تمهيدنا
آلية تشكل المفاهيم المهدوية واعتباراتها
رئيس التحرير
مجلة الموعود - العدد (٢٠)
ربيع الأوَّل ١٤٤٨هـ / آب ٢٠٢٦م
* المفاهيم المهدوية لا تتشكَّل على نسقٍ واحد، بل
تتغاير تبعاً لجهة تكوِّنها، ومرتبة اعتبارها، ووظيفتها في الفهم والتنزيل العملي،
فليس كلّ ما يرد في الكتب المهدوية من العناوين والأسماء في رتبة واحدة من حيث
الحجّية والانتساب إلى الشارع المقدَّس، إذ منها ما هو متلقى من النص، ومنها ما هو
مستخرج بالتحليل والاستنباط، ومنها ما يختص بسياقٍ معيَّن فلا يتعداه، ومنها ما
يقصد به بيان الوظيفة العملية المنبعثة من الأصول الثابتة.
ثمَّ إنَّ عدم التمييز بين هذه الجهات يوجب اضطراباً في تقويم المفاهيم، وتداخُلاً
في مراتب الاعتبار، وحمل ما هو اصطلاح حادث على ما هو لفظ مروي توقيفي، مع تغايرهما
منشأً وحكماً، وهو ما ينتهي إلى الخلل في تبويب المباحث أوَّلاً، وفي ترتيب آثارها
الاستدلالية وما يتفرَّع عليها من العمل ثانياً.
* المفهوم المهدوي معنى كلّيٌّ يُنتزع من النصوص المرتبطة بالقضية المهدوية، أو
ممّا تكشف عنه الوقائع المتصلة بها بعد قراءتها على وفق ضوابط الفهم، ويُتوسَّل به
إلى تصوير جهةٍ من جهات البحث المهدوي وضبطها وتمييزها عن غيرها.
وهو غير المصطلح، فإنَّ المصطلح ليس نفس المعنى، بل
هو اللفظ الموضوع بإزائه، أو القالب اللفظي الذي يُعبَّر به عنه في مقام البحث
والتداول.
فالمفهوم جهة معنوية تفسيرية، والمصطلح جهة لفظية وضعيّة، وإن اجتمعا أحياناً في
موردٍ واحد.
ومعه، فإنَّ المفاهيم المهدوية على أنحاءٍ بحسب منشأ انتزاعها، ومرتبة اعتبارها،
ووظيفتها في مقام الفهم والتنزيل:
أوَّلاً: المفاهيم التوقيفيّة في
الجملة:
والمراد بها ما كان أصل عنوانه وَحَدُّه النوعيّ مأخوذين من لسان الدليل، بحيث لا
يثبت بمحض التواضع والاصطلاح، ولا يرجع في تعيينه إلى مجرَّد المناسبة المحضة.
فالتوقيف في هذا النحو راجع إلى نفس المفهوم من حيث تسميته وحدِّه، لا إلى ما
يترتَّب عليه من حكم أو وظيفة فحسب.
ونظير ذلك في الفقه أنَّ الوضوء لا يسمَّى تيمّماً، والغسل لا يسمَّى وضوءً، والحيض
لا يسمَّى نفاساً، لأنَّ الشارع المقدَّس جعل لكلِّ واحدٍ منها اسماً مخصوصاً
وحدًّا محفوظاً، فلا يجوز نقل الاسم من موضوعه إلى غيره بدعوى الاشتراك في بعض
الجهات.
وعلى هذا، فبعض العناوين المهدوية - من قبيل الغيبة، والظهور، والوكالة في الغيبة
غير التامة، والصيحة، واليماني، والسفياني، والمنع عن التسمية بالاسم المخصوص -،
عناوين متلقّاة من لسان النصّ، فلا يصحّ التصرُّف في دوائرها بمحض المناسبة أو
التوسعة الذوقيّة، بأن يطلق اسم الغيبة الاصطلاحية على كلِّ احتجاب، أو اسم الظهور
الاصطلاحي على كلِّ بروز، أو اسم النيابة على كلِّ دعوى اتِّصال، أو اسم اليماني
على كلِّ راية حقّ أو على مطلق من انتسب إلى اليمن.
فالتوقيف هنا راجع إلى أنَّ الاسم جزء من ضبط
المعنى، وأنَّ المفهوم بحدِّه تابع لما ورد به البيان، لا لما يقتضيه مجرَّد
الاستحسان.
ويؤيِّد هذا المعنى ما ورد في رواية دعاء الغريق، فإنَّ ظاهرها يقتضي توقيفية اللفظ
في الجملة، لأنَّ عبد الله بن سنان لمّا لقَّنه الإمام الصادق (عليه السلام) الدعاء
بقوله(١): «يَا اللهُ يَا رَحْمَانُ يَا رَحِيمُ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ
قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، وزاد الراوي من عند نفسه: «وَالأَبْصَارِ»، ردَّه الإمام
(عليه السلام) إلى اللفظ المعلَّم، وقال له: «إِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) مُقَلِّبُ
الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ، وَلَكِنْ قُلْ كَمَا أَقُولُ لَكَ: يَا مُقَلِّبَ
الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ».
