مجلة الموعود
العدد (٥)
ذو القعدة ١٤٣٩هـ / تموز ٢٠١٨م
الفهرس
تمهيدنا...................٥
القضيَّة المهدويَّة وأزمة الخطاب
رئيس التحرير
---
شكر وعرفان...................٩
---
فلسفة المهدوية: العدالة ونهاية التاريخ...................١١
الأستاذ الدكتور الشيخ محمد شقير
إشكالية العدالة في الفكر الديني والتجربة
البشرية:..................١١
المهدوية وفلسفة الغيبة:..................١٧
الغيبة وفعل الإيكال
الحضاري:..................٢١
الانسداد الحضاري: مؤدّى الغيبة ومقدَّمة
الظهور:..................٢٣
فلسفة وظائفية الغيبة، وجدلية العلاقة بين
الغيبة والظهور:..................٢٥
الغيبة وبُعدها الماورائي، ودوره في مشروع
الظهور:..................٢٧
ومن هنا لا بدَّ من الإلفات إلى أمرين في هذا
السياق:..................٢٨
المهدوية في الدلالات ونهاية
التاريخ:..................٣١
في فلسفة المهدوية وصناعة
الأمل:..................٣٣
المهدوية وصناعة الوعي
بالمسؤولية:..................٣٥
النظريات المفسّرة لغيبة الإمام المهدي (عليه
السلام): قراءة في المنهج:..................٣٧
١- النظريات الشخصيَّة:..................٣٧
٢- النظريات
الاجتماعيَّة:..................٣٨
أ- نظرية التمحيص:..................٣٨
ب- نظرية النصرة:..................٣٩
ج- نظرية الامتحان:..................٣٩
د- نظرية الإعداد:..................٣٩
الخاتمة:..................٤١
مقدمة في علم نفس الغَيْبَة...................٤٧
الأستاذ الدكتور مشتاق العلي - جامعة بغداد كلية التربية
مقدّمة في تطوّر علم النفس:..................٤٧
التمهيد:..................٤٨
علم نفس الغيبة (المصطلح والمباني):..................٤٨
المبحث الأوَّل: محطَّة وصف السلوك
لفهمه..................٥٠
المبحث الثاني: محطَّة ضبط السلوك..................٥٦
لذا صُنِّف الانتظار على صنفين:..................٥٨
لذا جاءت هذه الطريقة في التربية
لتحقيق:..................٦٠
المبحث الثالث: محطَّة التنبّؤ بالسلوك..................٦٢
النتائج والتوصيات:..................٦٤
المصادر:..................٦٧
حجاج الإمام (عليه السلام)...................٦٩
في توقيعاته سبيل لانتشار المذهب وتثبيت العقيدة
م. م ابتسام عبد الرحيم - كلية بغداد
مقدّمة:..................٦٩
الحجج السُلَّمية في توقيعات الإمام الحجَّة
(عليه السلام):..................٧٠
١-١ حجج الإمام المهدي (عليه السلام) في ردِّ
إمامة عمِّه جعفر:..................٧١
١-٢ الاحتجاج بالعصمة في ردِّ إمامة
جعفر:..................٧٧
١-٣ الحجاج بابتلاءات الأنبياء (عليهم
السلام):..................٧٩
١-٤ إثبات صحَّة الحجج المهدوية بآيات
قرآنية:..................٨٤
١-٥ الروابط الحجاجية في توقيع الإمام (عليه
السلام) في ردِّ إمامة عمِّه جعفر:..................٨٦
٢-١ حجج الإمام الحجَّة (عليه السلام) في لعن
الشلمغاني:..................٨٧
٢-٢ الروابط الحجاجية في توقيع الإمام (عليه
السلام) في لعن الشلمغاني:..................٩١
المصادر والمراجع..................٩٥
المهدويَّة في الأشعار الأمويَّة والعبّاسيَّة...................٩٧
(مقاربة نقديَّة نصّيَّة)
أ.د. أحمد حياوي السعد
مدخل أوَّلي للمقاربة:..................٩٧
المهدويَّة والرَّجعة:..................٩٩
المهدويَّة عند شعراء أهل البيت (عليهم
السلام):..................١٠٠
المتمهِّدون في العصرين الأُموي
والعبّاسي:..................١١٦
خاتمة:..................١٢٦
استقراء التطوّر الفكري...................١٣٣
في مسيرة التراث المهدوي الشيعي
الباحث مجتبى السادة - السعودية - صفوى
التراث المهدوي الشيعي:..................١٣٥
قبل بدء البحث:..................١٣٦
الهدف من الدراسة:..................١٣٧
إحصائيات عن التراث المهدوي الشيعي:..................١٣٧
أوَّلاً: إحصائيات عن المهدي (عليه السلام) في القرآن
الكريم:..................١٣٨
ثانياً: إحصائيات عن المهدي (عليه السلام) في السُّنَّة
الشريفة:..................١٣٨
ثالثاً: إحصائيات عن الكتب التي تتعلَّق بالمهدي (عليه
السلام):..................١٣٨
رابعاً: إحصائيات للأديان التي تتعلَّق بالمهدي (عليه
السلام):..................١٣٨
خامساً: إحصائيات شعرية تتعلَّق بالمهدي (عليه
السلام):..................١٣٩
مراحل تطوّر التراث المهدوي:..................١٣٩
١- طور الأُمنية: مرحلة ما قبل الإسلام (آدم (عليه السلام) - البعثة
٦١٠ م):..................١٤١
تدرُّج الأنبياء في طرح فكرة المخلِّص:..................١٤١
١- التراث اليهودي (العهد القديم):..................١٤٢
٢- التراث المسيحي (العهد الجديد):..................١٤٣
٣- المخلِّص (المهدي) في الأديان المختلفة:..................١٤٣
المصداق الحقيقي للمخلِّص في التراث الديني:..................١٤٤
ثمرة المرحلة (الطور):..................١٤٥
٢- طور التأسيس: مرحلة صدر الإسلام (البعثة ١٣ قبل ه - ٢٦٠
ه):..................١٤٦
الوضع السياسي والفكري في هذه المرحلة:..................١٤٧
المهدويَّة في التراث الإسلامي:..................١٤٩
مصنَّفات مهدوية في هذه المرحلة:..................١٥٠
ثمرة هذه المرحلة (الطور):..................١٥١
٣- طور الواقع: مرحلة الغيبة الصغرى (٢٦٠ - ٣٢٩
ه):..................١٥٢
أوضاع تلك المرحلة:..................١٥٣
خصوصية الأُطروحة المهدويَّة الشيعية:..................١٥٤
مراحل غياب الإمام المهدي (عليه السلام):..................١٥٤
الأُولى: الغيبة الصغرى (٢٦٠ - ٣٢٩ه):..................١٥٤
الثانية: الغيبة الكبرى (٣٢٩ه - اليوم الموعود):..................١٥٥
التراث المهدوي الشيعي في هذه المرحلة:..................١٥٥
١- تواقيع الناحية المقدَّسة:..................١٥٥
٢- كتب ومصنَّفات الشيعة:..................١٥٦
٣- شعر الشيعة في زمن الغيبة الصغرى:..................١٥٦
ثانياً: لماذا لم يكتب السفراء الأربعة أو يُدوِّنوا أيَّ
كتاب؟..................١٥٧
ثمرة المرحلة (الطور):..................١٥٧
٤- طور التأصيل: مرحلة بداية الغيبة الكبرى (٣٢٩ -
٤٤٧ه):..................١٥٨
الوضع السياسي والفكري في هذه المرحلة:..................١٥٩
تأصيل التراث الحديثي الشيعي:..................١٦١
أهمُّ كتب التراث المهدوي الشيعي في هذه المرحلة:..................١٦٢
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة:..................١٦٤
تواقيع الناحية المقدَّسة في هذه المرحلة:..................١٦٥
ثمرة المرحلة (الطور):..................١٦٥
٥- طور الركود: مرحلة التقلّبات الطائفية (٤٤٧ -
٩٠٧ه):..................١٦٦
الوضع السياسي والفكري في هذه المرحلة:..................١٦٦
الدولة السلجوقية (٤٢٩ - ٥٨٣ه):..................١٦٧
استقلال الخلافة العبّاسية (٥٨٣ - ٦٥٦ه):..................١٦٧
الدولة الإيلخانية المغولية (٦٥٦ - ٧٣٦ه):..................١٦٧
الوضع الفكري:..................١٦٩
عوامل ركود الحركة الفكرية في التراث المهدوي:..................١٧١
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة:..................١٧٢
من المصنَّفات المهدويَّة في هذه المرحلة:..................١٧٣
ثمرة المرحلة (الطور):..................١٧٣
٦- طور التفريع: مرحلة انتشار التشيّع (٩٠٧ -
١١٤٨ه):..................١٧٥
الوضع السياسي والفكري في هذه المرحلة:..................١٧٥
الدولة الصفوية (٩٠٧ - ١١٤٨ه):..................١٧٥
الوضع الفكري:..................١٧٧
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة:..................١٧٩
ومن بين المصنَّفات المهدويَّة كذلك في هذه المرحلة
التاريخية:..................١٨١
ثمرة المرحلة (الطور):..................١٨١
أوَّلاً: في الجانب السياسي:..................١٨٢
ثانياً: في الجانب المعرفي المهدوي:..................١٨٣
الوضع السياسي في هذه المرحلة:..................١٨٤
الوضع الفكري في هذه المرحلة:..................١٨٧
الكتب الشيعية في الردِّ على البابية والبهائية:..................١٨٨
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة:..................١٨٩
٨- طور التجديد: مرحلة العصر الحديث (١٣٩٠ه - إلى يومنا
الحالي):..................١٩٠
ثانياً: مجلّات ونشرات تخصُّصية تُعنى بالشأن
المهدوي:..................١٩٠
ثالثاً: دراسات وبحوث أكاديمية مهدوية:..................١٩٠
المشهد الأدبي في مسار التاريخ الشيعي:..................١٩١
ثمرة المرحلة (الطور):..................١٩١
هل التراث المهدوي الشيعي مفقود؟..................١٩٢
آفاق مستقبلية:..................١٩٤
الهيكل التنظيمي الافتراضي ودوره في تحديد
مستويات القادة الفرعيين بدلالة القيادة الموعودة...................٢٠٥
دراسة استشرافية: الافتراضات والمتعلقات والمستقبليات
الأستاذ الدكتور يوسف حجيم سلطان الطائي
منهجية الدراسة:..................٢٠٥
وقبل البدء نشير إلى بعض النقاط المهمَّة:..................٢٠٦
أوَّلاً: مشكلة الدراسة:..................٢٠٦
ثانياً: أهمّية الدراسة:..................٢٠٦
١- الأهمّية المستقبلية:..................٢٠٧
٢- الأهمّية الدينية:..................٢٠٧
٣- الأهمّية العالمية:..................٢٠٧
٤- الأهمّية العملية:..................٢٠٨
ثالثاً: أهداف الدراسة:..................٢٠٨
رابعاً: افتراضات الدراسة:..................٢٠٩
الجانب النظري: تعريف الهيكل التنظيمي:..................٢٠٩
الهيكل التنظيمي في القيادة الموعودة:..................٢١١
اختيار الهيكل التنظيمي النموذجي المناسب للقيادة الموعودة:..................٢١٤
أنواع الهياكل التنظيمية في القيادة الموعودة:..................٢١٥
المستويات القيادية في الهيكل التنظيمي:..................٢١٧
أهمّية القادة الفرعيين في الهيكل التنظيمي:..................٢٢١
مواصفات القادة الفرعيين ضمن الهيكل التنظيمي:..................٢٢٢
١- الولاء:..................٢٢٣
٢- الطاعة:..................٢٢٤
٣- الصبر:..................٢٢٤
٤- قوَّة الإيمان:..................٢٢٥
٥- الرضا:..................٢٢٦
٦- القيمة:..................٢٢٧
٧- الإخلاص:..................٢٢٧
٨- الشجاعة:..................٢٢٧
٩- المعرفة:..................٢٢٨
كيفية توزيع الأعمال على القادة الفرعيين وفق الهيكل التنظيمي الافتراضي:..................٢٢٨
توزيع القادة الفرعيين على العالم وفق الهيكل التنظيمي الافتراضي:..................٢٣٠
نطاق الإشراف للقادة الفرعيين وفق الهيكل التنظيمي:..................٢٣١
الاستنتاجات والتوصيات:..................٢٣٥
أوَّلاً: الاستنتاجات:..................٢٣٥
ثانياً: التوصيات:..................٢٣٦
المصادر..................٢٣٩
المنقذ في الفكر الموريسكي...................٢٤١
الدكتور عدنان خلف سرهيد الدراجي
المقدّمة:..................٢٤١
أوَّلاً: المنقذ عند الموريسكيين:..................٢٤٢
١ - علامات الظهور عند الموريسكيين:..................٢٤٦
أ - كسوف الشمس وخسوف القمر:..................٢٤٦
ب - الدجّال:..................٢٤٦
ج - المطر:..................٢٤٩
د - عقد الجسر ببغداد:..................٢٥٠
هـ - الصيحة:..................٢٥١
و - خروج الشمس من مغربها:..................٢٥٢
ز - ظهور الملائكة:..................٢٥٢
ج - يأجوج ومأجوج:..................٢٥٤
ط - السيِّد المسيح:..................٢٥٥
ي - علامات كونية متفرِّقة:..................٢٥٦
ك - علامات متفرِّقة:..................٢٥٧
ثانياً: النبوءة وفكرة المنقذ عند الإسبان:..................٢٥٩
١ - علامات الظهور عند الإسبان:..................٢٦٠
٢ - المنقذ المسيحي عند الإسبان:..................٢٦٣
أمَّا ما يخصُّ شخصية المنقذ المسيحي، فنتكلَّم أوَّلاً عن:..................٢٦٤
١ - اسمه وشخصيته:..................٢٦٤
٢ - مواصفات المنقذ المسيحي:..................٢٦٥
ثالثاً: المنقذ الإسلامي:..................٢٦٦
رابعاً: أصحاب المنقذ:..................٢٦٧
خامساً: وقت الظهور للمنقذ:..................٢٦٨
دور العقيدة المهدويَّة في تفكيك ظاهرة الإلحاد...................٢٨١
الباحث مهند مضر رؤوف الحبّوبي
المقدّمة:..................٢٨١
الفصل الأوَّل: ظاهرة الإلحاد - تعريف بالهويَّة..................٢٨٣
توطئة:..................٢٨٣
الفصل الثاني: العقيدة المهدويَّة - امتداداً للدين الإلهي..................٢٨٤
توطئة:..................٢٨٤
العقيدة المهدويَّة:..................٢٨٥
مقارنة بين نقيضين:..................٢٨٨
١ - محدودية الظاهرة:..................٢٨٨
٢ - عجز الظاهرة:..................٢٩١
الفصل الثالث: العقيدة المهدويَّة والإلحاد - بين المواجهة والتفكيك..................٢٩٣
مرحلتان في المواجهة:..................٢٩٣
١ - مرحلة زمن الغَيبة:..................٢٩٣
٢ - مرحلة عصر الظهور:..................٢٩٨
النقطة أ: فكر الإمام (عليه السلام):..................٣٠٠
ب - سيرته في الحوار (نظرة استشرافية):..................٣٠٢
ج - استعمال القوَّة:..................٣٠٥
د - إنجازاته (عليه السلام) المعرفية والمادّية:..................٣٠٩
الخاتمة:..................٣١٢
تمهيدنا
القضيَّة المهدويَّة وأزمة الخطاب
رئيس التحرير
كلُّ
فكرة أو عقيدة يُراد إيصالها إلى أوسع شريحة من المتلقّين لا بدَّ أن تُبيَّن
بخطابٍ جذّابٍ وقدرة قويَّة على استمالة المتلقّي الخطّاب بغضِّ النظر عن كون هذه
الفكرة أو العقيدة حقّاً أو باطلاً.
فنسبة النجاح في تسويق الأفكار والمعتقدات تعتمد على حجم إمكانات الخطاب وقدرات
إيصاله.
فليس من الصحيح أن تُوصَف الأفكار التي فشلت في الوصول إلى الشرائح التي تناسب
حجمها بأنَّها باطلة، ولا العكس كذلك.
والظاهر أنَّ هذا المقدار لا خلاف عليه، فالنجاح دائماً حليف الأفكار التي تصل إلى
قلوب الناس وعقولهم من خلال جاذبيتها وقدرتها على الإقناع.
والقضايا الدينية بشكل عامٍّ تتمتَّع بهذه الخاصّية، ونعني بالقضايا الدينية هنا
تلك القضايا التي ترتبط بتنظيم سلوك الإنسان وفكره من خلال مجموعة من القوانين
الواقعية والاعتبارية حتَّى الغيبية منها، وهذه القضايا وإن امتلكت
مقوِّمات النجاح الحقيقية باعتبار أنَّ مصدرها الحقيقة وعين الواقع إلَّا أنَّها ما
لم تتمتَّع بخطاب تسويقي جذّاب، فإنَّها لن تتمكَّن من أخذ المساحة الواسعة التي
ينبغي تغطيتها، لذلك نجد أنَّ الانتشار أو الانحسار لأيِّ قضيَّة دينية وفي أيِّ
زمان من الأزمنة خاضع للخطاب الذي يتمُّ تسويق هذه القضايا من خلاله، وإذا أمكن لنا
أن نجري مقارنات سريعة بين القضايا الدينية وبعضها الآخر، فإنَّنا نجد انتشار بعض
القضايا الدينية حتَّى عند من لا يؤمن بها بخلاف بعض القضايا الدينية الرئيسية
فإنَّها منحصرة بفئة محدَّدة. وكذلك بلحاظ القضايا غير الدينية فبعضها منتشر في
دائرة المتديِّنين فضلاً عن غيرهم.
فإنَّنا نجد أنَّ بعض القضايا وفي الدين الواحد تختلف عن بعضها من حيث الاهتمام
والمعرفة بها، فالجميع يعرف أنَّ الصلاة عمود الدين، وهي تتمتَّع بهذه الأهمّية،
وخطابها التسويقي نجح بذلك، أمَّا الزكاة التي تكاد تكون بنفس الأهمّية والخطورة في
المنظومة الدينية إلَّا أنَّك تجد محدودية مساحتها رغم أنَّها تتمتَّع بنفس
الأهمّية كما أشرنا، ولعلَّ ذلك ناشئ من ضعفنا في تسويقها، وهكذا في بقيَّة
القضايا.
ومن بين تلك الأُصول في منظومة الدين العقيدة المهدوية، فرغم كونها قضيَّة إنسانية
عامَّة لها أهمّية بالغة لا يكاد يختلف عليها إلَّا القليل، رغم ذلك ورغم أنَّ لها
في تراث كلِّ دين وعقيدة إرثاً كبيراً يُؤهِّلها أن تقف في صدارة القائمة التي
تتناول الأساسيات الفكرية والعقائدية إلَّا أنَّه ومع الأسف نجد
وبسبب
خطابنا الذي لا يتناسب مع ذات القضيَّة وموادِّها وأهمّيتها أنَّها لم تصل إلى
مستوى الطموح، بل دونه بمراتب كثيرة. وليس ذلك إلَّا بسبب ضعف خطابنا المهدوي.
... ولعلَّ من المناسب بيان آليات الخطاب الناجح بشكل عامٍّ والمهدوي بشكل خاصٍّ.
آليات الخطاب الناجح:
والذي ينبغي لتجاوز هذه المحنة -عدم القدرة على تصدير هذه العقيدة بالشكل
المتناسب مع مكانتها- هو أن تُوضَع آليات مقيَّدة للنهوض بالخطاب المهدوي تُؤهِّله
من تمكين المهدوية للأخذ بدورها واستيعاب مساحتها.
وهذه الآليات تمر بمراحل ثلاث:
١- مرحلة فهم الموروث، بعد تجاوز مرحلة ضبط هذا الموروث وموارد تحصيله وما يترتَّب
على ذلك بلغة تخصُّصية واعية لها القدرة على ضبط الخطاب مع المفردات الدينية
الأُخرى، بل مع المفردات الإنسانية المعاصرة، فإنَّ الموروث المهدوي بما يحمل من
شمولية فكرية قيادية، بل وجغرافية يملك مفاهيم استيعابية قادرة على النفوذ إلى قلوب
المستمعين والتأثير فيهم، بل ودعوتهم إلى النظر بإيجابية وتفاعل وإقبال على هذا
الموروث والعكوف عليه لاستخلاص التجربة القادمة فكرياً قبل أن تشاء يد القدرة في
تفعيله ميدانياً بظهور الإمام (عليه السلام) لتكون هذه القراءات التخصُّصية الواعية
من أبرز
عناصر
التمهيد الفكري ومنصَّة تساهم في نشر الثقافة المهدوية، وبالتالي تُشكِّل الهوية
الفكرية والعقائدية من قِبَل طبقات المجتمعات المختلفة.
٢- مرحلة الإبراز لهذا الفهم للموروث المهدوي بخطاب ومفردات جذّابة تمزج بين أصالته
وعصرنته، فإنَّ لكلِّ زمن لغة خاصَّة تناسب أهله وتتحكَّم في رواج المفاهيم وسرعة
تقبُّلها أو رفضها.
وهذا ما ينبغي أن يقوم به من يتصدّى للحديث أو التأليف في القضيَّة المهدوية.
وللوصول إلى هذه المرحلة نحن بحاجة إلى ورش عمل فكرية ولسانية مستمرَّة تقوم بتقديم
الآليات الأفضل لتصدير هذه المفاهيم العملاقة.
٣- مرحلة المراجعة الدائمة للمفردات المسوقة للمفاهيم المهدوية والأنسب أن تكون
دائمية تخصُّصية تنتخب الأفضل دائماً ولا تسمح بمجرَّد صياغة المفاهيم بقوالب فيها
عجز عن إيصال المقاصد المهدوية للجمهور.
تتقدَّم أُسرة مجلَّة الموعود التخصُّصية إلى المشايخ والأساتذة والباحثين الكرام
بالشكر والامتنان للجهد الكبير في رفد المكتبة المهدوية بجملة من الكتابات
التخصُّصية.
وهذا القسم الأوَّل والثاني من البحوث المشاركة في مسابقة خاتم الأوصياء للإبداع
الفكري والتي يتلوها نشر بقية البحوث -الصالحة للنشر- تباعاً بعد إعادة ترتيبها بما
يتناسب النشر.
الأمل أن لا نُحرَم من رفد هذه المكتبة بمزيد من الإبداع والتخصُّص في الفكر
المهدوي.
ولا يسعنا إلّا أن نتقدَّم إلى رئاسة ديوان الوقف الشيعي على رعايتها لهذه المسابقة
الفكرية المهدوية والتكفُّل بطباعة هذه البحوث في مجلتنا الغرّاء لعددها الخامس
والسادس.
فلسفة المهدوية: العدالة ونهاية التاريخ
الأستاذ الدكتور الشيخ محمد شقير
عميد كلية الدراسات الإسلامية- بيروت لبنان
بحث مشارك في مسابقة خاتم الأوصياء (عجّل الله فرجه) للإبداع الفكري وحاز على المركز الأول
إشكالية
العدالة في الفكر الديني والتجربة البشرية:
إنَّ جوهر ما جاء به الدين في رسالاته السماوية، هو ثنائية الإيمان والعدل.
الإيمان في المفهوم الديني، ليس مقولة تجريدية، أو فردية. بل هي مقولة عملية، ذات
أبعاد مختلفة فردية، واجتماعية. هو ارتباط بالله تعالى، ذي الكمال المطلق، وصفات
الجمال والجلال، بما فيها صفة العدل. والعدل هو من أهمّ تجلّيات الإيمان بالله
تعالى والقرب منه، في المجالين الفردي والاجتماعي. فمن كان مؤمناً بالله تعالى
حقيقة الإيمان، لا يمكن إلَّا أن يكون عادلاً في سلوكه الفردي والاجتماعي. ومن يفعل
عدلاً، لا يمكن لفعله هذا، إلَّا أن يكون ذا قيمة دينية مهمَّة، وسبب قرب من الله
تعالى، أو قرب من تقواه ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾
(المائدة: ٨).
لكن، في الوقت الذي تُستَمدُّ فيه مقولتا الإيمان والعدالة من حقيقة واحدة،
وتنطويان على علاقة جدلية في غاية العمق والجمالية؛ توجد بينهما مفارقة جوهرية، وهي
أنَّ مقولة الإيمان (والكفر) تدخل في إطار الاختيار الفردي، أي في الشأن الخاصِّ: ﴿مَنْ
شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩). حيث: ﴿لا
إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦).
أمَّا مقولة العدل والظلم ببعدها العامِّ، فلا تدخل في الاختيار الفردي، ليس بمعنى
الجبر وسلب الاختيار، بل بمعنى أنَّها ليست أمراً قابلاً لأن يحبس في الشأن الفردي،
ولا يصحُّ فيها القول: (لا إكراه في العدل)، بل هنا يجب أن تُفرَض العدالة، في حين
لا يصحُّ فرض الإيمان. هنا يجب إقامة العدل، سواء على من قبل به أم لم يقبل، في حين
لا يمكن فرض الإيمان على من لم يعتقد به.
صحيح أنَّ القرآن ربط ما بين فلسفة الخلق والعبادة: ﴿وَما
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)،
لكنَّه ربط أيضاً ما بين فلسفة الرسالة الإلهيَّة، وما بين العدالة: ﴿لَقَدْ
أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: ٢٥)، حيث بيَّن أنَّ القسط وإقامة
العدل، هو هدف أساس وجوهري لرسالة الأنبياء، على مدار التاريخ.
هذا من ناحية النصِّ الديني، ودلالاته الأصيلة، ومعانيه الصافية؛ لكن ماذا لو أتينا
إلى الواقع الديني وتجربة الاجتماع الإنساني، فما الذي يمكن أن نجده في هذا السياق؟
للأسف لا بدَّ من القول: إنَّ أكثر من خطاب ديني يطمس مقولة العدالة، ويقتصر على
مقولة الإيمان. بل لعلَّ أكثر من فهم ديني، لم يُدرِك جوهرية العلاقة بين العدل
والإيمان، وتجلّياتها المجتمعية والاقتصادية والتربوية والثقافية... لذلك تراه ينجح
(بمعنى ما) في صياغة مشروع ذي مضمون عبادي- إيماني، ولكنَّه يفشل في صوغ مشروع
يُحقِّق مقولة العدالة الشاملة والبنيوية، في مختلف المجالات الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية. ينجح في سوق الناس إلى المساجد، لكنَّه يفشل في توزيع
الثروة وتحقيق التنمية بشكل عادل.
إنَّ أكثر من جماعة دينية قد نجحت في إقامة الصلاة، لكنَّها فشلت في إقامة العدالة
في أكثر من ميدان. مع أنَّ حقيقة الصلاة تكمن في إقامة العدالة، بل لم
يُقِمِ الصلاة من يكسل في إقامة العدالة. أو قد يحصل أن تنجح تلك الجماعة في إقامة
شعائرها وتقاليدها الدينية، لكنَّها تفشل في بثِّ مقولة العدالة بشكل فاعل في مختلف
المجالات العملية، فضلاً عن حلِّ المشكلات الاجتماعية والاقتصادية لمجتمعاتها.
ولعلَّ من أسباب ما تقدَّم، أنَّ فهم تلك الجماعة للعبادة التي تؤدّيها، قد جنح بها
إلى نوع من الطقوسية، التي أخرجت عبادتها عن حقيقتها، وحرفتها عن أهدافها، وأفرغتها
من مضمونها، والتي هي (أي العبادة) في جوهرها إقامة العدل، لأنَّ السجود للعادل
المطلق (الله تعالى)، لا يعني إلَّا إقامة العدل في هذه البسيطة، وبين الناس.
كما أنَّ تلك الجماعات قد تجنح إلى البعد الدعوي في فهمها للدين وتطبيقها له، مع
أنَّ ذلك في مجمله-كما يمارس- ينضوي في الفعل الاستقطابي واللفظي ليس إلَّا، في حين
أنَّها تنكفئ عن إقامة العدل، حيث تختبر حقيقة إيمانها، وصحَّة فهمها للدين، ومدى
التزامها به، وبقيمه الأخلاقية والإيمانية.
ما ينبغي قوله هنا، هو: إنَّ هذه الإشكالية ليست خاصَّة بالاجتماع الديني، بل هي
إشكالية ذات بعد عالمي. بمعنى أنَّ كلَّ الأُطروحات الفكرية تحمل بشكل أو آخر عنوان
العدالة، لكنَّها تفشل في تحقيقها في الميدان الاجتماعي والاقتصادي. إمَّا لخلل في
الرؤية الفكرية، أو لقصور في دراية جوهر الرسالة الإلهيَّة (للمتديّنين)، أو لعجز
عن فهم الواقع ومتطلَّباته، أو لأسباب وعوامل أُخرى ليس هنا محلُّ ذكرها.
في المحصَّلة قد يستوي الجميع في العجز عن تحقيق ذلك الهدف، سواء العلماني أو
الديني (بعض الإسلاميّين، تجربة الكنيسة في القرون الوسطى...). في الإطار العلماني
يمكن الحديث في الرأسمالية، التي قدَّمت الحرّية على العدالة في رؤيتها الفكرية،
وأطاحت بها نظرياً، قبل أن تطيح بها عملياً. الاشتراكية في
صورتها الأُولى، أرادت أن تنتصر لعدالة فئة، فظلمت أُخرى. الكنيسة في القرون
الوسطى، تحالفت مع الإقطاع والسلطة السياسية. فساهمت في ظلم عموم الشعب، وحرمانه من
حقوقه، فضلاً عن كثير من التجارب البشرية الأُخرى، التي لم تكن العدالة فيها جزءاً
محورياً من مخزونها الفكري، أو لم تكن هدفاً أساسياً في مشروعها الاجتماعي
والاقتصادي. وهو ما أدّى إلى إيصال قافلة البشرية إلى إرهاصات مرحلة الانسداد
الحضاري، أو بداياتها. تلك المرحلة التي تنمُّ عن خلوِّ جعبة البشرية من كلِّ
الأُطروحات الفكرية، التي يمكن أن تُشكِّل خشبة خلاص لها، من ذلك الانسداد الذي
وصلت إليه. وهو ما يدلُّ على فشلها في تحقيق خلاصها الحضاري، بمعزل عن الهداية
الإلهية الحقَّة (المهدوية).
