرجه)
سماحة الشيخ محمد هادي آل الشيخ راضي
بحث مستفاد من دروس البحث الخارج في ولاية الفقيه (مخطوط) لسماحته (دامت فيوضاته)
إعداد: اللجنة العلمية في مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
مجلة الموعود - العدد (٢٠)
ربيع الأوَّل ١٤٤٨هـ / آب ٢٠٢٦م
المبحث الأوَّل: وفيه
ثلاث مطالب:...................١٥
قرائن تدل على التصحيف في سدير
الصيرفي:...................١٩
الجهة الثانية: البحث في وثاقة سدير
الصيرفي:...................٢٢
ويمكن تقريب دلالة الرواية على عدم مشروعية
الخروج بشكل مطلق بتقريبين:...................٢٤
دفع احتمال اختصاص الرواية بمدَّعي
المهدوية:...................٢٦
الفرق بين أصل الخروج والالتحاق
بالخارجين:...................٢٧
اعتراض القضية الخارجية وإشكال
التعدِّي:...................٢٨
النحو الأوَّل: أن تكون الخصوصية بلحاظ نوع
الخارج:...................٢٨
النحو الثاني: أن تكون الخصوصية بلحاظ شخص
سدير وموقعه:...................٢٩
نتيجة الاستدلال برواية
سدير:...................٣١
دور الروايات الأخرى في إلغاء
الخصوصية:...................٣١
المبحث الثاني: الأخبار المؤيِّدة أو المعينة
على إلغاء الخصوصية، ومدى صلاحيتها لتعميم الحكم:...................٣٢
الرواية الأولى: رواية الفضل
الكاتب:...................٣٣
الرواية الثانية: رواية الحسين بن
خالد:...................٣٤
الرواية الثالثة: رواية أبي بصير عن سلمان
(رضي الله عنه):...................٣٦
الرواية الرابعة: رواية جابر
الجعفي:...................٣٧
المحصلة من روايات
السكون:...................٤٩
المناقشة الأولى: احتمال القضية
الخارجية:...................٤٩
المناقشة الثانية: احتمال الاختصاص بالخروج مع
مدَّعي المهدوية:...................٥٠
المناقشة الثالثة: احتمال الاختصاص بمن يدعو
إلى نفسه:...................٥٠
المناقشة الرابعة: احتمال الاختصاص بالخروج
المسلح:...................٥١
النسبة بين هذه الروايات ودليل
الحسبة:...................٥١
النتيجة النهائية:...................٥٢
تُعدّ
مسألة الموقف الشرعي من الخروج على الحاكم الجائر والحركة قبل ظهور الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) من المسائل المهمة المرتبطة بوظيفة الأُمَّة في عصر الغيبة، وقد
شكَّلت الروايات الواردة في باب «أحلاس البيوت» و«لزوم السكون» أحد الموارد التي
استند إليها القائلون بعدم مشروعية الخروج وإقامة الدولة قبل تحقق علامات الظهور.
ومن أبرز هذه الروايات خبر سدير الصيرفي ونظائره، المتضمِّن للأمر بلزوم البيت وترك
الحركة إلى حين ظهور السفياني، حيث استُدلّ به على لزوم السكون وعدم جواز الخروج
قبل العلامات، إلَّا أنَّ هذا الاستدلال يتوقَّف على تحقيق الرواية من جهتين: السند
والدلالة.
فمن جهة السند، أُثيرت عدَّة إشكالات، منها: عدم النص على وثاقة بعضهم كـ(سدير
الصيرفي)، واشتراك بعض الرواة كـ(بكر بن محمد) بين الثقة وغيره، مما استدعى بحثاً
رجاليًّا دقيقاً شمل دراسة منشأ توهّم التعدُّد في كلمات الرجاليين، وتحليل عبارات
الكشي (رحمه الله)، واحتمال التصحيف في النصوص، والاستفادة من كلمات النجاشي (رحمه
الله)، وصولاً إلى محاولة إثبات الاتِّحاد ورفع الإشكال السندي.
كما
تمَّ الاستناد إلى بعض القواعد الرجالية، كاعتماد رواية ابن أبي عمير في إثبات
الوثاقة، مع مناقشة مدى تمامية ذلك.
هذا ولم يقتصر البحث على ذلك، بل امتد إلى دراسة حال بعض الرواة الآخرين ممن ورد في
الأخبار المقاربة لمضمون رواية سدير، كجابر بن يزيد الجعفي، وتحليل ما قيل فيه من
الاختلاط، وبيان أنَّ الإشكال فيه قد يكون ناظراً إلى مضمون الروايات لا إلى
وثاقته، مع حمل بعض الروايات الظاهرة في القدح على التقية أو عدم إرادة الإذاعة،
مما يؤثِّر في تقييم الروايات المرتبطة بباب السكون.
وأمَّا من جهة الدلالة، فقد تناول البحث تحليل مدلول روايات السكون، وبيان أنَّ
النهي فيها قد يكون ناظراً إلى الخروج مع الخارجين لا إلى أصل الخروج ابتداءً، مع
بحث الملازمة العرفية بين النهي عن الالتحاق بالخارجين وبين عدم مشروعية أصل
الخروج، ومدى تمامية هذه الملازمة.
كما تمَّ التعرُّض إلى الإشكالات الأساسية على الاستدلال بهذه الروايات، وفي
مقدّمتها دعوى كون الخطاب فيها بنحو القضية الخارجية، مما يمنع من التعدِّي إلى غير
موردها، واحتمال وجود خصوصية في المخاطب كقربه من الإمام (عليه السلام)، وما
يترتَّب على ذلك من عدم إمكان التعميم.
وفي مقابل ذلك، نوقش بإمكان إلغاء الخصوصية، ومدى توقُّف تمام الاستدلال على ضمِّ
روايات أخرى تثبت الحكم بنحو عام أو مطلق.
وعليه، فإنَّ هذا البحث يهدف إلى دراسة روايات (أحلاس البيوت) و(السكون)، وبالأخص
خبر سدير الصيرفي، دراسة تحليلية شاملة، تجمع بين التحقيق الرجالي الدقيق، والتحليل
الدلالي والأصولي، للوصول إلى نتيجة منضبطة في تحديد مدى دلالة هذه الروايات على
نفي مشروعية الخروج وإقامة الدولة في عصر الغيبة، أو قصورها عن ذلك.
وينتظم البحث في مبحثين:
المبحث الأوَّل: حديث سدير الصيرفي، سنداً ودلالة، في عدَّة مطالب.
المبحث الثاني: الأخبار المؤيِّدة أو المعيَّنة على إلغاء الخصوصية، ومدى صلاحيتها
لتعميم الحكم.
ثم نختم بنتيجة جامعة في مدى دلالة هذه الطائفة على محل النزاع.
المبحث الأوَّل: وفيه ثلاث مطالب:
١ - نص الحديث ومحل البحث:
روى الشيخ الكليني (رضي الله عنه) عن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان
بن عيسى، عن بكر بن محمد، عن سدير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا سدير،
الزم بيتك وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن اللَّيل والنهار، فإذا بلغك أنَّ
السفياني قد خرج، فارحل إلينا ولو على رجلك»(٢).
والحديث ظاهر بحسب بدو النظر في الأمر بالسكون، ولزوم البيت، وترك الحركة إلى حين
خروج السفياني.
ومن هنا وقع الاستدلال به على عدم مشروعية الخروج قبل تحقُّق علامة السفياني.
غير أنَّ تمامية هذا الاستدلال تتوقَّف على أمرين:
الأوَّل: تمامية سند الرواية.
الثاني: تمامية دلالتها على محلِّ الكلام، وهو نفي مشروعية الخروج أو التصدِّي
لإقامة الحكم في عصر الغيبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) روي الحديث في عدَّة مصادر، منها: الكافي - الشيخ الكليني (دار الحديث)، ج١٥، ص٦٠٠، ح(١٥١٩٨- ٣٨٣)؛ ورواه -عن الكافي- في وسائل الشيعة - الحر العاملي (الإسلامية)، ج١١، ص٣٦، باب حكم الخروج بالسيف قبل قيام القائم (عليه السلام) الباب ١٣.
٢ -
البحث السندي في حديث سدير الصيرفي:
يقع الكلام السندي في جهتين: في بكر بن محمد، وفي سدير الصيرفي.
الجهة الأولى: بكر بن محمد: وقع الكلام في بكر بن محمد من جهة احتمال الاشتراك، إذ
قد يقال: إنَّ بكر بن محمد الواقع في سند الرواية مشترك بين الثقة وغيره، فلا يحرز
أنَّ المراد به هو بكر بن محمد الأزدي الغامدي المنصوص على وثاقته، ومع عدم الإحراز
لا يتم الاستدلال بالسند.
إلَّا أنَّ التحقيق -وفاقاً لجملة من المحقِّقين- عدم تمامية دعوى الاشتراك، وأنَّه
ليس في المقام إلَّا بكر بن محمد بن عبد الرحمن الغامدي الأزدي، وهو المعروف
الموثق، الذي نص النجاشي (رحمه الله) على وثاقته، وذكر أنَّه من وجوه الطائفة، ومن
بيت جليل بالكوفة من آل نعيم الغامديين، وأنَّه عمَّر عمراً طويلاً.
وتوضيح ذلك يقع في نقطتين:
النقطة الأولى: منشأ توهّم الاشتراك:
الظاهر أنَّ منشأ شبهة الاشتراك يرجع إلى ما ذكره العلّامة (قدّس سرّه) في الخلاصة،
وابن داود (رحمه الله) في رجاله، حيث ذكرا عنوانين:
الأوَّل: بكر بن محمد بن عبد الرحمن الأزدي.
الثاني: بكر بن محمد ابن أخي سدير الصيرفي.
والظاهر أنَّ العلَّامة (قدّس سرّه) وابن داود (رحمه الله) تبعا في ذلك شيخهما
السيد ابن طاووس (قدّس سرّه)، وأنَّ منشأ السيد ابن طاووس (قدّس سرّه) هو ما ورد في
رجال الكشي تحت عنوان: (ما روي في بكر بن محمد الأزدي)، فقد ذكر الكشي في هذا
الموضع روايتين:
الرواية الأولى: ما نقله الكشي عن حمدويه، ونصه(٣): (قال حمدويه: ذكر محمد بن عيسى
العبيدي أنَّ بكر بن محمد الأزدي خير فاضل، وبكر بن محمد كان ابن أخي سدير
الصيرفي).
وحمدويه، هو حمدويه بن نصير الشاهي، وهو من أعيان الطائفة، وممن يعتمد عليه في
الرواية والرجال(٤)، وأمَّا محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين، فهو ثقة على
التحقيق(٥).
الرواية الثانية: ما نقله الكشي عن علي بن محمد القتيبي(٦)، قال: (حدَّثنا أبو محمد
الفضل بن شاذان، قال: حدَّثنا ابن أبي عمير، عن بكر بن محمد، قال: حدَّثني عمِّي
سدير)، إذ يصرِّح بكر بن محمد بأنَّ سديراً عمَّه.
وهذه الرواية وإن كان في طريقها كلام من جهة علي بن محمد القتيبي، لعدم ورود نص
واضح في وثاقته، إلَّا أنَّ بعضهم يرى الاعتماد عليه بلحاظ إكثار الكشي (رحمه الله)
النقل عنه، وظهور اعتماده عليه من خلال سبر كتابه.
وأمَّا من بعده، فالفضل بن شاذان، وابن أبي عمير، وبكر بن محمد-بناءً على أنَّه
الأزدي-، لا كلام فيهم من جهة وثاقتهم.
فإنَّ ظاهر الرواية الأولى أنَّ بكر بن محمد الأزدي هو ابن أخي سدير الصيرفي، ولكن
قد يقال: إنَّ في البين شخصاً آخر بهذا الاسم غير بكر الأزدي الثقة، وبناءً على
هذا، قيل: إنَّ بكر بن محمد الواقع في سند رواية سدير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣)
اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) - الشيخ الطوسي: ج٢، ص٨٥٦.
(٤) قال عنه الشيخ (قدّس سرّه) في رجاله، المعروف برجال الطوسي، ص٤٢١: (حمدويه بن
نصير بن شاهي... عديم النظير في زمانه، كثير العلم والرواية، ثقة، حسن المذهب).
(٥) قال الشيخ النجاشي (رحمه الله) في الفهرست، ص٣٣٣: (محمد بن عيسى بن عبيد بن
يقطين بن موسى مولى أسد بن خزيمة، أبو جعفر، جليل في (من) أصحابنا، ثقة، عين، كثير
الرواية، حسن التصانيف).