ومن هذا الباب أيضاً ما ورد في لقب أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنَّ الأخبار
الدالة على اختصاصه بأمير المؤمنين علي (عليه السلام) صريحة في الدلالة على المنع
من إطلاق هذا الاسم على غيره (عليه السلام)(٢).
ومنه يُعلم أنَّ ما ورد في حرمة التسمية فهو خاص بالاسم الخاص، لا بالألقاب
والصفات، كما هو الحال في المنصور، فقد ورد في الرواية في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ
كانَ مَنْصُوراً﴾ (الإسراء: ٣٣)، وفيها: «سمَّى الله المهديَّ المنصور كما
سمَّى أحمدَ ومحمّداً ومحموداً، وكما سمَّى عيسى المسيح»(٣).
فالمتيقَّن من النهي هو الاسم الشخصي المخصوص، لا مثل: الحجّة، والقائم، والمهدي،
والمنصور.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) في كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق
(طبعة مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)): ج٢، ص٣٥،
ح٢٩١/٥٠.
(٢) في وسائل الشيعة (آل البيت (عليهم السلام))، ج ١٤، ص ٦٠٠: عن عمر بن أبي زاهر،
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأله رجل عن القائم يسلم عليه بإمرة المؤمنين؟
قال: «لا، ذاك اسم سمَّى الله به أمير المؤمنين لم يسم به أحد قبله، ولا يسمّى به
بعده إلَّا كافر»، قلت: جعلت فداك كيف يسلّم عليه؟ قال: «تقول: السلام عليك يا بقية
الله، ثم قرأ ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦]».
(٣) في تفسير فرات الكوفي، فرات بن إبراهيم الكوفي، ص٢٤٠.
ثانياً: المفاهيم التحليلية غير التوقيفية:
وهي العناوين التي لا يتوقَّف اعتبارها العلمي على ورودها بلفظها في النصّ، بل على
ما تكشف عنه من جهة معتبرة في البحث المهدوي، تصلح لتفسير بعض وجوهه، وتمييز ما
يترتَّب على بعض مسائله من الآثار، وضبط الفروق التي لا يستقيم النظر فيها إلَّا
بها.
فهي من هذه الجهة مفاهيم اجتهادية استنباطية، لأنَّها لا تتقوَّم بورود خصوص
ألفاظها من الرواية مباشرةً، بل بانتزاعها من النصوص، أو من ترتيب الآثار، أو من
الوقائع وكيفية قراءتها.
ومن ثَمّ، فلا يثبت اعتبارها العلميّ - وإن ثبت غيره - بمجرَّد شيوعها في الكتابة،
بل بقدر سلامة مأخذها، وصحّة وظيفتها التفسيرية، وعدم مصادمتها أصلاً من الأصول
المحكمة، وعدم إفضائها إلى محذور في الفهم أو التطبيق.
وعلى هذا، فهناك من العناوين ما لم يثبت بدليل توقيفيتها، من قبيل: مراتب الانتظار،
ووجوه التعامل مع نصوص العلامات، ومستويات الإعداد لنصرة القائم (عليه السلام)،
وإنَّما يثبت اعتبارها أو تداولها بقدر ما تكون حاكيةً عن جهة ذات أثر في البحث
المهدوي.
وهذا نظير ما ورد على لسان الفقهاء من التعبير بقاعدة (التسامح في أدلة السُنن)،
رغم أنَّها لم ترد بهذا اللفظ بعنوانه.
ومن هنا يظهر الجواب عن إشكالية المنع من إدخال عنوان التمهيد في البحث المهدوي
لمجرَّد عدم وروده بلفظه في الروايات، فإنَّ المدار ليس على ثبوت اللفظ بما هو هو،
بل على ثبوت الجهة التي ينتزع منها.
فإذا دلَّت النصوص على الانتظار العملي، والورع،
والإعداد، والتأهُّب، صحَّ انتزاع عنوان جامع أو مرادف لها في مقام التحليل، من غير
أن يعطى حكم اللفظ التوقيفي، نظير لفظة الاجتهاد واصطلاح المجتهد.
ويتجلَّى أثر هذا الضابط في جملةٍ من الألفاظ المتداولة في البحث المهدوي، إذ ليس
كلّ ما جرى على الألسنة أو استقر في التصنيف من سنخ واحد، فمنه ما ثبت أصل معناه في
النصّ، وإن لم يثبت لفظه الخاص بعنوانه المشهور، ومنه ما هو أقرب إلى الاصطلاح
العلمي أو الوجدان الديني من اللفظ المأثور.
ومن هنا فاللازم التفريق بين ثبوت المعنى وثبوت اللفظ، لئلّا يلحق الاصطلاح
المتأخِّر بالعناوين المروية، أو يمنع من التعبير التحليلي الصحيح لمجرد عدم ورود
لفظه بعينه في النصّ.