في التاريخ الإسلامي، لم يكن الأمر أفضل حالاً (عدا مرحلة التطبيق النبوي والمعصوم
للعدالة)، حيث يغلب على كتب السِّيَر والتاريخ الحديث عن أحوال السلاطين، وفتوحاتهم
وبطولاتهم. لكن في الجانب الآخر، كم استطاعت هذه الدولة أو تلك أن تقيم العدالة،
وكم كانت نسبة الفقراء لديها، وكيف كانت توزع ثرواتها، وهل كانت تستخدم تلك الثروات
لتحقيق مصالح عموم الناس، أم لمصالح السلطان وأعوانه...؟
إنَّ الأسئلة الأُخرى التي لا يصحُّ طمسها، ينبغي أن تدور حول العدالة الاقتصادية،
والعدالة الاجتماعية، والعدالة في السياسات الضرائبية، وفي الأعطيات (الأُجور)، وفي
توزيع الثروات، وإيجاد الفرص، وتحقيق التنمية العادلة في مختلف المجالات
الاجتماعية...
إنَّ هذا الأمر ليس مقتصراً على تاريخنا المعاصر، أو هذا التاريخ وذاك، بل يشمل
مجمل مراحل التاريخ البشري، حيث استطاعت البشرية اكتشاف قوانين المادَّة، وتقدَّمت
في مدنيتها، وحقَّقت تنمية ما... لكنَّها فشلت في تحقيق العدالة،
وتسبَّبت فئاتها المتحكِّمة بالمال والسلطة (المترفون) بكثير من المآسي، والمظالم،
والحروب، والويلات، والمجاعات، والفقر، لكثير من أبناء البشر ومجتمعاتهم.
وهكذا كلَّما كانت تتقدَّم البشرية في عمرها، فالذي كان يحصل، مزيد من العلم، ومزيد
من القدرة، ومزيد من الرفاهية. لكن في المقابل، قليل من العدالة، وقليل من القسط،
وقليل من القيم الأخلاقية والإنسانية. أي كثيراً من الظلم، والجور، والفقر، والجوع،
والأُمّية، والمرض، واحتكار الثروات، والفوارق المالية والاجتماعية، وزيادة الهوة
بين قلَّة من الأغنياء المترفين، وكثير من الفقراء المستضعفين.
تاريخياً، وفي الواقع المعاصر، لم تكن المشكلة لدى المجتمع البشري- اقتصادياً
واجتماعياً- في قلَّة الموارد، بل كانت في لا عدالة التوزيع. ولعلَّ العامل الأساس،
الذي أدّى ويؤدّي إلى الوقوع في تلك المشكلة، هو البعد القيمي والأخلاقي، في
الأنانيات المجتمعية على اختلافها، وفي مدى القدرة على لجم نوازع النفس البشرية إلى
الاستئثار، والطمع، والجشع، وحبِّ الاستزادة، فضلاً عن الأُطروحة الفكرية، التي يجب
أن ترتكز عليها مقولة العدالة، ومدى قدرة هذه الأُطروحة على إنتاج معايير واقعية
وشفافة واضحة لإقامة العدالة، وفي القدرة على تسييل قيمها في الاستراتيجيات
الاقتصادية، والرؤى الاجتماعية، وفي السياسات، والقوانين، والقرارات ذات الصلة.
إذن هذه هي الأزمة الأساس التي يعاني منها الاجتماع البشري في مجمل مراحله
التاريخية، وهي الأزمة التي يعاني منها اجتماعنا المعاصر، والتي تنتج مجمل الأزمات
الأُخرى، إنَّها أزمة اللاعدالة التي انتشرت وتحكَّمت، ولم تبق مجرَّد فعل سلطة
يحكي نهمها وتغوّلها، أو تراث سلطاني أنتجه فقهاء السلطان، أو مجرَّد وعي سياسي
عُمِلَ على إفساده، أو ثقافة مجتمعية عُمِلَ على تشويهها، أو فكر عقيم يُنظِّر
للطغيان واللاعدالة؛ بل تحوَّلت تلك الأزمة إلى نظام عالمي
يتحكَّم بالعالم بأسره، وبجميع مرافقه ومجالاته، إنَّه نظام من اللاعدالة، الذي
يتحكَّم بالاقتصاد، والمال، والسياسة، والثروات، والوعي، وبكلِّ شيء يمكن أن يصل
إليه سلطانه.
إنَّ ما هو قائم في هذا العالم هو نظام بنيوي من اللاعدالة.
أزمة اللاعدالة أصبحت أزمة بنيوية.
لقد عُمِلَ على عولمة اللاعدالة، وإحكام سلطانها على هذا العالم. فشملت جميع أوجه
الحياة البشرية على هذه البسيطة.
هذه هي الأزمة التي تريد المهدوية التغلُّب عليها، واستئصالها، وعلاج تداعياتها،
وهدم سلطانها، وكنس جميع آثارها.
بل هي الأزمة التي لا يمكن تجاوزها إلَّا بالمهدوية ومشروعها.
المهدوية في فلسفتها مشروع لهدم بنية اللاعدالة ونظامها المعوْلَم، بهدف إعادة
تشكيل بنية عالمية، تقوم على العدالة وقيمها في الثقافة، والسلوك، والاقتصاد،
والسياسة، والحقوق، وفي جميع مظاهر الحياة البشرية على هذه البسيطة.
ومن هنا يمكن القول: إنَّ المهدوية هي مشروع التغيير إلى العدالة في بنى الاقتصاد
والمال والسياسة، وفي منظومات الوعي والفكر والثقافة، وفي أكثر من فهم سائد ينسب
إلى الدين، بل في معايير صناعة الهويات والانتماءات، وفي طبيعة الانقسامات الأُممية
والمجتمعية وتمايزها(١).
وبناءً على هذه الثقافة المهدوية يمكن القول: إنَّه إذا كانت الشعارات السابقة التي
رفعت، تدور بين (يا عمّال العالم اتَّحدوا) أو (يا رأسماليي العالم تحالفوا)؛ فإنَّ
نداء المهدوية هو: (يا مظلومي العالم اتَّحدوا، وتعاونوا على رفع الظلم عن كاهل
البشرية، لأنَّ الإرادة الإلهيَّة ستكون حليفتكم ومعكم، وأنَّه سيخرج قائد إلهي
(المهدي (عليه السلام))، ليقود جموع المظلومين والمستضعفين، لتحقيق العدل على هذه
الأرض، بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)
إنَّ بناء النظام العالمي على أساس من العدالة، وإقامتها في أعلى مستوياتها وأبعد
مدياتها، بعد فشل جميع الأُطروحات البشرية في تحقيقها، حتَّى لا يبقى أحد يدَّعي
امتلاكه القدرة على فعل العدالة وإقامتها إلَّا جرَّب ما لديه، وأخفق في تحقيق ذلك
الخلاص الإنساني؛ إنَّ هذا الأمر يُستفاد من العديد من الروايات التي وردت عن
أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، والتي تحوي فلسفة ذات مضمون حضاري وتاريخي غاية
في العمق للمهدوية والغيبة وفلسفتها ومقاصدها، حيث ينبغي تفسير مجمل نصوص المهدوية
مندكَّة في تلك الروايات ومن خلالها، فعن الإمام الباقر (عليه السلام): «دولتنا آخر
الدول، ولن يبقى أهل بيت لهم دولة إلَّا ملكوا قبلنا، لئلَّا يقولوا إذا رأوا
سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَالْعاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾» (الطوسي، الغيبة، مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة، قم ١٤١١ ه
ق، ط ١، ص ٤٧٢).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «لا يكون هذا الأمر حتَّى لا يبقى صنف من الناس
إلَّا قد ولّوا على الناس، حتَّى لا يقول قائل: إنّا لو ولّينا لعدلنا، ثمّ يقوم
القائم بالحقِّ والعدل» (النعماني، الغيبة، منشورات أنوار الهدى، قم، ١٤٢٢ ه ق، ط
١، ص ٢٨٢).
حيث من الواضح أنَّ هذه النصوص تُقدِّم تفسيراً لنهاية عدالية للتاريخ، ترتبط
بالانسداد الحضاري، وفشل جميع الأُطروحات الوضعية في تحقيق العدالة، ليُفهَم
المشروع المهدوي على أساس من محورية العدالة تلك، وكونها ختم التاريخ في حركته
وغايته.
المهدوية وفلسفة الغيبة:
إنَّ القراءة الدينية (الإسلاميَّة) لمسيرة البشرية لا تقوم على أساس أنَّ
الفعل البشري فعلٌ جبري، كما لا تقوم على أساس أنَّ مسير البشرية يتحرَّك بشكل
عشوائي بعيداً عن التدبير الإلهي، ذلك التدبير الذي يهدف عند نهاية التاريخ إلى
تحقيق الأُطروحة الإلهيَّة على هذه الأرض، وإلى تحقيق (نظرية الاستخلاف) بأوسع
معانيها، بما يشمل جميع أرجاء المعمورة.
ويمكن القول بتعبير ثانٍ: إنَّ الاعتقاد الدّيني يرى
بأنَّ رحلة قافلة البشريَّة قد بدأت من محلٍّ ما، وسوف تنتهي في محلٍّ آخر. إنَّ
بداية ذلك المسير كانت آدميَّة، وسوف تكون النّهاية مهدويَّة. فلم تكن البداية
صدفويَّة، كما أنَّ الخاتمة لن تكون عبثيَّة. بل هناك تقدير إلهي لتلك القافلة
ومسيرها، يقوم على الهداية وتوفير أسبابها من جهة، وعلى الاختيار البشري وقيام
الحياة البشريَّة على البلاء من جهة أُخرى.
وكما أنَّ بداية الحياة البشريَّة كانت ابتلائيَّة، فإنَّ نهايتها سوف تكون
ابتلائيَّة، وكذلك الوصل ما بين البداية والنّهاية هو من طبيعتهما. يقول الله
تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (المُلك: ٢).
البلاء هنا بمعنى توفير الفرصة للإنسان للتَّكامل وصناعة إنسانيَّته وكمالاته
المعنويَّة، والقرب من الله تعالى، حيث يُوفِّر الله تعالى للإنسان كلَّ العوامل
التي تساعده على حسن الاستفادة من هذه الفرص للتَّكامل إليه. أي إنَّ الابتلاء يقوم
على الهداية الإلهيَّة بأفضل مراتبها، كتعبير عن رحمة الله تعالى، وحكمته، وجميل
صنعه بالإنسان ومصيره.
وهذا يعني وجود الهادي (الحجَّة)، الذي تتوفَّر لديه القدرة على القيام بوظائف
الهداية الإلهيَّة، بتعليم من الله تعالى وعصمته، حيث لا يمكن لهذه
العصمة أن يشوبها خطأ أو شكٌّ، وإلَّا سوف تنقلب إلى ضدِّها، وتُفقَد الثَّقة بها،
وقد لا تختلف كثيراً عمَّا في أيدي البشر.
ومن هنا، كان في كلِّ عصر من يختاره الله تعالى لهداية تلك القافلة، وبيان حقائق
الدين وحقائق الكتاب، وجميع ما يتَّصل بمعاني العدل وقضاياه، دون خطأٍ أو زللٍ،
حتَّى لا يقولنَّ أحد بأنَّ الله تعالى أوقعه في الخطأ، عندما لم يُوفِّر له أسباب
الهداية كاملة في عصره وزمانه
(٢).
لكن هذا البيان إنَّما هو من أجل أن يُعمَل به، وليُبنى الاجتماع الإنساني على
تعاليمه. أمَّا إن عمل على رفضه وصدِّه والإعراض عنه، فإنَّ نتيجة ذلك سوف تتبدّى
في إيكال ذلك الاجتماع إلى نفسه وتيهه.
ومن هنا يمكن القول: إنَّ وجود هذا الحُجَّة والهادي إلى الله تعالى، والمبيِّن
لحقائق الدين؛ إنَّما هو من أجل إقامة الأُطروحة الدينية في هذه البسيطة وفي جوهرها
العدل، حيث يمكن القول: إنَّ فعل الإيجاد وعملية الخلق في المعتقد الديني ليست
عملية عبثية، أو خالية من الحكمة. وإنَّ الشأن الديني ليس شأناً ما ورائياً بحتاً،
بل هو أيضاً شأن دنيوي، يتمظهر في مختلف مجالات الحياة بهدف تحقيق عبودية الإنسان
لله تعالى، لأنَّ كنه هذه العبودية لله تعالى يعني تعالي الإنسان بالله تعالى،
وتساميه به، وتحقيقه لإنسانيته، بينما خضوع الإنسان لميوله المنحطَّة يعني تسافل
الإنسان، وإن تمظهر هذا الخضوع بمظهر الحرّية، أو أيِّ مظهر آخر.
لكن عندما يحصل أن يُعرِض الاجتماع البشري عن الله تعالى، ويُعبَّر عن ذلك برفض
الأُطروحة الإلهيَّة، فسوف تقتضي الحكمة الإلهيَّة عندها أن يختبر الإنسان إعراضه
ذاك، ورفضه لتلك الأُطروحة الإلهيَّة في مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية
والقانونية... لتُدرِك البشرية بالتجربة والوجدان، عدم قدرتها على الوصول إلى
خلاصها الحضاري، طالما بقيت بعيدة عن التمسُّك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) راجع في هذا الموضوع: شقير، محمّد، فلسفة الإمامة في الفكر الشيعي الاثني عشري، دار المعارف الحكمية، بيروت، ٢٠١٧م، ط١، ص ٢١-٤٠؛ المازندراني، شرح أصول الكافي، مؤسَّسة التاريخ العربي، بيروت، ٢٠٠٨م، ط٢، ج٥، ص ٧٥-١٠٧ و ص ١٢١-١٢٩.
بالعبودية لله تعالى في مختلف المجالات، وطالما بقيت تتعامل مع الأُطروحة الإلهيَّة
معاملة ندية، تقوم على الإعراض عنها، والرفض لها.
إنَّ التاريخ الديني تاريخ قائم على أساس عدم انقطاع التوجيه الإلهي لقافلة
البشرية، وذلك من خلال فعل النبوَّة وحركة الأولياء والأوصياء. وهنا عندما نتحدَّث
عن التوجيه الإلهي (أو الهداية الإلهيَّة) فهو ليس شأناً وعظياً بحتاً، بل إنَّ هذا
التوجيه قائم على أساس فعل الاستخلاف، الذي يعني تمثل الإرادة الإلهيَّة في مختلف
المجالات الحياتية وشؤون الإنسان. لكن الذي كان يحصل في التاريخ البشري كلِّه،
أنَّه كلَّما كانت الأُطروحة الإلهيَّة ترتقي في جملة مضامينها ومدياتها، كان
يتعاظم الرفض لها من قِبَل مجتمع المترفين وغيرهم، هذا الرفض الذي تطلَّب في نهاية
المطاف حرمان البشرية من ذلك الوجود العصموي الظاهر، أي من وجود تلك الأُطروحة في
مرتبتها العصموية، ومن تطبيقها الواسع والشامل بتلك المرتبة.
هذا وإنَّ فلسفة الغيبة-غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)-تعني-
فيما تعنيه- تجميداً ظرفياً للأُطروحة الإلهيَّة في مرتبتها المعصومة، ومداها
الشامل، وفي بعض وظائفها، بسبب رفض البشرية لهذه الأُطروحة في شكلها النقيِّ،
وجوهرها الأصيل، في مقابل أخذها بأكثر من أُطروحة وضعية؛ في تدبير إلهي يهدف إلى
اختبار البشرية لتعاليها أمام الله تعالى، والرِّسالات الإلهيَّة على مدار
التّاريخ.
ونستطيع أن نقول بتعبير آخر: إنَّ هذا الرفض لتلك الأُطروحة في مرتبة الوجود الظاهر
للإمام المعصوم أدّى في الواقع إلى حرمان البشرية منها، لكن غياب ممثِّل تلك
الأُطروحة، إنَّما يعني بحسب الفهم الديني إجراءً اختبارياً لتعالي الإنسان، يهدف
إلى تمهيد الظروف الموضوعية لعودة تلك الأُطروحة بأعلى مراتبها، بعد أن تكتشف
البشرية فشلها في إقامة العدالة، وعدم قدرتها على إدارة نفسها بمعزل عن الهداية
الإلهيَّة.
ومن هنا كانت غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) إجراءً اختبارياً وهادفاً في الآن
نفسه، أي إنَّ غيبة الإمام (عليه السلام) تهدف إلى القول للبشرية: إنَّه إذا كنتِ
ترفضين الهداية الإلهيَّة المتمثِّلة في شخص الإمام، فما عليكِ إلَّا أن تختبري
أُطروحتك الوضعية، باعتبار أنَّ فشل هذه الأُطروحة في تحقيق أهداف الإنسان، وما
يؤدّي إليه هذا الفشل من ويلات، ودمار، وآلام، وحروب، وظلم، وقتل، وخراب، وصولاً
إلى بلوغ مرحلة الانسداد الحضاري... كلُّ ذلك سوف يفتح قلوب البشر، ويُوجِّه آمالهم
إلى رجائهم الأخير. وهو ما سوف يُهيِّئ الظروف الموضوعيَّة لمشروع الظهور، وأهدافه
الواسعة في عودة البشرية إلى الهداية الإلهيَّة بأرقى مراتبها، وتقبُّلها لرسالة
العدالة ومعانيها.
أمَّا لماذا ينبغي للتاريخ البشري أن تطول أيّامه قبل أن يعود عن تنكُّبه ويستفيق
من كبوته تلك؟ فقد يصحُّ القول:
أوَّلاً: لا بدَّ أن تصل البشرية إلى مستوى تقرُّ بفشلها وعجزها، وتالياً حاجتها
إلى تبيُّن الهداية الإلهية الحقَّة، عندما تصل إلى مرحلة الانسداد الحضاري.
وثانياً: لا بدَّ أن تصل العولمة الثقافية والمعرفية والإعلامية إلى مستوى، تصبح
فيه مفاهيم الدين وقيمه الأصيلة ومعارفه الحقَّة في متناول جميع المجتمعات البشرية.
وثالثاً: أن يصبح التقدُّم المعرفي والعلمي والتكنولوجي إلى حدٍّ، يتحوَّل فيه
العالم بأسره إلى قرية كونية، حيث يمكن لجميع تلك المجتمعات البشرية أن تعاين ذلك
الحدث المهدوي، وتتفاعل معه، وتلتقي بوظائفه، وتلاقي تجلّياته.
ورابعاً: أن يصل المجتمع إلى مرحلة من الوعي يتحمَّل معها الأُطروحة الإلهيَّة
(الإسلام جديداً) من دون انقلاب على العقب كما حصل في زمن النبيِّ والأئمَّة
المعصومين (عليهم السلام).
الغيبة وفعل الإيكال الحضاري:
يرتكز البحث في قضيَّة الإيكال الحضاري على مقدَّمة مفادها: أنَّ المشروع
الحضاري الإلهي، والإسلامي تحديداً، يختزن هذه الرؤية: أنَّ الهداية الإلهيَّة، لا
بدَّ أن تستمرَّ بأرقى تجلّياتها وأكملها، في تصويب المسيرة البشريَّة، وهو ما
يقتضي بيان المعاني الدِّينيَّة الحقَّة بشكل دائم، بياناً لا خطأ فيه، ولا مجافاة
لديه لما هو حقٌّ من الدين.
وهو ما يستلزم وجود من يُبيِّن-في بعض وظائفه- معاني الدِّين بشكل صحيح، وهو الرسول
(صلى الله عليه وآله وسلم) في زمانه، والإمام بعد زمان الرسول (صلى الله عليه وآله
وسلم)، وهو ما يُصطَلح عليه بالحجَّة، حيث يكون الحجَّة عالماً بالمعارف الإلهيَّة،
بطريقة لا يشوبها شكٌّ أو خطأٌ، بتعليمٍ من الله تعالى وإلهامٍ منه. وليُعرِّفه
للنّاس، ويكون حجَّته عليهم.
وعليه يُطرَح هذا السؤال: إنَّه إذا كانت فلسفة وجود الحجَّة فلسفة وظائفيَّة،
تقتضي قيام الحجَّة- وهو الإمام المعصوم هنا- بوظائف بيان الدِّين الحقِّ، ومن
ثَمَّ إقامته ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾
(الحديد: ٢٥)، فلماذا كانت تلك الغيبة للإمام المهدي (عليه السلام)؟
ألَا يتنافى هذا الأمر مع مبرِّرات قيام الحجَّة بتلك الوظائف المذكورة آنفاً؟
للإجابة على هذا السّؤال: لا بدَّ من مقدَّمة مفادها: إنَّ بيان الدِّين والأُطروحة
الإلهيَّة، هو من أجل أن تعمل بها الناس، وأن يأخذ الاجتماع البشري بمعانيها
الحقَّة، وهو ما يوصل إلى تحقيق الأهداف التي يتوخّاها الدِّين، من تحقيق العدل
وإقامة القسط؛ لكن ماذا لو أعرض الاجتماع البشري عن ذلك البيان، وعن الأخذ بتلك
الأُطروحة الإلهيَّة، على مستوى هداية مسيرته وتصويبها؟
وماذا لو وصلت درجة الرَّفض لهذه الأُطروحة إلى حدِّ الكفر بها، والعدوان على من
يقوم بها، وهم- في العصر الذي نتحدَّث فيه- الأئمَّة المعصومون من أهل بيت محمّد
(صلى الله عليه وآله وسلم). وصولاً إلى الإمام المهدي (عليه السلام)؟
هنا، سوف يُحرَم ذلك الاجتماع البشري من تلك الأُطروحة في مرتبتها المعصومة
(المتمثِّلة بالإمام المهدي (عليه السلام) وحضوره)، ليتمَّ إعمال سُنَّة الإيكال
الحضاري، ومفادها: إنَّ هذه البشريَّة لا تريد أن تأخذ بأسباب الهداية الإلهيَّة،
وأن تعمل بتلك الأُطروحة الإلهيَّة الحقَّة المتمثِّلة في شخص الإمام الحجَّة (عليه
السلام)، بل وتمادت في رفضها إلى حدِّ الكفر لتلك الأُطروحة والعدوان عليها؛ إذن،
سوف يُعمَل على تغييب تلك الأُطروحة في تلك المرتبة. وسوف يتمُّ إيكال مسيرة قافلة
البشريَّة وهدايتها إلى البشر أنفسهم، ليختبروا كلَّ ما لديهم من معرفة وقدرة، وما
وصلوا إليه من علوم وخبرة، وليُجرِّبوا كلَّ ما في جعبتهم من رؤى حضارية في قيادة
مسيرتهم وهدايتها، بمعزل عن الهداية الإلهيَّة ومعانيها الحقَّة.
إنَّ ما ينبغي قوله هو: إنَّ توفير أسباب الهداية الإلهيَّة، ووجود الحجَّة بين
النّاس، هو من أجل أن تأخذ البشريَّة بأسباب الهداية تلك، وتعمل بها؛ أمَّا إن كفرت
البشريَّة بتلك الهداية، وأعرضت عنها، وتحديداً عندما تكون تلك المرحلة هي مرحلة
خاتمة النبوّات، أي النبيُّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمَّة من
ذريّته، وصولاً إلى خاتم الأئمَّة، أي الإمام المهدي (عليه السلام)؛ فإنَّ
السُّنَّة الإلهيَّة، التي سوف تأخذ مجراها، هي سُنَّة الإيكال الحضاري، والتي تعني
أن تُوكَل تلك المسيرة البشرية إلى أُطروحتها الوضعية ورؤاها، بعيداً عن الهداية
الإلهيَّة ومعانيها.
لقد كفرت البشريَّة بتلك الأُطروحة الإلهيَّة. إذن، فلتُحرَم منها، ولتُوكَل إلى
نفسها، ولتُجرِّب ما لديها. لأنَّ تلك الأُطروحة هي من أهمّ النعم الإلهيَّة، التي
يجب أن تُشكَر. وما شكرها إلَّا بالعمل بها. أمَّا الكفر بها، فلن يُؤدّي إلَّا إلى
الحرمان منها.
وهو ما قد حصل.
وبتعبير آخر: عندما أعرضت البشريَّة عن مشروع الهداية الإلهيَّة، وكفرت
به؛ كان أن حرمت من أسباب تلك الهداية، وأُوكلت إلى نفسها، لتُجرِّب مسيرها بمعزل
عنها. وذلك من أجل أن تَجري سُنَّة الإيكال الحضاري بأرقى مستوياتها، زيادة في
الابتلاء، وكنتيجة لذلك الإعراض عن تلك الهداية، حتَّى تستنفذ قافلة البشريَّة جميع
ما في جعبتها، من أُطروحات فكريَّة وحضاريَّة، لتصل بعد مسير من التَّخبُّط
والضَّياع، إلى فشل جميع تلك الأُطروحات، في إقامة العدل وإلى حالة من الانسداد
الحضاري، التي تُدرِك معها، أنَّها لن تستطيع أن تقيم العدل بمعزل عن تلك الهداية
الإلهيَّة، واستجابتها لأسبابها (الحجَّة، الهادي).
وهذا الإيكال له بُعدان: بُعْدٌ عقابي، نتيجة لهذا الكفر بتلك الأُطروحة، والعدوان
عليها وعلى أئمَّتها؛ وبُعْدٌ وظيفي، يتمثَّل في تهيئة الظُّروف الموضوعيَّة لعودة
الأُطروحة الإلهيَّة بأرقى مراتبها، وأقوى قوَّتها، وأوسع مدى لها، لتملأ الأرض
قسطاً وعدلاً، بعدما مُلئت ظلماً وجوراً.
إذن، إنَّ الذي دفع إلى إعمال سُنَّة الإيكال الحضاري، أنَّ البشريَّة قد رفضت
مشروع الهداية الإلهيَّة، ومدرسة الأنبياء والرُّسُل. بل ومارست العدوان عليها،
فكانت غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) لتقول للاجتماع البشري: إنَّ هذا
التَّكبُّر على الأُطروحة الإلهيَّة والعدوان عليها، سوف يُؤدّي إلى حرمانك منها،
وإيكال أمرك إلى نفسك، لتختبر ما الذي سوف تصل إليه، عندما تعرض عن تلك الأُطروحة،
وتسعى إلى خوض صناعتك الحضاريَّة بمعزلٍ عنها.
الانسداد الحضاري: مؤدّى الغيبة ومقدَّمة
الظهور:
لقد رفضت البشريَّة الهداية الإلهيَّة، إذن فلتُجرِّب طريقها من دونها. حيث
ستكتشف قيمة تلك الهداية، عندما تُحرَم منها. وتعرف أهمّيتها، عندما تختبر نفسها من
دونها. وتتبيَّن مدى حاجتها إليها، عندما تفتقدها، وتعجز عن التغلُّب على مشاكلها
وأزماتها الحضارية. ويتَّضح لها أنَّها لا تستغني
عنها، عندما تغرق في بحور من الظُّلم والفساد، نتيجة لإعراضها وتكبُّرها، واغترارها
بنفسها، والكفر بتلك الهداية، والعدوان عليها وعلى أئمَّتها. لقد أُعملت سُنَّة
الإيكال الحضاري، لأنَّه لم يعد من وسيلة لتُدرِك البشريَّة حاجتها إلى تلك الهداية،
إلَّا بالحرمان منها.
هنا يصبح الحرمان من الهداية بذاك المستوى (حضور المعصوم)، الوسيلة المثلى للإعداد
لقبول الهداية، وتهيئة ظروفها المؤاتية. إذا لم تعرف البشريَّة قيمة الهداية تلك،
من خلال وجودها (حضورها) بذاك المستوى؛ فلتعرف قيمتها من خلال فقدها. أي إنَّ
الفقدان هنا يضحى سبيلاً إلى الوجدان، أي أن تجد أهمّيتها، وتُدرِك أهمّية العمل
بها. هنا تكون الغيبة، كفقد جرم الشَّمس، إذا جلَّلها السَّحاب في زمن ظلمة وضياع،
فيصبح فقده سبباً للشّوق إليه، والتَّوق إلى عوده، واللَّهف إلى استحضاره، عندما
تشتدُّ الحاجة إليه، وإلى انبلاج نوره.
إنَّ البشرية لن تُدرِك هذا المعنى، ولن تصل إلى تلك الحقيقة، إلَّا بعد أن تستنفذ
جميع ما في جعبتها الحضارية من رؤى، وتختبر مختلف أُطروحاتها الوضعية، لتصل من خلال
ذلك إلى حالة من الانسداد الحضاري، الذي سوف تقف عنده عاجزة أمام ما يواجهها، وما
أوصلت إليه نفسها.
إنَّ هذا الانسداد الحضاري الذي يتبدّى في الاجتماع المعاصر، هو نتيجة خيارات هذا
الاجتماع وبفعل إرادته، حيث كانت الغيبة في جانبٍ منها نتيجة لذلك، ومن جانبٍ آخر
قد ترقى إلى أن تكون عاملاً مساعداً للوصول به إلى غاياته ونهاياته، التي يُراد
فيها توجيه هذا الانسداد الحضاري وتثميره، ليخدم فعل الظهور المهدوي، ومشروعه،
والإعداد لظروفه.
وبيان ذلك بالقول: إنَّ تحقيق المشروع المهدوي وفي جوهره العدل، لا يتأتّى إلَّا من
خلال تقبُّل الاجتماع البشري في مجمله لهذا المشروع. وهذا التقبُّل لا يتهيَّأ
إلَّا عندما يصل ذلك الاجتماع إلى مرحلة الانسداد الحضاري، التي تنعدم
فيها خياراته الحضارية. وعندها يجد نفسه معنيّاً بالعودة إلى الهداية الإلهيَّة
متمثِّلة بالمشروع المهدوي آنذاك.