(٦) والكشي (رحمه الله) كثير النقل عن محمد القتيبي.
مشترك
بين بكر بن محمد بن عبد الرحمن الأزدي الثقة(٧)، وبين بكر بن محمد ابن أخي سدير
الصيرفي غير المنصوص على وثاقته، فيحصل التردُّد المانع من تصحيح السند.
النقطة الثانية: الجواب عن دعوى الاشتراك:
هذا القول بالتعدُّد غير تام، بل هو محل تأمُّل قوي، كما نبَّه عليه غير واحد من
المحقِّقين(٨)، ومنشأ التأمُّل أنَّ ما ورد في عبارة الكشي (رحمه الله) من كون بكر
بن محمد ابن أخي (سدير) يحتمل فيه التصحيف، وأنَّ الأصل هو (شديد) لا (سدير).
والوجه في ذلك: أنَّ النجاشي (رحمه الله) ذكر في ترجمة بكر بن محمد الأزدي ما نصّه:
(عمومته شديد وعبد السلام، وابن عمِّه موسى بن عبد السلام، وهم كثيرون).
فقد نصَّ النجاشي على أنَّ شديداً من أعمام بكر بن محمد.
وكذلك ذكر الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) شديداً في رجاله بعنوان(٩): شديد بن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧)
في الفهرست للشيخ النجاشي (رحمه الله) جاءت ترجمة بكر الغامدي، ومما ذكره فيه في
ص١٠٨: (بكر بن محمد بن عبد الرحمن بن نعيم الأزدي الغامدي أبو محمد، وجه في هذه
الطائفة من بيت جليل بالكوفة من آل نعيم الغامديين، عمومته شديد وعبد السلام، وابن
عمّه موسى بن عبد السلام، وهم كثيرون، وعمَّته غنيمة روت أيضاً عن أبي عبد الله
(عليه السلام)، وأبي الحسن (عليه السلام)، ذكر ذلك أصحاب الرجال، وكان ثقة، وعمَّر
عمراً طويلاً).
(٨) ذكر السيد الخوئي (قدّس سرّه) في المعجم: ج٤، ص٢٦٠: (أنَّ الذي أوقعهما في ذلك
عبارة الكشي المتقدِّمة، إلَّا أنَّه لا ينبغي الشك في عدم تعدُّد الرجل).
(٩) في الأبواب (رجال الطوسي)، للشيخ الطوسي: ص٢٢٤: ([٣٠١٩] ٢١- شديد [شريد] بن عبد
الرحمان الأزدي الكوفي)؛ وورد في الكشي: ج٢، ص٨٣٠: (منهم حنان بن سدير: سمعت
حمدويه، ذكر عن أشياخه: أنَّ حنان بن سدير واقفي، أدرك أبا عبد الله (عليه السلام)
ولم يدرك أبا جعفر (عليه السلام) وكان يرتضي به سديراً).
قال السيد الخوئي (قدّس سرّه) في المعجم: ج١٠، ص١٧: (ثم إنَّه استدل بعضهم على حسن
الرجل بما ذكره الكشي، عن حمدويه، عن أشياخه، أنَّ حنان بن سدير واقفي، أدرك أبا
عبد الله ولم يدرك أبا جعفر (عليهما السلام)، وكان يرتضي به شديداً، فقال: إنَّ
المراد به شديد بن عبد الرحمان! وفساده أوضح من أن يحتاج إلى بيان).
عبد
الرحمن.
فإذا كان شديد عمًّا لبكر بن محمد، وكان بكر هو ابن محمد بن عبد الرحمن، فيكون شديد
أيضاً ابن لعبد الرحمن، فينسجم النسب تماماً.
وعليه، فمن القريب جدًّا أن يكون الوارد في الرواية الثانية عن الكشي: (حدَّثني
عمِّي شديد)، فصحفت كلمة (شديد) إلى (سدير) لقرب الرسم بينهما، ثم لما لم يكن
المعروف من سدير إلَّا سدير الصيرفي، أضيفت النسبة إليه، أو فهم منها ذلك.
قرائن تدل على التصحيف في سدير الصيرفي:
وهذا التصحيف ليس مجرَّد احتمال ابتدائي، بل تؤيِّده عدَّة قرائن:
الأولى: أنَّه لا يوجد في كلمات الرجاليين ما يدل على أنَّ سدير الصيرفي كان
أزدياً، لا في ترجمته، ولا في ترجمة والده، ولا في ترجمة جدِّه، مع أنَّه لو كان
عمًّا لبكر بن محمد الأزدي لكان المناسب ذكر نسبته إلى الأزد، خصوصاً مع عناية
الرجاليين بمثل هذه الأنساب.
الثانية: أنَّ لازم كون سدير الصيرفي عمًّا لبكر بن محمد بن عبد الرحمن الأزدي أن
يكون سدير بن عبد الرحمن، لأنَّ بكر بن محمد الأزدي جدّه عبد الرحمن بلا إشكال.
فلو كان سدير عمًّا له، لكان سدير أخاً لمحمد، يرجع نسبه إلى عبد الرحمن.
والحال أنَّ كلمات الشيخ (قدّس سرّه)، والنجاشي (رحمه الله)، وغيرهم، متَّفقة على
أنَّ سدير هو سدير بن حكيم بن صهيب، لا سدير بن عبد الرحمن، فينكشف عن عدم صحة حمل
العبارة على ظاهرها.
الثالثة: أنَّ النجاشي (رحمه الله) صرَّح بأنَّ شديداً من أعمام بكر، والشيخ الطوسي
(قدّس سرّه) ذكر شديد بن عبد الرحمن، وهذا ينسجم مع كون (شديد) هو الصحيح في
الرواية، لا (سدير).
الرابعة: أنَّه نقل في بعض النسخ أو التعليقات، كما في هامش تنقيح المقال(١٠)،
الإشارة إلى وجود نسخة (شديد) بدل (سدير) في عبارة الكشي (رحمه الله)، وهو مؤيّد
مهم لاحتمال التصحيف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠)
قال في تنقيح المقال في علم الرجال: ج٣٠، ص١٥٩: (إنَّا قد حقَّقنا في ترجمة بكر -
هذا - أنَّه رجل واحد ثقة، وأنَّه ابن أخي شديد لا سدير، فراجع ما حرَّرناه هناك
[تنقيح المقال ١٣ / ٢٤ - ٣٩ برقم ٣٢٢٥ [من الطبعة المحقّقة]] وتدبَّر، حتَّى
يتبيَّن لك صحة طريق الحديث.
وعدول العلامة (رحمه الله) عن التعبير بـ(الصحيح)... إلى التعبير بـ(المعتبر)...
إنَّما هو لمتابعته ابن طاووس، فذكر عين ما ذكره ابن طاووس، كما هي عادته، حتَّى
أنَّه قد سقط من أوَّل سند خبر زيد الشحام من قلم ابن طاوس، كلمة (محمد بن) وبدأ
بـ(مسعود)، ومثله فعله في الخلاصة، مع وضوح أنَّ الكشي يروي عن محمد بن مسعود لا عن
مسعود نفسه، وكذا تبع ابن طاووس بإبدال فيروزان - في سند خبر محمد بن عذافر -
بـ(مروان)، وما أوقعه في ذلك وأمثاله إلَّا الاستعجال في التصنيف.
وبالجملة، فالمناقشة في سند خبر الشحام لا وجه له.
نعم، يمكن المناقشة فيه بما صدر من الميرزا: من احتمال أن يكون المذكور فيه شديد -
بـ(الشين المعجمة، ودالين مهملتين، بينهما ياء)-، لأنَّ الشيخ (رحمه الله) ذكر في
باب: الشين المعجمة: شديد بن عبد الرحمن الأزدي، وذكر النجاشي في ترجمة بكر بن محمد
بن عبد الرحمن الأزدي: أنَّ عمومته: شديد وعبد السلام، وفي ترجمة: زيد الشحام
أنَّه: مولى شديد بن عبد الرحمن الأزدي.
فبقرينة أنَّ الراوي هو الشحام، والراوي عنه أبو بكر، يقتضي أن يكون المدعو لهما:
شديد، وعبد السلام الأخوان، لا: سدير وعبد السلام، فيكون الخبر أجنبيًّا عمّا نحن
بصدده.
هذا ما أفاده الميرزا بتوضيح منَّا يسير.
ولكن يبعِّده أنَّه لو كان مراده (عليه السلام) الأخوين، لقال: ابني عبد الرحمن -
مثنيًّا لكلمة الابن لا مفرداً- والنسخ الصحيحة كلّها تضمَّنت كلمة (الابن) مفرداً،
مضافاً إلى أنَّ والد سدير: حكيم، لا عبد الرحمن، واحتمال كون حكيم جدّه لا شاهد
عليه بوجه، بل يردّه أنَّ جدّه: صهيب، ومجرَّد كون الشحّام مولى شديد، وبكر ابن
أخيه لا يستلزم أن يكون الدعاء لشديد، هامش رجال الشيخ: ٢١٨ برقم ٢١ [وفي طبعة
جماعة المدرسين: ٢٢٤ برقم [٣٠١٩]، قال: شديد بن عبد الرحمن الأزدي الكوفي).
والمقصود بالمدعو لهما ما قاله أبو عبد الله (عليه السلام): «يا شحام إنَّي طلبت
إلى إلهي في سدير وعبد السلام بن عبد الرحمن وكانا في السجن فوهبهما لي وخلَّى
سبيلهما» [اختيار معرفة الرجال: ج٢، ص٤٧٠].
ومن
هنا يتَّضح أنَّ حمل العبارة على ظاهرها، وجعل سدير الصيرفي عمًّا لبكر الأزدي، لا
يمكن القول به، لما يلزمه من لوازم نسبية باطلة، ولعدم وجود شاهد رجالي يساعد عليه.
الخامسة: بل يمكن أن يقال: إنَّ ما في ذيل عبارة الكشي (رحمه الله) الأولى ليس من
تمام كلام محمد بن عيسى العبيدي، بل هو اجتهاد من الكشي نفسه.
وهذا ما أشار إليه السيد الخوئي (قدّس سرّه)، حيث ذكر أنَّ الظاهر من عبارة الكشي
أنَّ قوله: (وبكر بن محمد كان ابن أخي سدير الصيرفي) اجتهاد منه، وأنَّ مستنده في
هذا الاجتهاد هو الرواية الثانية التي فيها: (حدَّثني عمِّي سدير).
فالكشي (رحمه الله) استظهر منها أنَّ بكر بن محمد ابن أخي سدير الصيرفي، وأضاف وصف
(الصيرفي) باعتبار أنَّ المعروف بهذا الاسم هو سدير الصيرفي، غير ملتفت إلى ما
يترتَّب على ذلك من لوازم غير قابلة للقبول(١١).
وعليه، فالذي ينبغي الالتزام به أنَّ منشأ التعدُّد ليس وجود شخصين واقعاً باسم بكر
بن محمد، بل منشؤه تصحيف أو اجتهاد رجالي غير تام في فهم عبارة الكشي (رحمه
الله)(١٢).
وقد ذهب إلى الاتِّحاد جماعة من المحقِّقين، منهم الشيخ حسن صاحب المعالم في منتقى
الجمان، والمحقِّق الجزائري في حاوي الأقوال، والمحقِّق البحراني في المعراج، وصاحب
مجمع الرجال، وغيرهم(١٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١)
قال السيد الخوئي في المعجم (ج٤، ص٢٦٠): (إنَّ الظاهر من عبارة الكشي أنَّ قوله:
(وبكر بن محمد كان ابن أخي سدير الصرفي هو اجتهاد منه (قدّس سرّه) وقد ذكر سند
اجتهاده: بأنَّ علي بن محمد القتيبي، قال: حدَّثنا أبو محمد الفضل بن شاذان، قال:
حدَّثنا ابن أبي عمير، عن بكر بن محمد، قال: حدَّثني عمِّي سدير، فاستشهد الكشي
بقوله: إنَّ بكر بن محمد كان ابن أخي سدير الصيرفي، بما ذكره من الرواية، ولكنَّه
أخطأ في اجتهاده).
(١٢) هذا إشكال يرد على فهم الكشي وليس على فهم الأصحاب لكلامه لصراحته. [من
المقرِّر].
(١٣) يراجع للوقوف على أقوالهم: منتهى المقال في أحوال الرجال (ج٢، ص١٦٩)؛ وكذلك:
بهجة الآمال في شرح زبدة المقال (ج٢، ص٤١٨)، قال (رحمه الله): (واستظهر الاتِّحاد
أيضاً في الحاوي وقال ولم يتفطن العلامة وابن داود إلى كلام النجاشي وأخذ صدر
الكلام، انتهى. وصرَّح بالاتِّحاد أيضاً في المجمع وفي الفوائد النجفية، وكذا
المحقِّق الشيخ حسن في حواشي الخلاصة وأطال الكلام فيها مع العلامة...).