فمن ذلك: الانتظار الإيجابي والانتظار السلبي، فإنَّ أصل الانتظار ثابت في
الروايات، وأمَّا تقسيمه إلى إيجابي وسلبي فلم يرد، بل هو تعبير تحليلي لواقع خارجي
ربما يتلبس به بعض، فهو من مفاهيم البحث، لا من ألفاظ الرواية.
ومن ذلك أيضاً: الغيبة الكبرى والصغرى، فإنَّ الوارد في النصوص هو أصل الغيبتين،
وما بينهما من تفاوت في الشأن والمدّة، لا خصوص هذا التركيب، فهذه التسمية من
الأسماء التفسيرية اللاحقة، وإن كان مدلولها مستفاداً من مجموع الروايات(٤).
ومن ذلك أيضاً: لفظ النائب العام، فإنَّ الثابت في جملة من النصوص هو لفظ (الثقة)
و(الوكيل) و(وكيلي)، و(السفير)، وأمَّا النائب العام في الغيبة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) إذ لم يرد تعبير الغيبة الكبرى والصغرى في الروايات، راجع الكافي: ج١، ص٣٤٠؛ غيبة النعماني ص١٧٧؛ والإرشاد ج٢، ص٣٤٠؛ الغيبة للشيخ الطوسي، ص٣٩٥، حيث ورد فيها قصيرة وطويلة، ويظهر في الثانية، ويعلم بمكانه ولا يعلم بمكانه، وأطول من الأخرى، والغيبة التامة.
الكبرى فهو صياغة تعبيرية متأخِّرة تحكي عن وظيفة
الفقهاء في زمان الغيبة التامة(٥).
بل حتَّى النائب الخاص في زمن الغيبة الصغرى لم يرد بحده عن المعصوم (عليه السلام).
وأمَّا لقب (أبو صالح أبو الغريم)، فليس من هذا الباب، لأنَّه ليس مفهوماً
تحليليّاً يُطلَب له اعتبار علمي بهذا المعنى، بل هو لقب شاع استعماله.
نعم، لا مانع من أصل استعماله بعد شيوعه في ألسنة المتديّنين، ما لم يشتمل على
محذور، فالشيوع هنا قد يكفي في تصحيح الاستعمال العرفيّ.
ثالثاً: المفاهيم المرحلية
التاريخية:
وهي ما كان تحديد مدلوله وحدود استعماله موقوفاً على ملاحظة المرحلة التاريخية التي
نشأ فيها، بحيث لا يفهم على وجهه إلَّا بردّه إلى ظرفه الخاصّ.
فالعبرة في هذا القسم ليست بمجرَّد ورود اللفظ، بل بخصوصية السياق المقارن له، إذ
به يتعيَّن المراد، وبه تعرف حدود الجري والتعدية.
وعليه، فهذه المفاهيم لتوصيف حالات مخصوصة من مسار المسألة المهدوية، كعناوين
الغيبة القصيرة، والحيرة، وحرمة التسمية في بعض ظروفها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) في الغيبة، للشيخ الطوسي، ص ٣٧١: بسنده عن جماعة من بني نوبخت: (إنَّ أبا جعفر العمري لما اشتدَّ حاله اجتمع جماعة من وجوه الشيعة، منهم أبو علي بن همام وأبو عبد الله بن محمد الكاتب وأبو عبد الله الباقطاني وأبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي وأبو عبد الله بن الوجناء وغيرهم من الوجوه (و) الأكابر، فدخلوا على أبي جعفر (رضي الله عنه) فقالوا له: إن حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر (عليه السلام) والوكيل [له] والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم وعولوا عليه)، وغيره من النصوص التي ورد فيها وكيل الناحية، وكيلي، وهكذا.
فهي عناوين مرحلية في أصل مناسبتها، وإن جاز
استعمالها بعد ذلك في مقام الحكاية عن تلك المرحلة أو الإشارة إليها.
رابعاً: المفاهيم التنزيلية:
وهي العناوين المنتزعة من لوازم النصوص والأصول المهدوية عند ملاحظتها في مقام
تطبيقها على واقع الفرد والجماعة، فجهة هذا القسم بيان ما تقتضيه عند التنزيل، وما
ينشأ عنها من وظائف ولوازم في حيِّز العمل والبناء.
ومن هنا صحَّت عناوين من قبيل: الاستعداد، والتهيّؤ، والإعداد، والتمهيد، من غير أن
يتوقَّف اعتبارها على ثبوت ألفاظها بعينها في لسان الرواية، لأنَّ المدار في هذا
القسم على ثبوت المادة التي ينتزع منها العنوان، وصحة الحكاية عنها به في مقام
التطبيق، لا على توقيفية اللفظ نفسه.
فالتمهيد، بهذا اللحاظ، ليس مجرَّد دعوى لفظية، ولا اسماً موقوفاً يفتقر في اعتباره
إلى ورود خاص، بل هو عنوان تنزيلي جامع لمجموع ما تقتضيه النصوص من الإعداد،
والتهيّؤ، والانتظار العملي - وعند بعضم الإيجابي لا السلبي -، ونحو ذلك ممّا يرجع
إلى تهيئة الفرد والمجتمع للتفاعل الصحيح مع المسائل المهدوية.