ومن هنا كانت الغيبة في دلالاتها وآثارها، وفي أبعادها الإعجازية والماورائية، وفي
مجمل النتائج، التي تترتَّب عليها في السياق الحضاري وحركة التاريخ؛ إنَّما تهدف
إلى التأسيس لفعل الظهور، وإنجاح مشروعه، وتحقيق الأهداف التي يتضمَّنها، ويُعنى
بالوصول إليها.
وعندما يكون من أهداف تلك الغيبة، أن تُدرِك البشريَّة مدى حاجتها إلى تلك الهداية
وأهمّيتها؛ يكون من المطلوب بيان فشل المشاريع الحضارية الأُخرى، والعمل على اجتراح
مشروع حضاري ديني، يحاكي المعاني الحقيقيَّة للدِّين وقيمه الحقَّة وفي جوهرها
العدل، وصولاً إلى إمكانيَّة تقديم نموذجٍ ما، يكون قادراً على التَّعبير عن سموِّ
تلك المعاني والقيم في الاجتماع البشري، وفي الوعي الإنساني العامِّ.
فلسفة وظائفية الغيبة، وجدلية العلاقة بين
الغيبة والظهور:
لقد ذكرنا أنَّه عندما أمعنت البشريَّة في إعراضها عن تلك الهداية
الإلهيَّة، كان التَّشديد في الابتلاء، وكانت غيبة الإمام المعصوم (عليه السلام)
لتُجرِّب البشريَّة ما لديها، ولتكتشف مدى حاجتها إلى الهداية تلك، وعدم قدرتها على
الاستغناء عنها في مسيرها الحضاري ذاك؛ ومن هنا تصبح فلسفة الغيبة بشكل أساس فلسفة
وظائفيَّة، هدفها إعداد جميع الظُّروف الموضوعيَّة لعصر الظُّهور، والمشروع المهدوي
وعدله.
إنَّ هذه الفلسفة الوظائفيَّة للغيبة، تُؤسِّس لمشروع وظائفي لمرحلة الغيبة، يعمد
إلى الاستفادة من جميع ظروف ومعطيات مرحلة الغيبة للتأسيس لعصر الظُّهور، والإعداد
له، والتَّمهيد لتحقيقه، حيث لا يكون فهم تلك العلاقة ما بين مرحلتي الغيبة
والظُّهور فهماً انقطاعيّاً، بحيث ينظر إلى تلكما المرحلتين
على أنَّه تسود بينهما القطيعة الكاملة، بل ينبغي أن يكون فهم تلك العلاقة على
أنَّها علاقة تفاعليَّة، تقوم على التَّمهيد والاستلهام.
إنَّ مرحلة الغيبة وإن كانت نتيجة لما أسلفناه من أسباب وعلل، لكنَّها مرحلة
التَّمهيد والإعداد لمرحلة الظُّهور، وهذه المرحلة (الظُّهور) هي نتاج وامتداد
لمرحلة الغيبة. وهي تُمثِّل عامل إلهام لها، وحافزاً قويّاً لبعث الرُّوح والأمل
فيها، وتحفيز كلِّ الطّاقات للعمل والكدح لتحقيق أهدافها، لأنَّ المستقبل لن يكون
إلَّا للعدل وأهله ومشروعه.
إنَّ فهم مشروع الظهور وأهدافه بناءً على المنهج الحضاري، ومديات الأُطروحة
الدينية، وجوهرها القائم على محورية العدالة؛ كلُّ ذلك سوف يصبغ فهمنا لمرحلة
الغيبة، ويترك آثاره عليها، حيث لن تبقى هذه المرحلة مرحلة منفصمة عن دلالات مرحلة
الظهور ومشروعه، ولن تكون عندها مرحلة جمود أو قعود، أو سقوطٍ للتكاليف التي تتَّصل
بالتمهيد لمرحلة الظهور وأهدافه، ولن يكون فهمنا لمرحلة التمهيد إلَّا بشكلٍ متكامل
ومتفاعل مع مرحلة الظهور ومقاصده.
هنا سوف يكون التمهيد للعدالة بالعدالة نفسها، في البيان الحقِّ لها، وفي تخصيب
علومها، وصناعة معارفها، وتسييل فكرها، ونشر ثقافتها، وممارسة نوع من التمهيد
المعرفي والثقافي لقيمها، والسعي إلى إعلاء كلمتها، وتقديم النموذج المجتمعي
المعبِّر عنها، وفي إيصال صوتها ومعانيها إلى جميع بني الإنسان، ليبقى الأمل يحدوهم
بحتمية انتصارها وقادم أيّامها.
إنَّ إدراكنا لمشروع الظهور على أنَّه مشروع إصلاح بنيوي وجذري، يهدف إلى نقل مسيرة
الاجتماع البشري من حضارة اللاعدالة إلى حضارة العدالة؛ كلُّ ذلك يجعلنا نُدرِك
سياقاً لمرحلة الغيبة، وتصوّراً لوظيفتها، ووعياً لمشروعها، يقوم على الوصل مع
مرحلة الظهور، والتكامل معها، والاستلهام منها، والتمهيد لها، والعمل بموجب غاياتها
ومؤدّياتها.
الغيبة وبُعدها الماورائي، ودوره في مشروع
الظهور:
إنَّ من يقرأ نصَّ الظهور ومشروعه- بحسب ما ورد عن أئمَّة أهل البيت (عليهم
السلام)- يجد بأنَّ هذا المشروع وحركته يتضمَّنان العديد من العناصر الماورائية،
والتي سوف يكون لديها دور أساس ومهمّ في إنجاح ذلك المشروع، ووصوله إلى غاياته. ومن
الواضح أنَّ العامل الغيبي كان حاضراً بقوَّة في مسيرة الأنبياء والرُّسُل
وأوصيائهم. وقد ساهم ذلك العامل بفعّالية في نجاح تلك المسيرة، وتحقُّق أهدافها.
وكلَّما كان المشروع الإلهي أشدّ تحدّياً، وأكثر بُعداً في أهدافه ومداه؛ كان
العامل الماورائي أكثر حضوراً لتحقيق تلك الأهداف، وبلوغ ذلك المدى.
وبما أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) هو خاتم مسيرة الأنبياء والرُّسُل والأوصياء
على مدار التاريخ، ومن خلاله سوف يتحقَّق الوعد الإلهي بإقامة العدل في الأرض
كلِّها، ومحو الظلم منها-أي إنَّ مشروعه هو مشروع عالمي إنساني، يشمل العالم كلَّه،
وهو ليس مشروعاً إقليمياً، أو قارياً، أو فئوياً، أو طائفياً...-؛ فهذا يتطلَّب أن
يكون حضور العامل الماورائي حضوراً نوعياً، وأن يكون مستوى الإشباع في وجود ذلك
البُعد الغيبي الماورائي كبيراً جدّاً، إلى حدٍّ يساعد على تحقيق ذلك المشروع
العالمي ونجاح أهدافه.
إنَّ ما تعنيه الغيبة هو وجود الإمام المهدي (عليه السلام)، على أن لا يكون وجوده
وجوداً ظاهراً، بل وجوداً مستوراً، حاله حال العديد من الأنبياء أو الأولياء، الذين
غابوا عن الاجتماع العامِّ، وميدان عملهم الرسالي، أو الذين غابوا عن الاجتماع
البشري، بحيث لم يعودوا بمرأى أو مسمع من عموم الناس، بغضِّ النظر عن الأسباب
الداعية إلى هذه الغيبة أو تلك، أو مدَّة غيبة هذا النبيِّ أو ذاك الوليِّ، وجملة
المتعلِّقات الأُخرى. كلُّ ما في الأمر، أنَّ أصل الغيبة وجوهرها
هو أمر موجود وممارس في التاريخ الديني، وتاريخ الأنبياء والرُّسُل والأولياء،
وأنَّه ليس عزيزاً أو نادراً في وجوده في ذاك التاريخ.
الإمام المهدي (عليه السلام) هو واحد من أُولئك الحجج الإلهيِّين، الذين كانت لهم
غيبتهم، وإن كانت هذه الغيبة تختلف في جملة من مفرداتها، تبعاً لاختلاف أهدافها،
وأسبابها، وجملة مقاصدها. والتي تتَّصل بالمشروع المهدوي الهادف إلى أن يملأ الأرض
قسطاً وعدلاً، بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً.
ومن هنا لا بدَّ من الإلفات إلى أمرين في هذا
السياق:
الأوَّل: أنَّ مشروع الإمام المهدي هو مشروع يهدف إلى تغيير البنية الحضارية
على مستوى العالم، بما هي بنية تقوم على أساس من الظلم واللاعدالة في إدارة
الاجتماع الإنساني في مختلف مجالاته، وفي توزيع الثروات وتوظيفها، وإدارتها،
واستثمارها، وفي توظيف السلطة وإدارتها. بل أيضاً اللاعدالة في توظيف واستثمار جميع
الإمكانيات، والعلوم، والخبرات البشرية في شتّى المجالات، وهو ما يتطلَّب إعادة
بناء أنماط حضارية، وسياسات، وثقافات، تقوم على أساس من تلك العدالة وقيمها.
الثاني: أنَّ حضور العنصر الغيبي والعامل الماورائي
يجب أن يكون بمستوى ذلك المشروع ومداه.
ومن هنا أكَّدت النصوص الدينية ذات الصلة بحدث الظهور ومشروعه، على جملة من تلك
العناصر والعوامل. وواحدة من تلك العوامل، هو حصول الغيبة وإطالتها، وما يؤدّي إليه
ذلك من إشباع ماورائي، يفي حاجة ذلك المشروع إلى ذاك المستوى من التصعيد الماورائي،
مع ما يترتَّب على ذلك من حيث:
أوَّلاً: وجود الإمام، لكن وجوده يكون وجوداً غير
ظاهر.
ثانياً: طول مدَّة غيبته، وما يعنيه ذلك من بُعدٍ
إعجازي ماورائي.
ثالثاً: طبيعة ومستوى الانجذاب النفسي، والانشداد
المعنوي إلى شخصية الإمام (الآداب والمفاهيم والقيم ذات الصلة)، والارتباط الفعّال
به، باعتبار كونه موجوداً، وإن كان غائباً.
رابعاً: شمول العناية الإلهيَّة، والرعاية الربّانية
للاجتماع البشري ومسيره، من خلال وجود الإمام، وصلته القويَّة بمسير ذلك الاجتماع
البشري على هذه البسيطة رغم غيبته.
خامساً: تقوية الوجدان الغيبي، وتعزيز الحسِّ الغيبي
من خلال غيبة الإمام، والإيمان به في غيبته.
سادساً: إيجاد سيكولوجية انتظار فاعلة ونشطة لحدث قد
يكون قريباً، من خلال تعزيز الوعي بوجود الإمام الغائب، وعدم انقطاعه عن مجريات
الواقع وشؤونه.
إنَّ ما تقدَّم قد يُفضي إلى القول بأنَّ مستوى الإشباع الغيبي، وحضور العامل
الماورائي بأرقى مراتبه، إنَّما يتحقَّق من خلال وجود الإمام غائباً، وغيبته
المديدة عن الحضور الظاهر، أكثر ممَّا يتحقَّق من خلال أيَّة صيغة أُخرى، لا
تتضمَّن تلك الأبعاد، ولا تترتَّب عليها تلك الآثار والنتائج، التي ذكرناها آنفاً.
أي إنَّ غياب الإمام كان غياباً في ظاهره، لكنَّه كان حضوراً في مقصده، لأنَّه
يستبطن الظهور في مشروعه، ولأنَّه لم تغب في غيبته جملة من وظائفه
(٣)،
ولأنَّه كان للغيبة نفسها نتائجها وآثارها التي لا تتحصَّل إلَّا بغيبته.
ولذلك عندما نقول بأنَّ غيبة الإمام كانت غيبة إعجازية، وكذلك عودته سوف تكون عودة
إعجازية، فإنَّما يُراد من ذلك عودة الجذوة الدينية الأصيلة إلى الواقع الإنساني
بقوَّة وبأعلى مراتبها، بل لا بدَّ أن تكون عودة الحسِّ الديني الهادف أمراً
متقدِّماً على عملية الظهور، باعتبار أنَّ عودة ذلك الحسِّ الديني هي من أهمّ
الأُمور، التي سوف تساعد على تحقيق فعل الاستخلاف بأرقى مراتبه على هذه البسيطة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) نحن لا نقول: إنَّ غيبة الإمام تعني قعوده عن القيام بجملة من وظائف الإمامة، وإنَّما نقول بأنَّه فرق بين قيام الإمام بمجمل وظائفه وهو في مقام الظهور، وبين قيامه بجملة من تلك الوظائف من خلف ستار غيبته، إذ إنَّ وجوده خلف ستار الغيبة، لن يحول دون القيام بجملة من تلك الوظائف. وهذا القرآن الكريم يُحدِّثنا في قصة العبد الصالح الذي قصده موسى (عليه السلام) ليتعلَّم منه رشداً (سورة الكهف الآيات ٦٦-٨٢)، فكانت دروسه التطبيقية ذات دلالات، منها أنَّه كان يقوم بأكثر من دورٍ وعمل، رغم أنَّه موجود خلف ستار الغيبة. وكذلك المهدي (عليه السلام) فإنَّه لن تحول غيبته دون قيامه بما يقوم به من وظائفه، ولن يعيقه استتاره عن فعله.
وخلاصة القول: إنَّ ممَّا تهدف إليه فلسفة الغيبة، هو
تصعيد العامل الماورائي في الطرح المهدوي، بمعنى أنَّ اشتمال ذلك الطرح على وجود
شخصية ذات بُعد غيبي، قداسوي (الإمام المهدي (عليه السلام))، هي خاتمة سلسلة
الأنبياء والرُّسُل، وأوصيائهم، بهدف تحقيق مشروعهم في إقامة العدل في الأرض، وغياب
تلك الشخصية لدهرٍ من الزمن، وطول مدَّة الغيبة تلك؛ كلُّ ذلك سوف يؤدّي إلى
الإسهام بقوَّة في إنجاح مشروع الظهور وأهدافه، من خلال الاستفادة من العامل
الماورائي بأقصى مراتبه، باعتبار أنَّ الطبيعة البشرية تتأثَّر إلى حدٍّ بعيدٍ بذاك
العامل الماورائي، وتتفاعل معه لجهة الإعداد النفسي لتقبُّل ذلك المشروع المهدوي،
وإيجاد البيئة النفسية المساعدة على التفاعل البنّاء مع ذلك المشروع وأهدافه،
وخاصَّةً عندما يكون حدث الظهور مسبوقاً بذاك المستوى من البيان النبؤاتي، والفعل
الإعجازي- غياب المهدي (عليه السلام) لمدَّة طويلة-، ممَّا يساعد على صدقيَّة
الطرح، وقوَّة المشروع، وتحقُّق مقاصده.
وإنَّ وجود الإمام المهدي (عليه السلام) غائباً، وضرورة الإيمان به وبغيبته، يسهم
في تقوية الحسِّ الغيبي، والأخذ به الى مستويات بعيدة، وخصوصاً عندما تكون هناك
منظومة من القيم والمفاهيم، التي تعمل على بناء ذلك الحسِّ الغيبي وتعزيزه، بما
يؤدّي إلى تنمية إطار من الوعي الغيبي الهادف، والقادر على تحمُّل جميع الأزمات،
وتجاوز جميع التحدّيات، والإصرار على المضيِّ قُدماً في حمل ذلك المشروع والتمهيد
له. وخاصَّةً عندما يكون كلُّ ذلك ممهِّداً له، من خلال عملٍ فكري، وثقافي، وتربوي،
وديني، عابر للملل والنحل، ولجميع الطوائف والمذاهب، وهادفٍ إلى بناء الوعي المهدوي،
بما هو وعي يقوم على فكرة حتمية انتصار العدل، وضرورة الخلاص الإنساني من الظلم
والجور، وعلى محورية الأمل المفعم بالمستقبل، بأنَّه لن يكون إلَّا للمستضعفين
والعاملين في سبيل ذلك الخلاص العدالتي، وعلى أنَّ العدالة يجب أن تكون محور ذلك
الإيمان، وعنوان ذلك الدِّين، وشعار تلك الدعوة، ومضمون ذلك الفكر، الذي يجب أن
تلجأ إليه شعوب الأرض، وتؤمن به جميع الأُمم، وتسعى إلى تحقيقه جميع الملل، لأنَّه
القادم إليها بفعل المهدي (عليه السلام)، الحاضر بينها ومعها- رغم غيبته-، وهو ما
يجب أن تُلاقيه بجهدٍ منها، من خلال التمهيد للعدل بالعدل، وثقافته، ووعيه، وفكره،
وقيمه، بما هو فكرة إنسانية قيمية، قد يجتمع حولها، ويؤمن بها جميع بني الإنسان.
المهدوية في الدلالات ونهاية التاريخ:
لقد تحدَّثت أكثر من أُطروحة فكرية في نهاية التاريخ ووصوله إلى غاياته
النهائية. بل نجد أنَّ بعض منظِّري الرأسمالية تحدَّث في تلك النهاية، ومارس أدلجة
تعسُّفية في قراءة التاريخ وحركته ونهايته، رغم أنَّ أُطروحته الفكرية لا ترتكز على
أيِّ بُعْدٍ ديني أو ماورائي، يساعد على تلك الأدلجة(٤).
نعم في الرؤية الدينية هناك نهاية للتاريخ، وهذه الرؤية تتَّخذ معالمها الواضحة
عندما نتلمَّسها كما وردت في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، لكن هذه النهاية ليست
نهاية رأسمالية، بل هي نهاية مهدوية. وهذه النهاية لا تحمل نتيجة انتصار الرأسمالية
في توحُّشها وجورها، بل تحمل نتيجة انتصار العدالة في مقاصدها وقيمها، كما عبَّرت
عنها الرسالات الإلهيَّة، وكما سوف تتمظهر في المشروع المهدوي وحركته.
هنا يصحُّ القول بأنَّ هذا الفهم أو ذاك يرتبط بالفلسفة التي نعتقد بها للتاريخ،
حيث يوجد أكثر من فلسفة في هذا الشأن، ولعلَّ اختلاف الرؤية إلى التاريخ ناشئ من
اختلاف الرؤية الكونية والتي سوف يتأثَّر بها حكماً فهمنا لفلسفة التاريخ، بل هو
يقوم عليها.
توجد رؤية تعتقد بعشوائية التاريخ في حركته، وعبثيته في غايته. وهذه الرؤية
تتبنّاها أكثر من فلسفة وضعية أو إيديولوجيا مادّية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) يذهب الكاتب الأمريكي فرنسيس فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)، والذي صدر لأوَّل مرَّة عام (١٩٩٢م)، باللغة الإنجليزية، إلى هذه النتيجة، وهي: أنَّ هناك نهاية للتاريخ، ولكن هذه النهاية تحمل انتصار القيم الديمقراطية والليبرالية الاقتصادية وسيادة هذه القيم في العالم؛ وهنا لا بدَّ من القول بأنَّه ليس من المستبعد أن يكون التنظير الذي خَلُص إليه هذا الكاتب، قد جاء متأثِّراً بالمناخات التي أثارها انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، وتفكُّك الاتِّحاد السوفياتي آنذاك.
وفي المقابل توجد رؤية ترى التاريخ على أنَّه حركة تسير في انتظامٍ ما للوصول إلى
غايةٍ ما، على أن يكون لسكّان التاريخ حرّيتهم في إطار هذا الانتظام وتلك الغاية.
وهذا أشبه ما يكون بقوم من الناس قد ركبوا قطاراً وهذا القطار يتحرَّك ضمن مسارٍ
ما، للوصول إلى محطَّةٍ ما في خطِّ النهاية. هنا وإن كان راكبوا القطار يمارسون
حرّيتهم في اختيار المقصورة وجملة تصرّفاتهم وأفعالهم داخل القطار، لكن كلّ ذلك لا
يتنافى مع استمرار القطار في مسيره ذاك، ووصوله إلى تلك الغاية المقدَّرة له.
إنَّ الرؤية الكونية الدينية تؤسِّس لفلسفة خاصَّة في التاريخ، ترقى به عن العبثية
في الغاية، وتربأ به عن العشوائية في الحركة. وهذا ما يُفهَم من مجمل النصوص
الدينية ذات الصلة بهذا الشأن، بما فيها النصوص المهدوية. بل هذا ما يُفهَم من جملة
المقدّمات الكلامية التي تنظر إلى المنظومة الكونية، وتالياً إلى التاريخ في فلسفته
على أساس من حكمة الخالق في الخلق والفعل والغاية.
بل ربَّما يمكن الذهاب إلى إيجاد نوع من المقاربة بين هندسة الطبيعة وهندسة
التاريخ، من حيث إنَّ فهمنا لحكمة الصنع في الطبيعة وهدفه، سوف يساعد على فهمنا
لحكمة الفعل في التاريخ وغايته، لأنَّ الصانع في كليهما واحد، والحكيم في خلقهما
غير متعدِّد، وهما صفحتان في كتاب واحد، لكاتب واحد، ومقدّمة واحدة، وخاتمة واحدة
(٥).
وعلى ما تقدَّم، فإنَّ التاريخ البشري كما بدأ على هذه البسيطة بشكل حكيمٍ وهادف،
فسوف ينتهي أيضاً بشكلٍ حكيمٍ وهادف، فهو لن يستمرَّ إلى ما لا نهاية، كما لن ينتهي
بشكل عبثي أو عشوائي، أو نتيجةً لخطأ بشري، بل إنَّ هذه البسيطة التي (أُوكلت)
للإنسان الظلوم الجهول، لا بدَّ من عودتها في نهاية المطاف إلى الإنسان المستخلَف،
أي إلى الهداية الإلهيَّة، والولاية الإلهيَّة، وإلى تطبيق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) لا يقتصر القول بغائية التاريخ وانتظامه على الفكر الديني والإسلامي؛ إنَّما نجد أنَّ بعضاً من الفلاسفة الغربيين يذهب إلى الرأي نفسه في هذا الموضوع، من حيث إنَّ الله تعالى كما هو موجود في الطبيعة هو أيضاً موجود في التاريخ، وأنَّ الله تعالى قد نظَّم التاريخ تنظيماً دقيقاً ليكون هذا التاريخ مظهراً لوجود الله، كما الطبيعة. (عطيات محمّد أبو السعود، فلسفة التاريخ عند جامباتيستافيكو، دار التنوير، بيروت، ٢٠٠٦ م، ص ٢١٢).
الأُطروحة الإلهيَّة بمرتبتها المعصومة، ومداها الشامل، أي إلى المشروع المهدوي،
الذي سوف «يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت جوراً وظلماً»(٦).
وهذه العودة ليست عودة تُفقِد الإنسانَ عنصر الاختيار، بل هي عودة تتراكم فيها بعض
العناصر الإعجازية (لبعض علامات الظهور)، في فعل تمهيدي للمشروع التغييري والجذري
والإصلاحي للإمام المهدي (عليه السلام).
أمَّا لماذا يكون الظهور بمعيَّة عودة المسيح (عليه السلام)؟ فيبدو أنَّه فعل تقريب
بين العالمين الإسلامي والمسيحي، بل توحيد لهما على مشروع العدالة وقيمها، خصوصاً
إذا ما التفتنا إلى أنَّ طبيعة التربية الدينية المسيحية تدفع باتِّجاه عدم التعالي
أمام الله تعالى ﴿ذلِكَ... وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾
(المائدة: ٨٢)
(٧).
أمَّا الخلاف الاعتقادي في موضوع النبيِّ عيسى (عليه السلام)، فسوف تنتهي مبرِّراته
مع مجيء الشخص المختلَف فيه، لأنَّه مهما كانت التراكمات الاعتقادية تدفع باتِّجاه
الاختلاف في شأنه، فإنَّ بيان الشخص عن نفسه، وهو الأعرف بحقيقته، سوف يحسم مادَّة
الخلاف.
في فلسفة المهدوية وصناعة الأمل:
لقد ذكرنا أنَّ المهدويَّة تعني أنَّ نهاية العالم هي نهاية إلهيَّة، كما
كانت بدايته إلهيَّة. وأنَّها نهاية هادفة، تخضع للتقدير الإلهي، وليست خارجة عنه.
فكما كانت بداية الحياة البشرية آدمية، فإنَّ نهايتها لن تكون إلَّا مهدويَّة.
ومن هنا فإنَّ المهدويَّة تعني حتمية انتصار العدالة والخير والإصلاح في مسيرة
البشرية، وأنَّ مشروع الفساد والظلم لا بدَّ له في حياة البشر من نهاية، في يوم كان
قدراً مقدوراً.
إنَّها تعني أنَّه يجب أن يكون لدينا كلّ الأمل، بأنَّ المستقبل لن يكون إلَّا لأهل
العدل والخير، وأنَّ قادم الأيّام لن يحمل إلَّا سيادة العدالة، في أرجاء المعمورة،
ما بين مشرقيها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦)
الصدوق، الخصال، مؤسَّسة النشر الإسلامي، قم، ١٤٠٣ ه ق، ص ٣٩٦.
(٧)
هذا ويلحظ المدقِّق أكثر من وصل بين البُعد المحمّدي (نسبةً إلى محمّد (صلى الله
عليه وآله وسلم)) والبُعد العيسوي (نسبةً إلى عيسى (عليه السلام)) في شخص المهدي
(عليه السلام) ومشروعه. واحد من تجلّيات ذلك الوصل يظهر فيما ذكرناه من العودة
الإعجازية للمسيح (عليه السلام) مع الظهور المهدوي.
وثانية تلك التجلّيات كون المهدي (عليه السلام) من نسل محمّد (صلى الله عليه وآله
وسلم) من ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) من جهة، وكونه من نسل الحواريين من
جهة أُخرى. وقد التفت إلى هذه الدلالة الكاتب الفرنسي (يان ريشار)، في كتابه
بالفرنسية (الإسلام الشيعي: عقائد وإيدولوجيات) عندما ذكر ما نصُّه: (إنَّ أُمَّ
الإمام الثاني عشر كانت، فيما يقولون لدى الإماميِّين، أَمَة بيزنطية،... وأنَّها
ربَّما كانت ابنة للإمبراطور البيزنطي، إذن فهي من نسل سيمون بيير Simon Pierre أي
أوَّل رئيس للكنيسة... وهكذا فإنَّ ابنها كان يصل بين الدورتين الروحيتين: دورة
عيسى (عليه السلام)، ودورة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)» (ترجمة حافظ الجمالي،
دار عطيَّة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ١٩٩٦م، ط١، ص٦٩). أمَّا في معجم أحاديث
الإمام المهدي (عليه السلام)، الموسوعة التي تتعلَّق بالإمام المهدي (عليه السلام)،
والتي تحتوي على سبعة مجلَّدات، والتي عمل عليها عشرون محقِّقاً لمدَّة أربع سنوات
كاملة، والتي تمَّ استخراج أحاديثها من نحو ألف مجلَّد، كما جاء في مقدّمة ذلك
المعجم؛ فقد أُفرد في المجلَّد الخامس منها عنوانٌ هذا نصُّه: (أُمُّ الإمام المهدي
(عليه السلام) من نسل الحواريين) (تأليف ونشر مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة، قم،
١٤٢٨ه، ط٢، ص٥١٣-٥٢٠).
هي تعني أن يكون لدينا كلّ الثقة بالله تعالى، أنَّه لن يترك قافلة البشرية تسير
إلى الأبد في ظلام الظلم والفساد، وأنَّه لا مكان لليأس في مسيرة الكدح من أجل
انتصار العدل والقسط، وزوال الظلم والجور.
إنَّ الفشل الأكبر في مشروع العدل يبدأ من غلبة اليأس، وفقدان الأمل، بإمكانية زوال
الظلم والفساد. فالمهدوية تعني ديمومة الأمل، وديمومة الأمل تهدي إلى بقاء العمل،
ودوام العمل بإيمان وعزيمة يوصل إلى انتصار العدالة، وإبقاء جذوتها إلى يوم الخروج.
أمَّا غلبة اليأس، فإنَّها تدعو إلى الاستسلام للظلم والفساد، والانصياع الكامل
للظالمين والمفسدين، والانكفاء عن طريق الكدح لإحلال القسط في الأرض.
إنَّ المحرِّك الأعظم لمشروع العدل هي الثقة بانتصاره. وإنَّ الباعث الأكبر على
إقامةِ القسط هو الأمل بغلبته، إنَّ نداء المهدوية هو أن لا تهنوا، لأنَّ المستقبل
لكم، ولا تستسلموا، لأنَّ النصر طوع إيمانكم، ولا تزولوا عن مقارعة الظلم، لأنَّه
زائل، ولا تتوانوا عن نصرة العدل، لأنَّه قريباً تظهر رايته.
إنَّ المهدوية هي النبع الفوّار للأمل المفعم والدائم بالمستقبل، إنَّه لن يكون
إلَّا لعشّاق العدل ومشروع القسط، وإنَّ الظلم ومشروعه لا بدَّ زائل، وقريباً
تُكسَر رايته.
من هنا، فإنَّ المهدوية تعني الانتظار المفعم بالأمل والعمل، لأنَّ المستقبل هو
للعدل وليس للظلم، وهي تعني حتمية قيام العدالة، تلك التي عجز عنها البشر، وأنَّ
العدالة بأوسع تجلّياتها وأبعدها، لا تتحقَّق بمعزل عن الهداية الإلهيَّة الحقَّة،
وأنَّ اللاعدالة في المجتمع البشري، لن تُترَك تصول وتجول إلى ما لا نهاية، وأنَّ
الأمل بالعدالة على هذه البسيطة، ينبغي أن لا تنطفئ جذوته، وأنَّ مستقبل الأيّام
ليس لمحتكري الثروات في العالم وللمترفين، بل هو للمستضعفين، والمظلومين، وضحايا
اللاعدالة الكونية، وأنَّه ليس صحيحاً
لهؤلاء أن يرضخوا لناهبي ثرواتهم، ومستغلّي أقواتهم، وأنَّ الإرادة الإلهيَّة قد
وعدتهم بتحقيق العدل، وأنَّ عليهم أن يُشكّلوا قوَّة دفع لتغيير العالم من
اللاعدالة إلى العدالة.