فالنتيجة: أنَّ بكر بن محمد في سند رواية سدير هو بكر بن محمد بن عبد الرحمن
الغامدي الأزدي، وهو ثقة منصوص على وثاقته، ولا موجب لإسقاط السند من جهته بدعوى
الاشتراك.
الجهة الثانية: البحث في وثاقة سدير الصيرفي:
أمَّا سدير الصيرفي، فقد وقع الكلام فيه من جهتين:
الأولى: عدم ورود نص صريح من الشيخ (قدّس سرّه) أو غيره على وثاقته.
الثانية: ورود بعض الأخبار التي قد يتوهَّم منها القدح فيه.
إلَّا أنَّ هذا لا يمنع من البناء على اعتباره، وذلك لوجهين:
الأوَّل: أنَّ الأخبار القادحة فيه لا تخلو من ضعف سندي أو قصور دلالي، فلا تصلح
لمعارضة ما دلَّ على مدحه أو الاعتماد عليه.
الثاني: أنَّ ابن أبي عمير قد روى عنه بسند معتبر، بناءً على المبنى المعروف في
إفادة رواية ابن أبي عمير ونظرائه للوثاقة أو الاعتماد، ما لم يثبت خلافه(١٤).
ومن شواهد ذلك ما رواه الصدوق (قدّس سرّه) في علل الشرائع(١٥)، ونقله صاحب
الوسائل(١٦)، بسند ينتهي إلى محمد بن أبي عمير ومحمد بن سنان جميعاً، عن الصباح
المزني أو السدي، وسدير الصيرفي، ومحمد بن النعمان، وعمر بن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤)
قال الشيخ في العدَّة (ج١، ص١٥٤): (وإذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسلاً،
نظر في حال المرسل، فإن كان ممن يعلم أنَّه لا يرسل إلَّا عن ثقة موثوق به فلا
ترجيح لخبر غيره على خبره، ولأجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير،
وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنَّهم لا
يروون ولا يرسلون إلَّا عمَّن يوثق به وبين ما أسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمراسيلهم
إذا انفردوا عن رواية غيرهم).
(١٥) علل الشرائع - الشيخ الصدوق: ج٢، ص٣١٢.
(١٦) وسائل الشيعة (آل البيت (عليهم السلام)) - الحر العاملي: ج٥، ص٤٦٥، (٧٠٨٦)
١٠.
أذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث الأذان والمعراج(١٧).
ومقتضى هذا الطريق ثبوت رواية ابن أبي عمير عن سدير.
فإن قيل: إنَّ الاستناد إلى رواية ابن أبي عمير مبنائي، ولا يتم عند من لا يرى كبرى
توثيق مشايخه.
قيل: نعم، هو مبني على تمامية تلك الكبرى، إلَّا أنَّ البحث هنا جارٍ على هذا
المبنى.
فالنتيجة السندية في حديث سدير:
إنَّ الرواية قابلة للتصحيح أو الاعتبار، ولا يسقط الاستدلال بها من جهة السند، وإن
كان الاعتماد التام عليها يتوقَّف على قبول بعض المباني الرجالية، خصوصاً في سدير.
٣ - دلالة حديث سدير الصيرفي:
بعد الفراغ عن أصل اعتبار الرواية في الجملة، يقع الكلام في دلالتها، وأنَّها هل
تنهض لإثبات عدم مشروعية الخروج قبل قيام القائم (عليه السلام) مطلقاً، أو أنَّ
مدلولها أضيق من ذلك.
والظاهر من الحديث بحسب بدو النظر أنَّه وارد في مقام الأمر بالسكون، ولزوم البيت،
وترك الحركة إلى أن تظهر علامة السفياني، فإنَّ قوله (عليه السلام): «يا سدير، الزم
بيتك، وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن اللَّيل والنهار»، ظاهر عرفاً في المنع عن
الحركة والخروج، كما أنَّ قوله (عليه السلام): «فإذا بلغك أنَّ السفياني قد خرج،
فارحل إلينا ولو على رجلك» يجعل خروج السفياني غاية لهذا السكون، ومبدأً لحركة أخرى
مأمور بها، وهي الرحيل إلى الإمام (عليه السلام) والالتحاق به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث طويل - قال: «إنَّ الله عرج بنبيِّه (صلَّى الله عليه وآله) فأذَّن جبرئيل فقال: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)...».
ومن
هنا كان الاستدلال بالرواية على لزوم السكون قبل العلامات استدلالاً قريباً في
نفسه، إذ ليس في ألفاظها ما يشعر بالإذن في الحركة قبل خروج السفياني، بل ظاهرها
خلاف ذلك، إلَّا أنَّ تمامية الاستدلال بها على محلِّ الكلام تتوقَّف على تحرير
متعلّق النهي، فإنَّ أصل النهي عن الحركة شيء، وتحديد نوع الحركة المنهي عنها شيء
آخر.
فهل المنهي عنه هو أصل الخروج لإقامة دولة وحكومة قبل العلامات؟
أو هو الخروج مع الخارجين والالتحاق بالرايات القائمة قبل السفياني؟
أو هو خصوص الخروج مع من يدَّعي أنَّه القائم المهدي (عليه السلام)؟
أو خصوص من يدعو إلى نفسه في قبال الإمام (عليه السلام)؟
ويمكن تقريب دلالة الرواية على عدم مشروعية
الخروج بشكل مطلق بتقريبين:
التقريب الأوَّل: أن يقال إنَّ المأمور به بعد خروج السفياني هو الرحيل إلى الإمام
(عليه السلام)، ومن الواضح أنَّ هذا الرحيل ليس مجرَّد انتقال مكاني، بل هو ظاهر في
الالتحاق بجهة الحق المتمثِّلة بالإمام (عليه السلام) بعد تحقُّق العلامة، فإذا كان
الخروج بعد السفياني خروجاً إلى الإمام (عليه السلام)، كان المنهي عنه قبل السفياني
هو الخروج لإقامة أمر في قبال ذلك أو قبله، فيستفاد منه عدم مشروعية الخروج مطلقاً
قبل تحقُّق العلامة.
التقريب الثاني: أن يقال إنَّ الرواية وإن لم تكن ناظرة ابتداءً إلى سدير بما هو
قائد خروج أو مؤسِّس دولة، إلَّا أنَّها تنهى عن خروجه مع الخارجين قبل العلامة،
والنهي عن الالتحاق بالخارجين قبل العلامات يكشف عرفاً عن عدم مشروعية أصل خروجهم،
إذ لو كان خروجهم مشروعاً في نفسه، لم يكن وجه للنهي المطلق عن الالتحاق بهم.
والتقريب الثاني أدق من الأوَّل، لأنَّ الرواية بحسب ظهورها الأوَّلي لا تقول
لسدير: لا تقد ثورة، ولا تخرج لإزالة دولة وإقامة أخرى، بل تأمره بالسكون ولزوم
البيت إلى أن يخرج السفياني، ثم تأمره بعد ذلك بالرحيل إلى الإمام (عليه السلام)،
وبما أنَّ المأمور به بعد تحقُّق العلامة هو الالتحاق بالإمام (عليه السلام)،
فالمناسب أن يكون المنهي عنه قبل العلامة هو الالتحاق بمن يخرج قبلها، لا أصل أن
يكون سدير هو بنفسه قائداً لخروج سياسي.
وعليه، فالمدلول المطابقي الأقرب للرواية هو النهي عن الخروج مع الخارجين قبل ظهور
السفياني، وأمَّا عدم مشروعية أصل خروج الخارجين فهو مدلول التزامي يستفاد من
الملازمة العرفية بين حرمة الالتحاق بهم وعدم مشروعية حركتهم.
إلَّا أنَّ هذه الملازمة لابدَّ أن تُفهم بدقة، فإنَّ النهي عن الالتحاق بالخارجين
إن كان حكماً عاماً ثابتاً لكلِّ مكلَّف، كان كاشفاً عن عدم مشروعية الخروج على
الحاكم، إذ لا معنى لأن ينهى الشارع جميع المكلَّفين عن نصرة كل خارج والالتحاق
بكلِّ راية قبل العلامات، مع فرض أنَّ بعض تلك الرايات مشروعة في نفسها، إلَّا
بعناية خاصة تحتاج إلى قرينة.
أمَّا إذا كان النهي خاصًّا بسدير أو بمن هو في مرتبته وخصوصيته، فلا تتم الملازمة
بهذا الإطلاق، إذ قد يحرم على شخص خاص أن يلتحق بخروج مشروع في نفسه، لمصلحة تعود
إلى شأن ذلك الشخص أو إلى موقعه من الإمام (عليه السلام).
ومن هنا يظهر أنَّ الاستدلال بالرواية لا يتوقَّف على ظهورها في حرمة أصل الخروج
ابتداءً، بل على أمرين مترتِّبين: أن تكون دالة على حرمة الالتحاق بالخارجين قبل
العلامة، وأن يكون هذا النهي قابلاً للتعميم إلى غير سدير، إمَّا بإلغاء الخصوصية،
أو بضم روايات أخرى واردة بنحو العموم.
دفع احتمال اختصاص الرواية بمدَّعي المهدوية:
قد يقال: إنَّ الرواية لا تشمل محل الكلام -في التقريبين المتقدِّمين-، لأنَّها
ناظرة إلى خصوص من يخرج مدَّعياً أنَّه الإمام المهدي (عليه السلام) أو داعياً
لنفسه، وحينئذٍ لا دلالة لها على منع الخروج الذي لا يكون بهذا العنوان.
إلَّا أنَّ هذا الحمل لا يخلو من إشكال، إذ لا توجد في نفس رواية سدير قرينة واضحة
تقتضي حصر النهي بالخروج مع مدَّعي المهدوية.
نعم، توجد روايات أخرى يكون سياقها سياق بيان علامات الظهور(١٨)، وتمييز القيام
الحق من القيام المدَّعى، كما في بعض ما ورد في علامات القائم (عليه السلام)، وهناك
يمكن أن يقال: إنَّ النهي عن الخروج قبل تحقُّق العلامات ظاهر في النهي عن الخروج
مع من يدَّعي أنَّه القائم، لأنَّ الرواية مسوقة لبيان ما يمتاز به الظهور الحقيقي
عن الدعوى الباطلة.
فإذا كان الإمام (عليه السلام) في مقام بيان علامات الظهور، وكان الغرض تمكين
الشيعة من التمييز بين القيام الحقيقي والقيام الادِّعائي، ثم ورد في هذا السياق
النهي عن الخروج قبل العلامات، كان لهذا النهي ظهور في خصوص الخروج مع من يرفع راية
القيام المهدوي قبل تحقُّق علاماته.
بل قد تؤيِّد ذلك بعض القرائن، كما إذا كان مورد الرواية من يقوم من أهل البيت
(عليهم السلام)، لأنَّ مدَّعي المهدوية غالباً يكون ممن ينتسب إلى البيت النبوي أو
يتَّخذ هذا النسب مدخلاً لدعواه.
أمَّا رواية سدير فليست مشتملة على مثل هذه القرينة الواضحة، فإنَّها لم تذكر أنَّ
الخارج قبل السفياني يدَّعي أنَّه القائم، ولم تجعل مورد النهي خصوص من ينتسب إلى
أهل البيت (عليهم السلام)، ولم تتعرَّض لراية مهدوية مدَّعاة، وإنَّما ظاهرها الأمر
لسدير بالسكون إلى أن يخرج السفياني، ثم الرحيل إلى الإمام (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨) وسيأتي التعرُّض لجملة منها في المطلب الثاني.
ومن
ثم لا موجب لتخصيصها بخصوص الخروج مع مدَّعي المهدوية، بل مقتضى إطلاقها -في حدِّ
نفسه- النهي عن الالتحاق بمن يخرج قبل تحقُّق العلامة.
نعم، هذا لا يعني أنَّ الرواية تثبت بنفسها نفي كل أنحاء التصدِّي السياسي، لأنَّ
الكلام بعد ذلك يقع في جهة أخرى، وهي أنَّ النهي هل هو قضية عامة أو خطاب خاص
بسدير؟ وهل يمكن إلغاء خصوصيته أو لا؟
الفرق بين أصل الخروج والالتحاق بالخارجين:
ينبغي في المقام التفريق بين أمرين:
الأوَّل: أصل الخروج، بمعنى أن يقوم شخص أو جماعة بإسقاط حكم قائم وإقامة حكم آخر
قبل ظهور العلامات.
الثاني: الخروج مع الخارجين، بمعنى أن يلتحق المكلَّف براية قائمة قبل العلامة،
وينصرها أو يشارك فيها.
والظاهر أنَّ رواية سدير متعرِّضة ابتداءً للأمر الثاني، لا للأمر الأوَّل، فهي لا
تخاطب سديراً بما هو صاحب مشروع سياسي مستقل، وإنَّما تنهاه عن الحركة والرحيل قبل
السفياني، وتلزمه بأن يكون حلساً من أحلاس بيته، وبقرينة الأمر بالرحيل إلى الإمام
(عليه السلام) بعد خروج السفياني، يكون مفادها أنَّ الحركة قبل ذلك ممنوعة.
وأمَّا إثبات عدم مشروعية أصل الخروج، فهو مبني على الملازمة المتقدِّمة: فإذا حرم
الالتحاق بكلِّ خارج قبل العلامة على نحو عام، كان ذلك كاشفاً عن أنَّ خروجهم غير
مشروع، وإلَّا لم يكن وجه للنهي العام عن نصرتهم، أمَّا إذا لم يثبت العموم، ولم
يلغ احتمال الخصوصية، فلا تنهض الملازمة لإثبات عدم المشروعية مطلقاً.
اعتراض القضية الخارجية وإشكال التعدِّي:
أهم ما يورد على الاستدلال برواية سدير أنَّ الخطاب فيها خطاب شخصي، موجَّه إلى
سدير الصيرفي، وليس وارداً بصيغة قضية حقيقية عامة، فهو من قبيل القضية الخارجية،
لا من قبيل قوله مثلاً: (كل من كان في زمن الغيبة فليلزم بيته)، أو (لا يخرج أحد
قبل خروج السفياني)، ومع كون الخطاب كذلك، لا يصح التعدِّي منه إلى جميع المكلَّفين
إلَّا بعد إحراز عدم الخصوصية في المخاطب.
وتوضيح ذلك: أنَّ القضية الخارجية لا تمنع من التعدِّي دائماً، وإنَّما تمنع منه
إذا احتمل وجود خصوصية في المورد، أمَّا إذا أحرز الفقيه عدم الخصوصية، أو قامت
قرينة عرفية على أنَّ الحكم لا يختص بالمخاطب، أمكن التعدِّي.
ومن هنا تعدَّى الفقهاء في موارد كثيرة من خطابات واردة في أشخاص أو موارد خاصة،
بعد إلغاء الخصوصية عرفاً.
وعليه، فمجرَّد كون الخطاب موجَّهاً إلى سدير لا يكفي وحده لإسقاط الاستدلال، كما
أنَّ مجرَّد ظهور النهي في حقِّ سدير لا يكفي للمنع من تعميمه، بل لابدَّ من ملاحظة
الخصوصية المحتملة.
وهنا يمكن تصوير الخصوصية على نحوين:
النحو الأوَّل: أن تكون الخصوصية بلحاظ نوع
الخارج:
بأن يقال: إنَّ الرواية ناظرة إلى خروج خاص، وهو خروج من يدعو إلى نفسه، أو يخرج في
قبال الإمام (عليه السلام)، أو يدَّعي المهدوية.
فإذا كان النهي عن الخروج مع هذا النحو من الخارجين، فهو وإن ورد خطاباً لسدير،
إلَّا أنَّ هذه الجهة لا تختص به، لأنَّ النهي عن نصرة من يدعو إلى نفسه أو يدَّعي
المهدوية قبل تحقُّق العلامات حكم يعم غير سدير عرفاً.
لكن
هذا الإشكال - وهو كون الرواية من القضايا الخارجية - لا يُبطل أصل الاستدلال،
وإنَّما يوجب تضييق دائرة الحكم وتحديد مورده، وذلك لأنَّه إذا ثبت أنَّ الرواية
ناظرة إلى شخصٍ يدعو الناس إلى نفسه، أو يدَّعي المهدوية، فإنَّ الحكم يختصّ بهذا
النحو من التصدِّي، ولا يشمل كلَّ من يتوَّلى شأناً عامًّا في زمن الغيبة.
وعلى هذا الأساس تخرج الرواية عن محلِّ البحث في ولاية الفقيه أو التصدِّي للأمور
الحسبية، لأنَّ الكلام هناك ليس في شخصٍ يجعل نفسه في مقابل الإمام (عليه السلام)
أو يدعو إلى طاعته استقلالاً، بل في فقيهٍ يمارس بعض الصلاحيات بوصفه نائباً عن
الإمام (عليه السلام) وفي امتداد ولايته.
فولاية الفقيه - على هذا المبنى - ليست ولايةً قائمةً بإزاء ولاية الإمام (عليه
السلام) أو مزاحمةً لها، وإنَّما هي ولاية متفرِّعة عنها ومستندة إليها، أي في
طولها لا في عرضها.
والفرق بين الأمرين عرفاً واضح:
فإنَّ من يدعو إلى نفسه أو يدَّعي المهدوية يُنظر إليه بوصفه مرجعاً مستقلاً ينافس
الإمام (عليه السلام) في مقام الطاعة والاتِّباع.
بخلاف الفقيه، فإنَّ مشروعية تصدِّيه إنَّما تُفهم باعتباره نائباً عن الإمام (عليه
السلام) وقائماً مقامه عند تعذُّر الوصول إليه، لا باعتباره أصلاً مستقلًّا في
الولاية.
النحو الثاني: أن تكون الخصوصية بلحاظ شخص
سدير وموقعه:
وهذا هو الإشكال الأهم، إذ يحتمل أنَّ النهي عن الخروج مع الخارجين كان مختصًّا
بسدير ومن يشاركه في خصوصيته، لا لأنَّ كل خروج قبل العلامات غير مشروع، بل لأنَّ
سديراً كان من أصحاب الإمام (عليه السلام) وممن يحسب على خطه، ومثل هذا الشخص إذا
التحق بأيِّ راية قبل العلامات، أمكن أن
تترتَّب على التحاقه آثار سلبية على الوضع الشيعي العام، أو يوهم أنَّ تلك الراية
مرتبطة بالإمام (عليه السلام)، أو يوجب تحميل الإمام (عليه السلام) تبعات سياسية
وأمنية لا يريدها.
ومع هذا الاحتمال لا يكون النهي عن خروج سدير مع كل أحد كاشفاً عن عدم مشروعية خروج
كل أحد، لأنَّه ينسجم حتَّى مع فرض مشروعية بعض أنحاء الخروج، فقد يكون خروج بعض
الخارجين مشروعاً في نفسه، ومع ذلك يحرم على سدير أن يلتحق به، لا لخلل في أصل ذلك
الخروج، بل لمصلحة خاصة راجعة إلى شخص سدير وموقعه وصِلَته بالإمام (عليه السلام).
وبعبارة أخرى: إذا كان سدير محسوباً على الإمام (عليه السلام)، فقد يكون من المصلحة
أنْ لا يخرج مع أيّ راية قبل العلامات، ولو كانت تلك الراية غير باطلة في نفسها،
لأنَّ عنوان التحاقه بها يوجب محذوراً خاصًّا، وحينئذٍ لا يصح أن نجعل حرمة التحاق
سدير ملازمة لعدم مشروعية أصل تلك الراية.
ومن هنا يظهر أنَّ الملازمة بين النهي عن الالتحاق وعدم مشروعية أصل الخروج إنَّما
تتم إذا كان النهي عاماً لجميع المكلَّفين، أمَّا إذا كان النهي مختصًّا بسدير، أو
بمن هو في موقعه، فلا ملازمة، لأنَّ حرمة الالتحاق قد تكون ناشئة من خصوصية
الملتحق، لا من بطلان الجهة الملتحق بها.
أثر إلغاء الخصوصية: لو أمكن الجزم بعدم خصوصية سدير، أو قامت قرينة على أنَّ النهي
ليس ناشئاً من موقعه الشخصي، بل هو حكم عام لكلِّ مكلَّف، تم الاستدلال بالرواية
على النهي عن الالتحاق بالخارجين قبل العلامة، ثم تتم الملازمة العرفية إلى عدم
مشروعية أصل الخروج.
فإذا ثبت أنَّ كل مكلَّف يحرم عليه الالتحاق بكلِّ خارج قبل السفياني، كان ذلك
ظاهراً في أنَّ تلك الخروجات غير مشروعة، إذ لا وجه عرفاً لأن يكون الخروج مشروعاً،
ومع ذلك يمنع الشارع جميع المكلَّفين من نصرته والالتحاق به على نحو الإطلاق.
أمَّا
إذا لم نحرز عدم الخصوصية، فغاية ما تثبته الرواية هو حرمة خروج سدير، أو حرمة خروج
من يشترك معه في الخصوصية المحتملة، أعني من يكون محسوباً على الإمام (عليه السلام)
بحيث يترتَّب على التحاقه بالرايات محذور خاص، وأمَّا التعدِّي إلى من لا يملك هذه
الخصوصية فمشكل.
إن قلت: إنَّ القضية وإن كانت خارجية، إلَّا أنَّ الجزم بعدم الخصوصية ممكن، فإنَّ
خصوصية سدير لا مدخلية لها عرفاً في حكم السكون، وإنَّما الحكم مرتبط بزمن ما قبل
العلامات وبالرايات التي تظهر فيه، فإذا كان المناط هو زمن ما قبل السفياني، لا شخص
سدير، أمكن التعدِّي.
قلت: الجواب غير تام بنحو مطلق، لأنَّ احتمال خصوصية سدير بلحاظ قربه من الإمام
(عليه السلام) احتمال عقلائي لا يمكن إلغاؤه بمجرَّد الدعوى.
نعم، لو كانت الخصوصية المحتملة هي خصوص خروجه مع من يدعو إلى نفسه أو مع مدَّعي
المهدوية، أمكن إلغاؤها، لأنَّ النهي عن هذا لا يختص بسدير، أمَّا إذا كانت
الخصوصية هي كونه من أصحاب الإمام (عليه السلام) وممن يحسب عليه، فالجزم بعدم
مدخليتها مشكل.
نتيجة الاستدلال برواية سدير:
ومن ثم تكون النتيجة أنَّ الاستدلال برواية سدير وحدها غير تام لإثبات حكم عام،
إلَّا إذا ضُمَّت إليها قرائن أو روايات أخرى تدل على أنَّ الأمر بالسكون ليس
مختصًّا بسدير.
دور الروايات الأخرى في إلغاء الخصوصية:
يمكن الاستعانة في إلغاء خصوصية سدير بأحد أمرين:
الأوَّل: ورود الأمر بالسكون أو النهي عن الخروج في حقِّ أشخاص آخرين لا يحتمل فيهم
ما يحتمل في سدير من خصوصية القرب من
الإمام (عليه السلام)، فإنَّ تكرُّر النهي في موارد متعدِّدة يضعف احتمال كون الحكم
مختصًّا بسدير، ويقرب أنَّ المناط عام.
الثاني: ورود دليل بصيغة عامة أو مطلقة، كأن يكون الخطاب بنحو (اسكنوا) أو (الزموا
أحلاس بيوتكم)، بحيث يشمل عامة المكلَّفين، لا شخصاً مخصوصاً، فإذا ثبت مثل هذا
الدليل سنداً ودلالة، لم نحتج إلى إلغاء خصوصية سدير من نفس روايته، بل يكون الدليل
العام بنفسه كاشفاً عن عموم الحكم، وتكون رواية سدير شاهداً أو فرداً من أفراد تلك
الطائفة.
وعلى هذا، فالبحث في دلالة رواية سدير يبقى موقوفاً على ملاحظة مجموع أخبار السكون،
فإن ثبتت أخبار معتبرة واردة بنحو العموم أو في حقِّ أشخاص لا يحتمل فيهم خصوصية
سدير، أمكن جعلها قرينة على التعدِّي.
أمَّا إذا لم تثبت، بقيت رواية سدير قاصرة عن إفادة المنع العام، وإن دلَّت في
نفسها على لزوم السكون في حقِّه أو في حقِّ من يشاركه في خصوصيته.
والمحصَّل:
إنَّ حديث سدير ظاهر في النهي عن الالتحاق بالخارجين قبل خروج السفياني، ولا موجب
لحمله ابتداءً على خصوص مدَّعي المهدوية، كما أنَّ استفادة عدم مشروعية أصل الخروج
منه متوقِّفة على تعميم النهي وإلغاء خصوصية سدير.