إنَّ روح المهدوية تعني الأمل الدائم بالانتصار المحتَّم للعدالة على اللاعدالة،
وأنَّ مسار البشرية ليس أمراً خارجاً عن الرعاية الإلهيَّة، وأنَّ نهاية الحياة
البشرية على هذه البسيطة، يجب أن تكون مسبوقة بإقامة العدل، وكنس الجور، وهدم بنية
النظام العالمي الجديد، القائم على احتكار الثروات، ونهب الشعوب، والمزيد من الظلم،
والاضطهاد، والعبودية المقنَّعة، المشبعة بكثير من النفاق المعولم.
المهدوية تعني الاستعداد الدائم والدؤوب، لذاك اليوم الذي تشرق فيه الأرض بنور
المهدي (عليه السلام). أمَّا لماذا الكدح للعدل؟ فلأنَّ الغد هو ثمرة اليوم، ولأنَّ
عدالة المهدي (عليه السلام) لا تنفصم عن التمهيد لها بالعدالة نفسها، فلا تمهيد
للعدل إلَّا بالعدل نفسه، ولا يغيبنَّ عنّا جدل التمهيد والتصعيد، أي تصعيد الأمل
بانتصار العدل، والعمل بقوَّة الأمل لغلبة القسط، وتكامل تصعيد الأمل وتنمية العمل،
لأنَّ فلسفة المهدوية تعني التمهيد للعدل، بالكدح لغلبة العدل، وإعداد مجتمع العدل،
بالتربية على العدل، والصناعة الدائمة للأمل، بمستقبل العدالة وانتصارها.
المهدوية وصناعة الوعي بالمسؤولية:
قد يحلو للبعض أن يُقدِّم فلسفة ما للمهدوية، توصل إلى التواكل، والتحلُّل
من المسؤولية. من قبيل أنَّ الإمام (عليه السلام) يخرج عند انتشار الظلم، فلندع
الأُمور على غاربها، حتَّى تتهيَّأ الظروف لخروجه.
أو أنَّ الأمر يرتبط بشخص الإمام، أو بحضوره فقط، بحيث لا يمكن الحديث عن مسؤولية
ما في السعي لإقامة العدل، أو التمهيد له، أو الإصلاح في غيبته.
وهذا الفهم هو فهم خاطئ، لأنَّ فلسفة المهدوية، لا تؤدّي إلَّا إلى تصعيد الشعور
بالمسؤولية والوعي بها، لإقامة العدل، والتغيير للأفضل، ومواجهة الظلم.
وبيان ذلك:
١- إنَّ المشروع المهدوي هو مشروع جمعي أُممي، وليس مشروعاً فردياً أو شخصياً.
٢- يهدف هذا المشروع إلى التغيير في الأرض، أي هو مشروع عالمي ذو مضمون حضاري، وليس
مشروعاً فئوياً.
٣- صحيح أنَّ مرحلة غيبة الإمام، تعني مرحلة الانحدار إلى الظلم، لكن هذا بما كسبت
أيدي الناس. وهذا لا يعني الركون لهذا الظلم أو السكوت عنه.
٤- يمارس البعض خلطاً بين منطق التوصيف ومنطق التكليف، بمعنى أنَّ توصيف نهاية
التاريخ بأنَّها غارقة في الظلم والجور قد يُفهَم منه أنَّ عليه أن يتنصَّل من
مسؤولياته وتكاليفه، ليدع الأُمور تصل إلى ما ينطبق عليه ذلك التوصيف. وهذا فهم
ينطوي على تجاوز منطق التكليف بمنطق التوصيف، لأنَّ وصف تلك النهاية بما جاء في
النصوص الدينية، لا يعني إغفال منطق التكليف بضرورة مواجهة الظلم، والعمل على
استئصال شأفته، وهدم سلطانه.
٥- ضرورة الفهم الموضوعي للنصوص المهدوية، وعدم فصلها منهجياً عن مجمل منظومة
النصوص الدينية الإسلاميَّة. وهذا يتطلَّب أن تُؤخَذ بعين الاعتبار نصوص التمهيد
لمشروع الظهور، ومجمل النصوص الدالَّة على تلك التكاليف ذات الصلة.
وعليه، فإنَّ الإعداد للظهور، والتمهيد لإقامة العدل المهدوي؛ لا يُؤدّيان إلَّا
إلى المزيد من العمل، الذي يجب أن يرقى إلى مستوى ذلك المشروع، وأهدافه
الإنسانية الكبيرة. إذ إنَّ مشروعاً بذاك المستوى، يحتاج إلى عمل، وتمهيد بمستواه.
حتَّى تتهيَّأ الظروف لخروج الإمام. وهذا الفهم لا ينتج إلَّا المزيد من الوعي
بالمسؤولية، وتخصيبها وتحمُّلها.
النظريات المفسّرة لغيبة الإمام المهدي (عليه
السلام): قراءة في المنهج:
قد يكون من المفيد أن نعرض إلى ذلك المنهج الذي نعتقد بمطلوبية اعتماده في معالجة
النصوص الدينية ذات الصلة بالمهدوية، وذلك بهدف التأسيس للإجابة على بعض الأسئلة
التي قد تُطرَح في هذا الشأن.
وهنا لا بدَّ من القول: إنَّ نظريات عديدة قد عُنيتْ بتفسير غيبة الإمام المهدي
(عليه السلام) وفلسفتها، حيث نجد أنَّ بعضاً منها تناول البُعد الشخصي لهذا الحدث،
في حين أنَّ نظريات أُخرى ركَّزت على بُعده الاجتماعي والعامِّ. وهذا الاختلاف في
التفسير يرجع إلى طبيعة المنهج المعتمد في قراءة نصوص الغيبة وفلسفتها. حيث يجب
الإشارة هنا إلى أنَّ النصوص الدينية قد أخذت الدور الأساس في توليد تلك النظريات
المفسِّرة للغيبة.
بدايةً لا بدَّ من أن نشير إلى أهمّ تلك النظريات، ومن ثَمَّ نحاول الإلفات إلى
المنهج المناسب في بنائها وفهم النصوص التي ارتكزت عليها، في محاولة لتقديم رؤية
شاملة وموضوعية، تأخذ بعين الاعتبار الأُسس الكلاميَّة والدينيَّة، التي ترتكز
عليها تلك الغيبة.
يمكن تقسيم تلك النظريات إلى قسمين: نظريّات شخصيَّة ونظريّات اجتماعيَّة.
١- النظريات الشخصيَّة:
والمراد منها تلك النظريات التي تُفسِّر الغيبة بالاستناد إلى شخص الإمام المهدي
(عليه السلام)، وهي نظريات متعدِّدة، يمكن استفادتها من الروايات الواردة عن أهل
البيت (عليهم السلام)، وأهمّها:
أ- نظرية الخوف: تذهب هذه النظرية إلى أنَّ الإمام (عليه السلام) قد غاب خوفاً على
نفسه من القتل أو الذبح، وبالتالي، فإنَّ حماية شخص الإمام قد اقتضت غيبته، منعاً
من تعرضه للقتل.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «يا زرارة، لا بدَّ للقائم من غيبة»، قلت:
ولِمَ؟ قال: «يخاف على نفسه-وأومأ بيده إلى بطنه-»
(٨).
ب- نظرية البيعة: أي إنَّ الإمام (عليه السلام) قد غاب حتَّى لا يبايع أحداً من
الظالمين؛ لأنَّه لو بقي ظاهراً، فسوف يضطرُّ إلى البيعة.
رُويَ عن الإمام الصادق (عليه السلام): «صاحب هذا الأمر تغيب ولادته عن هذا الخلق،
لئلَّا يكون لأحدٍ في عنقه بيعة إذا خرج»
(٩).
ج- نظرية الاعتزال: ومفادها أنَّ الله تعالى يكره لأوليائه مجاورة الظالمين، ولذلك
غاب الإمام (عليه السلام) كرهاً لأفعالهم، وكتعبيرٍ عن رفض ظلمهم وفسادهم.
ورد عن أبي جعفر (عليه السلام): «إنَّ الله تعالى إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من
بين أظهرهم»
(١٠).
هذه أبرز النظريات التي يمكن تصنيفها في تفسير البُعد الشخصي لقضيَّة الغيبة.
٢- النظريات الاجتماعيَّة:
وهنا يمكن أن نعرض لبعضٍ من تلك النظريات، وهي:
أ- نظرية التمحيص:
حيث أكَّدت بعض الروايات على أنَّ الهدف من الغيبة هو تمحيص المؤمنين واختبارهم؛
لأنَّ فلسفة الحياة قائمة على أساس الابتلاء، ومن أبلغ الابتلاءات ضرورة الإيمان
بالقائم (عليه السلام) وهو في غيبته، بل وتحقيق جملة تلك الغايات والنتائج التي
تترتَّب على الابتلاء بالغيبة، حيث ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ هذا
الأمر لا يأتيكم إلَّا بعد إياس، لا والله حتَّى تُمَيَّزُوا، لا والله حتَّى
تُمَحَّصُوا، لا والله حتَّى يشقى من يشقى، ويسعد من يسعد»
(١١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨)
الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح وتعليق عليّ أكبر الغفاري، (لاط)، مؤسَّسة
النشر الإسلامي، قم، ١٤٠٥ه.ق، ص٤٨١.
(٩)
المجلسي، بحار الأنوار، مؤسَّسة الوفاء، بيروت، ١٩٨٣م، ط٣، ج٥٢، ص٩٦.
(١٠)
الصدوق، علل الشرائع، مؤسَّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ١٩٨٨م، ط١، ج١، ص ٢٨٥.
(١١)
الكليني، محمّد بن يعقوب: الكافي، تصحيح وتعليق عليّ أكبر الغفاري، ط٥، دار الكتب
الإسلاميَّة، طهران، ١٣٦٢ه.ش، ج١، ص٣٧٠.
ب- نظرية النصرة: أي
إنَّ الإمام (عليه السلام) قد غاب لعدم وجود الناصر، وهو ما يُستفاد من بعض
الروايات، باعتبار أنَّ الأُمور تجري بأسبابها؛ ومن أسباب النصر وجود الناصر، ولذلك
غاب الإمام لعدم وجود الناصر.
ج- نظرية الامتحان:
والمراد بها امتحان النظريات الوضعيَّة واللادينيَّة التي أُريد لها أن تكون بديلاً
عن الأُطروحة الإلهيَّة، فكان تغييب الإمام بمثابة تعطيل مرحلي للأُطروحة الإلهيَّة
في مرتبتها المعصومة إفساحاً في المجال أمام تلك النظريات الوضعيَّة حتَّى تختبر
صحَّتها وصولاً إلى مرحلة الانسداد الحضاري واكتشاف عدم قدرة تلك النظريات على علاج
جميع مشاكل الإنسان، وإيصاله إلى سعادته الحقيقيَّة.
د- نظرية الإعداد:
والمراد بها انتظار جميع الظروف الموضوعيَّة، والإعداد لها للقيام بعملية التغيير
الشاملة، وتمكين الدين، وإحقاق العدل في جميع الأرض
(١٢).
وبناءً على ما تقدَّم، كيف يمكن الجمع بين كلِّ تلك النظريات؟ وما هو المنهج الذي
يجب أن يُعتَمد في قراءة النصوص المفسِّرة لحدث الغيبة، باعتبار أنَّ تحديد المنهج
والمقدّمات التي يمكن أن يرتكز عليها في تلك القراءة؛ كلُّ ذلك يُؤثِّر حكماً في
النتائج التي يُنتهى إليها؟
لذا لابد
من الإشارة إلى جملة من النقاط المهمة في هذا الموضوع:
١- إنَّ تحديد المنهج المستخدم في قراءة نصوص الغيبة هو عمل سابق منهجياً على قراءة
النصوص نفسها، ولذا يجب أن يُقدَّم عليها.
٢- إنَّ المنهج الذي يجب استخدامه هو المنهج الموضوعي وليس الموضعي، باعتبار أنَّ
وظيفة الإمامة- المعصومة- يتداخل فيها البُعد المعرفي مع الديني والسياسي
والاجتماعي والحضاري...؛ ولذا يجب أن يكون المنهج مستوعباً لكلِّ العوامل الدخيلة
في الموضوع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) في علل الغيبة ونظرياتها راجع (عدا عمَّا ذكرنا من مصادر): الصدوق، علل الشرائع، م.س، ص ٢٨٤-٢٨٨؛ خراساني، محمّد جواد، مهدي منتظر، بُنياد پژوهشهاى علمى فرهنگى نور الأصفياء، قم، ١٣٨٠ه ش، چاپ دوم، ص ٧٢- ٨٨.
٣-
بناءً على ما تقدَّم، قد يصحُّ القول بأنَّ المنهج الذي يجب أن يُستَخدم هو المنهج
الحضاري. بمعنى أنَّ الفهم الحضاري للدين- والذي تندمج فيه الرؤية الكونية، مع
رؤيتنا لفلسفة التاريخ وغائيته، مع فهمنا لموسوعية الدين وعالميته-هو الذي ينبغي أن
يستند إليه في فهمنا للمهدوية، وغيبة المهدي (عليه السلام)، وفلسفة تلك الغيبة.
٤- يجب أن تُقرأ كلّ الروايات قراءة موضوعية، باعتبار أنَّ كلَّ رواية أو مجموعة
روايات، ربَّما تكون ناظرة إلى جهةٍ من جهات الغيبة. وبالتالي لا يصحُّ اختزال
فلسفة الغيبة في هذه الجهة فقط، لأنَّ تحديد سببٍ ما، أو حكمةٍ ما للغيبة، لا ينافي
وجود سببٍ آخر أو حكمةٍ أُخرى.
٥- إنَّ النصوص التي قد يُفهَم منها البُعد الشخصي في حدث الغيبة لم تتناول الإمام
المهدي (عليه السلام) بلحاظ البُعد الشخصي المحض لديه، إنَّما باعتبار الجانب
الحقوقي في شخصيته، أي بما هو إمام. ولذلك يجب أن تُدمَج تلك النصوص ذات البُعد
الشخصي في الأبعاد، العامَّة والجوانب الاجتماعية، والنظريات ذات البُعد الجمعي.
٦- يجب أن تُفهَم تلك النصوص على أساس أهداف الدين، ووظائف الإمامة المعصومة،
والخصوصيَّة الوظيفيَّة للإمامة الخاتمة على مستوى إلغاء كلِّ الأُطروحات الوضعية،
وتحقيق نهاية للتاريخ، يسبقها تحقيق الخلافة الإلهيَّة (سيادة العدالة) بأرقى
مراتبها، وأوسع معانيها، وأبعد مدياتها.
٧- يجب أن تُقرَأ تلك النصوص والنظريات قراءةً تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الكونية
والعالمية لحركة الدين وأهدافه. ولذا ليس صحيحاً أن تُفهَم المهدوية ومشروعها على
أنَّها محصورة بفئة خاصَّة، أو جغرافية محدَّدة، وإنَّما يجب أن تُفهَم على أنَّها
حركة عالمية شاملة. وهذا ما يُستَنتج من مختلف النصوص ذات الصلة.
٨-
إنَّ كلَّ ما تقدَّم لا يُلغي المعنى الذي يُستفاد من بعض الروايات، وهو عدم
إمكانية معرفة علَّة الغيبة معرفة كاملة، تستوعب جميع تفاصيلها، إلَّا عند ظهور
الإمام (عليه السلام) وخروجه.
وبناءً على جميع ما تقدَّم، يمكن لنا أن نقول بأنَّ المحاولة التي سعينا إلى القيام
بها في هذا البحث، هي محاولة تملك تبريرها المنهجي، وليست منفصمة عن مجمل النصوص
الدينية ذات الصلة، وإنَّما هي ترتكز إليها، وقادرة على معالجة ما يبدو من اختلاف
وتعارض بينها، إذ إنَّها ارتكزت منهجياً على المنهج الموضوعي، ذي الأبعاد الحضارية
في فهم الخلق وغايته، والدين وجوهره، والتاريخ ونهايته، فكانت النتيجة في هذا الوصل
ما بين فلسفة المهدوية، وجوهرية العدالة، ونهاية التاريخ.
الخاتمة:
إنَّ المعنى الذي يريد هذا البحث الخلوص إليه هو أنَّ فلسفة الخلق تقوم فيما
تقوم عليه على العبادة ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، وتهدف فيما تهدف إليه إلى إقامة
القسط في الأرض ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾
(الحديد: ٢٥)، وهذا ما يوصل إلى النتيجة التالية؛ وهي أنَّ عبادة الله بإقامة
القسط، وأنَّ من أشرف العبادة أن يقوم الناس بالعدل، ويقوم اجتماعهم على العدالة.
ومن هنا كان البيان الديني على مرِّ التاريخ ليُقدِّم هذا الهدف، ﴿أَرْسَلْنا
رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: ٢٥). ولكن الذي حصل هو انحدار متمادٍ في
الظلم ومنهجه ونسقه، في إعراض عن ذلك البيان الديني وكفرٍ به، وإيغال في الطغيان
والفساد.
وهذا الانحراف عن مسار العدالة الذي انساقت إليه قافلة البشرية في تاريخها لن يدوم
إلى ما لا نهاية، وإنَّما هناك نهاية للتاريخ، وهناك أمدٌ لمسار اللاعدالة هذا.
ولذا،
فإنَّ المهدوية تعني الانقلاب في مسيرة البشرية وقافلتها من مسار اللاعدالة إلى
مسار العدالة. وهي تعني في مشروعها أهمّ تحوّلٍ سوف يشهده التاريخ البشري من انحدار
في نسق اللاعدالة، إلى انتهاج العدالة في نسقها وقيمها وجميع معانيها. وهي تعني
العودة إلى الفطرة الإنسانية السليمة من مجمل التشوّهات التي تعرَّضت لها على مدار
التاريخ بسببٍ من أكثر من تلبيس فكري، أو فساد معرفي، أو حتَّى تأويل للدين جافى
حقيقة جوهره الكامن في العدالة.
المهدوية هي المشروع الخلاصي للاجتماع البشري ممَّا يصل إليه في مرحلة انسداد
الأُفق الحضاري أمام مسيره وفي نهايته. هي خشبة الخلاص الوحيدة التي سوف تتبدّى في
نهاية ذلك التيه الحضاري أمام ناظري قافلة البشرية، وتوقها الأخير إلى الخلاص
المهدوي وظهوره.
الأستاذ الدكتور مشتاق العلي- جامعة بغداد كلية التربية
بحث مشارك في مسابقة خاتم الأوصياء (عجّل الله فرجه) للإبداع الفكري وحاز على المركز الثاني
مقدّمة في تطوّر علم النفس:
إنَّ تطوُّر العلوم وارتقاءها من طور إلى طور أمر طبيعيٌّ سُننيٌّ لا يختلف
عليه اثنان؛ ذلك أنَّ التفكير لا يبقى على حاله، وطرائق معالجته وتوجيهه والخلوص
إلى نتائج نهائية لا تثبت على سَمْتٍ واحدٍ، بل تتنوَّع بحسب تنوُّع الظروف
الزمانية والمكانية التي يمرُّ بها الإنسان.
ولا ينفلت (علم النفس Pspchologp) عن هذا السبيل، بل يخضع لمعاييره وموازينه التي
تُعَدُّ سُنَّة كونية.
فعلم النفس من العلوم القديمة التي خامرت أذهان العلماء منذ العصور السالفة التي
انتظم فيها الفكر وتوجَّه الإنسان فيها إلى تنظيم حياته والمجالات التي تتعكَّز
عليها، ويُؤشِّر مؤرِّخو العلوم أنَّ (علم النفس Pspchologp) كان من ضمن خانات
الحقل الفلسفيِّ، إذ (ظلَّ الإنسان لقرون عديدة يُفكِّر في إجابة السؤال الذي شغل
باله دائمًا وهو: من أنا ومن أكون؟ ولإجابة هذا السؤال حاول منذ القِدَم دراسة
النفس الإنسانية، وبذلك تطوَّر تاريخ علم النفس مع تطوُّر العلوم المتعدِّدة التي
انفصلت عن الفلسفة (أُمِّ العلوم) في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين،
وأصبح ينتمي إلى مجموعة
العلوم الإنسانية...، ويعنى علم النفس بدراسة أنواع السلوك الإنساني في جميع مراحل
حياة الإنسان المختلفة في محاولة الكشف عن القوانين والمبادئ العامَّة التي تحكم
السلوك وتُوجِّهه، والعمل على تنظيم هذه المبادئ في نظام معرفي متكامل)
(١).
وأخذت العلوم بالاستقلال من سطوة الحقل الفلسفيِّ وتكوُّن بنيانها الخاصِّ في
القرنين السابع والثامن عشر الميلاديين، ولكن الاستقلال الثابت لعلم النفس عن
الفلسفة كان في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على يد الألماني ولهلم
فونت (W.Wundt) (الذي يُعَدُّ الرائد لعلم النفس الحديث، والذي افتتح أوَّل مختبر
لعلم النفس عام (١٨٧٩م) في جامعة لايبزك)
(٢).
ولم يقف علم النفس عند حدود ما بُني عليه في مرحلة الريادة، بل تفرَّع إلى فروع
عديدة بحسب تفرُّع الخانات المعرفية وسواها التي تُؤثِّر في السلوك وبنحو واسع بحيث
يُشكِّل ظاهرة ملفتة.
ويُسوِّغ لنا هذا التطوُّر والانتقال من طور إلى طور أن نطرح فكرتنا في تأسيس خانة
جديدة في مغمار الحقل النفسيِّ التي تعالج موضوعة مهمَّة من موضوعات السلوك
الإنساني ببُعديه الفرديّ والجمعيّ.
التمهيد:
علم نفس الغيبة (المصطلح والمباني):
إذا كان (علم النفس Pspchologp) يُعرَّف بأنَّه: العلم الذي يدرس السلوك
الإنساني (Human behavior) بطريقة علمية، وهدفه الوصول إلى المعرفة المنظِّمة
للسلوك، والتي تعينه على فهم السلوك وضبطه والتنبُّؤ به
(٣)، وإذا كان السلوك
الإنساني: كلُّ الأفعال والنشاطات التي تصدر عن الفرد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) مدخل إلى علم النفس/
عماد الزغول وعلي الهنداوي: ١.
(٢) مدخل في علم النفس
العامّ/ د. الشمسي: ٨.
(٣) مدخل في علم النفس
العام: د. الشمسي: ٧.
سواء أكانت ظاهرة أم غير ظاهرة
(٤)، وإذا كان علم النفس-في
الوقت نفسه- مقسَّمًا على علوم بحسب الحقل الذي يعتني به، من قبيل: علم نفس
الشخصية، علم النفس الحربي، علم النفس التجاري، علم النفس الصناعي، علم النفس
الجنائي، وغيرها، فإنَّ موضوع علاقة (الفرد) ب (الغَيْبَة) والتعالق الطردي بينهما
يستحقُّ أن نفرد له علماً مستقلًّا يضاف إلى علوم النفس المتعدِّد، نقترح له
مصطلحًا (علم نفس الغَيْبَة)؛ لتحقُّق مصاديق الفرضيات الثلاث السابقة فيه، إذا
تناولنا فيه: دراسة السلوك الإنسانيّ في زمن الغيبة؛ بغية فهمه، وضبطه، والتنبُّؤ
به، تمهيدًا للظهور المبارك.
بحيث: يكون موضوع هذا العلم المقترح: السلوك الإنسانيّ بلحاظ موضوع محدَّد وهو
(الغَيبة)، وفيه ملامح معيَّنة، منها الظاهر كنشاطات الفرد الملحوظة من مثل
النشاطات المخالفة للشريعة أو الموافقة لها، ومنها غير الظاهرة كالأفكار المنحرفة
التي تُشوِّه الخطَّ المهدوي بالهواجس أو الاعتقادات، وكلُّ ما مرَّ سيكون حقلاً
صالحاً لأن نراقب عن طريق السلوك الإنسانيّ على وفق مقاييس محدَّدة.
فضلاً عن كون (الغَيْبَة) ومتلازماتها ليست حكراً على المسلمين، بل هي مطلب إنسانيّ
كونيّ يُعبَّر عنه بالأدبيات العامَّة ب (انتظار المُخلِّص)، وهذا كلُّه يُؤثِّر في
السلوك قبل الغيبة وبعدها.
وفي ضوء ما ذكرنا يمكن الوقوف عند المحطّات الثلاث لتعريف (علم نفس الغَيْبَة) في
ضوء المحطّات الثلاث ل (علم النفس العام ّGeneral Pspchology) التي عرضناها في
التعريف المتقدِّم، وهي على النحو الآتي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) تعديل السلوك الإنسانيّ/ د. أبو السعد: ٢١/ ٢٠١١م.
المبحث الأوَّل: محطَّة وصف السلوك لفهمه
وتتحدَّد بتعرُّف سلوك الإنسان قبل الغيبة وبعدها؛ لعلَّنا نفهم سبب قضاء الله
بتحقُّق الغيبة التي تحتمل أنَّها كانت عقاباً جماعياً للبشرية؛ لأنَّها لم تنضبط
بضوابط الشريعة السماوية، فحرم الله سبحانه وتعالى الأفراد جميعهم من حضور قائدهم
حضوراً مادّياً؛ إذ أسهمت ذنوب البشر بغيبته.
فمن المعلوم أنَّ الله سبحانه وتعالى أرسل الرُّسُل والأنبياء (عليهم السلام) لغاية
مفصلية لخَّصها قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ (النساء: ١٦٥)؛ أي إنَّ الناس لم يُترَكوا على جهلهم،
بل بعث الله سبحانه وتعالى من يُرشِدهم إلى الطريق الحقِّ، ولكنّ الناس مالوا عنهم
وآذوا الرُّسُل والأنبياء (عليهم السلام) طيلة تاريخ البشرية، إلَّا البعض، وقد
لخَّصت الآيات (١٦٣- ١٧١) من سورة النساء هذا الأمر كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا
أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ
وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً *
وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ
عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً * رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ
عَزِيزاً حَكِيماً * لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ
بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً * إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً * إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا
لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً
وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً * يا أَيهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ
بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ
لِلهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * يا أَهْلَ
الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا
عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى
ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ
إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي
السَّماواتِ وَما فِي الْأَرضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾.
وقد أدّى هذا النفور عن الصراط القويم على مدى مسيرة تاريخ البشرية إلى تشويش بوصلة
الاتِّجاه بالسلوك الإنسانيّ ممَّا جعلها تنحرف عن الجادَّة.
وقد شخَّص أهل البيت (عليهم السلام) مراحل ذلك الانحراف تشخيصاً دقيقاً في أحاديث
كثيرة، لعلَّ أهمَّها الحديث التفصيلي الطويل المروي عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي
طالب (عليه السلام) الذي رواه الشيخ الصدوق (ت ٣٨١ ه) في كتابه (كمال الدين وتمام
النعمة)، وسنذكره بكامله ونُخضِعه للتحليل لتكتمل الصورة في تحديد مراحل الانحراف
التي حدَّدها أمير المؤمنين (عليه السلام) بأربع مراحل هي:
١- مرحلة تغييب القِيَم.
٢- مرحلة انقلاب القِيَم.
٣- مرحلة بناء قيمي جديد منحرف.
٤- مرحلة إظهار القِيَم الجديدة المنحرفة.
إذ روي عن النَّزال بن سبرة، قال: خطبنا أمير المؤَمنين عليُّ بن أبي طالب (عليه
السلام)، فحمدَ اللهَ (عزَّ وجلَّ) وأثنى عليه وصلّى على مُحمَّدٍ وآلهِ، ثمَّ قال:
«سَلُوني أيُّها النَّاسُ قَبْلَ أن تَفقِدُوني-ثلاثاً-»، فقامَ إليه صعصَعَةُ بن
صُوحانَ، فقال: يا أمير المؤمنين، متى يخرجُ الدَّجّالُ؟
فقال لهُ عليٌّ (عليه السلام): «اقْعُدْ فَقَدْ سَمِعَ اللهُ كَلامَكَ وَعَلِمَ مَا
أَرَدْتَ، وَاللهِ ما المسْؤَولُ عَنْهُ بِأَعلَمَ مِنَ السائِلِ، ولَكِنْ لِذَلكَ
عَلامَاتٌ وَهَيئَاتٌ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعضْاً كَحَذْوِ النَّعْلِ بالنَّعْلِ،
وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِهَا».