وهذا التعميم لا يثبت من نفس الرواية بلا مؤونة، بل يحتاج إلى ضميمة من الروايات
الأخرى أو قرينة خارجية معتبرة.
المبحث الثاني: الأخبار المؤيِّدة أو المعينة
على إلغاء الخصوصية، ومدى صلاحيتها لتعميم الحكم:
الغرض من هذا المبحث دراسة الأخبار التي قد تساعد على تعميم مفاد حديث سدير، أو على
إثبات أصل الحكم بالسكون بنحو مستقل، بحيث لا يبقى الاستدلال متوقِّفاً على إلغاء
خصوصية سدير وحده.
الرواية الأولى: رواية الفضل الكاتب:
روى الشيخ الكليني(١٩): عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
الحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، عَنِ الفَضْلِ الكَاتِبِ،
قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) فَأَتَاه كِتَابُ أَبِي
مُسْلِمٍ، فَقَالَ: «لَيْسَ لِكِتَابِكَ جَوَابٌ، اخْرُجْ عَنَّا»، فَجَعَلْنَا
يُسَارُّ بَعْضُنَا بَعْضاً، فَقَالَ: «أَيَّ شَيْءٍ تُسَارُّونَ يَا فَضْلُ؟ إِنَّ
الله (عَزَّ ذِكْرُه) لَا يَعْجَلُ لِعَجَلَةِ العِبَادِ، ولَإِزَالَةُ جَبَلٍ عَنْ
مَوْضِعِه أَيْسَرُ مِنْ زَوَالِ مُلْكٍ لَمْ يَنْقَضِ أَجَلُه»، ثُمَّ قَالَ:
«إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ» حَتَّى بَلَغَ السَّابِعَ مِنْ وُلْدِ فُلَانٍ،
قُلْتُ: فَمَا العَلَامَةُ فِيمَا بَيْنَنَا وبَيْنَكَ جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ:
«لَا تَبْرَحِ الأَرْضَ يَا فَضْلُ حَتَّى يَخْرُجَ السُّفْيَانِيُّ، فَإِذَا
خَرَجَ السُّفْيَانِيُّ فَأَجِيبُوا إِلَيْنَا - يَقُولُهَا ثَلَاثاً - وهُوَ مِنَ
المَحْتُومِ».
والبحث فيها من جهتين:
أوَّلاً: جهة السند:
في السند جهتان قابلتان للمناقشة:
الأولى: الفضل الكاتب، إذ لم يثبت فيه توثيق واضح.
الثانية: عبد الرحمن بن أبي هاشم بهذا العنوان، فإنَّه غير منصوص على وثاقته، وإن
احتمل اتِّحاده مع عبد الرحمن بن محمد بن أبي هاشم الثقة.
وعليه، فالرواية لا تخلو من توقُّف سندي، إلَّا أنَّ مضمونها مؤيِّد لما تقدَّم.
ثانياً: جهة الدلالة:
مع أنَّ صَدْر الخطاب موجَّه إلى الفضل: «لا تبرح الأرض يا فضل»، إلَّا أنَّ جوِّ
الرواية لا يساعد على اختصاص الحكم به، فإنَّ السؤال والسياق متَّصلان بحركة أبي
مسلم، وبالعلامة الفاصلة بين زمن الانتظار وزمن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) الكافي للشيخ الكليني: ج٨، ص٢٧٤، ح٤١٢.
الإجابة، ولذلك قال (عليه السلام): «فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا»، بصيغة
الجمع، فالرواية -على فرض اعتبارها- أظهر في العموم من حديث سدير، وتصلح مؤيّداً
لإلغاء خصوصيته، لا دليلاً تامًّا مستقلًّا إلَّا بعد علاج جهة السند.
الرواية الثانية: رواية الحسين بن خالد:
روى الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في الأمالي(٢٠): أخبرنا محمد بن محمد، قال: أخبرني
الشريف أبو محمد أحمد بن محمد بن عيسى العلوي الزاهد، قال: حدَّثنا حيدر بن محمد بن
نعيم السمرقندي، قال: حدَّثنا أبو عمرو محمد بن عمر الكشي، قال: حدَّثنا حمدويه بن
نصر، عن محمد بن عيسى، عن الحسين بن خالد، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه
السلام): إنَّ عبد الله بن بكير كان يروي حديثاً ويتأوَّله، وأنا أحب أن أعرضه
عليك، فقال: «ما ذلك الحديث»؟ قلت: قال ابن بكير: حدَّثني عبيد بن زرارة، قال: كنت
عند أبي عبد الله (عليه السلام) أيَّام خروج محمد بن عبد الله بن الحسن، إذ دخل
عليه رجل من أصحابنا، فقال له: جعلت فداك، إنَّ محمد بن عبد الله قد خرج، وأجابه
الناس، فما تقول في الخروج معه؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «اسكن ما سكنت
السماء والأرض»، فقال عبد الله بن بكير: فإذا كان الأمر هكذا، ولم يكن خروج ما سكنت
السماء والأرض، فما من قائم ولا من خروج؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): «صدق أبو
عبد الله (عليه السلام)، وليس الأمر على ما تأوَّله ابن بكير، إنَّما قال أبو عبد
الله (عليه السلام): اسكنوا ما سكنت السماء من النداء، والأرض من الخسف بالجيش».
والرواية يرويها الشيخ الصدوق(٢١) بطريق آخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠)
الأمالي - الشيخ الطوسي، ص٤١٣.
(٢١) قال الشيخ الحر (قدّس سرّه) في وسائل الشيعة (آل البيت (عليهم السلام)) (ج١٥،
ص٥٥): (ورواه الشيخ في (المجالس والأخبار) بهذا السند، ورواه الصدوق في (عيون
الأخبار) وفي (معاني الأخبار) عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن سهل بن زياد، عن علي
بن الريان، عن عبيد الله الدهقان، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرضا (عليه
السلام) نحوه).
والبحث فيها من جهتين:
الأولى: جهة السند:
طريق الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) مشتمل على من لم يثبت توثيقه بوضوح، كأحمد بن محمد
العلوي الزاهد، وفي الحسين بن خالد أيضاً كلام.
وطريق الصدوق (قدّس سرّه) مشتمل على سهل بن زياد، وفيه المعروف من الكلام.
نعم، تعدُّد الطريق وموافقة المضمون لسائر الأخبار قد يورثان شيئاً من الاطمئنان
بالمضمون، إلَّا أنَّ جعل الرواية دليلاً مستقلًّا يتوقَّف على تحقيق السند.
الثانية: جهة الدلالة:
هذه الرواية مهمة دلالياً، لأنَّ النهي فيها جاء بصيغة الجمع: «اسكنوا»، لا بخطاب
شخصي مفرد، وهي واردة في مورد خروج محمد بن عبد الله بن الحسن، وسؤال بعض الأصحاب
عن الالتحاق به، فجاء الجواب بالأمر بالسكون إلى ظهور علامتين: (النداء من السماء،
والخسف بالجيش).
ومن هنا يمكن أن يقال: إنَّ الرواية -لو تمَّت سنداً- ظاهرة في حكم عام بعدم الخروج
مع الخارجين قبل تحقُّق العلامات، لكن ينبغي الالتفات إلى أنَّ موردها خروج مخصوص،
وهو خروج محمد بن عبد الله بن الحسن، وقد كان خروجاً سياسياً مسلَّحاً ذا دعوى
خاصة.
فلا يصح التعدِّي منها إلى كلِّ أنحاء التصدِّي السياسي إلَّا بعد إحراز أنَّ
المناط هو مطلق الخروج قبل العلامات، لا خصوص الخروج المسلَّح أو الخروج المتلبِّس
بدعوى غير مأذونة.
الرواية الثالثة: رواية أبي بصير عن سلمان
(رضي الله عنه):
روى الشيخ الطوسي في الغيبة(٢٢)، عن أحمد بن إدريس عن علي بن محمد، عن الفضل بن
شاذان، عن محمد بن أبي عمير، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي بصير، عن أبي عبد
الله (عليه السلام) قال: «لما دخل سلمان (رضي الله عنه) الكوفة، ونظر إليها ذكر ما
يكون من بلائها، حتَّى ذكر ملك بني أمية والذين من بعدهم، ثم قال: فإذا كان ذلك
فالزموا أحلاس بيوتكم حتَّى يظهر الطاهر ابن الطاهر المطهر ذو الغيبة الشريد
الطريد».
والبحث فيها من جهتين:
أوَّلاً: جهة السند:
السند لا يخلو من إشكال، من جهة علي بن محمد، فإنَّه مشترك بين جماعة -منهم ابن
بندار وابن إبراهيم وغيرهما-، وتشخيص المراد منه مشكل، فإن أريد به علي بن محمد بن
بندار الثقة تم السند من هذه الجهة، لكنَّه محتمل، وأمَّا باقي رجال السند فليس
فيهم ما يوجب التوقُّف.
ثانياً: جهة الدلالة:
الرواية -بحسب ظاهرها- عامة، لأنَّها تقول: «فالزموا أحلاس بيوتكم»، وهي ظاهرة في
الأمر العام بالسكون إلى ظهور الإمام (عليه السلام)، إلَّا أنَّ تمامية الاستدلال
تتوقَّف على أمرين: اعتبار السند، وأن يكون كلام سلمان (رضي الله عنه) مأخوذاً عن
المعصوم (عليه السلام)(٢٣)، لا مجرَّد إخبار منه بما علمه، وإن كان مثل سلمان لا
يتكلَّم في أمثال هذه المغيبات من تلقاء نفسه بحسب الارتكاز المتشرِّعي، ومع ذلك،
فالرواية تصلح للتأييد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢)
الغيبة - الشيخ الطوسي: ص١٦٣.
(٢٣) اللَّهم إلَّا أن يقال: إنَّ الناقل لكلام سلمان هو المعصوم فتكتسب الحجية من
جهة نقلها له. [المقرِّر].
الرواية الرابعة: رواية جابر الجعفي:
وهي مروية في كتاب الغيبة للشيخ الطوسي (قدّس سرّه)(٢٤): عن أبي جعفر (عليه السلام)
قال: «الزم الأرض ولا تحرِّك يداً ولا رجلاً حتَّى ترى علامات أذكرها لك، وما أراك
تدرك: اختلاف بني فلان، ومناد ينادي من السماء، ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق
بالفتح، وخسف قرية من قرى الشام تسمَّى الجابية، وستقبل إخوان الترك حتَّى ينزلوا
الجزيرة، وستقبل مارقة الروم حتَّى ينزلوا الرملة، فتلك السنة فيها اختلاف كثير في
كلِّ أرض من ناحية المغرب... وراية السفياني».
حيث ذكر فيها علاماتٍ كثيرةً لخروج الإمام الحجة (عليه السلام)، كاختلاف بني فلان،
والنداء من السماء، والصوت من ناحية دمشق، وخسف الجابية، ونزول إخوان الترك
الجزيرة، ومارقة الروم الرملة، وراية السفياني.
وهذه الرواية من حيث الدلالة ظاهرة في الأمر بالسكون وترك الحركة قبل تحقُّق
العلامات المذكورة، فإنَّ قوله (عليه السلام): «الزم الأرض، ولا تحرِّك يداً ولا
رجلاً» من أوضح التعابير في المنع عن المبادرة إلى الحركة قبل ظهور العلامات، إلَّا
أنَّ تمامية الاستدلال بها تتوقَّف على تحقيق سندها، ولا سيما بلحاظ طريق الشيخ
الطوسي (قدّس سرّه) إلى الفضل بن شاذان، ثم بلحاظ حال عمرو بن أبي المقدام وجابر بن
يزيد الجعفي.
والكلام في نقاط:
أوَّلاً: طريق الشيخ الطوسي إلى الفضل بن شاذان:
المشكلة الأولى في سند رواية الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) ترجع إلى طريقه إلى الفضل بن
شاذان، فإنَّ الشيخ (قدّس سرّه) يرويها في الغيبة عن الفضل، والفضل متقدِّم عليه،
فلابدَّ من إحراز طريق الشيخ إليه، والشيخ الطوسي (قدّس سرّه) له طريق إلى الفضل في
المشيخة، وله طريق إليه في الفهرست.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) الغيبة - الشيخ الطوسي: ص٤٤١.
أمَّا
الطريق المذكور في المشيخة فهو تام في نفسه، إلَّا أنَّ مورده ما أورده الشيخ (قدّس
سرّه) في التهذيبين، لأنَّ المشيخة وضعت لبيان طرق الشيخ (قدّس سرّه) إلى من ابتدأ
بأسمائهم في روايات التهذيب والاستبصار، ومن ثمَّ لا يحرز أنَّ ذلك الطريق طريق عام
إلى جميع مرويات الفضل وكتبه، بحيث يشمل ما يرويه الشيخ عنه في كتاب الغيبة.
وبعبارة أخرى: لو صرَّح الشيخ (قدّس سرّه) بأنَّ طريقه المذكور في المشيخة طريق إلى
جميع كتب الفضل ومروياته، لأمكن التعويل عليه في المقام، أمَّا مع عدم هذا التصريح،
فالمتيقَّن اختصاصه بما وقع في التهذيبين.
ومن هنا لا ينفع طريق المشيخة لإثبات صحة هذه الرواية في كتاب الغيبة.
وأمَّا طريق الشيخ في الفهرست، فهو بحسب طبيعة الفهرست أقرب إلى أن يكون طريقاً إلى
كتب المترجم له ومروياته، لأنَّ الفهرست موضوعه ذكر أصحاب الكتب والطرق إليها، فلو
تم طريق الشيخ في الفهرست إلى الفضل، لأمكن الاستناد إليه في مثل هذه الرواية،
إلَّا أنَّ هذا الطريق لا يخلو من جهة إشكال سندي، ومن هنا لا تكفي رواية الشيخ
الطوسي (قدّس سرّه) وحدها لتصحيح الخبر بلا ضميمة.
ثانياً: طريق الشيخ النعماني (رحمه الله) إلى الرواية:
الرواية نفسها موجودة في غيبة الشيخ النعماني (رحمه الله) بطرق متعدِّدة، وهذا مما
يخفِّف الإشكال المتقدِّم في طريق الشيخ الطوسي (قدّس سرّه).
روى (رحمه الله) في الغيبة(٢٥): أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد، عن هؤلاء الرجال
الأربعة، عن ابن محبوب، وأخبرنا محمد بن يعقوب الكليني أبو جعفر، قال: حدَّثني علي
بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، قال: وحدَّثني محمد بن عمران،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥) الغيبة - ابن أبي زينب النعماني: ص٢٨٨.
قال:
حدَّثنا أحمد بن محمد بن عيسى، قال: وحدَّثنا علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد،
جميعاً، عن الحسن بن محبوب، قال: وحدَّثنا عبد الواحد بن عبد الله الموصلي، عن أبي
علي أحمد بن محمد بن أبي ناشر، عن أحمد بن هلال، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي
المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه
السلام): «يا جابر، الزم الأرض ولا تحرِّك يداً ولا رجلاً حتَّى ترى علامات أذكرها
لك إن أدركتها: أوَّلها اختلاف بني العباس، وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدِّث به من
بعدي عنِّي، ومنادٍ ينادي من السماء...».
ومقتضى ظاهر هذا النقل أنَّ النعماني (رحمه الله) ساق عدَّة طرق تنتهي إلى الحسن بن
محبوب، ثم يروي ابن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي.
ومن أهم هذه الطرق ما ينقله النعماني عن أستاذه الشيخ الكليني (رضي الله عنه)(٢٦)،
عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، ثم يقع الاشتراك في الحسن بن محبوب.
وبيان ذلك: أنَّ قوله: (جميعاً، عن الحسن بن محبوب) ظاهر في رجوع الطرق المذكورة
قبلها إلى الحسن بن محبوب، وبما أنَّ إبراهيم بن هاشم في طبقة من يروي عن الحسن بن
محبوب، فيكون مفاد أحد الطرق: النعماني، عن محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن
إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن
جابر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦)
والشيخ النعماني من تلامذة الشيخ الكليني (رضي الله عنه) المعروفين، وممن ارتبطوا
بنسخة كتاب الكافي ارتباطاً مباشراً، فقد نُقل أنَّه لازم الشيخ الكليني (رضي الله
عنه) مدَّة طويلة، وعمل معه في نسخ الكتاب وضبطه، حتَّى عُدَّت نسخة النعماني -إلى
جانب نسخة الصفواني- من النسخ المعتمدة في انتقال الكافي.
ومن هنا فإنَّ روايته عن الشيخ الكليني (رضي الله عنه) في هذا الموضع هي رواية
تلميذ قريب من أستاذه، له صلة خاصة بكتابه ونقله.
وهذا
طريق لا بأس به في نفسه، لولا الكلام في عمرو بن أبي المقدام وجابر.
أمَّا الطرق الأخرى المذكورة في كلام النعماني (رحمه الله)، فبعضها لا يخلو من ضعف
أو كلام، كطريق سهل بن زياد، أو طريق أحمد بن هلال، إلَّا أنَّ وجود الطريق
المتقدِّم كافٍ في دفع أصل الإشكال لو تمَّت حال من بعد الحسن بن محبوب.
ثالثاً: الكلام في عمرو بن أبي المقدام:
يبقى في هذا الطريق عمرو بن أبي المقدام، وقد وقع الكلام في وثاقته، والذي يمكن
اعتماده في المقام أنَّ عمرو بن أبي المقدام قد روى عنه ابن أبي عمير بسند
صحيح(٢٧)، كما روى عنه صفوان أيضاً بسند صحيح(٢٨)، وبناءً على المبنى المعروف في
إفادة رواية ابن أبي عمير وصفوان وأمثالهما عن شخص للاعتماد عليه، يثبت اعتبار عمرو
بن أبي المقدام من هذه الجهة، وعلى هذا المبنى لا يكون عمرو مانعاً من تصحيح
الطريق، ويبقى الكلام في جابر بن يزيد الجعفي.
رابعاً: الكلام في جابر بن يزيد الجعفي:
جابر بن يزيد الجعفي من الرواة الذين وقع الكلام فيهم كثيراً، لا لأنَّ كلمات
الرجاليين اتَّفقت على تضعيفه، بل لأنَّ في ترجمته جهات متعارضة بدواً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧)
في الكافي، ج٨، ص٢٠٩: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن أبي
المقدام قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «خرجت أنا وأبي حتَّى إذا
كنَّا بين القبر والمنبر إذا هو بأناس من الشيعة، فسلَّم عليهم ثم قال: إنِّي والله
لأحب رياحكم وأرواحكم فأعينوني على ذلك بورع واجتهاد...».
(٢٨) في تهذيب الأحكام، ج١، ص٢١٢: وأخبرني الشيخ (أيَّده الله تعالى) عن أبي القاسم
جعفر بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن
سعيد، عن صفوان، عن عمرو بن أبي المقدم، عن أبي عبد الله (عليه السلام): (أنَّه وصف
التيمم فضرب بيديه على الأرض ثم رفعهما فنفضهما ثم مسح على جبينه وكفيه مرة واحدة).
فمن
جهة وردت فيه كلمات مدح وتصديق، ومن جهة أخرى ورد في كلام النجاشي (رحمه الله) وصفه
بالاختلاط، كما وردت رواية صحيحة السند ظاهرها إنكار بعض أحاديثه.
ومن هنا لابدَّ من تحرير محلّ الإشكال بدقة، في نقاط:
١- كلمات الرجاليين في جابر: قال النجاشي في ترجمة جابر ما حاصله(٢٩): إنَّ جماعة
رووا عنه وغُمز فيهم لما رووا عنه، منهم عمرو بن شمر، ويوسف بن يعقوب، ثم قال:
(وكان في نفسه مختلطاً)، وذكر أنَّ الشيخ المفيد (قدّس سرّه) كان ينشد أشعاراً تدل
على الاختلاط، ثم أضاف أنَّ الرواية عنه في الحلال والحرام قليلة.
وهذه العبارة هي أهم ما يتمسَّك به للتوقُّف في جابر، لا سيما قوله: (وكان في نفسه
مختلطاً)، إلَّا أنَّ النجاشي (رحمه الله) لم يصرِّح بأنَّه كذَّاب أو ضعيف في
نفسه، بل أشار إلى الاختلاط، وإلى أنَّ الغمز وقع في جماعة رووا عنه.
وأمَّا الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)، فقد ذكر جابراً في الفهرست(٣٠)، وذكره في
رجاله(٣١) في أصحاب الباقر وأصحاب الصادق (عليهما السلام)، ولم يورد فيه قدحاً ولا
مدحاً صريحاً.
وكذلك ذكره البرقي من غير تعرُّض لقدح أو مدح(٣٢).
وكذلك عدَّه ابن شهرآشوب في المناقب من خواص أصحاب الصادق (عليه السلام).
ونقل العلامة (قدّس سرّه) في الخلاصة عن العقيقي وابن عقدة ما يتضمَّن ترحُّم
الإمام الصادق (عليه السلام) عليه، وأنَّه قال في حقِّه: «إنَّه لا يكذب علينا».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩)
الفهرست: ص١٢٨.
(٣٠) الفهرست - الشيخ الطوسي: ص٩٥.
(٣١) الأبواب (رجال الطوسي) - الشيخ الطوسي: ص١٢٩، ص١٧٦.
(٣٢) معجم رجال الحديث - السيد الخوئي: ج٤، ص٣٣٨، وهكذا في بقية الموارد إلى الكشي.
ونقل
العلامة (قدّس سرّه) أيضاً عن ابن الغضائري (رحمه الله) أنَّ جابراً ثقة في نفسه،
إلَّا أنَّ جلّ من روى عنه ضعيف.
وهذه الجملة الأخيرة مهمة في المقام، لأنَّها تفصل بين وثاقة جابر في نفسه وبين ضعف
كثير ممن روى عنه، فلو كان طريق الرواية إلى جابر صحيحاً، لم يصح إسقاطها بمجرَّد
أنَّ كثيراً من الرواة عنه ضعفاء، إلَّا إذا كان الراوي عنه في هذا الطريق من أولئك
الضعفاء، أمَّا في محلِّ الكلام فالرواية تنتهي إليه بواسطة عمرو بن أبي المقدام
بعد الحسن بن محبوب، وقد تقدَّم إمكان تصحيح عمرو على المبنى المذكور.
وفي مقابل ذلك، عدَّه الشيخ المفيد (قدّس سرّه) في رسالته العددية من الفقهاء
الأعلام الذين لا مطعن فيهم، ولا طريق إلى ذمِّ واحد منهم(٣٣).
٢- روايات الكشي (رحمه الله) في جابر (رحمه الله)(٣٤): روى الكشي في جابر روايات
كثيرة، إلَّا أنَّ أكثرها لا يخلو من ضعف سندي، والعمدة في المقام روايتان
معتبرتان:
الرواية الأولى: ما رواه عن حمدويه وإبراهيم، قالا: حدَّثنا محمد بن عيسى، عن علي
بن الحكم، عن زياد بن أبي الحلال، قال: اختلف أصحابنا في أحاديث جابر الجعفي، فقلت
لهم: أسأل أبا عبد الله (عليه السلام)، فلمَّا دخلت ابتدأني فقال: «رحم الله جابر
الجعفي، كان يصدق علينا، لعن الله المغيرة بن سعيد، كان يكذب علينا».
وهذه الرواية معتبرة السند، ودلالتها واضحة على تصديق جابر، بل هي في مقام المقابلة
بينه وبين المغيرة بن سعيد الذي كان يكذب عليهم، فيكون ظاهرها أنَّ جابراً ليس من
هذا الباب، بل كان صادقاً فيما يرويه عنهم (عليهم السلام).
الرواية الثانية: ما رواه عن حمدويه وإبراهيم ابني نصير، قالا: حدَّثنا محمد بن
عيسى، عن علي بن الحكم، عن ابن بكير، عن زرارة، قال: سألت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٣)
معجم رجال الحديث - السيد الخوئي: ج٤، ص٣٣٨.
(٣٤) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) - الشيخ الطوسي: ج٢، ص٤٣٦.
أبا
عبد الله (عليه السلام) عن أحاديث جابر، فقال: «ما رأيته عند أبي قط إلَّا مرَّة
واحدة، وما دخل عليَّ قط»، وهذه الرواية أيضاً صحيحة السند، وهي ظاهرة بدواً في
إنكار بعض ما ينسب إلى جابر، أو في دفع الاعتماد على أحاديثه، لأنَّ سؤال زرارة كان
عن أحاديث جابر، فجاء الجواب بما ظاهره أنَّ الإمام (عليه السلام) لم يعرف كثرة
ملاقاته لأبيه (عليه السلام) ولا دخوله عليه.
وعليه، فالذي يصلح أن يعارض أدلة المدح والتوثيق أمران:
- عبارة النجاشي (رحمه الله) في الاختلاط.
- وهذه الرواية الثانية عن زرارة.