قَالَ: نَعَمْ، يا أَميرَ المؤَمنين. فَقالَ (عليه السلام): «احْفَظْ فَإِنَّ
عَلاَمَةَ ذَلِكَ إَذَا أَمَاتَ النَّاسُ الصَّلاة، وَأَضَاعُوا الأَمانَةَ،
وَاسْتَحَلّوا الكَذِبَ، وَأَكَلُوا الرِّبا، وَأَخَذُوا الرشا، وَشَيَّدُوا
البُنْيانَ، وَبَاعُوا الدِّينَ بِالدُّنيا، وَاسْتَعمَلُوا السُّفَهَاءَ،
وَشَاوَرُوا النِّسَاءَ، وَقَطَعُوا الأَرْحامَ، وَاتَّبَعوا الأَهْوَاءَ،
وَاسْتَخَفُّوا بِالدِّمَاءِ، وَكَانَ الحِلْمُ ضَعْفَاً، وَالظُّلْمُ فَخْراً،
وَكَانَتْ الأُمراءُ فَجَرَةً، وَالوزَراءُ ظَلَمَةً، وَالعُرَفاءُ خَوَنَةً،
وَالقُرَّاءُ فَسَقَةً، وَظَهَرَت شَهادَةُ الزُّورِ، وَاستُعْلِنَ الفُجُورُ،
وَقَوْلُ البُهْتانِ، وَالإثمُ وَالطُّغْيانُ، وَحُلِّيَتِ المَصاحِفُ،
وَزُخْرِفَتُ المَسَاجِدُ، وَطُوِّلَتِ المَنارَاتُ، وَأُكْرِمَتِ الأَشْرَارُ،
وَازْدَحمتْ الصُّفُوفُ، وَاخْتَلَفَتِ القُلُوبُ، وَنُقِضَتِ العُهُودُ،
وَاقْتَرَبَ المَوعُودُ، وَشَارَكَ النِّساءُ أَزْواجَهُنَّ في التِّجارَةِ حِرصاً
على الدُّنيا، وَعَلَتْ أصْواتُ الفُسَّاقِ وَاسْتُمِعَ مِنْهُم، وَكَانَ زَعِيمُ
القَوْمِ أرْذَلَهُمْ، وَاتُّقِيَ الفَاجِرُ مَخافَةَ شَرِّهِ، وَصُدِّق الكَاذِبُ،
وَائْتُمِنَ الخائِنُ، وَاتُّخِذَتِ القِيَانُ والمَعَازِفُ، وَلَعَنَ آخِرُ هذِهِ
الأُمَّةِ أَوَّلها، وَرَكَبَ ذَوَاتُ الفُرُوجِ السُّرُوجَ، وَتَشَبَّهَ النِّساءُ
بِالرِّجَالِ، وَالرِّجَالُ بِالنِساءِ، وَشَهِدَ الشَّاهِدُ مِنْ غَيرِ أنْ
يُسْتَشْهَدَ، وَشَهِدَ الآخَرُ قَضَاءً لِذِمَامٍ بِغَيْرِ حَقٍّ عَرَفَهُ،
وَتُفقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَآثَرُوا عَمَلَ الدُّنيا على الآخِرَةِ،
وَلَبِسُوا جُلُودَ الضَّأنِ عَلَى قُلُوبِ الذِّئَابِ وَقُلُوبُهُمْ أَنْتَنُ مِنَ
الجِيَفِ وَأَمَرُّ مِنَ الصَبْرِ»
(٥).
لقد بنى الإمام (عليه السلام) توصيفه لسلوك الجماعة البشرية على أُسلوب الشرط
المصدَّر بالأداة (إذا)
(٦)
بقوله في صدر التوصيف: «إَذَا أَمَاتَ النَّاسُ الصَّلاة ...» إلى آخر الحديث، ومن
المعلوم أن أُسلوب الشرط مبنيٌّ على التلازم، فنتيجته مقرونة بقيام السبب، والعكس
صحيح.
ويمكن تقديم مخطَّط للمراحل الأربع الخاصَّة بتوصيف انحراف سلوك الجماعة البشرية
بحسب منظار الإمام (عليه السلام) على النحو الآتي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) كمال الدين/ الشيخ
الصدوق: ٥٢٥ و٥٢٦/ باب ٤٧/ ح ١.
(٦) هناك حديث مطوَّل آخر
يوازي مضمون الحديث المذكور في المتن، وهو مرويٌّ عن الإمام الصادق (عليه السلام)
يتناول توصيف انحراف سلوك الجماعة البشـرية ومبنيٌّ على أُسلوب الشـرط ومتصدِّر
بالأداة (إذا) أيضاً. يُنظَر: الكافي/ الشيخ الكليني: ٣٦- ٤٢/ ح ٧ و٨؛ ووسائل
الشيعة ١٦: ٢٧٥- ٢٨٠/ ح (٦/٢١٥٥٤).
@٠٠١
@٠٠٢
@٠٠٣
لذا
أدّى هذا النفور الجماعي- إلَّا القلَّة القليلة منهم ممَّن يُوصَفون بالمؤمنين-
إلى أن سحب الله سبحانه وتعالى منهم الموكَّلين بالتبليغ المباشر ممَّن يرتبطون
بالوحي؛ ليُشعِرهم بقيمة ما فقدوا وبشاعة ما ارتكبوا، وهو ما يُعرَف بأدبيات علم
النفس ب (الحرمان) الذي ينتمي إلى (العقاب) الذي يُعرَّف بأنَّه إخضاع الفرد إلى
نوع من العقاب إثر قيامه بسلوك معيَّن، فكلَّما نال الفرد عقاباً نفسياً أو جسدياً
نتيجة قيامه بسلوك غير صحيح مثل اعتدائه على الآخرين كفَّ عن ذلك السلوك العدواني،
ومن أساليب العقاب: اللوم الصريح والتوبيخ، والتهديد، والوعيد، والحرمان
(٧).
بمعنى: أنَّ سلسلة التبليغ الرسالي على مدى تاريخ البشرية عن طريق الأنبياء
والرُّسُل لم يُجدِ نفعاً مع كثير من الخلق، بل عملوا على معاداة هذا الخطِّ
الإصلاحيِّ، فاستحقّوا بذلك عقوبة (الحرمان)، فتسبَّبوا بمشكلة كبيرة للكون تتمثَّل
ب (غيبة القائد الإلهيِّ) الذي يرعى مصالح البشرية، ويُوجِّههم نحو الصراط القويم
بما يُحقِّق الرفاهية والعدالة الاجتماعية.
المبحث الثاني: محطَّة ضبط السلوك
وتتحدَّد بطرائق تعديل السلوك الإنساني التي تعمل على فرز السلوكيات السلبية
(الإفراط السلوكي) وتعزيز السلوكيات الإيجابية التي لم تتَّصف بالتكرار والثبات في
شخصية الفرد، فكانت بذلك (عيوباً سلوكية)؛ لتذبذب حضورها في تعاملات الأفراد
اليومية، ويمكن تحديد هذه الطرائق بالآتي:
١- ستراتيجية الانتظار، وهي عقاب سلبيٌّ: يتمثَّل باستبعاد شيء سارٍّ للفرد أو
حرمانه منه نتيجة صدور سلوك غير مرغوب به من الفرد المحروم، من قبيل تغييب الإمام
الحجَّة (عليه السلام) عن البشرية
(٨).
ويؤدّي هذا العقاب إلى بحث المُعاقَب عن رفع موانع إعادة ما تمَّ استبعاده عنه؛
ليستعيده، لذا وضع أهل البيت (عليهم السلام) سلسلة من المطالب التي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) السلوك/ فلاح حسن جمعة:
١٥ و١٦.
(٨) يُنظَر في: مفهوم
العقاب السلبيّ/ كتاب تعديل السلوك/ رايموند: ١٤١/ ٢٠١٤م.
تعمل
على إعادة ما فقدته البشرية إن تمَّ العمل على حيازتها والعمل بها، وهو ما يقارب
طريقة (التعاقد السلوكي) التي تعني في أجلى صورها: الاتِّفاق على بنود معيَّنة بين
طرفين؛ لتحقيق غاية منشودة، وتتضمَّن شروط جزائية في الحقوق والواجبات
(٩).
وقد ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) روايات كثيرة فصَّلت بنود هذه الاتِّفاقية
التي ينبغي أن يعقدها الإنسان المُنتظِر مع إمامه الغائب (عليه السلام)؛ لئلَّا
تكون المطالب الخاصَّة بتعجيل فرجه الشريف غائبة عن الناس، فتغيب معها طرائق
الإصلاح.
ومن ذلك ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «للقائم منّا غيبة أمدها طويل،
كأنّي بالشيعة يجولون جولان النِّعَم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه، ألَا فمن
ثبت منهم على دينه ولم يقسُ قلبه لطول غيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة»
(١٠).
إذ وضَّح هذا الحديث بندين من التعاقد السلوكي الذي يضمن للإنسان المنتظر صوابية
السلوك وإسهامه في تعجيل الفرج، وهما:
- الثبات على الدين.
- رقَّة القلب في الغيبة.
لكن من يتَّصفون بهذين البندين هم من القلَّة، وهذا منطق طبيعيٌّ؛ لأنَّ المتقنين
والمتميَّزين في شتّى المجالات هم القلَّة حتماً، لذا ورد عن الرسول الكريم محمّد
(صلى الله عليه وآله وسلم) ما نصُّه: «إنَّ عليًّا وصيّي، ومن ولده القائم المنتظر
المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، والذي بعثني
بالحقِّ بشيراً ونذيراً إنَّ الثابتين على القول بإمامته في زمان غيبته لأعزّ من
الكبريت الأحمر»
(١١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) السلوك: ١٧.
(١٠) وظيفة الأنام في زمن
غيبة الإمام (عليه السلام)/ محمّد تقي الأصفهاني ٢: ١٥.
(١١) الغيبة/ الشيخ
النعماني: ١٦٢.
فالبند
الثالث الذي يمكن أن يضاف على التعاقد السلوكي الذي ألمحنا إليه، ذكره هذا الحديث
وهو: الثبات على القول بإمامة الغائب (عليه السلام).
ولكن الثابتين على ذلك هم نادرون حتَّى وصفهم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله
وسلم) بـ(الكبريت الأحمر).
لذا صُنِّف الانتظار على صنفين:
- الانتظار السلبيّ، وهو الانتظار الذي يعمد فيه الإنسان على الانتظار بلا عمل
ويتَّكئ على حصول الظهور المبارك بلا سعي، بحيث يكون الإنسان في هذه الحالة ناظراً
إلى ظاهر الغيبة لا إلى وظيفتها، فالغيبة عامل تربية لإعادة الناس إلى رُشدهم، فمن
لم يسعَ إلى تحقيق ذلك فهو مؤخِّر للإمام (عليه السلام).
- الانتظار الإيجابي، وهو الانتظار المطلوب الذي يعمل على تعجيل الفرج بالإسهام
بتغيير ذاته ومن حوله من الجماعة البشرية، إعادة الذات والجماعة التي يحيى فيها
ومعها إلى الصراط القويم.
٢- ستراتيجية الأُسوة، وهي ستراتيجية لتعديل السلوك وفقاً لسلوكيات (الأُنموذج)
الذي يصدر عنه السلوك المرغوب، ويتمثَّل بالنبيِّ الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله
وسلم) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام)؛ لتكون سِيَرهم المباركة بوصلةً لقيادة
المحتذي بهم نحو الصلاح والتكامل
(١٢).
وقد وضع المولى (جلَّ جلاله) تطبيقاً عملياً لهذه الإستراتيجية في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ
كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١).
ولم يكن الاقتداء به عصيّاً على المؤمنين؛ لئلَّا يكون مثالاً مستحيل التنفيذ، بل
وردت شواهد كثيرة تُثبِت إمكانية السير على نهج هذه الأُسوة المباركة؛ إذ يقول أمير
المؤمنين (عليه السلام) في وصف قربه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وكنت
أتَّبعه اتِّباع الفصيل إثر أُمِّه يرفع لي كلَّ يوم من أخلاقه علماً ويأمرني
بالاقتداء به»
(١٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) يُنظَر في: مفهوم
ستراتيجية النمذجة/ كتاب تعديل السلوك/ رايموند: ٢٧٣/ ٢٠١٤م.
(١٣) نهج البلاغة/ خطب
الإمام عليٍّ (عليه السلام) ٢:١٥٧ / الخطبة القاصعة.
فما
قدَّمه أمير المؤمنين (عليه السلام) يُعَدُّ دليلاً عمليّاً على إمكانية انتهاج
منهج النبوَّة في حياتنا العملية، وهو مثال حيٌّ للتغيير المرغوب فيه الذي يحدث في
سلوك الفرد نتيجة ملاحظته لسلوك الآخرين؛ إذ غالباً ما يتأثَّر سلوك الفرد بملاحظة
سلوك الآخرين، فالإنسان يتعلَّم العديد من السلوكيات المقبولة؛ عبر ملاحظة الآخرين
وتقليدهم القدوة (الأُنموذج) التي يلاحظونها
(١٤).
والغاية من إيجاد هذه الإستراتيجية التربوية هي إحراز بنود التعاقد السلوكيّ الذي
تحدَّثنا عنه في الإستراتيجية السابقة، فمن المؤكَّد أنَّ معرفة صفات الشيء
حَرِيَّةٌ بتسهيل اتِّباعه بما يُحقِّق مفهوم القدوة (الأُنموذج)، بمعنى: أنَّ
الإنسان الذي يريد الإسهام في التعجيل المبارك وإصلاح حال الجماعة البشرية بالظهور،
فعليه أن يتحلّى بما تحلّى به النبيُّ الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).
٣- ستراتيجية الابتلاء، وهي عقاب إيجابيٌّ؛ يتمثَّل بإخضاع الفرد لنوع من العقاب
المباشر لقيامه بسلوك معيَّن من قبيل الكوارث الطبيعية العامَّة والمصائب الخاصَّة
(١٥).
وتعتمد هذه الإستراتيجية على طرائق متعدِّدة لتحقيق الغاية منها في تصحيح السلوك
المنحرف أو تقويمه بالنحو السليم، ومن ذلك طريقة (تكلفة الاستجابة) التي يُعرِّفها
علماء النفس بأنَّها: الإجراء الذي يشتمل على فقدان الفرد لجزء ممَّا موجود لديه؛
نتيجةً لقيامه بسلوك غير مقبول، ممَّا سيُؤدّي إلى تقليل ذلك السلوك أو إيقافه
(١٦).
وقد وردت تأكيدات تُلمِّح إلى هذا النوع من العلاجات في أحاديث أهل البيت (عليهم
السلام) من قبيل الرواية التي رويت عن الإمام الصادق (عليه السلام)
(١٧) ونصُّها: عن محمّد بن
مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ قدّام القائم علامات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) السلوك: ١٨.
(١٥) يُنظَر في: مفهوم
العقاب الإيجابي/ كتاب تعديل السلوك/ رايموند: ١٤١/ ٢٠١٤م.
(١٦) السلوك: ١٩.
(١٧) وهناك روايات في الباب
نفسه من قبيل ما روي في: الإرشاد: ٣٦١، وبحار الأنوار ٥٢: ٢٧٥.
تكون
من الله تعالى للمؤمنين»، قلت: فما هي جعلني الله فداك؟ قال: «ذاك قول الله (عزَّ
وجلَّ): ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ يعني المؤمنين قبل
خروج القائم ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ
مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
[البقرة: ١٥٥]»، قال: «يبلوهم بشيء من الخوف من ملوك بني فلان في آخر سلطانهم،
والجوع بغلاء الأسعار، ونقص من الأموال بكساد التجارات وقلَّة الفضل، ونقص من
الأنفس بالموت الذريع، ونقص من الثمرات قلَّة ريع ما يُزرَع وقلَّة بركات الثمرات،
وبشِّر الصابرين عند ذلك بتعجيل خروج القائم»، ثمّ قال لي: «يا محمّد، هذا تأويله،
إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا
اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]»
(١٨).
فالابتلاء واضح هنا بكونه ستراتيجية لتصحيح السلوك، وتعتمد على (الفقدان لجزء ممَّا
هو موجود عند البشر) وهو فقدان في مصادر مهمَّة تَمَسُّ حياة البشرية:
- الخوف = يُربِك الأمن النفسي.
- الجوع = يُربِك الأمن الغذائي.
- الفقر = يُربِك الأمن الاقتصادي.
- القتل = يُربِك الأمن الاجتماعي.
كلُّ هذه (الضغوطات = الابتلاءات) جاءت لغاية مزدوجة بحسب حال البشرية التي انقسمت
على صنفين:
* صنف المنحرفين، وهم الكثرة.
* صنف المؤمنين، وهم القلَّة.
لذا جاءت هذه الطريقة في التربية لتحقيق:
- التنبيه على فضاعة ما يُمارَس من أعمال وهي موجَّهة إلى صنف المنحرفين؛ لتصحيح
مسارهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨) كمال الدين: ٦٤٩/ ح ٣، والغيبة للنعماني: ٢٥٠/ ح ٥.
-
التدريب على العيش وسط الأزمات وهي موجَّهة إلى صنف المؤمنين؛ للارتقاء بنفسيتهم
إلى أقصى ما يمكن.
فالابتلاء إذن ستراتيجية تربوية تعمل على توجيه الجماعة البشرية نحو إصلاح ما
أفسدوه؛ ليستعيدوا ما فقدوه.
٤- ستراتيجية التمحيص، وهي ستراتيجية تمييز؛ أي التمييز بين السلوكيات المرغوبة
وغير المرغوبة عن طريق ستراتيجية (النمذجة) المعبَّر عنها في الأدبيات الإسلاميَّة
ب (الأُسوة) والتي تحدَّثنا عنها في ستراتيجية سابقة.
ويحتاج المؤمن في ظلِّ هذه الاستراتيجية إلى طرائق متعدِّدة لحفظ نفسه من الزلل في
زمن الفتنة، ولعلَّ طريقة (ضبط الذات) مهمَّة جدّاً في تجاوز المؤمن لعقبات التمحيص
التي تُعَدُّ في الواقع مشاكل اقتصادية أو صحّية أو سواها ممَّا تثير اضطرابات
نفسية أو مشاكل تحتاج إلى دربة ومران على تجاوزها، وإعادة التوازن.
إذ يُعَدُّ أُسلوب (ضبط الذات) من الأساليب التي تُوفِّر الوقت والجهد على الفرد؛
لأنَّ الفرد نفسه هو المسؤول عن تطبيق الإجراءات التي تضبط سلوكه وتتحكَّم به، فهو
ينبع من رغبة الفرد الشخصية في مراقبة نفسه والتحكُّم بسلوكه
(١٩).
لذا نجد في الأحاديث والروايات التي تتحدَّث عن التمحيص أنَّها تربط النجاة بذات
الإنسان، كما في الحديث الوارد عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «أمَا والله
ليغيبنَّ إمامكم شيئاً من دهركم، ولتُمَحِّصَنَّ حتَّى يقال: مات، قُتِلَ، هلك
بأيِّ وادٍ سلك؟ ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين، ولتكفأنَّ كما تكفأ السفن في أمواج
البحر، فلا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيَّده بروح
منه...»
(٢٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وورد
عن الإمام الصادق (عليه السلام) حديث يُؤكِّد المضمون السابق، جاء فيه: «ويل لطغاة
العرب من شرٍّ قد اقترب»، قلت: جُعلت فداك كم مع القائم من العرب؟ قال: «شيء يسير»،
فقلت: والله إنَّ من يصف هذا الأمر منهم لكثير، فقال: «لا بدَّ للناس من أن
يُمحَّصوا، ويُميَّزوا، ويُغربَلوا، ويخرج في الغربال خلق كثير»
(٢١).
وتأتي ستراتيجية التمحيص وسيلة من وسائل تربية الإنسان، وتمرينه على تجاوز العقبات
التي تُعَدُّ بمثابة الاختبار المنجّي للطالب من نكسة الفشل، والمضيفة إليه المعارف
الجديدة التي تُمكِّنه من فهم الحياة بنحو أوضح، وتجعله قادراً على التعامل مع
رخائها وشدَّتها باتِّزان انفعالي سليم.
المبحث الثالث: محطَّة التنبّؤ بالسلوك
ويتحدَّد بثبات السلوك الإيجابي وتحقُّق التمحيص وتشكُّل الجماعة المصلحة (الأُمَّة المعدودة- التي جاء فيها: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (هود: ٨)- التي بحضورها يتحدَّد إطفاء السلوكيات غير المرغوب بها بمقاييس عددية- أي عدَّة الأصحاب والأنصار وهي (٣١٣) للقادة و(١٠٠٠٠) للجيش- كما في الرواية التي يذكرها الشيخ النعماني في غيبته التي جاء فيها: «إذا أُذِنَ للإمام دعا الله باسمه العبراني فأُتيحت له صحابته الثلاثمائة وثلاثة عشر قزع كقزع الخريف، فهم أصحاب الألوية، منهم من يُفقَد من فراشه ليلاً فيصبح بمكَّة، ومنهم من يُرى يسير في السحاب نهاراً، يُعرَف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه»، قلت: جُعلت فداك أيُّهم أعظم إيماناً؟ قال: «الذي يسير في السحاب نهاراً، وهم المفقودون، وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿...أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً ...﴾ [البقرة: ١٤٨]» (٢٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحيث
يكون اجتياز هذه الأُمَّة للطرائق المذكورة بنسبة معيارية مقدَّرة تقديراً
ربّانياً، تكون المكافأة الربّانية للبشرية جمعاء ببركة نجاحهم وتتمثَّل ب (الظهور
المبارك).
وقد عُبِّر عن هذه الأُمَّة المعدودة بتعابير أُخرى في روايات أهل البيت (عليهم
السلام) من قبيل (العصابة المرحومة) كما في الحديث الذي ورد عن الإمام الصادق (عليه
السلام) الذي جاء فيه: «من سرَّه أن يكون من أصحاب القائم، فلينتظر وليعمل بالورع
ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من
أدركه، فجدّوا وانتظروا!.. هنيئاً لكم أيَّتها العصابة المرحومة»
(٢٣).
إذ يُقدِّم لنا هذا الحديث المبارك ملخَّصاً مهمّاً لما نحن بصدد الختام في الحديث
عنه، أعني علم نفس الغيبة، إذ يُلخِّص الإمام (عليه السلام) هنا الآتي بيانه:
* قدَّم (التنبُّؤ بالسلوك) وهو الاستجابة للتعاقد السلوكي الذي عقده المولى جلَّت
قدرته والبشرية بأنَّ من يلتزم ببنود الاتِّفاق سيُرفَع عنه الحظر برؤية الإمام
(عليه السلام)، و(يُسِرُّ)- بحسب تعبير حديث الإمام الصادق (عليه السلام) المذكور
آنفاً- هو أمر طبيعي أن يُسِرَّ ويُفرِحَ كل من تُرفع عنه ضغوط العقاب ويُكرَّم على
اجتيازه سُنن الاختبار.
* تحصُّل ذلك التكريم والتفوّق بالاختبار حينما اجتاز ستراتيجيات (ضبط السلوك) التي
عبَّر عنها الحديث ب (فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات
وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدّوا وانتظروا)، فلولا
الانتظار والجدّ في العمل على تنفيذ بنود التعاقد السلوكيّ؛ لما استطاع الناجون أن
يُسرّوا برؤية الإمام (عليه السلام)، والتشرُّف بالخدمة بين يديه المباركتين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣) بحار الأنوار ٥٢: ١٤٠.
* بعد
كلِّ ذلك استطاعت مجموعة بشرية أن تنال ذلك المقام الشريف وبحسب الأعداد المذكورة
في الروايات المباركة؛ لتكون حقّاً (أُمَّة معدودة) امتازت- بحسب توصيف الحديث
المبارك- ب (المرحومة)؛ لأنَّها اجتازت عقبات التمحيص لتُرفَع عنها مصاعب العذاب.
فالإيمان بقضيَّة الإمام (عليه السلام) والانصياع لأوامر المعصوم تجعل الإنسان يسلك
سلوك المطمئن والواثق بما يُحقِّق (الطمأنينة النفسية) بعيداً عن الخوف والحزن
والقلق والإحباط والاكتئاب وغيرها.
والإيمانُ بالغيبة يجعل سلوكَ المؤمنين يأخذ بهم منحى المراقبة والمحاسبة والابتعاد
عن الأخطاء، على عكس الذي لا يؤمن بقضيَّة الغيبة فإنَّه يسلك منحى المتخبِّط الذي
لا يعرف طريقه، فيشعر بالخوف والاضطراب وفقدان الرغبة في الحياة.
النتائج والتوصيات:
* النتائج: نخلص من هَدْي ما تقدَّم إلى ما يمكن أن نفيده من هذه الأُطروحة
بالآتي بيانه:
١- قراءة الفكرة المهدوية من زوايا نظر مغايرة لزاوية النظر المطروحة، أعني
الروائية، أو التحليلية بلحاظ النصِّ، وهما زاويتا نظر مهمَّتان، ولكنَّهما ليستا
الوحيدتين؛ إذ يمكن طرح زوايا نظر مثرية للفكرة المهدوية بفتح آفاق جديدة للفهم أو
التفسير أو التأويل، ومن ضمنها ما حاولناه من وجهة نفسية.
٢- تقديم دلائل حجاجية للقارئ المفعم بالمباني الغربية متمثِّلة بفرضية: إمكانية
مقاربة الفكرة المهدوية في النظرية الإسلاميَّة بمنهجية تحليلية غربية؛ بما يُقدِّم
وثيقة طمأنة للموالي بأنَّ الفكرة مقبولة على أيِّ هَدْي منهجيٍّ، ووثيقة
إقناع
للمخالف بأنَّ الفكرة سليمة من حيث مبانيه التي لا تمتدُّ إلى النظرية الإسلاميَّة
من وجهة النظر الإماميَّة.
٣- تأطير الفكرة المهدوية بكلِّ أدبياتها بإطار معرفيٍّ جديد يتواءم مع الفهم
السائد للعقليات البشرية التي تؤمن باللغة العلمية أكثر من سواها؛ لاستقطاب الشرائح
البعيدة عن الحاضنة ذات اللغة الدينية، عبر مخاطبتهم بلغتهم التي يألفونها.
* التوصيات: إنَّ ما قدَّمناه محض افتراض لاجتراح منهجيٍّ علميٍّ جديدٍ، نأمل أن
يأخذ حيِّزه من النظر والتصويب؛ لذا نتمنّى على الباحثين العناية بالآتي بيانه:
١- رفد مفردات هذا المقترح الأوَّلي بالأدوات العلمية الكفيلة بتنضيجه وتحويله من
حيِّز النظرية إلى حيِّز التطبيق.
٢- السعي إلى تقديم دراسات تطبيقية تسهم في إثراء هذا المقترح بالبحث والدراسة.
١- القرآن الكريم.
٢- الإرشاد: الشيخ المفيد، تحقيق مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لتحقيق التراث، ط
٢، ١٩٩٣م.
٣- بحار الأنوار: العلَّامة المجلسي، طبعة إيران، تحقيق: الشيخ عبد الزهراء العلوي،
د.ط، ١٩٨٣م.
٤- تعديل السلوك الإنساني (النظرية والتطبيق): أحمد أبو السعد، دار المسيرة،
الأُردن، ٢٠١١م.
٥- تعديل السلوك (المبادئ والإجراءات): رايموند، ترجمة: فيصل الزرّاد، ومراد عليّ
عيسى سعد، دار الفكر، عمان، ٢٠١٤م.
٦- السلوك: فلاح حسن جمعة، دار الكفيل، العراق، ط ١، ٢٠١٧م.
٧- الغيبة: الشيخ النعماني، تحقيق: عليّ أكبر الغفاري، دار مدين، قم المقدَّسة،
د.ط، ١٤٢٦ه.
٨- الكافي: الشيخ الكليني، تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري، قم، ط ٥، ١٣٦٣ش.
٩- كمال الدين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق، قم، ط ٨، د.ت.
١٠- مدخل في علم النفس العامّ: د. عبد الأمير الشمسي، طبعة جامعة بغداد، ط ٢، د.ت.
١١- مدخل إلى علم النفس: عمّاد الزغول وعليّ الهنداوي، دار الكتاب الجامعي،
الإمارات، ط٨، ٢٠١٤م.
١٢- نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي، شركة الأعلمي، بيروت، ٢٠١٤م.
١٣- وسائل الشيعة: الحرّ العاملي، مؤسَّسة آل البيت لإحياء التراث، ط ٢، ١٤١٤ه.
حجاج الإمام (عليه السلام)
في توقيعاته سبيل لانتشار المذهب وتثبيت العقيدة
م. م ابتسام عبد الرحيم - كلية بغداد
بحث مشارك في مسابقة خاتم الأوصياء (عجّل الله فرجه) للإبداع الفكري وحاز على المركز الثالث
مقدّمة:
إنَّ للحجاج تقنيات وآليات من شأنها أن تؤدّي بالأذهان إلى التسليم لما يعرض
عليها من أُطروحات أو أن تزيد في درجة هذا التسليم
(١).
ميَّز (بيرلمان) بين مستويين من الحجاج بحسب الجمهور المتلقّي: أوَّلهما الحجاج
الإقناعي (argumentation persuasive)، وثانيهما الحجاج الاقتناعي (convincente
argumentation).
الأوَّل هدفه إقناع الجمهور الخاصِّ، إذ لا يتحقَّق الإقناع إلَّا بمخاطبة الخيال
والعاطفة، ومن ثَمَّ فهو يُضيِّق هامش فرصة العقل وحرّية الاختيار، أمَّا الثاني
الذي هو هدف الحجاج فهو يقوم على الحرّية والعقلنة
(٢).
وقد استعمل الحجَّة (عليه السلام) في التوقيعات تقنيات وآليات حجاجية جعلت خصمه
يقتنع لا أن يقنع فحسب، أي إنَّ حجاجه في التوقيعات كان من نوع الحجاج الاقتناعي لا
الاقناعي؛ لأنَّ الهدف من الحجاج في التوقيعات وفي كلِّ تراث أهل البيت (عليهم
السلام) هو مخاطبة العقل وترك فرصة الاختيار الصحيح للمتلقّي.
ولتوقيعات الإمام المهدي (عليه السلام) من القوَّة والأثر في نفوس الناس ما جعلها
حجَّة يُسلِّم لها المخاطبون بالإذعان، فعند ارتداد الشلمغاني الذي كان له جاه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)
يُنظَر: الحجاج أُطروحته ومنطلقاته، بحث ضمن أهمّ نظريات الحجاج: ٢٩٩.
(٢)
يُنظَر: مفهوم الحجاج عند بيرلمان، بحث ضمن الحجاج مفهومه ومجالاته ١: ٥٠٠.