وأمَّا مجرَّد وجود روايات ضعيفة مادحة أو قادحة فلا ينهض بنفسه لترجيح أحد
الطرفين.
٣- معنى الاختلاط في كلام النجاشي (رحمه الله): لفظ (مختلط) وما يقاربه من (مخلّط)
من الألفاظ الرجالية التي تحتاج إلى تحرير، لأنَّ الحكم على جابر يتوقَّف على فهم
المراد منها في مورد استعمالها.
وقد ذكرت في معنى هذا العنوان عدَّة احتمالات:
الأوَّل: أن يراد به فساد العقيدة(٣٥)، لا بمعنى الخروج عن الإمامية رأساً، وإلَّا
لعبَّروا عنه بالوقف أو الفطحية أو غير ذلك، بل بمعنى وجود شائبة أو ميل أو اضطراب
في بعض الآراء والمعتقدات مما لا يخرجه عن أصل الانتماء إلى الطائفة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥)
في عدَّة الرجال للسيد محسن الأعرجي (ج١، ص١٦٤): (نعم قولهم: (مختلط مخلّط) ظاهر في
القدح، لظهوره في فساد العقيدة).
وفي نهاية الدراية للسيد حسن الصدر (ص٤٣٦): (ومنها: (مخلط): إذا قيل على الإطلاق،
فيراد أنَّه مخلط في نفسه واعتقاده، كمختلط الأمر... ثم إنِّي عثرت على حديث في
التهذيب يدل على استعمال الإمام لفظ مخلط فيما ذكرنا من فساد المذهب، رواه الشيخ عن
إسماعيل الجعفري، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل يحب أمير المؤمنين (عليه
السلام) ولا يتبرأ من أعدائه ويقول هو أحبّ إليَّ، فقال (عليه السلام): «هو مخلط
وهو عدو لا تصل خلفه، ولا كرامة، إلَّا أن تتَّقيه»).
الثاني: أن يراد به عدم الانضباط في الرواية، بأن يجمع الراوي بين الغثِّ والسمين،
أو يروي الصحيح والسقيم، أو لا يتحفَّظ فيمن يأخذ عنه، فيكون في مروياته نوع اختلاط
وتفاوت لا في أصل صدقه ووثاقته(٣٦).
الثالث: أن يراد به فساد العقل أو الجنون، وهو معنى لغوي معروف في مادة الاختلاط،
كما يقال(٣٧): اختلط عقله.
ولابدَّ في تعيين المراد من ملاحظة المورد والقرائن(٣٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦)
أُطلق على جماعةٍ، منهم محمد بن جعفر بن أحمد بن بطة، قال الشيخ النجاشي (رحمه
الله) في الفهرست (ص٣٧٣): (وقال ابن الوليد: كان محمد بن جعفر بن بطة ضعيفاً مخلطاً
فيما يسنده).
ومنهم علي بن أحمد العقيقي، قال الشيخ الطوسي في رجاله: مخلِّط. [الأبواب (رجال
الطوسي) - الشيخ الطوسي: ص٤٣٤].
ومنهم الشيخ ابن إدريس، فقد نقل علي بن بابويه منتجب الدين في فهرسته عن الشيخ سديد
الدين محمود الحمصي -من علمائنا ويُعبَّر عنه بشيخنا- أنَّه قال في حقِّ ابن إدريس:
هو مخلِّط، لا يعتمد على تصنيفه.
[فهرست منتجب الدين - منتجب الدين بن بابويه: ص١١٣].
(٣٧) المحكم والمحيط الأعظم - ابن سيده (ج٥، ص١١٤): (خلط: خلط الشيء بالشيء يَخلِطه
خَلطاً، وخَلّطه فاختلط: مَزَجهُ. وخالط الشيءُ الشيءَ مُخالطةً وخِلاطاً: مازجه.
والخِلْط: ما خالط الشيء، وجمعه: أخلاط).
(٣٨) وينبغي هنا التفريق بين (المخلِّط) و(المختلط):
فالظاهر أنَّ وصف (المخلِّط) يطلق غالباً على الشخص، فيقال: فلان مخلِّط، أي يجمع
بين أمور غير متناسقة، سواء كان ذلك في الرواية أو في غيرها.
وأمَّا وصف (المختلط): فقد يطلق على الشخص، وقد يطلق على الكتاب أيضاً، فيقال: كتاب
مختلط، أي يشتمل على مواد متفاوتة، فيها الصحيح وغير الصحيح، أو الموافق للسياق
العام لعقائد الطائفة والشاذ عنه.
قال الشيخ النجاشي (رحمه الله) في الفهرست، ص٣٢٩: (أبو جعفر القمي ذكره القميون
وغمزوا عليه ورموه بالغلو حتَّى دسّ عليه من يفتك به، فوجده يصلِّي من أوَّل
اللَّيل إلى آخره فتوقَّفوا عنه...).
وكذا قال الشيخ (قدّس سرّه) في الفهرست، ص٢٢٠: (محمد بن أورمة، له كتب مثل كتب
الحسين بن سعيد، وفي رواياته تخليط، أخبرنا بجميعها - إلَّا ما كان فيها من تخليط
أو غلو - ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عنه).
فالحاصل: أنَّ (الاختلاط) إذا أطلق على كتاب كان معناه اشتماله على مواد غير
متجانسة من حيث الصحة والاعتبار أو من حيث المضمون، وإذا أطلق على راوٍ احتمل أن
يكون المراد اضطراب مروياته وعدم انضباطها، لا القدح في أصل صدقه ووثاقته، إلَّا أن
تقوم قرينة خاصة على إرادة معنى أشد.
أمَّا
حمل الاختلاط في جابر على الجنون الواقعي فبعيد جدًّا، لأنَّ ما ورد في بعض الأخبار
من إظهار جابر للجنون كان بأمر الإمام (عليه السلام) ولغرض حفظه من بطش السلطة(٣٩)،
لا أنَّه كان فاسد العقل حقيقة.
ومن البعيد أن يخفى هذا على النجاشي (رحمه الله) أو الشيخ المفيد (قدّس سرّه)، بحيث
يجعلان هذا الإظهار الاختياري شاهداً على اختلاله الواقعي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩)
في الكافي، ج١، ص٣٩٦: بسنده عن النعمان بن بشير، قال: كنت مزاملاً لجابر بن يزيد
الجعفي، فلمَّا أن كنا بالمدينة دخل على أبي جعفر (عليه السلام) فودعه وخرج من عنده
وهو مسرور حتَّى وردنا الأخيرجة، أوَّل منزل نعدل من فيد، إلى المدينة يوم جمعة
فصلَّينا الزوال، فلمَّا نهض بنا البعير إذا أنا برجل طوال آدم معه كتباً، فناوله
جابراً فتناوله فقبله ووضعه على عينيه وإذا هو: من محمد بن علي إلى جابر بن يزيد
وعليه طين أسود رطب، فقال له: متى عهدك بسيدي؟ فقال: الساعة، فقال له: قبل الصلاة
أو بعد الصلاة؟ فقال: بعد الصلاة، ففك الخاتم وأقبل يقرؤه ويقبض وجهه حتَّى أتى على
آخره، ثم أمسك الكتاب فما رأيته ضاحكاً ولا مسروراً حتَّى وافى الكوفة، فلمَّا
وافينا الكوفة ليلاً بتُّ ليلتي، فلمَّا أصبحت أتيته إعظاماً له فوجدته قد خرج
عليَّ وفي عنقه كعاب، قد علَّقها وقد ركب قصبة وهو يقول: أجد منصور بن جمهور أميراً
غير مأمور، وأبياتاً من نحو هذا، فنظر في وجهي ونظرت في وجهه فلم يقل لي شيئاً ولم
أقل له، وأقبلت أبكي لما رأيته واجتمع عليَّ وعليه الصبيان والناس، وجاء حتَّى دخل
الرحبة وأقبل يدور مع الصبيان، والناس يقولون: جنَّ جابر بن يزيد جن، فوالله ما مضت
الأيام حتَّى ورد كتاب هشام بن عبد الملك إلى واليه أن انظر رجلاً يقال له: جابر بن
يزيد الجعفي فاضرب عنقه وابعث إليَّ برأسه، فالتفت إلى جلسائه فقال لهم: من جابر بن
يزيد الجعفي؟ قالوا: أصلحك الله كان رجلاً له علم وفضل وحديث، وحجَّ فجنَّ وهو ذا
في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم، قال: فأشرف عليه فإذا هو مع الصبيان
يلعب على القصب، فقال: الحمد لله الذي عافاني من قتله، قال: ولم تمض الأيام حتَّى
دخل منصور بن جمهور الكوفة وصنع ما كان يقول جابر).
وقد روي في الكشي، ج٢، ص٤٤٣: بسنده عن علي بن عبد الله، قال: (خرج جابر ذات يوم
وعلى رأسه قوصرة راكباً قصبة حتَّى مرَّ على سكك الكوفة، فجعل الناس يقولون: جنَّ
جابر جنَّ جابر! فلبثنا بعد ذلك أياماً، فإذا كتاب هشام قد جاء بحمله إليه. قال:
فسأل عنه الأمير فشهدوا عنده أنَّه قد اختلط، وكتب بذلك إلى هشام فلم يتعرَّض له،
ثم رجع إلى ما كان من حاله الأوَّل).
وأمَّا حمله على فساد العقيدة، فلا شاهد واضح عليه في حقِّ جابر، خصوصاً مع ما
تقدَّم من كلمات المدح، وعدّ الشيخ المفيد (قدّس سرّه) له فيمن لا مطعن فيهم،
ورواية الكشي (رحمه الله) المعتبرة الدالة على أنَّه كان يصدق عليهم.
فالأنسب أن يراد بالاختلاط في جابر ما يرجع إلى جهة مروياته ومضامينه، لا إلى أصل
صدقه، فهو راوٍ صدرت عنه روايات ذات مضامين عالية وغريبة على أذهان كثير من
الأصحاب، مما أوجب اضطراب الموقف من أحاديثه، لا بالضرورة من شخصه، وهذا المعنى
يناسب أصل المادة اللغوية، لأنَّ الاختلاط يرجع إلى المزج وعدم الجريان على نسق
واحد بحسب نظر المتلقِّي.
ويؤيِّد هذا أنَّ السؤال في الروايات الصحيحة لم يكن عن شخص جابر بما هو ثقة أو غير
ثقة، بل عن (أحاديث جابر)، فقد قال زياد بن أبي الحلال: (اختلف أصحابنا في أحاديث
جابر)، وسأل زرارة أبا عبد الله (عليه السلام) عن (أحاديث جابر)، وهذا ظاهر في أنَّ
محلّ الاستغراب كان مضامين الأحاديث وما تشتمل عليه، لا أصل صدق الرجل في نفسه.
بل يمكن أن يقال: إنَّ سؤال أمثال زرارة وزياد بن أبي الحلال عن أحاديثه، لا عن
وثاقته، يستبطن في الجملة أنَّ أصل الرجل لم يكن ساقطاً عندهم، وإنَّما كانت
المشكلة في غرابة ما يرويه وعلو مضامينه، ولو كان الإشكال في كذبه أو عدم وثاقته
رأساً، لكان السؤال أنسب بحاله من هذه الجهة.
وعلى هذا، فقوله: (كان في نفسه مختلطاً) لا ينهض وحده لإسقاط وثاقته، فضلاً عن
معارضة النص المعتبر الدال على أنَّه «كان يصدق علينا».
٤- الجمع بين روايتي المدح والإنكار: تبقى رواية زرارة الصحيحة، فإنَّ ظاهرها
الأوَّلي إنكار أحاديث جابر، إذ قال الإمام (عليه السلام): «ما رأيته عند أبي قط
إلَّا مرَّة واحدة، وما دخل عليَّ قط»، وهذه الرواية لو أخذ بظاهرها البدوي فقد
تصلح لمعارضة رواية زياد بن أبي الحلال الدالة على صدق جابر.
إلَّا
أنَّ الجمع العرفي بين الروايتين ممكن، بل قريب، بحمل الإنكار في رواية زرارة على
التقية بالمعنى الواسع، أو على إرادة منع إذاعة بعض المضامين التي كان جابر يرويها.
ووجه ذلك: أنَّ في جملة من الأخبار ما يدل على أنَّ جابراً كان يحمل مضامين خاصة لا
يراد إشاعتها بين عامة الناس، بل ولا بين كل طبقات الشيعة.