ومنزلة علمية استغلَّها في الكفر ورواية الأكاذيب التي صدَّقتها العامَّة، كتب سفير
الإمام المهدي (عليه السلام) أبو القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) إلى كلِّ من
يعرفه بضـرورة لعن الشلمغاني والبراءة منه وممَّن تولّاه ورضي بقوله؛ لكنَّه لم
ينجح في صرف الناس عنه، حتَّى جاء توقيع الإمام المهدي (عليه السلام) سنة (٣١٢هـ)
الذي يقول فيه: «إنَّ محمّد بن عليٍّ المعروف بالشلمغاني وهو ممَّن عجَّل الله له
النقمة ولا أمهله قد ارتدَّ عن الإسلام وفارقه وألحد في دين الله، وادَّعى ما كفر
معه بالخالق جلَّ وتعالى، وافترى كذباً وزوراً، وقال بهتاناً وإثماً عظيماً، كذب
العادلون بالله وضلّوا ضلالاً بعيداً، وخسروا خسراناً مبيناً.
وإنَّنا قد برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله وآله صلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته
عليهم بمنِّه، ولعنّاه عليه لعائن الله في الظاهر منّا والباطن، في السـرِّ والجهر،
وفي كلِّ وقتٍ وعلى كلِّ حالٍ، وعلى من شايعه وتابعه أو بلغه هذا القول منّا وأقام
على تولّيه بعده»
(٣).
وعلى الرغم من صدور هذا التوقيع في وقت كان ابن روح (رضي الله عنه) في السجن؛
لكنَّه أنفذه من السجن في دار المقتدر إلى أحد أصحابه، فاشتهر حتَّى لم يبقَ أحد
إلَّا اجتمع على لعن الشلمغاني والبراءة منه
(٤)، وهذا من تأثيره
وتسديده الإلهي. فإذا كان الإمام (عليه السلام) قد اعتمد على آليات وتقنيات حجاجية
ناجحة نعرف ما لنصوص هذه التوقيعات من أثر في استمالة القلوب وإذعان الأفهام، يقول
السيِّد محمّد محمّد صادق الصدر: (إنَّ توقيعات الإمام (عليه السلام) وموقف سفرائه
كان قويّاً فعّالاً في التأثير على الجماعة الموالية، بحيث لم يبقَ لهؤلاء
المزوِّرين باقية يمكن أن تصلح سنداً للدولة حتَّى لو أرادت استخدامها)
(٥).
الحجج السُلَّمية في توقيعات الإمام الحجَّة
(عليه السلام):
إنَّ الحجج ليست مطلقة ولا تتساوى، بل تتدرَّج في القوَّة والضعف
(٦)
وتتابُعُ الحجج يكوِّن سُلَّماً حجاجياً، فكلُّ حجة لها قوَّة معيَّنة وتحتلُّ
مرتبة من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣)
مكاتيب الأئمَّة (مكاتيب الإمام أبي القاسم المهدي) ٧: ٢١٢ و٢١٣، موسوعة التوقيعات:
١٩.
(٤)
يُنظَر: الغيبة: ٢٥٢ - ٢٥٤، تاريخ الغيبة الصغرى: ٥١٨.
(٥)
الغيبة الصغرى: ٥٣٧.
(٦)
يُنظَر: بلاغة الإقناع في المناظرة: ١٢.
(٧)
يُنظَر: بلاغة الإقناع في المناظرة: ١٠٣.
المراتب الحجاجية، فهناك الحجج القويَّة والحجج الأقوى
(٧)، فالسُّلَّم الحجاجي هو
علاقة ترتيبية للحجج
(٨).
وقد مثَّل (ديكرو) السُّلَّم الحجاجي بالترسيمة الآتية:
@٠٠٤
فـ
(ح٢) ترمز للحجَّة الأقوى، و(ح١) ترمز للحجَّة الأضعف، ويحدُّ طه عبد الرحمن
السُّلَّم الحجاجي، بقوله: (مجموعة غير فارغة من الأقوال مزوَّدة بعلاقة ترتيبية
مستوفية للشرطين الآتيين
(٩):
١- إنَّ كلَّ قول يقع في مرتبة ما من السُّلَّم يلزم عنه ما يقع تحته، بحيث تلزم من
القول في الطرف الأعلى جميع الأقوال الأُخرى.
٢ - إنَّ كلَّ قول في مكان السُّلَّم دليلٌ على مدلول معيَّن، فكلُّ ما يعلوه مرتبة
دليل أقوى عليه.
وله قوانين أهمّها
(١٠):
١ - قانون الخفض.
٢ - قانون القلب.
ولو راجعنا توقيعات الحجَّة (عليه السلام) لوجدنا النهج السُّلَّمي في تتابع الحجج
بيِّناً واضحاً؛ إذ ارتكزت التوقيعات المهدوية على أساسيات يتسلسل فيها إيراد
الحجَّة التي تُسكِت الخصم وتُثبِت العقيدة وتنتهج للموالين طريقاً في الحجاج سيكون
علامة مميَّزة لأُسلوب أهل البيت (عليهم السلام) مع خصومهم. ويمكننا توضيح ذلك
بالآتي:
١-١ حجج الإمام المهدي (عليه السلام) في ردِّ
إمامة عمِّه جعفر:
كان أحمد بن إسحاق قد أدرج كتاب جعفر المتضمِّن ادِّعاءه الإمامة في كتابه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨)
يُنظَر: اللغة والحجاج: ٨٨.
(٩)
يُنظَر: في أُصول الحوار وتجديد علم الكلام: ١٠٤ و١٠٥، استيراتيجيات الخطاب: ٥٠٠،
بلاغة الإقناع في المناظرة: ١٠١ و١٠٢.
(١٠) في بلاغة الخطاب
الإقناعي: ١٠٨.
إلى
الحجَّة (عليه السلام) طالباً منه المشورة والردّ عليه، فكتب الحجَّة (عليه السلام)
توقيعاً لأحمد بن إسحاق جاء فيه تبيين لمنزلة الأئمَّة (عليهم السلام)، وتكذيب
لجعفر في تدرُّج منهجي في إيراد الحجج التي تردُّ دعوى إمامة جعفر. فيبدأ الإمام
(عليه السلام) بقوله: «أتاني كتابك أبقاك الله، والكتاب الذي أنفذته دُرجَه، وأحاطت
معرفتي بجميع ما تضمَّنه على اختلاف ألفاظه، وتكرُّر الخطأ فيه، ولو تدبَّرته لوقفت
على بعض ما وقفت عليه منه...»
(١١).
فالحجَّة الأُولى التي يُكذَّب بها عمّه جعفراً في ادِّعائه الإمامة هي ثبوت الخطأ
في كتابه، فالإمام (عليه السلام) يلفت أذهان الموالين إلى أنَّ من لا يملك السيطرة
على قواعد العربية كيف له أن يسيطر على قيادة الأُمَّة؟ فالأساس في الإمامة هي
قيادة الأُمَّة دينياً وعقائدياً، وهذا إنَّما يتمُّ بمعرفة القرآن وتفسير آياته،
ومن مقدّمات هذا العلم معرفة قواعد اللغة العربية، فالذي يفقد المقدّمات لا يُحصِّل
معالي الأُمور، وهذا نقض لادِّعائه الإمامة من أهون سبلها؛ وإذا كان الأمر كذلك فلا
مناص من القول: «إنَّه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب إليه ولا عليك ولا على أحد
من الخلق إمامة مفترضة ولا طاعة ولا ذمَّة»
(١٢)، فقد نفى (عليه
السلام) عن عمِّه الإمامة تماماً بهذه الحجَّة.
وبعد عطفه على ذكر الأنبياء (عليهم السلام) وأنَّهم مفترضو الطاعة بسبب ما آتاهم
الله تعالى من «الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة والآيات الغالبة»
(١٣) لتكون عوناً للناس على
معرفة «الحجَّة من المحجوج والإمام من المأموم»
(١٤)
وذلك «بما آتاهم الله من أسماع وأبصار وقلوب وألباب»(١٥).
أورد الحجج الأُخرى التي ترتَّبت بعد الحجَّة الأُولى لنفي إمامة عمِّه جعفر، فيقول
(عليه السلام): «وقد ادَّعى هذا المبطل المفتري على الله الكذب بما ادَّعاه، فلا
أدري بأيَّة حالة هي له رجاء أن يتمَّ دعواه، أفقه في دين الله؟ فوَالله ما يعرف
حلالاً من حرام، ولا يُفرِّق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١١، موسوعة التوقيعات: ١٩.
(١٢) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١١، موسوعة التوقيعات: ١٩ و٢٠.
(١٣) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١١، موسوعة التوقيعات: ٢٠.
(١٤) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١١، موسوعة التوقيعات: ٢١.
(١٥) مكاتيب الأئمَّة ٧: ١٢
و١٣، موسوعة التوقيعات: ٢١.
بين
خطأ وصواب، أم بعلم؟ فما يعلم حقّاً من باطل، ولا محكماً من متشابه، ولا يعرف حدَّ
الصلاة ووقتها، أم بورع؟ فالله شهيد على تركه الصلاة الفرض أربعين يوماً، يزعم ذلك
لطلب الشعوذة، ولعلَّ خبره قد تأدّى إليكم، وهاتيك ظروف مُسكِرِه منصوبةٌ، وآثارُ
عصيانه لله (عزَّ وجلَّ) مشهورة قائمة... وقد أبى الله (عزَّ وجلَّ) أن تكون
الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين»
(١٦).
فالحجَّة الثانية في نفي إمامة جعفر هي (عدم تفقُّهه في الدين)، الفقه في دين الله
تعالى، فبدأ بالعامِّ الذي بمقدور أيِّ فردٍ إحرازه ألَا وهو التفقُّه في الدين،
ومعرفة الحلال من الحرام، فإذا عجز عن إحراز هذه المقدّمة فالعجز عن إحراز ما هو
أبعد منها أبلغ.
والحجَّة الثالثة هي (عدم العلم) وأوَّل العلم معرفة الحقِّ من الباطل، وقد أثبت
الإمام عليٌّ (عليه السلام) قاعدة معرفة الحقِّ، بقوله: «اعر ف الحقَّ تعرف أهله»
(١٧).
أي إنَّ معرفة الناس منوطة بمعرفة الحقِّ، وهذه إشارة للأُمَّة لمعرفة بطلان
ادِّعاء جعفر للإمامة، فلو عرفت الأُمَّة الحقَّ لعرفت أنَّ جعفراً ليس من أهله
لأنَّه لا يعرف الحقَّ من الباطل لذا ادَّعى الإمامة بعد أخيه.
والقاعدة الثانية للعلم هي معرفة المحكم من المتشابه، وفيها خصوصية أكثر من معرفة
الحقِّ والباطل، فلكلِّ أمر محكم متشابه يعرفه الإنسان بشـيء من الفقه وبشـيء من
العلم، ويذكر الإمام (عليه السلام) أمراً واضحاً وضوح الشمس يعرفه كلُّ مسلم ألَا
هو حدُّ الصلاة ووقتها لأنَّها عمود الدين، والتي إن قُبِلَت قُبِلَ ما سواها،
وجعفر جاهل بعمود الدين، فكيف يمكن أن يكون إماماً يقود الأُمَّة باسم الدين؟
والحجَّة الرابعة للمهدي (عليه السلام) التي تنقض إمامة جعفر هي عدم الورع الذي لا
يتحقَّق إلَّا بالعلم والفقه في دين الله تعالى فهو أعلى مرتبةً منهما، وعند نفيه
للورع عن عمِّه يذكر تركه لصلاة الفريضة أربعين يوماً، وتلك حجَّة واقعة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١٣، موسوعة التوقيعات: ٢١.
(١٧) نهج البلاغة/ محمّد
عبده ١: ٢٠٠.
يعرفها
أحمد بن إسحاق وغيره عن جعفر الذي ترك الصلاة لطلب الشعوذة، يقول الإمام (عليه
السلام): «ولعلَّ خبره قد تأدّى إليكم»، فهو لا يتورَّع عن انتهاك حرمات الله، فكيف
يكون إماماً للأُمَّة؟ وفي ذلك نفي للتقوى ضمناً، يقول تعالى: ﴿وَإِنَّها
لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ (البقرة: ٤٥)
(١٨).
ولعلَّ ذكر تركه للصلاة وهي عمود الدين تنويه إلى أنَّه ليس هو من صلّى على الإمام
العسكري (عليه السلام) عند وفاته، لأنَّ الصلاة على الإمام المتوفّى بمثابة حقٍّ
مكتسب بالإمامة والحصول على (سابقة قانونية) يمكن أن ينطلق منها جعفر للتغرير
بجماهير الموالين. يقف جعفر للصلاة على الإمام العسكري (عليه السلام) مع جماعة من
شيعته، فإذا بصبي يجذب رداء جعفر ويقول له: «تأخَّر يا عمّ أنا أحقّ بالصلاة على
أبي»
(١٩).
ويُصلّي الصبي على الإمام العسكري (عليه السلام).
لقد أظهر الإمام (عليه السلام) وجوده وأعلنه على الملأ بضمنهم عمّه، فأفسد بذلك
عليه الأمر أمام خاصَّة أبيه (عليه السلام) وقادة الأُمَّة.
أثبت التوقيع أنَّ للإمام (عليه السلام) ثلاث خصال يجب أن تكون متوطِّنة فيمن يقود
الأُمَّة بعد معرفة العربية وإتقانها، هي: الفقه والعلم والورع، فبدأ من العامِّ
والذي بمقدور أيِّ أحد إحرازه ألَا وهو معرفة اللغة العربية والفقه، ثمّ إلى
الخاصِّ وهو العلم، ومن ثَمَّ إلى الأخصّ وهو الورع، وجعل (عليه السلام) عصمة
الأنبياء والأئمَّة ثمّ الأمثل فالأمثل الفيصل في معرفة الأُمَّة للإمام الحقِّ من
غيره ببيان جليٍّ يظهر للعامَّة من الناس، كما أنَّ الأخطاء الإملائية تظهر لمن هو
ملمٌّ بقواعد العربية.
ويختم (عليه السلام) حجاجه في نفي إمامة عمِّه جعفر بأمر قاطع كان يمكن أن ينسف به
وحده إمامة جعفر من أساسها بنصٍّ تعبّدي لا يمكن نقضه، وكان على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صاحب
العلم والفقه والورع أن يعرفه، وهو: «وقد أبى الله أن تكون الإمامة في أخوين بعد
الحسن والحسين»
(٢٠)، ولكن الإمام الحجَّة
(عليه السلام) أخَّر هذه الحجَّة وهي الأقوى مؤثِراً التدرُّج العقلي، قاصداً
الأفهام والعقول في ردِّ دعوى عمِّه ونفيها، فأبطلها عنه بما لا مزيد عليه.
وآخر حجاج الإمام كان الدعاء الذي هو سلاح المؤمن وصلته بربِّه، فيذكر فيه أنَّ
اضمحلال الباطل وانحساره عن الموالين سيكون بإذن الله، وأنَّ إعلان أمره وإنهاء
غيبته وظهوره لا يتمُّ إلَّا بتمسُّك الموالين بأهل البيت واستبسالهم في الدفاع
عنهم والذبِّ عن الدين ضدَّ المغرضين ومدَّعي الإمامة بغير حقٍّ، وكلُّ ذلك توعية
للأُمَّة وترسيخاً لمذهب أهل البيت القائم على حجج قويَّة لا تُرَدُّ.
ممَّا تقدَّم يمكننا القول: إنَّ الحجج في ردِّ الإمام المهدي (عليه السلام) على
كتاب أحمد بن إسحاق في مسألة إمامة عمِّه جعفر قد ترتَّبت ترتيباً سُلَّمياً لتعليم
الموالين للإمام وشيعته طرائق تمحيص الأدلَّة وبيان الحجج التي تجعل من الموالي
متثبِّتاً من عقيدته منافحاً عنها واثقاً من مقالته في الدفاع عنها.
ويمكن بيان سُلَّمية الحجج المهدوية في نفي إمامة عمِّه جعفر بالترسيمة الآتية:
@٠٠٥
(ن) ترمز إلى النتيجة، و(ح) إلى الحجَّة يقابلها رقم ترتيبها في السُّلَّم الحجاجي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) الكافي ١: ٢٨٥.
الذي كلُّ حجَّة في درجة من درجات السُّلَّم تكون الحجَّة التي تعلوها درجة أقوى
منها.
فكلُّ حجَّة ذكرها الإمام تُؤكِّد ما قبلها بدءاً من أدناها مرتبةً، وهي معرفة
الإمام لعلم العربية مروراً بالفقه والعلم وصولاً إلى أعلاها مرتبةً وهو الورع وهو
الحجَّة الأقوى في ردِّ إمامة جعفر، والحقُّ أنَّ هذه الحجج لا غنى لإحداها عن
الأُخرى، فنفي إحداها هو نفي لمقتضـي الإمامة، فيكون كلُ دليلٍ (يستلزم منطقياً ما
يقع تحته من أدلَّة)
(٢١).
ولكي نُدرِك قيمة إيراد الحجج بالشكل الذي جاء بها الإمام في توقيعه المذكور نعرض
بالتفصيل التمثيل لقوانين السلالم الحجاجية وأوَّلها قانون الخفض، والمراد به
(أنَّه إذا صدق القول في مراتب معيَّنة من السُّلَّم فإنَّ نقيضه يصدق في مراتب
المراتب التي تقع تحتها)
(٢٢).
فمثلاً لو كان جعفر عمُّ الإمام الحجَّة (عليه السلام) إماماً ورعاً لصدق عليه كونه
عالماً فقيهاً متمكِّناً من العربية وهي الحجج الأدنى في ترتيب السُّلَّم الحجاجي،
وبعبارة أُخرى لو استلزم المعنى أنَّ جعفراً غير ورع، فإنَّ الخطاب يستلزم المعنى
بأنَّ جعفراً غير ذي علم ولا فقه ولا دراية بالعربية.
إنَّ نفي أيِّ درجة أو دليل في السُّلَّم لا يستلزم نفي المرتبة التي تدنوه، وهذا
هو القانون الثاني، ويُسمّيه طه عبد الرحمن قانون القلب، وهو: (إذا كان أحد القولين
أقوى من الآخر في التدليل على مدلول معيَّن، فإنَّ نقيض الثاني أقوى من الآخر في
التدليل على نقيض المدلول)
(٢٣)، فعدم ورع جعفر قد لا
ينفي علمه وفقهه وعلمه بالعربية، فإذا صرنا إلى نفي علم جعفر بالعربية وصلنا إلى
دلالة أقوى على عدم إمامته للأُمَّة.
والحقُّ أنَّ أبرز الصفات التي يُثبِتها المهدي (عليه السلام) للإمام هي العصمة،
وتأتي العصمة بمعرفة الحلال والحرام والمحكم والمتشابه والحقِّ من الباطل الذي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) استيراتيجيات الخطاب:
٥٠٣.
(٢٢) اللسان والميزان
والتكوثر العقلي: ٢٧٧.
(٢٣) اللسان والميزان
والتكوثر العقلي: ٢٧٨.
لا يكون إلَّا بالتفقُّه بالدين. وقد جاءت الرسالة المحمّدية بلسان عربي مبين،
فيستلزم ذلك أن يكون الإمام عارفاً بالعربية، فنفي هذه المعرفة عن جعفر كافٍ لمعرفة
أنَّه ليس بإمام للأُمَّة؛ ولكن توقيع الإمام موجَّه إلى أُناس متباينين في الفهم
والإدراك، فبدأ بالحجَّة الأضعف لمن كان إيمانه أقوى وانتهى بالأقوى لمن كان إيمانه
أضعف. فأوَّل ما يجب على الإمام معرفته هي العربية، فإذا انتفت هذه المعرفة إذن
انتفت الإمامة عند من ألقى السمع وهو شهيد، وانتهى بمن لا يعتمد على لبِّه في إدراك
الحقائق ويبقى متعبِّداً بالنصِّ، فجاء له بحجَّة تُلقِمه حجراً، وهو الحديث القائل
بعدم اجتماع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام).
١-٢ الاحتجاج بالعصمة في ردِّ إمامة جعفر:
ذكر المهدي (عليه السلام) الأخطاء اللغوية التي وردت في كتاب عمِّه جعفر ليُسقِط
شبهة أنَّه معصوم، وبالتالي أن يكون هو الإمام بعد أخيه، فيكون بذلك قد قوَّض موضوع
ادِّعائه الإمامة من الأساس، ونَقْضُ الأساس يكون الأصعب دائماً.
إنَّ المعصوم يكون معصوماً في كلِّ شيء، وهو معصوم أيضاً من الأخطاء اللغوية
والنحوية. وهذا الاستدلال بالمنطق هو انتفاء الادِّعاء لانتفاء الموضوع. فحيث إنَّ
هناك اختلافاً في ألفاظ الكتاب وتكراراً للخطأ فيه فقد انتفت العصمة: «أتاني كتابك
أبقاك الله، والكتاب الذي أنفذته دُرجَه، وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمَّنه على
اختلاف ألفاظه، وتكرُّر الخطأ فيه، ولو تدبَّرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه
منه....»، وبذلك يصبح الكتاب غير ذي قيمة. وحيث إنَّ الأمر كذلك فإنَّه «لم يجعل
لصاحب الكتاب على المكتوب إليه ولا عليك ولا على أحد من الخلق جميعاً إمامة مفترضة
ولا طاعة ولا ذمَّة»
(٢٤).
ذكر المهدي (عليه السلام) أوَّل ما ذكر أمر الخلق فقال: «إنَّ الله تعالى لم يخلق
الخلق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) مكاتيب الأئمَّة ٧: ١١، موسوعة التوقيعات: ١٩.
عبثاً، ولا أهملهم سدى، بل خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً وقلوباً
وألباباً»
(٢٥).
فجعل الضابطة الأُولى لمعرفة الحقِّ من الباطل عند الإنسان نفسه، ﴿إِنَّ
السَّمْعَ وَالْبَصَـرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾
(الإسراء: ٣٦). وحيث إنَّ الناس متفاوتون باستخدام هذه الضابطة في معرفة الحقِّ فقد
بعث إليهم الأنبياء: «ثمّ بعث النبيِّين (عليهم السلام) مبشِّـرين ومنذرين،
يأمرونهم بطاعته وينهونهم عن معصيته، ويُعرِّفونه ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم،
وأنزل عليهم كتاباً وبعث إليهم ملائكة، وباين بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل
الذي جعله لهم عليهم، وما آتاهم الله من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة،
والآيات الغالبة»
(٢٦). فكلُّ نبيٍّ جاء
بدليل وبرهان وآية. وهذا ما سيطالب الإمامُ عمَّه جعفراً بإظهاره.
يورد الإمام (عليه السلام) بعدها أربعةً من الأنبياء قبل النبيِّ محمّد (صلّى الله
عليهم وآله)، ثلاثة منهم من أُولي العزم، وهم: إبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام)،
وثمّ يذكر سليمان (عليه السلام): «فمنهم: من جعل النار عليه برداً وسلاماً واتَّخذه
خليلاً، ومنهم: من كلَّمه تكليماً وجعل عصاه ثعباناً مبيناً، ومنهم: من أحيى الموتى
بإذن الله وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، ومنهم: من علَّمه منطق الطير وأُوتي من
كلِّ شيء. ثمّ بعث محمّدا رحمةً للعالمين، وتمَّم به نعمته، وختم به أنبياءه،
وأرسله إلى الناس كافَّة، وأظهر من صدقه ما أظهر، وبيَّن من آياته وعلاماته ما
بيَّن»
(٢٧).
إنَّ الذي يجمع هؤلاء الأنبياء الأربعة هو ارتباطهم بالكلمة.
فمن خلال الكلمة صار عند إبراهيم ولاية كونية اكتسبها من اختباره بالكلمة: ﴿وَإِذِ
ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ
لِلنَّاسِ إِماماً﴾ (البقرة: ١٢٤)، فكان الابتلاء بالكلمات هو اختباره
الحقيقي.
أمَّا نبيُّ الله موسى (عليه السلام) فقد كلَّمه الله تكليماً، وجعل عصاه ثعباناً
مبيناً،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١١، موسوعة التوقيعات: ٢٠.
(٢٦) المصدر نفسه.
(٢٧) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١١، موسوعة التوقيعات: ٢٠.
فموسى كليم الله دون واسطة، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا
بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾
(البقرة: ٢٥٣).
وعيسى بن مريم كان (كلمة من كلمات الله أظهرها الله تعالى في هيكل بشـري)
(٢٨)، ﴿إِنَّمَا
الْمَسِيحُ عِيسَـى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى
مَرْيَمَ﴾ (النساء: ١٧١).
ويُؤخِّر الإمام المهدي (عليه السلام) ذكر النبيِّ سليمان مع أنَّ مكانه حسب
التسلسل الزمني بعد النبيِّ موسى: «ومنهم من علَّمه منطق الطير وأُوتي من كلِّ شيء»
(٢٩).
ذكر (عزَّ وجلَّ) لسليمان معرفته بلغة الطير، فالكلام هنا ليس كلام الله تعالى
وإنَّما هو كلام أرضي دنيوي.
١-٣ الحجاج بابتلاءات الأنبياء (عليهم
السلام):
إنَّ الجامع لهؤلاء الأنبياء الذين أوردهم المهدي (عليه السلام) هي لغة الحوار مع
الله (عزَّ وجلَّ) ومع أقوامهم. ورُتِّب منزلتهم من حيث ارتباطهم بالكلمات من حيث
هي محطُّ ابتلائهم وترتيب منزلتهم إلَّا أنَّ الإمام أورد أمراً آخر من معاجزهم
التي أظهرها الله تعالى عند إعراض أقوامهم عن دعوة التوحيد.
وهو بذلك يذكر الابتلاء الأقلّ ولا يُصرِّح بالابتلاء الأقوى ألَا وهو الكلمات.
هناك توازن في اختيار الآية المعجزة التي جاء بها النبيُّ إبراهيم والنبيُّ موسى
(عليه السلام) إلى قوميهما، فعن النبيِّ إبراهيم (عليه السلام) يقول: «فمنهم من جعل
النار عليه برداً وسلاماً واتَّخذه خليلاً»، ثمّ يذكر النبيَّ موسى (عليه السلام):
«ومنهم من كلَّمه تكليماً وجعل عصاه ثعباناً مبيناً»
(٣٠). وكلتاهما كانتا على
أعين الناس.
وعند ذكر النبيِّ عيسى (عليه السلام) لم يذكر معجزة أنَّه وُلِدَ من غير أبٍ
وإنَّما: «ومنهم من أحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله»
(٣١)، هنا أيضاً ذَكَرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨) موسوعة الكلمة/كلمة
المهدي: ٩٦.
(٢٩) موسوعة الكلمة/كلمة
المهدي: ٢١٨.
(٣٠) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١١، موسوعة التوقيعات: ٢٠، وانظر أيضاً: كلمة المهدي: ٢١٨.
(٣١) المصدر نفسه.
للنبيِّ عيسى (عليه السلام) الآية التي لها علاقة بالناس وإن كان لعدد محدود منهم.
وأخيراً يذكر للنبيِّ سليمان (عليه السلام): «ومنهم من علَّمه منطق الطير وأُوتي من
كلِّ شيء»
(٣٢)، فالطيور تتحرَّك مع
جيش سليمان من حيث هي سحابة تظلُّ الجيش وتُرهِب الناس.
لقد اختار الإمام (عليه السلام) من معاجز هؤلاء الأنبياء ما له علاقة بجمهور الحضور
لبيان الأدلَّة على دعوتهم لأنَّه (عليه السلام) سيطالب عمَّه بآية كما هو شأن كلِّ
أصحاب الدعوات الحقَّة.
ففي حالة النبيِّ إبراهيم كانت هناك دعوة للناس كافَّة لحضور مشهد حرق النبيِّ
إبراهيم (عليه السلام)، وقد بنوا المنجنيق الكبير كي يراه الناس وهو يُرمى في النار
ما يدلُّ على كثرة الحضور: ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً
فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ (الصافات: ٩٧).
أمَّا النبيُّ موسى (عليه السلام) فقد شهد معجزته من حضـر يوم الزينة: ﴿قالَ
مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَـرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ (طه: ٥٩)،
فيرى معجزته من حضـر في ذلك اليوم. فمهما اتَّسعت الدائرة التي حدثت بها المعجزة
تبقى أقلّ من دائرة النبيِّ إبراهيم (عليه السلام)، لأنَّ المَلِك أراد أن يجعل منه
عبرة بقتله حرقاً على رؤوس الأشهاد: ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ
عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ (الأنبياء: ٦١). أمَّا
موسى (عليه السلام) فقد أراد المَلِك أن يُهوِّن دعوته ويُقلِّل من شأنها: ﴿فَأَرْسَلَ
فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ * إِنَّ هؤُلاءِ لَشِـرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾
(الشعراء: ٥٣ و٥٤)، فكانت الدعوة للسحرة وليس للناس كافَّة: ﴿قالُوا
أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ
ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (الشعراء: ٣٦ و٣٧). وإنَّ النبيَّ موسى (عليه السلام) هو
الذي طلب حضور الناس: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ
وَأَنْ يُحْشَـرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ (طه: ٥٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢) مكاتيب الأئمَّة ٧: ١١، موسوعة التوقيعات: ٢٠، وانظر أيضاً: كلمة المهدي: ٢١٩.
ويقلُّ الحضور مع النبيِّ عيسى (عليه السلام)، إذ كان يتنقَّل في البلاد فيجتمع
إليه أصحاب العاهات والزِّمانات فيشفيهم. فتكون المعجزة أمام من حضـر من أهالي تلك
المناطق التي يصلها وهم بالتأكيد أقلّ ممَّن اجتمع لرؤية حرق إبراهيم أو الذين
حضروا يوم الزينة.
نصل أخيراً إلى النبيِّ سليمان (عليه السلام) الذي كانت آيته إخضاعية وليست
إعلامية. لقد أخضع سليمان الجنَّ والشياطين بإذن الله تعالى بالقوَّة والسطوة: ﴿وَمِنَ
الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ
عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (سبأ: ١٢). حتَّى دعوته
لبلقيس وقومها كانت بلهجة: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ
لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ﴾
(النمل: ٣٧). فاعتمد السلطة المطلقة في دعوته من أوَّل أمره إلى وفاته على خلاف
الأنبياء الثلاثة أُولي العزم آنفي الذكر الذين اعتمدوا سبيل إيراد الحجج
الاقتناعية وليس الإقناعية كسليمان (عليه السلام).
وهكذا تدرَّج الأنبياء في معاجزهم من الأقوى تأثيراً إلى الأضعف من ناحية الاقتناع
العقلي الذي يتطلَّب الحوار مع الناس وسوق الأدلَّة العقلية التي تزعزع قناعات
الناس المتوارثة عن الأسلاف وتصنع لنفسها انفراجة تدخل منها الحجَّة العقلية
ليختارها الناس في فسحة الحرّية الممكنة.
لقد استخدم الإمام المهدي (عليه السلام) في مثاله للأنبياء قانون القلب في السلالم
الحجاجية، فبدأ من الأقوى إلى الأضعف. بدءاً من إبراهيم (عليه السلام) الذي حاجَّ
المَلِك، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (البقرة: ٢٥٨)،
وحاجَّ أباه (عمَّه) آزر: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾
(مريم: ٤٧)، ثمّ عبدة الأصنام من قومه بتفصيل وهو يرى النجم والقمر والشمس ويعرض عن
عبادتها لأنَّها تأفل.
وحين اتَّهم كبير الأصنام بتكسير الأصنام أوصلهم إلى أنْ يُدرِكوا استحالة ذلك: ﴿قالُوا
أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ * قالَ بَلْ فَعَلَهُ
كَبِيرُهُمْ
هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾
(الأنبياء: ٦٢ و٦٣)، حتَّى قرَّر المَلِك قتله حرقاً.
ومثلما كانت حجج النبيِّ إبراهيم (عليه السلام) لقومه اقتناعية كذلك كانت حجج
الإمام المهدي (عليه السلام) قائمة على الحجَّة العقلية للوصول إلى الطريق الصحيح.
ويظهر من اختيار الإمام الحجَّة (عليه السلام) لهذا الأُسلوب أنَّ جمهور المتلقِّين
لتوقيعه كانوا على مستوى من العلم والثقافة بحيث يبقى هذا الحجاج على مرِّ الزمن
لأنَّه قائم على الحجج العقلية، وهذه الطريقة ضرورية لتثبيت المذهب واستمراره وسط
تعدُّد المذاهب وانتشار الفِرَق الضالَّة، وكلٌّ يدَّعي أنَّه الفرقة الناجية.
إنَّ الغاية من السفارة والتوقيعات هو أن يستمرَّ المذهب بعد الغياب الكامل للحجَّة
بشخصه عن قواعده الشعبية، فأرسى (عليه السلام) قواعد عقلية ومنطقية للحِجاج من أجل
معرفة الحقِّ من الباطل.
وختم تعالى أنبياءه بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأرسله إلى الناس كافَّة،
وجعل معجزته القرآن الذي هو كلام الله الذي ﴿لا يَأْتِيهِ
الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
(فُصِّلت: ٤٢)، وهي معجزة قائمة إلى قيام الساعة لكلِّ عصر وزمان.
بعد هذه المقدّمة في ذكر الأنبياء ومعاجزهم يعطف (عليه السلام) إلى ذكر الأوصياء:
«ثمّ قبضه (صلى الله عليه وآله وسلم) حميداً فقيداً سعيداً، وجعل الأمر من بعده إلى
أخيه وابن عمِّه ووصيِّه ووارثه عليِّ بن أبي طالب، ثمّ إلى الأوصياء من ولده
واحداً بعد واحد، أحيى بهم دينه، وأتمَّ بهم نوره، وجعل بينهم وبين إخوتهم وبني
عمِّهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقاً بيِّناً، تُعرَف به الحجَّة من
المحجوج، والإمام من المأموم».
فذكر أربع خصال لهم فرَّقتهم عن باقي الناس بأنْ: «عصمهم من الذنوب، وبرَّأهم من
العيوب، وطهَّرهم من الدنس، ونزَّههم من اللبس»
(٣٣).
وذنوب جعفر وعيوبه وعدم طهارته من الدنس وعدم تنزُّهه من اللبس ممَّا هو ظاهر
للأُمَّة نجده في قول أبي الأديان حين قالوا له: إنَّ جعفراً هو الإمام بعد أخيه:
(إنْ يكن هذا الإمام فقد حالت الإمامة)
(٣٤).
وأخيراً جعل الله تعالى هذا الأمر إلى الأوصياء من ولد الإمام عليٍّ (عليه السلام):
«وجعلهم خزّان علمه، ومستودع حكمته، وموضع سرِّه، وأيَّدهم بالدلائل، ولولا ذلك
لكان الناس على سواء، ولادَّعى أمر الله (عزَّ وجلَّ) كلُّ أحد، ولما عُرِفَ الحقُّ
من الباطل، ولا العلم من الجهل»
(٣٥).
فهنا جعل الإمام بجعل الله من الأئمَّة الضابطة في معرفة الحقِّ من الباطل والعلم
من الجهل لأنَّهم: «خزّان علمه، ومستودع حكمته، وموضع سرِّه»، ليُميِّزهم عن باقي
الناس، وحتَّى يحفظ الله هذا الأمر على أهله فلا يدَّعيه كلُّ أحد.
ويعجب الإمام من جرأة جعفر بدعواه على الله الكذب: «أم بآية؟ فليأتِ بها، أم
بحجَّة؟ فليقمها، أم بدلالة؟ فليذكرها»
(٣٦).
وقد طالبه الإمام المهدي (عليه السلام) بآية أو حجَّة أو دلالة، لأنَّ الله عادةً
ما يُؤيِّد أنبياءه بها ليُميِّزهم عن من بُعثوا إليهم: «وما أتاهم الله من الدلائل
الظاهرة، والبراهين الباهرة، والآيات الغالبة»
(٣٧).
فللأنبياء (عليهم السلام) دلائل وبراهين وآيات مجتمعة بينما لم يتمكَّن جعفر من
الإتيان بآية أو حجَّة أو دلالة، فطالبه بواحدة منها دونها جميعاً لعلمه بعجزه.
نرى الإمام قد أعاد آخر كلامه على أوَّله ليُحكِّم الحجَّة على جعفر ويُثبِت كذب
دعواه ويُفسِد عليه أمر إضلال الناس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٣) المصدر نفسه.
(٣٤) تاريخ الغيبة الصغرى
٣٠٠.
(٣٥) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١١، موسوعة التوقيعات: ٢٠ و٢١، وانظر أيضاً: كلمة المهدي: ٢١٩.
(٣٦) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١١، موسوعة التوقيعات: ٢١، وانظر أيضاً: كلمة المهدي: ٢٢٠.
(٣٧) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١١، موسوعة التوقيعات: ٢١، وانظر أيضاً: كلمة المهدي: ٢١٨.
١-٤ إثبات صحَّة الحجج المهدوية بآيات قرآنية:
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «إذا حدَّثتم عنّي بالحديث فانحلوني
أهنأه وأسهله وأرشده، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإنْ لم يوافق كتاب الله فلم
أقله»
(٣٨).
وفي رسالة لأمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أهل الكوفة: «وأعرضوا ما أشكل عليكم
على القرآن، فما عرفه القرآن فالزموه وما أنكره فردّوه»
(٣٩).
فالمصدر الذي يُرجَع إليه في معرفة دعوى الحقِّ من دعوى الباطل هو القرآن لأنَّه ﴿لَكِتابٌ
عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فُصِّلت: ٤١ و٤٢). ولأنَّه لا يوجد اختلاف
في ألفاظه، ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (النساء: ٨٢).
فقد أثبت الإمام المهدي (عليه السلام) بطلان كتاب جعفر على قاعدة رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام)، لذلك ناسب أن يورد (عليه
السلام) الآيات (١ - ٦) من سورة الأحقاف كدليل آخر على بطلان دعوى جعفر. فذكرت
الآيات أوَّلاً: أنَّ ﴿الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ
الْحَكِيمِ﴾ (الأحقاف: ٢)، وثانياً: ﴿ما خَلَقْنَا
السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾
(الأحقاف: ٣)، لكن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا
مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف: ٣). ثمّ يطالبهم بالدليل وهو كتاب قبل هذا أو أثارة
من علم: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ
أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ
ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ
صادِقِينَ﴾ (الأحقاف: ٤). وإذ إنَّهم لن يتمكَّنوا من الإتيان بهما أو
بأحدهما أثبت ضلال دعواهم: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا
مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ
دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ (الأحقاف: ٥). وأخيراً فإنَّ حساب هذه الدعوات
الضالَّة وأصحابها يوم القيامة: ﴿وَإِذا حُشِـرَ النَّاسُ
كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ (الأحقاف: ٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨) المحاسن للبرقي ١:
٢٢١، وانظر أيضاً: جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام ١٣: ١١٠ و١١١.
(٣٩) تاريخ الأُمم والملوك
للطبري ٤: ٤٧٩.
وقد أورد الإمام هذا في أوَّل توقيعه: «أبى الله (عزَّ وجلَّ) للحقِّ إلَّا إتماماً
وللباطل إلَّا زهوقاً، وهو شاهد عليَّ بما أذكره ولي عليكم بما أقوله إذا اجتمعنا
لليوم الذي لا ريب فيه، ويسألنا عمَّا نحن فيه مختلفون»
(٤٠). فبيَّن (عليه السلام)
أنَّ احتجاج الله على أصحاب الدعوات الضالَّة هو ذات حجاج الإمام (عليه السلام)
فيذكر أوَّلاً خلقه وصنعه، والإمام ذكر ذلك في توقيعه: «إنَّ الله لم يخلق الخلق
عبثاً، ولا أهملهم سُدى، بل خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً وقلوباً
وألباباً»
(٤١).
ذكر بعدها أنَّ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا
مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف: ٣) والإمام (عليه السلام) ذكر الأنبياء الذين أعرض
المشـركون عن إنذارهم، ثمّ يطالبهم بالدليل خارجاً عنهم لأنَّهم ادَّعوا الشرك مع
الله تعالى. ويذكر الإمام عليٌّ (عليه السلام) دليلاً على عدم وجود شريك لله تعالى
من عدم وجود آثار له: «لو كان لربِّك شريك لأتتك رُسُله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه،
ولعرفت أفعاله متأكّد وصفاته»
(٤٢). والإمام يسأل أحمد بن
إسحاق أنْ يطالب جعفراً بالدليل في نفسه لادِّعائه الإمامة. فطالبه بثلاث: فقه أو
علم أو ورع. وجعفر عارٍ من الثلاثة جميعاً.
ثمّ يسأله أنْ يمتحنه بتفسير آية من كتاب الله تعالى أو حدود صلاة واحدة. والإمام
يذكر أنَّه لن يتمكَّن من هذا أيضاً.
فنرى في الآية التي أوردها الإمام (عليه السلام) في حجاجه دليلاً قويّاً وحجَّةً
بالغةً على كتاب جعفر من ناحيتين: الأُولى: أنَّ الاحتجاج بالنصِّ يكون دائماً
حجَّة قاطعة على الخصم. والثانية: أنَّ التدرُّج في حجاج الإمام على من ينازعه
الإمامة هو ذاته التدرُّج في احتجاج الله (عزَّ وجلَّ) على من ينازعه الخلق والأمر.
وبهذا يُثبِت الإمام أنَّ كتابه على النقيض من كتاب جعفر لا اختلاف فيه وإنَّما
يعضد بعضه بعضاً ويدعم آخره ما ورد في أوَّله.
إنَّ ديدن المعصومين (عليهم السلام) جميعاً ومن قبلهم جدّهم رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم) هو إعطاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١١، موسوعة التوقيعات: ٢١، وانظر أيضاً: كلمة المهدي: ٢١/ ٢١٨.
(٤١) المصدر نفسه
(٤٢) نهج البلاغة/ محمّد
عبده ٢: ٤٤.
أكثر من رأي وإدراج أكثر من حجَّة فلا يتركوا شاردة ولا واردة إلَّا وذكروها
ليحيطوا بالأمر من جميع جوانبه.
فالحجَّة الضعيفة هي زاوية نظر مختلفة لأصحاب الفكر أو وجهة نظر مختلفة لأصحاب
العناد الشديد.
١-٥ الروابط الحجاجية في توقيع الإمام (عليه
السلام) في ردِّ إمامة عمِّه جعفر:
كانت اللغة طيِّعة في يد إمامها الحجَّة بن الحسن (عليه السلام) فرأينا في قوله:
«ولعلَّ خبره قد تأتّى إليكم، وهاتيك ظروف مسكره منصوبة وآثار عصيانه لله (عزَّ
وجلَّ) مشهورة قائمة، أم بآية؟ فليأتِ بها، أم بحجَّة؟ فليلقمها، أم بدلالة؟
فليذكرها». مثالاً لتلاحق الروابط الحجاجية لتكون حججاً ساندة للحجج التي تراتبت
سُلَّمياً، فالواو وأم والفاء قد تتابعت في حجج كان الإمام (عليه السلام) قد تعمَّد
اصطفافها في جملها لتكون بمثابة دعوة من الإمام (عليه السلام) للمكلَّفين من شيعته
ومواليه إلى إعمال العقل وتحكيم الجوارح في كشف زيف كلِّ مدَّعٍ، وكلُّها أدلَّة
اختبار متتابعة وصلت بحروف العطف المذكورة لتؤكِّد أنَّ جعفراً لا فقه ولا علم ولا
ورع عنده.
لقد أورد الإمام (عليه السلام) ثلاث حجج في ردِّ إمامة جعفر هي: «أم بآية؟ فليأتِ
بها، أم بحجَّة؟ فليلقمها، أم بدلالة؟ فليذكرها». وهي مردودة على قوله (عليه
السلام): «أبفقه، أم بعلم، أم بورع»، فقد استعمل الإمام (عليه السلام) (أم)
المعادلة الاستفهامية، فصاحب الفقه يأتي بآية وصاحب العلم يقيم الحجَّة وصاحب الورع
يذكر الدلالة، والحقُّ أنَّ الفقه والعلم والورع من علاقة العبد بالخالق، أمَّا
الآية والحجَّة والدلالة فممَّا يعرضه العبد على الناس، وفي ذلك بيان أنَّ الإمام
(عليه السلام) أخذ في حجاجه الجانب العبادي والجانب العملي ليُقوِّض دعوة إمامة
جعفر من جميع أركانها، مستعملاً (أم) ليعادل طرفي الجملة الاستفهامية، فلا يُرجِّح
جانباً على آخر.
واستعمل الإمام (عليه السلام) الأداة (أو) في طلبه لأحمد بن إسحاق أن يسأل جعفراً
فقال له: «وامتحنه وسَلْه عن آية من كتاب الله يُفسِّـرها، أو صلاة فريضة يُبيِّن
حدودها وما يجب فيها؛ لتعلم حاله ومقداره ويظهر لك عواره ونقصانه»
(٤٣)، فاستعمل أداة الربط
(أو) التي تفيد التخيير، فله أن يسأله عن كتاب الله تعالى بأن يُفسِّر آية فيه أو
يُبيِّن حدود صلاة واحدة. وفي هذا الاختبار البسيط كفاية من الحجج التي تقنع
المتلقّي بعدم صلاح جعفر للإمامة لعواره ونقصانه الظاهرين للعيان.
وقد استخدم الإمام المهدي (عليه السلام) أداة الربط الواو التي تفيد مطلق الجمع
والمشاركة عندما تحدَّث عن فضل الأنبياء (عليهم السلام) على سائر الناس: «وما أتاهم
الله من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، والآيات الغالبة»
(٤٤) ليُبيِّن صدق دعواهم
بما اجتمع لديهم من فضل الله تعالى، لكنَّه استخدم أداة الربط (أم) التي تفيد
التسوية عندما طالب جعفراً: «أم بآية؟ فليأتِ بها. أم بحجَّة؟ فليقمها. أم بدلالة؟
فليذكرها»
(٤٥).
وذلك ليُبيِّن أنَّه يتساوى في صدق دعوته إنْ أتى بواحدة منها لعلمه بعدم قدرته على
أيِّ واحدة منها، فهوَّن طلبه لهوان المطلوب منه.
٢-١ حجج الإمام الحجَّة (عليه السلام) في لعن
الشلمغاني:
وجَّه الإمام الحجَّة (عليه السلام) حديثاً يوجب على الأُمَّة لعن الشلمغاني الذي
كان من علماء الشيعة، يقول الشيخ المفيد في الشلمغاني: (كان متقدِّماً في أصحابنا
ومستقيم الطريقة، فحمله الحسد لأبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) على ترك
المذهب والدخول في المذاهب الرديَّة، فظهرت منه مقالات منكرة، وخرج في لعنه التوقيع
من الناحية)
(٤٦).
يقول الحجَّة (عليه السلام) في توقيعه: «إنَّ محمّد بن عليٍّ المعروف بالشلمغاني
وهو ممَّن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣) مكاتيب الأئمَّة: ١٣.
(٤٤) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١١، موسوعة التوقيعات: ٢١، وانظر أيضاً: كلمة المهدي: ٢١/٢١٨.
(٤٥) مكاتيب الأئمَّة ٧:
١١، موسوعة التوقيعات: ٢١، وانظر أيضاً: كلمة المهدي: ٢١/٢٢٠.
(٤٦) الفصول العشرة: ١٦.
عجَّل الله له النقمة ولا أمهله قد ارتدَّ عن الإسلام وفارقه وألحد في دين الله،
وادَّعى ما كفر معه بالخالق جلَّ وتعالى، وافترى كذباً وزوراً وقال بهتاناً وإثماً
عظيماً، كذب العادلون بالله وضلّوا ضلالاً بعيداً وخسـروا خسراناً مبيناً.
وإنَّنا قد برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله وآله صلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته
عليهم بمنِّه، ولعنّاه عليه لعائن الله في الظاهر منّا والباطن، في السـرِّ والجهر،
وفي كلِّ وقتٍ، وعلى كلِّ حالٍ، وعلى من شايعه وتابعه أو بلغه هذا القول منّا وأقام
على تولّيه بعده»
(٤٧).
بدأ (عليه السلام) التوقيع بذكر اسم الشخص الذي من أجله صدر التوقيع ولقبه المعروف
به بين الناس، وذلك لكي يزيل أيَّ التباس عمَّا يمكن أن يشترك به مع غيره في الاسم
واللقب.
وبعد أن ذكر الاسم واللقب قال (عليه السلام) مباشرة: «وهو ممَّن عجَّل الله له
النقمة ولعنه...»
(٤٨)،
فهو إنسان حلَّت عليه نقمة الله تعالى وغير ممهل للتوبة أو غيرها.
والحقُّ أنَّ عدم الإمهال بسبب تعجيل النقمة، وذلك لشدَّة انحرافه، ومعرفة الإمام
(عليه السلام) بتعريف من الله (عزَّ وجلَّ) بعدم توبته كي يقطع عليه طريق إضلال
المزيد من الناس، هذا من جانب، ومن جانب آخر، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا
التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ
يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (النساء: ١٧)، فتوبته ممكنة قبل أن يضلَّ الناس
بدعوته وانحرافه لأنَّ هذا بمثابة سُنَّة سيِّئة يتحمَّل وزرها ووزر من عمل بها إلى
يوم القيامة.
ويذكر بعد ذكر حجج تعجيل النقمة وعدم الإمهال بأنَّه «قد ارتدَّ عن الإسلام
وفارقه»، والارتداد عن الإسلام ومفارقته يكون بدرجات كأن يكون برفض بعض تعاليمه
وليس كلَّها، فقد يكون له بقيَّة من دين أو إيمان مع هذا الارتداد؛ لذا نجده (عليه
السلام) يُتبِع هذه الحجَّة بأُخرى أقوى منها بقوله (عليه السلام): «وألحد في دين
الله»، فأصل الإسلام هو التوحيد والشلمغاني قد ألحد أصل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧) مكاتيب الأئمَّة ٧:
٢١٢ و٢١٣، موسوعة التوقيعات: ٢٥، تاريخ الغيبة الصغرى: ٥١٧.
(٤٨) مكاتيب الأئمَّة: ١١،
موسوعة التوقيعات: ٢٥.
الدين هذا، ليس في أحد فروعه، وأتبع ذلك بقوله: «وادَّعى ما كفر معه بالخالق»، وتلك
حجَّة هي فصل الخطاب في موجبات لعن الشلمغاني، بعدها فصَّل في ذكر خصوصية «ما كفر
معه بالخالق» بأنَّه أوَّلاً افترى على الله تعالى الكذب، وثانياً زوَّر الحقائق،
وأخيراً قال بهتاناً وإثماً عظيماً، وتلك أُمور تفصح عن كونه خرج عن إطار نفسه وصار
معلناً لكفره وإلحاده بما أشاعه من أباطيل بين العامَّة ممَّا يجعل الحجَّة أقوى في
وجوب صدِّه وردِّ أذاه.
ويختم الفقرة الافتتاحية لتوقيعه بمقطع من دعاء: «كذب العادلون بالله وخسـروا
خسـراناً مبيناً»، قوله: «كذب العادلون» إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام: ١)، والمراد بهم
الذين يجعلون له شركاء فيعبدونهم دونه، مأخوذ في اللغة من العدول وهو الميل وتغيير
الجهة، فالعادلون هم المشـركون الذين يعدلون به (عزَّ وجلَّ) ما يتصوَّرونه آلهة من
دونه، فقد ترك الشلمغاني عبادة الله تعالى وخرج عن التوحيد وتلك حجَّة الحجج في
بيان أسباب لعنه.
@٠٠٦
وهكذا نجد أنَّ حجج الإمام الحجَّة (عليه السلام) ترتَّبت ترتُّباً تصاعدياً من
الأضعف حتَّى الأقوى من أجل إفهام الأُمَّة وبناء وعيها الذاتي في تفحُّص الدعوات
التي تخرج من البيت الشيعي متلبِّسة بالتشيُّع وهي خارجة عن المذهب مارقة عنه؛
لأنَّ داءها أكبر وأثرها أوسع.
فالإمام (عليه السلام) تسلسل في حججه من الأضعف للأقوى، فعندما يتسلَّل الشكُّ
للإنسان يجعله يترك بعض الأوامر والنواهي، وذلك بسبب الارتداد القلبي عن الله
تعالى، فيظهر في الجوارح والإلحاد يجعل الإنسان يكفر بخالقه، وهذا يُجرِّؤه على
افتراء الكذب والزور والبهتان على الله (عزَّ وجلَّ)، وبعبارة أُخرى: إنَّ الارتداد
عن الدين قد يبقيان لحقبة طويلة داخل الإنسان من دون أن يلتفت إليه أحد حتَّى إذا
افترى على الله تعالى الكذب انكشف الستر وصار واضحاً للعيان، وهو ما حصل للشلمغاني.
قبل أن يدَّعي حلول الله تعالى فيه، وفي هذا درس يُقدِّمه الإمام (عليه السلام)
للمكلَّفين بأن يكونوا دائماً واعين لأتباعه قبل أعدائه، لأنَّ ضلال الأتباع الذين
هم من وسط الشيعة والمؤيِّدين للإمام (عليه السلام) قد يكون التخلُّص منه أصعب،
ممَّا يعود بنا إلى أصل تعليم الإمام عليٍّ (عليه السلام) للأُمَّة بقوله: «اعرف
الحقَّ تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله، إنَّ الحقَّ لا يُعرَف بالرجال إنَّما
يُعرَف الرجال بالحقِّ»
(٤٩).
إذ أوضح أمير المؤمنين (عليه السلام) معياراً لمعرفة الرجال بمعرفة الحقِّ أوَّلاً.
وبعد أن أوضح الحجَّة (عليه السلام) سوء طوية الشلمغاني وفساد مذهبه وتديُّنه،
انتقل إلى لعنه والبراءة منه فقال: «وإنَّنا برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله وآله
صلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته عليهم بمنِّه، ولعنّاه عليه لعائن الله في الظاهر
منّا والباطن في السـرِّ والجهر وفي كلِّ وقتٍ وعلى كلِّ حالٍ وعلى من شايعه وتابعه
أو بلغه هذا القول منّا وأقام على تولّيه بعده»
(٥٠).
لقد لعن الإمام (عليه السلام) الشلمغاني بعد أن تبرَّأ منه أمام الله تعالى ورسوله
(صلى الله عليه وآله وسلم) والحجج على الأُمَّة (عليهم السلام) من بعده حتَّى إذا
صار طريداً من رحمة الله تعالى وشفاعة أوليائه لعنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٩) نهج البلاغة/ محمّد
عبده ١: ٢٠٠.
(٥٠) مكاتيب الأئمَّة: ١١،
موسوعة التوقيعات: ٢٥، تاريخ الغيبة الصغرى: ٥١٨.
وختم (عليه السلام) فقرة اللعن بأنْ جعل اللعنة تشمل من شايعه وتابعه وأقام على
تولّيه بعده، وذكر في نهاية التوقيع ما ذكر بالدعوات التي سبقت ما ليس لها بحقٍّ
ممَّن ادَّعى السفارة «وأعلمهم أنَّنا في التوقّي والمحاذرة منه على ما كنّا عليه
ممَّن تقدَّمه من نظرائه من الشـريعي والنميري والهلالي والبلالي وغيرهم»
(٥١)، وسبب ذكره لهؤلاء في
نهاية توقيعه يدلُّ على قوَّة ادِّعائه وكثرة أتباعه ممَّا قد يُسبِّب الكثير من
الخلاف في لعنه والبراءة منه، لكن عندما يقرنه (عليه السلام) بمن لعنهم من قبله
وأثبت مرور السنوات كذب دعواهم، وترسَّخ في ضمير الأُمَّة زورهم وبهتانهم، فقد ناسب
ذكرهم في النهاية ليعود الناس إلى رشدهم ويترك لهم أمر مقارنة دعوى الشلمغاني بدعوى
هؤلاء لأنَّه انتهى نهايتهم. وفي هذا تعليم للأُمَّة أن تقارن النظائر لتعرف
المحقَّ من المبطل، فيكون العقل هو الدليل والفيصل في معرفة الحقِّ وليس الرجال ولا
التوقيع، حتَّى إذا وقعت الغيبة الكبرى كان للناس دليل من عقولهم يلجؤون إليه عند
هجوم الفتن كقطع الليل المظلم.
٢-٢ الروابط الحجاجية في توقيع الإمام (عليه
السلام) في لعن الشلمغاني:
تفيد حروف العطف عموماً معنى الفصل والوصل، وإنَّ استخدامها في النصِّ يكسبه متانة
ويشدُّه كالبنيان المرصوص، وقد استخدم الإمام المهدي (عليه السلام) تنويعاً في
أدوات الربط في التوقيع الصادر بحقِّ عمِّه جعفر، فاستعمل (الواو) لتدلَّ على مطلق
الجمع والمشاركة، و(ثمّ) التي تفيد التعقيب مع التراخي بالزمن، و(أمْ) التي تفيد
المعادلة والتسوية في عطف ما قبلها على ما بعدها، و(الفاء) الرابطة والتي تفيد
الاستئناف، واستخدم للتوكيد (اللّام) التي تفيد التعليل أيضاً، واستخدم للتوكيد حرف
تحقيق (قد) والقسم بالواو وبلفظ الجلالة أو بهما معاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥١) مكاتيب الأئمَّة ٧: ٢١٣.
أمَّا في التوقيع الصادر بحقِّ الشلمغاني فقد اكتفى بحرف العطف الواو فقط في لعنه
وإيراد الحجج عليه، كما استخدم حرف العطف (أو) مرَّة واحدة، واستخدام (قد) مرَّة
واحدة أيضاً، فلا نجد هنا التنويع المستخدم في توقيعه لعمِّه جعفر، ولعلَّ الفكرة
في ذلك بيان أنَّ خطر الشلمغاني على سعة انتشاره أقلّ من خطر جعفر، وذلك لأنَّه
ادَّعى الأُلوهية وجعفر إنَّما ادَّعى الإمامة، كما أنَّ دعوته بعيدة من حيث الزمان
عن وفاة الإمام العسكري (عليه السلام)، أمَّا جعفر فقد ادَّعى الإمامة مباشرةً بعد
وفاة أخيه وخلوِّ الساحة على ما يبدو من الإمام المعصوم وعدم إثبات ولادة المهدي
(عليه السلام) لكلِّ الناس وعلى نطاق واسع.
لقد سدَّ الإمام الطريق أمام دعوى الشلمغاني منذ الكلمات الأُولى لتوقيعه وحسم
أمره: «إنَّ محمّد بن عليٍّ المعروف بالشلمغاني، وهو ممَّن عجَّل الله له النقمة
ولا أمهله قد ارتدَّ عن الإسلام وفارقه وألحد في دين الله، وادَّعى ما كفر معه
بالخالق جلَّ وتعالى، وافترى كذباً وزوراً وقال بهتاناً وإثماً عظيماً»
(٥٢)، فأورد كلامه متتابعاً
دون تراخي أو تردُّد، فهو «قد ارتدَّ... وفارقه... وألحد... وادَّعى... وافترى...
وقال بهتاناً....». لقد أوقع اللعن عليه والأسباب الموجبة لهذا اللعن في تسلسل
متلاحق كضربات متوالية لا تترك مجالاً للتردُّد أو الشكِّ في احتمال ولو ضئيل من
كونه على شيء فسد بذلك الطريق على دعوته وأغلق باب الشكِّ في أمره لأنَّه ادَّعى
الأُلوهية، وهذا باطل بيِّن للخاصَّة والعامَّة.
أمَّا دعوى جعفر فلم تكن واضحة وقاطعة كدعوى الشلمغاني، ولعلَّ الكثيرين قد اغترّوا
به وكأنَّما كان هناك من يُصدِّقه لأنَّ دعوته مشتبهة فهو لم يدَّعِ الأُلوهية
ليتَّضح كذبه للخاصَّة والعامَّة، وإنَّما ادَّعى الإمامة فقط، وهذا الادِّعاء غير
واضح البطلان للعامَّة كشأنه للخاصَّة. قال أبو الأديان خادم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٢) كلمة المهدي: ٢١/١٩٤.