ومن شواهد ذلك ما رواه الكشي (رحمه الله)، وهي كثيرة ، ومنها(٤٠):
الرواية الأولى: في الكشي بسنده إلى علي بن حسان، عن المفضل بن عمر الجعفي، قال:
سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تفسير جابر؟ فقال: «لا تحدِّث به السفلة
فيذيعونه، أما تقرأ في كتاب الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَإِذا
نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدَّثِّر: ٨]، إنَّ منَّا إماماً مستتراً فإذا
أراد الله إظهار أمره نكت في قلبه، فظهر فقام بأمر الله».
الرواية الثانية: في الكشي بسنده إلى عمرو بن شمر، عن جابر، قال: دخلت على أبي جعفر
(عليه السلام) وأنا شاب، فقال: «من أنت»؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: «ممن»؟ قلت: من
جعفي، قال: «ما أقدمك إلى هاهنا»؟ قلت: طلب العلم، قال: «ممن»؟ قلت: منك، قال:
«فإذا سألك أحد من أين أنت»؟ فقل: من أهل المدينة... قال: ودفع إليَّ كتاباً وقال
لي: «إن أنت حدَّثت به حتَّى تهلك بنو أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي، وإذا أنت كتمت
منه شيئاً بعد هلاك بني أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي»، ثم دفع إليَّ كتاباً آخر،
ثم قال: «وهاك هذا، فإن حدَّثتَ بشيء منه أبداً فعليك لعنتي ولعنة آبائي».
الرواية الثالثة: في الكشي بسنده إلى دريح المحاربي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه
السلام) عن جابر الجعفي وما روى؟ فلم يجبني، وأظنّه قال: سألته بجمع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) - الشيخ الطوسي: ج٢، ص٤٣٧، وما بعدها.
فلم
يجبني، فسألته الثالثة؟ فقال لي: «يا ذريح دع ذكر جابر، فإنَّ السفلة إذا سمعوا
بأحاديثه شنعوا»، أو قال: «أذاعوا».
الرواية الرابعة: في الكشي بسنده إلى جابر بن يزيد الجعفي، قال: حدَّثني أبو جعفر
(عليه السلام) سبعين ألف حديث لم أحدِّث بها أحداً قط ولا أحدِّث بها أحداً، قال
جابر: فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك إنَّك قد حمَّلتني وقراً عظيماً بما
حدَّثتني به من سرِّكم الذي لا أحدِّث به أحداً، فربَّما جاش في صدري حتَّى يأخذني
منه شبه الجنون، قال: «يا جابر، فإذا كان ذلك فاخرج إلى الجبّان فاحفر حفيرة ودل
رأسك فيها، ثم قل: حدَّثني محمد بن علي بكذا وكذا».
وروايات كثيرة تشير إلى هذا المطلب، وهو أنَّ الأئمة (عليهم السلام) لا يريدون
إذاعة أحاديث جابر أو شيوعها بين الناس، وهذا يكشف عن وجود منزلةٍ خاصةٍ لجابر عند
الأئمة (عليهم السلام)، وأنَّهم أعطوه الشيء الكثير من أسرار آل محمد (صلَّى الله
عليه وآله)، والأئمة (عليهم السلام) لا يريدون إشاعتها وإذاعتها بين الناس.
وهذه الروايات وإن لم تتم أسانيدها جميعاً، إلَّا أنَّ مجموعها يصلح شاهداً على
وجود جو روائي خاص حول أحاديث جابر.
وعلى هذا الجمع تكون رواية زياد بن أبي الحلال ناظرة إلى صدق جابر في نفسه، وأنَّه
ليس كالمغيرة بن سعيد ممن يكذب على الأئمة (عليهم السلام)، بينما تكون رواية زرارة
ناظرة إلى منع إذاعة بعض أحاديثه أو إلى دفع تبعاتها في ظرف خاص، وبذلك لا تقع
المعارضة المستحكمة بينهما.
ولا أقل من أنَّ هذا الجمع محتمل احتمالاً قويًّا تشهد له الأخبار المتقدِّمة، ومعه
لا يصح رفع اليد عن أدلة مدح جابر وتصديقه، ولا عن تصريح من صرَّح بوثاقته في نفسه.
فتحصَّل أنَّ رواية جابر لا تسقط من جهة جابر بن يزيد الجعفي، بعد إمكان حمل
الاختلاط على جهة مروياته لا على كذبه، وبعد إمكان الجمع بين رواية المدح ورواية
الإنكار.
نعم، اعتبارها يبقى مبنياً على تمامية طريق النعماني (رحمه الله)، وعلى المبنى
الرجالي في توثيق عمرو بن أبي المقدام برواية ابن أبي عمير وصفوان عنه.
المحصلة من روايات السكون:
بعد استعراض الأخبار، يقع الكلام في المقدار الذي تنهض به هذه الطائفة دلالياً.
ويمكن تقريب الاستدلال بها على نفي مشروعية الخروج قبل قيام القائم (عليه السلام)
بوجهين:
الوجه الأوَّل: أنَّ الأوامر الواردة بلزوم البيت والسكون ظاهرة في حرمة الخروج قبل
العلامات.
الوجه الثاني: أنَّ النهي عن الالتحاق بالخارجين يكشف عن عدم مشروعية خروجهم، إذ لو
كان خروجهم مشروعاً لما نهي المؤمنون عن الالتحاق بهم على نحو الإطلاق.
إلَّا أنَّ هذين الوجهين يواجهان عدَّة مناقشات:
المناقشة الأولى: احتمال القضية الخارجية:
حديث سدير -وهو العمدة- خطاب شخصي، فلا يتعدَّى منه إلى غيره إلَّا بإلغاء
الخصوصية.
وإلغاء الخصوصية يتوقَّف على قرينة، وهي إمَّا الأخبار العامة، أو القطع بعدم
خصوصية المخاطب.
وقد
تقدَّم أنَّ القطع بعدم الخصوصية مشكل بلحاظ احتمال كون سدير محسوباً على الإمام
(عليه السلام).
نعم، الروايات الأخرى بصيغ الجمع تساعد على إلغاء هذه الخصوصية، إلَّا أنَّ أكثرها
لا يخلو من كلام سندي أو دلالي.
المناقشة الثانية: احتمال الاختصاص بالخروج مع
مدَّعي المهدوية:
كثير من روايات السكون جعلت الغاية خروج السفياني، أو النداء من السماء، أو الخسف
بالجيش، أو ظهور الطاهر ابن الطاهر.
وهذه علامات مرتبطة بتمييز الظهور الحق من الدعاوى الباطلة.
ومن هنا يحتمل أن تكون الروايات واردة في مقام التحذير من الالتحاق بمن يرفع راية
المهدوية قبل تحقُّق العلامات، لا في مقام نفي كل حركة سياسية أو كل تصدٍّ شرعي في
عصر الغيبة.
وهذا الاحتمال ليس بعيداً، لأنَّ وظيفة العلامات في هذه النصوص هي بيان الفاصل بين
الدعوة المهدوية الصادقة والدعوات الكاذبة.
فإذا قيل: (لا تتحرَّك حتَّى ترى العلامات)، فالمناسب أنَّ المراد: لا تتحرَّك مع
من يدَّعي أنَّه صاحب الأمر أو يمثِّل الظهور الموعود قبل تحقُّق علاماته.
المناقشة الثالثة: احتمال الاختصاص بمن يدعو
إلى نفسه:
بعض الأخبار الواردة في باب الرايات والخروج ظاهر أو محتمل في النهي عمَّن يدعو إلى
نفسه في مقابل الإمام (عليه السلام)، أو يرفع راية استقلالية غير مندرجة في خط أهل
البيت (عليهم السلام).
وهذا غير محل الكلام، لأنَّ البحث في مشروعية التصدِّي إنَّما هو في طول ولاية
الإمام (عليه السلام)، لا في عرضها، ولا بعنوان الدعوة إلى النفس أو الاستقلال عن
الإمام.
المناقشة الرابعة: احتمال الاختصاص بالخروج
المسلح:
قد تكون طائفة من هذه الأخبار ناظرة إلى الخروج المسلح الذي يفضي عادة إلى إراقة
الدماء، وإزهاق النفوس، وإثارة الفتن قبل توفُّر الشرائط الشرعية والموضوعية.
وهذا أيضاً أخص من محلِّ النزاع، فإنَّ الكلام في بعض صوره ليس في الخروج المسلَّح
على سلطان قائم، بل في فرض التمكُّن من استلام السلطة أو إدارتها بوجه لا يستلزم
تلك المحاذير، أو في فرض عرض السلطة على الفقيه، أو في إقامة نظام عام يحفظ بيضة
الإسلام ومصالح المسلمين.
فإذا كان مورد الروايات هو الخروج القتالي أو الالتحاق بالرايات المسلَّحة، لم يصح
جعلها دليلاً على نفي مطلق مشروعية التصدِّي السياسي أو الحِسبي.
النسبة بين هذه الروايات ودليل الحسبة:
إذا تقرَّر أنَّ الروايات المتقدِّمة لا تنهض لنفي مطلق مشروعية التصدِّي في عصر
الغيبة، فلابدَّ من ملاحظة نسبتها إلى دليل الحسبة.
وتقريب دليل الحسبة في المقام يتألَّف من مقدّمتين:
الأولى: أنَّ إدارة شؤون المسلمين، وحفظ نظامهم، ومنع تسلُّط الكفار والفساق
والظلمة عليهم، من الأمور التي يقطع بعدم رضا الشارع بإهمالها عند الإمكان، وهذا هو
معنى دخولها في الأمور الحسبية بالمعنى العام.
الثانية: أنَّ القدر المتيقَّن ممن يصلح للتصدِّي لمثل هذه الوظيفة هو الفقيه
الجامع للشرائط، إمَّا لكونه الأعلم بالأحكام والأقدر على تشخيص الوظائف الشرعية،
وإمَّا لما دلَّ من الأدلة اللفظية على نيابته أو مرجعيته في موارد الحكم والقضاء
والنظر في شؤون الأُمَّة.
والنتيجة: أنَّه مع الإمكان وعدم ترتُّب محذور أهم، يكون تصدِّي الفقيه لإدارة
الشأن العام مشروعاً من باب الحسبة على الأقل، لا بالضرورة من باب الولاية العامة
المصطلحة، إلَّا إذا تمَّت أدلة الولاية بعنوانها.
ولا تصلح روايات السكون لرفع اليد عن هذا الدليل إلَّا إذا ثبت أنَّها ناظرة إلى
نفي مطلق التصدِّي قبل الظهور.
وقد عرفت أنَّ هذا الإطلاق غير ثابت، بل في البين احتمالات معتدٌّ بها تمنع من
التمسُّك بها لنفي محلِّ الكلام.
فإن قيل: مقتضى إطلاق «الزم بيتك» و«اسكنوا» هو نفي كلّ حركة، فيقدم على دليل
الحسبة.
قيل: إنَّ الإطلاق إنَّما يتم إذا أحرز كون المتكلِّم في مقام البيان من جهة كل
أنحاء الحركة.
أمَّا مع وجود قرائن العلامات في الروايات، وسياق التحذير من الرايات، واحتمال
النظر إلى مدَّعي المهدوية أو الداعي إلى نفسه أو الخروج المسلَّح، فلا ينعقد إطلاق
صالح لنفي التصدِّي الحِسبي المشروع.
وفوق ذلك، فإنَّ دليل الحسبة ناظر إلى مورد يقطع فيه بعدم رضا الشارع بالإهمال، فلا
يرفع اليد عنه إلَّا بنص واضح الدلالة على المنع، وطائفة السكون ليست كذلك.
النتيجة النهائية:
إنَّ روايات السكون وأحلاس البيوت تثبت -في أقصى ما تنهض به دلالتها- النهي عن
الالتحاق بالرايات غير المأذونة، ولا سيما الرايات المدَّعية للمهدوية أو الداعية
إلى النفس أو المثيرة للفتنة قبل تحقُّق العلامات.
أمَّا
نفي مشروعية مطلق التصدِّي الشرعي، أو استلام السلطة من باب الحسبة عند الإمكان
وبلا محذور أهم، فليس مدلولاً تامًّا لهذه الروايات.
وعليه، فالصحيح التفصيل، لا الإطلاق، فكل خروج كان في عرض الإمام (عليه السلام)، أو
بعنوان الدعوة إلى النفس، أو بدعوى المهدوية، أو مستلزماً لمحذور أهم من الفتنة
وسفك الدماء، فهو داخل في مورد النهي.
وأمَّا التصدِّي الحِسبي المنضبط بضوابط الشرع، الواقع في طول ولاية الإمام (عليه
السلام)، ومع تحقُّق القدرة وعدم المزاحم الأهم، فلا تنهض هذه الطائفة بنفسها لنفي
مشروعيته.