الإمام العسكري (عليه السلام) حين قالوا له: إنَّ الإمام من بعد الحسن العسكري
(عليه السلام) هو جعفر: (إن يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة)
(٥٣).
لقد تنوَّعت الشبهات التي صاحبت دعوى جعفر لأنَّها انطلقت مباشرةً بعد وفاة الإمام
العسكري (عليه السلام)، ولنسبه ولمساحة الحركة التي سمحت له السلطة الحاكمة آنذاك
بالتحرُّك فيها في إطار الحرب غير المعلنة التي انتهجها الحاكمون، لذلك تنوَّعت
الحجج وتعدَّدت ومعها أدوات الربط التي ثبتت الحجج وأعطت لأُسلوب التوقيع رصانة لا
بدَّ منها لمواجهة الخطر المتمثِّل في هذا الادِّعاء الكاذب.
وفي المقابل اعتمد الإمام حرف العطف الواو فقط في توقيعه للشلمغاني لوضوح بطلان
دعواه من وجه واحد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣) تاريخ الغيبة الصغرى، ٣٠٠.
١- القرآن الكريم.
٢- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: الشيخ محمّد حسن النجفي/حقَّقه وعلَّق عليه:
الشيخ عبّاس القوجاني/دار إحياء التراث العربي/ بيروت لبنان/الطبعة: الرابعة.
٣- الحجاج مفهومه ومجالاته: إعداد وتقديم د. حافظ إسماعيل علوي/ ط ١/ عالم الكتب
الحديث/ أربد الأُردن/ ١٤٣١ هـ -٢٠١٠م.
٤- استيراتيجيات الخطاب (مقاربة لغوية تداولية): عبد الهادي بن ظافر الشهري/دار
الكتاب الجديد.
٥- أهمّ نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أُرسطو إلى اليوم: إشراف حمادي
صمود/جامعة الآداب والعلوم الإنسانية/ تونس/كلّية الآداب منوبة.
٦- بلاغة الإقناع في المناظرة: عبد اللطيف عادل/منشورات ضفاف.
٧- تاريخ الغيبة الصغرى: السيِّد محمّد الصدر/دار التعارف للمطبوعات/ بيروت/لبنان
/١٩٩٢م.
٨- الغيبة: أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم /تحقيق: فارس الحسّون /دار الجوادين
/الطبعة الأُولى/ ٢٠١١م.
٩- الفصول العشرة في الغيبة: الشيخ المفيد /المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى الألفية
لوفاة الشيخ المفيد /الطبعة الأُولى/ تحقيق: فارس الحسّون.
١٠- في أُصول الحوار وتجديد علم الكلام: طه عبد الرحمن/ الطبعة الثانية/ المركز
الثقافي العربي/ الدار البيضاء/٢٠٠٠م.
١١- في بلاغة الخطاب الإقناعي (مدخل نظري وتطبيقي لدراسة الخطابة العربية في القرن
الأوَّل نموذجاً): محمّد العمري/الطبعة الأُولى /دار الثقافة /الدار البيضاء.
١٢- الكافي: الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني/منشورات الفجر.
١٣- اللسان والميزان والتكوثر العقلي: طه عبد الرحمن/المركز الثقافي العربي/الدار
البيضاء/١٩٩٨م.
١٤- اللغة والحجاج: أبوبكر العزّاوي/ الطبعة الأُولى /دار الأحمدية /الدار البيضاء
/٢٠٠٦م.
١٥- مكاتيب الأئمَّة: عليّ الأحمدي الميانحي /تحقيق: مجتبى فرجي /قم/دار
الحديث/١٣٨٧هـ.
١٦- المحاسن: الشيخ أحمد بن محمّد البرقي/دار الكتب الإسلاميَّة/إيران/طهران.
١٧- موسوعة توقيعات الإمام المهدي: محمّد تقي أكبر نجاد/منشورات مسجد جمكران/الطبعة
الأُولى/ ١٤٢٧هـ.
١٨- موسوعة الكلمة (كلمة الإمام المهدي): السيِّد حسن الحسيني الشيرازي/دار العلوم
للطباعة والنشر/الكويت /الطبعة الأُولى/ ١٤٢٧هـ.
١٩- شرح نهج البلاغة: محمّد عبده/دار المعرفة للطباعة والنشر/بيروت / لبنان.
المهدويَّة في الأشعار الأمويَّة والعبّاسيَّة
(مقاربة نقديَّة نصّيَّة)
أ.د. أحمد حياوي السعد(١)
بحث مشارك في مسابقة خاتم الأوصياء (عجّل الله فرجه) للإبداع الفكري وحاز على المركز الرابع
مدخل أوَّلي للمقاربة:
تُعَدُّ المهدويَّة من أوضح الواضحات في المجتمع البشري، ولا يكاد شعبٌ من الشعوب
أو أُمَّةٌ من الأُمم تخلو منها، وإن تفاوتت من زمن إلى آخر، أو اختلفنا نحن
الإماميَّة مع الآخرين في تحديد وتشخيص هويَّة المصلح العالمي، وأنَّ المصلح
الموعود هو الحجَّة بن الحسن (عليه السلام) أو غيره.
أمَّا سبب وضوحِها وجلائِها، فلربَّما يرجع إلى أنَّ نفسيَّة الناس تكره الظلم
وتُحِبُّ العدل - سُنَّتهم في جميع الأزمنة والأمكنة -، فإذا لم يتحقَّق العدل في
زمنهم لِأَيِّ سببٍ من الأسباب اشرأبَّت نفوسهم إلى حاكم عادل تتحقَّق على يديه
العدالة بجميع أشكالها.
ولهذا السبب كان التبشير بها عنصراً أصيلاً في نصوص مختلف الديانات والدعوات
النبويَّة. وهذا كاشف عن أرضيَّة اعتقاديَّة رسَّخها الوحي الإلهي فيها جميعاً،
ودعمتها حياة الأنبياء (عليهم السلام) التي شهدت غيبات متعدِّدة، مثل غيبة إبراهيم
الخليل (عليه السلام) وعودته، وغيبة موسى (عليه السلام) عن بني إسرائيل وعودته
إليهم بعد السنين التي قضاها في مَدين، وغيبة عيسى (عليه السلام) وعودته في آخر
الزمان التي أقرَّتها الآيات القرآنية، وما اتَّفق عليه المسلمون من الأحاديث
النبويَّة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) كلية الآداب/ جامعة البصرة.
الشريفة، وغيبة نبيِّ الله إلياس (عليه السلام) التي قال بها أهل السُّنَّة كما
صرَّح بذلك مفتي الحرمين الكنجي الشافعي، في الباب الخامس والعشرين من كتابه
(البيان في أخبار صاحب الزمان)، وصرَّح كذلك بإيمان أهل السُّنَّة بغيبة الخضر
(عليه السلام)، وهي مستمرَّة إلى ظهور المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان.
إذن قضيَّة الغيبة - التي كانت الداعم لهذا الأصل -، قبل ظهور المصلح العالمي، ليست
مستغربة لدى الأديان السماويَّة، ولا يمكن لِمُنصف أنْ يقول بأنَّها قائمة على
الخرافات والأساطير - كما يزعم بعض المستشرقين ومَنْ وافقهم بأُسطوريَّة ظهور
المهدي في آخر الزمان
(٢) -، لأنَّ الخرافات
والأساطير لا يمكن أنْ تُوجِد فكرة متأصِّلة بين جميع الأديان دون أنْ ينكر أيٌّ من
علمائها أصلها. فلم ينكر أحدٌ منهم أصل الفكرة، وإنْ أنكر مصداقها في غير الدين
الذي عشقه.
والملاحظ أنَّ الإيمان بحتميَّة ظهور المصلح العالمي ودولته العادلة لا يختصُّ
بالأديان السماويَّة، بل يشمل المدارس الفكريَّة والفلسفيَّة غير الدينيَّة أيضاً.
فنجد في التراث الفكري الإنساني الكثير من التصريحات بهذه الحتميَّة، فمثلاً يقول
المفكِّر البريطاني الشهير برتراند راسل: (إنَّ العالم في انتظار مصلح يُوحِّده تحت
لواء واحد وشعار واحد)
(٣).
ويقول العالم الفيزيائي المعروف ألبرت أينشتاين صاحب النظرية النسبيَّة: (إنَّ
اليوم الذي يسود العالم كلَّه فيه السلام والصفاء، ويكون الناس متحابّين متآخين ليس
ببعيد)
(٤).
وأدقُّ وأصرح من هذا وذاك ما قاله المفكِّر الإيرلندي المشهور برناردشو، فقد بشَّر
- بصراحة - بحتميَّة ظهور المصلح، وبلزوم أنْ يكون عمره طويلاً يسبق ظهوره، ويرى
ذلك ضرورياً لإقامة الدولة الموعودة. فقد قال في كتابه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) أغلب الظنِّ أنَّ هؤلاء
المستشرقين لمَّا وجدوا عقائد أسلافهم ملأى بالخرافات والأساطير والضلالات، كَبُرَ
عليهم أنْ يكتبوا عن الإسلام - الذي هو أنقى من الذهب الإبريز - دون أنْ يُضيفوا
عليه شيئاً من أحقادهم، ولهذا وصفوا ما تواتر نقله عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله
وسلم) بشأن ظهور المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان بأنَّه من الأساطير.
(٣) بشارات الأديان بالمهدي
(عليه السلام)، عرفان محمود (https://www.rafed.net/moamal)، نقلاً عن: المهدي
الموعود (عليه السلام) ودفع الشبهات عنه/ السيِّد عبد الرضا الشهرستاني: 6.
(٤) المصدر نفسه.
الإنسان السوبرمان - حسب ما نقله الأُستاذ عبّاس محمود العقّاد في كتابه عن
برناردشو - في وصف المصلح العالمي بأنَّه: (إنسانٌ حيٌّ ذو بُنية جسديَّة صحيحة
وطاقة عقليَّة خارقة، إنسان أعلى يترقَّى إليه هذا الإنسان الأدنى بعد جهد طويل،
وأنَّه يطول عمره حتَّى ينيف على ثلاثمائة سنة، ويستطيع أنْ ينتفع بما استجمعهُ من
أطوار العصور، وما استجمعهُ من أطوار حياته الطويلة)
(٥).
وغنيٌّ عن البيان أنَّ الأوصاف التي يذكرها المفكِّر الإيرلندي للمصلح العالمي من
الكمال الجسمي والعقلي، وطول العمر، والقدرة على استجماع خبرات العصور والأطوار بما
يُمكِّنهُ من إنجاز مهمَّته الإصلاحيَّة الكبرى، قريبة من الأوصاف التي يعتقد بها
مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في المهدي المنتظر (عليه السلام) وغيبته.
على أنَّ الإحساس بهذا الشعور الغيبي، والمُستقبل المُنْتَظَر، لم يقتصر على
المؤمنين دينياً بالغيب، بل امتدَّ إلى غيرهم أيضاً، وانعكس حتَّى على أشدّ
الأيديولوجيات والاتِّجاهات الغيبيَّة رفضاً للغيب، كالمادّيَّة الجدليَّة التي
فسَّرت التاريخ على أساس التناقضات، وآمنت بيوم موعود تُصفَّى فيه كلُّ التناقضات،
ويسود فيه الوئام والسلام. وهذا إنْ دلَّ على شيء فإنَّما يبرهن على أنَّ الإيمان
بالفكرة التي يُجسِّدها المهدي الموعود هي من أكثر الأفكار انتشاراً بين بني
الإنسان كافَّة؛ لأنَّها تستند إلى فكرة التطلُّع للكمال بأشمل صورة، أي إنَّها
تُعبِّر عن حالة فطريَّة عامَّة، لذلك فإنَّ تحقُّقها حتميٌّ؛ لأنَّ الفطرة لا تطلب
ما هو غير موجود، كما هو معلوم.
المهدويَّة والرَّجعة:
يُقصَد بالمهدويَّة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، وهو في الفكر
الإسلامي ذلك الرجل الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظُلماً وجوراً. حيث قال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) بشارات الأديان بالمهدي (عليه السلام)، (https://www.rafed.net/moamal) نقلاً عن: برناردشو/ عبّاس محمود العقّاد: 124 و125.
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تقوم الساعة حتَّى تمتلئ الأرض ظلماً
وعدواناً، ثمّ يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي -الترديد من الراوي- يملؤها قسطاً
وعدلاً كما مُلئت ظلماً وعدواناً»
(٦).
وأمّا الرَّجعة، فهي عقيدة لازمة لفكرة المهدويَّة. وهي من ضروريات مذهب الإماميَّة
الاثني عشرية حتَّى صار القول بها مدحاً في الرجل عند الخاصَّة، وعلامة من علامات
التشيُّع عند العامَّة. ومعنى الرَّجعة: بعث أشخاص من الأموات عند ظهور القائم
(عليه السلام). وقد دلَّ النقل عليه فيجب المصير إليه. قال الشيخ المُفيد (قدس
سره): (إنَّ الله تعالى يردُّ قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا
عليها، فيعزُّ منهم فريقاً، ويذلُّ فريقاً، ويديل المحقِّين من المُبطلين،
والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد (عليهم السلام)...)
(٧)، إلى أنْ يقول: (ثمّ
يصير الفريقان من بعد ذلك إلى الموت ومن بعده إلى النشور، وما يستحقّونه من دوام
الثواب والعقاب)(٨).
ويُستفاد من مجموع الأخبار المستفيضة من طُرُق الإماميَّة أنَّ الراجعين صنفان من
المؤمنين والكافرين، فقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: (إنَّ
الرَّجعة ليست بعامَّة، وهي خاصَّة، لا يرجع إلَّا مَنْ محض الإيمان محضاً أو محض
الشرك محضاً)
(٩). أمَّا سوى هذين
الصنفين فلا رجوع لهم إلى يوم المآب.
المهدويَّة عند شعراء أهل البيت (عليهم
السلام):
لعلَّ مبدأ التشيُّع بما ينطوي عليه من صور الثورة على الواقع المُزري،
والتطلُّع صوب مستقبل يلتقي فيه هذا الواقع بمثاله في دولة الأئمَّة المنتظرة
(عليهم السلام) التي تسير في فلك النبوَّة، وتهتدي بهدي القرآن الكريم، أتاح لشعراء
أهل البيت (عليهم السلام) - على اختلاف فِرَقهم - أنْ ينهلوا من معينه رحيقاً لا
ينضب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦)
مسند أحمد بن حنبل: ٣/ رقم الحديث ١٠٩٢٠.
(٧)
أوائل المقالات: ٧٨.
(٨)
المصدر نفسه.
(٩)
بحار الأنوار ٥٣: ٣٩.
لشاعريتهم، ويُعبِّروا من خلاله عن نزوعهم النفسي إلى الكمال، وعن تطلِّعهم إلى
تحرير مشاعرهم الحبيسة في أعماقهم. والذي نهتمُّ له في هذا الحديث هو دور الشعر في
الدعوة إلى المهدويَّة.
فالشاعر كُثيِّر بن عبد الرحمن الخزاعي كان كيساني المذهب، وقال برجعة محمّد بن
الحنفيَّة على أنَّه الإمام المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلاً، بعدما مُلئت
جوراً
(١٠):
|
أقرَّ اللهُ عيني إذْ دعاني وأَثنَى في هوايَ عليَّ خيراً هو المهدي خبرناهُ كعبٌ |
|
أمينُ اللهِ يلطفُ في السؤالِ ويسألُ عن بَنِيِّ وكيفَ حالي أخو الأحبارِ في الحِقَبِ الخوالي |
وهو يرى أنَّ الأئمَّة من قريش أربعة وهم: (عليٌّ وأبناؤهُ الثلاثة) الحسن والحسين ومحمّد، وأنَّ محمّداً هو المهدي المنتظر، الذي ورث عن أبيه علم الباطن، ولكنَّه توارى بأمر الله في جبل (رضوى) يأكل العسل ويشرب الماء، وسيعود بعد غياب، وهو يقود جيشاً جرَّاراً يرفع رايةَ الحقِّ، ويُحرِّر البشر من الظلم (١١):
|
أَلَا إنَّ الأئمَّة من قريشٍ عليٌّ والثلاثةُ من بنيهِ فسبطٌ سِبطُ إيمانٍ وحلمٍ وسبطٌ لا يذوقُ الموتَ حتَّى تَغيَّبَ لا يُرى عنهم زماناً |
|
وُلاةُ الحقِّ أربعةٌ سواءُ هم الأسباطُ ليس بهم خَفاءُ وسبطٌ غيَّبتهُ كربلاءُ يقودَ الخيلَ يقدمها اللواءُ بِرضْوَى عِندهُ عسلٌ وماءُ |
ولذا راح كُثيِّر ينتظرهُ ويتعجَّل عودته؛ ليأنس بعودتِهِ حيث يقول (١٢):
|
ألَا قُلْ للوصيِّ فدتكَ نفسي |
|
أَطَلتَ بذلكَ الجبلِ المُقاما |
والحقُّ أنَّ محمّد بن الحنفيَّة من كلِّ ذلك الذي نُسِبَ إليه وارتكب باسمِهِ بُراء، فلقد كان سيِّداً جليلاً فاضلاً ورعاً، ورث الفضل والتُّقى والحجى عن أبيه عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠)
ديوانه: ٢٣٣.
(١١)
المصدر نفسه: ٥٢١.
(١٢)
المصدر نفسه: ٥٣٨. الوصيّ: محمّد بن الحنفيَّة. الجبل: جبل رضوى محلُّ إقامة محمّد
بن الحنفيَّة أثناء غيبته.
ولقد ينبغي هنا أنْ نشير إلى أنَّ من الشيعة مَنْ كان يعتقد أنَّ المهدي المغيَّب (بشعب رضوى) هو الإمام عليٌّ (عليه السلام) وهذا واضح في قول البحتري يردُّ على شاعر العبّاسيين عليِّ بن الجهم (١٣):
|
لِأَيَّةِ حالةٍ تَهْجُو عليّاً |
|
بِمَا لَفَّقْتَ مِنْ كَذِبٍ وَزُورِ |
وقول عليِّ بن الجهم هو (١٤):
|
ورافضة تقول بشعب رضوى |
|
إمام خابَ ذلك من إمامِ |
وليس جديداً القول: إنَّ المهدي المنتظر عند الشيعة هو الإمام الثاني عشر، واسمه محمّد المهدي، وأنَّه اختفى سنة (٢٦٠ه)، فإنْ أخذنا بما ورد في شعر كُثيِّر عزَّة، وشعر عليِّ بن الجهم، فأَخْذُنا يدلُّ على قِدَم القول باختفاء المهدي وبعودتِهِ المُرتقبة. وممَّا يُسوِّغ ذلك عندنا ويُقوِّيه أنَّ الكميت الأسدي -وكان آن ذاك زيدي الرأي- حدَّد صفاته، فهو إمام عادل من آل البيت (عليهم السلام)، شجاع مبارك، يغلب الظَّلَمَة، ويُحْيي ببركتِهِ النِّعَم، ويُقيم بعدلِهِ ميزانَ الحقِّ، فيرتدُّ الجدبُ خصباً، والإجحافُ إنصافاً (١٥):
|
بِمَرْضِيِّ السياسةِ هاشميٍ وليثاً في المشاهدِ غيرَ نِكْسٍ يُقيمُ أُمورَها وَيَذُبُّ عنها |
|
يكونُ حَيَّاً لِأُمَّتِهِ رَبِيعَا لِتقويمِ البريَّةِ مُستَطيعَا وَيَترُكُ جَدْبَهَا أبداً مَرِيعَا |
ولقد روى الكميت -نفسه- أنَّه أنشد قصيدةً للإمام الباقر (عليه السلام) يُرثي بها الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه، قال فيها (١٦):
|
أَضْحَكَني الدَّهرُ وأَبْكاني لِتِسعةٍ في الطَّفِّ قد غُودِرُوا |
|
والدَّهرُ ذو صَرْفٍ وأَلوانِ صَارُوا جميعاً رَهْنَ أَكْفانِ |
فبكى الإمام الباقر (عليه السلام) وبكى الجميع، حتَّى وصل الكميت لذكر الإمام الحجَّة (عليه السلام)، إذ قال (١٧):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣)
ديوانه: ق ٤١٠/١٠٣٨.
(١٤)
الأغاني ١٠: ٣٨٤.
(١٥)
شرح هاشميات الكميت بن زيد الأسدي: ١٩٩.
(١٦)
الغدير ٢: ٢٠٢، نقلاً عن كتاب: كفاية الأثر للخزَّاز القمّي: ٢٤٨. والأبيات غير
موجودة في ديوانه المطبوع بتحقيق الدكتور محمّد نبيل طريفي/ طبعة دار صادر/ بيروت/
٢٠٠٠م.
(١٧)
المصدر نفسه.
|
مَتَى يَقومُ الحقُّ فِيكُمْ مَتَى |
|
يَقومُ مَهْدِيُّكُمُ الثَّاني؟ |
فقال الإمام الباقر (عليه السلام): «سريعاً إنْ شاء الله يا أبا المستهل.. إنَّ
قائمنا هو التاسع من ولد الحسين (عليه السلام)»
(١٨)،
وهذا ممَّا يدلُّ على أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) قد أخبروا شيعتهم ومُحبِّيهم عن
الإمام الحجَّة (عليه السلام) قبل ولادته.
وقد روي أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) كان كثيراً ما يُكرِّر هذا البيت
(١٩):
|
لكُلِّ أُناسٍ دولةٌ يرقبونها |
|
ودولتنا في آخرِ الدَّهرِ تظهرُ |
ففي هذا البيت يخبر الإمام الصادق (عليه السلام) شيعتَهُ ومحبِّيه بوجود دولة لهم في آخر الزمان بقيادة الإمام الحجَّة (عليه السلام)، ولعلَّه من هنا كان الكميت يدعو الله مخلصاً لقيام دولتهم العادلة، وهذا ما يُعبِّر عنه حين يقول (٢٠):
|
فيا ربِّ عجِّلْ ما نُؤَمِّلُ فيهُمُ وَيَنْفَذُ في راضٍ مُقِرٍّ بحُكْمِهِ |
|
لِيَدْفَأَ مَقْرُورٌ ويَشْبَعَ مُرْمِلُ وفي سَاخِطٍ مِنَّا الكتابُ المُعَطَّلُ |
ويبدو أنَّ من الزيديَّة - وكان الكميت الأسدي في بادئ أمره على رأيهم ومذهبهم - مَنْ كان يدَّعي إمامةَ زيد بن عليِّ بن الحسين (عليهما السلام)؛ لأنَّ من شعراء الحزب الأُموي مَنْ كان يتهكَّم من فكرة المهدويَّة لدى الشيعة ويتندَّرون بها، فيقول شاعرهم حكيمُ بن عيَّاش الكلبي (٢١):
|
صَلَبْنا لكم زيداً على جِذْعِ نَخْلَةٍ |
|
ولم نَرَ مَهْديَّاً على الجِذْعِ يُصْلَبُ |
ويقول بعد هذا البيت:
|
وَقِسْتُم بعثمانٍ عَلِيَّاً سفاهةً |
|
وعثمانُ خيرٌ من عليٍّ وأَطْيَبُ |
ويُروى عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه لمَّا سمع هذا الهجاء رفع يديه وهما يرعشان، وقال: «اللّهمّ إنْ كان عبدكَ كاذباً فسلِّط عليه كلبك»، فبعثه بنو أُميَّة إلى الكوفة، فبينا يدور في سككها إذْ افترسه الأسد، واتَّصل خبره بجعفر الصادق (عليه السلام) فخرَّ ساجداً، ثمّ قال: «الحمد لله الذي أنجزنا وعده» (٢٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨)
المصدر نفسه.
(١٩)
ينابيع المودَّة ٢: ٢٣٩.
(٢٠)
شرح هاشميات الكميت: ١٧٦ و١٧٧.
(٢١)
مروج الذهب ٢: ١٨٢.
(٢٢)
بحار الأنوار ٤٦: ١٩٢.
ومن الشعراء الذين ذكروا في قصائدهم عقيدة الإمام المهدي (عليه السلام) الشاعر الورد بن زيد الأسدي - أخو الكميت -، فله قصيدة مدحيَّة في آل البيت (عليهم السلام) أنبأَ فيها عن بناء سامراء، وغيبة الإمام الحجَّة (عليه السلام) فيها، ورؤيته بالحجاز، وشبَّهه بالأنبياء - كلُّ ذلك قبل حدوث هذه الأُمور بعشرات السنين، ممَّا يكشف عن عمق هذه العقيدة وانتشارها بين قواعد الشيعة آنذاك ومحبِّيهم والموالين لهم -، وقد عرض ذلك كلَّه على الإمام الباقر (عليه السلام) إذْ قال (٢٣):
|
مَتَى الوليدُ بسامَرَّا إذا بُنيَتْ حتَّى إذا قَذَفَتْ أرضُ العراقِ بهِ وغابَ سَبْتاً وسَبْتاً من ولادتِهِ لا يَسأمونَ به الجُوَّابُ قد تَبِعُوا شبيهُ موسى وعيسى في مَغابِهما إنِّي لأرجُو له رُؤيا فأُدرِكُهُ |
|
يبدو كَمِثل شهابِ اللَّيلِ طَلاَّعِ إلى الحجازِ أناخوهُ بِجَعْجَاعِ (٢٤) مَعْ كُلِّ ذي جُوَبٍ للأرضِ قَطَّاعِ أسباطَ هارونَ كيلَ الصَّاعِ بالصَّاعِ لو عاشَ عُمْرَيهِما لم يَنْعَهُ ناعي حتَّى أكونَ لهُ من خيرِ أتباعِ |
ودفعاً لِمَظنَّة عِلْم الشاعر بالغيب، ومعرفته ما يحصل في نهاية الزَّمان من أحداث وظهور، نراه يعترف بأنَّه سمع ذلك كلَّهُ من الأئمَّة الطاهرين (عليهم السلام) الذين كانت علومهم امتداداً لعلوم جدِّهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك قال (٢٥):
|
بذاكَ أنبأَنا الرَّاوونَ عن نَفَرٍ رَوَتْهُ عنكُم رواةُ الحقِّ ما شَرَعَتْ |
|
منهم ذوي خَشْيَةٍ للهِ طُوَّاعِ آباؤُكُمْ خيرُ آباءٍ وَشُرَّاعُ |
وهذه المعاني من جملة ما عبَّر عنه العبدي الكوفي يمدح الإمام عليَّاً (عليه السلام) ويذكر الأئمَّة (عليهم السلام) من بعده إلى الإمام المهدي (عليه السلام) (٢٦):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣)
مقتضب الأثر في النصِّ على إمامة الاثني عشر: ٥٠.
(٢٤)
الجعجاع: المكان الضيِّق الخشن أو المحبس.
(٢٥)
المصدر نفسه.
(٢٦)
الموسوعة الشعرية المهدويَّة: ١٨٤.
|
وابنيه من هالكٍ بالسُّمِّ مخترمٍ لولا الفعيلةُ ما قادَ الذينَ هُمُ والعابد الزاهد السجّاد يتبعهُ وجعفر وابنه موسى ويتبعه ال والعسكريَّينِ والمهديُّ قائمهم مَنْ يملأ الأرضَ عدلاً بعدما مُلئتْ |
|
ومن معَفَّرِ خَدٍّ في الثَّرى تربِ أبناءُ حربٍ إليهم جحفل الحربِ وباقر العلم داني غاية الطلبِ برُّ الرضا والجواد العابدِ الدَّئبِ ذو الأمرِ لابس أثواب الهدى القشبِ جوراً ويقمع أهلَ الزَّيغِ والشَّغَبِ |
وكان السيِّد الحميري لا يزال يُؤمِن مثل كُثيِّر عزَّة برجعة محمّد بن الحنفيَّة. فقد حدَّث ابن المعتزِّ -بسنده- عن محمّد بن عبد الله، قال: قال السدري راوية السيِّد: كان السيِّد أوَّل زمانه كيسانياً يقول برجعة محمّد بن الحنفيَّة وأنشدني في ذلك (٢٧):
|
حتَّى مَتى؟ وإلى مَتى؟ وكمِ المَدى؟ |
|
يا بْنَ الوصيِّ وأنتَ حيٌّ تُرْزَقُ |
وقد جلَّى عقيدته بالإمام الرابع في أبيات أُخَر كان يجيب بها على كلِّ مَنْ سأله عنها كما في فوات الوفيات (٢٨):
|
سَمِيُّ نبيِّنا لم يبقَ منهمْ تغيَّبَ غيبةً من غيرِ موتٍ وبينَ الوحشِ يَرعى في رياضٍ فحلَّ فما بها بَشرٌ سِواهُ إلى وقتٍ ومُدَّةُ كُلِّ وقتٍ |
|
سِواهُ فَعِندَهُ حصلَ الرَّجاءُ ولا قَتْلٍ وسارَ به القَضاءُ مِنَ الآفاقِ مَرْتعُها خَلاءُ بِعَقْوتِهِ لهُ عَسَلٌ وماءُ وَإنْ طالتْ عليه لها انْقِضاءُ |
فإمامه - في هذه الأبيات - تغيَّب من غير موتٍ ولا قتلٍ وسار به القضاء من غير هذين الطريقين إلى (رياض من الآفاق مرتعُها خلاءُ)، وليس يرعى فيها معه غير الوحش من الظباء، وعنده عينان نضَّاحتان، تجريان بعسل وماء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧)
ديوانه: ١٤٤.
(٢٨)
فوات الوفيات ١: ٣٤؛ وديوانه: ١٩. ثمّ راجع الأبيات وشرحها في: شاعر العقيدة
السيِّد الحميري: ٣٠.
يستعين بهما على قضيَّة الوقت الذي لا بدَّ وأنْ ينقضي (ومدَّةُ كُلِّ وقتٍ وإنْ
طالتْ عليه لها انْقِضاءُ).
وينبغي أنْ نلاحظ هنا أنَّ للسَّيِّد قصائد فيها إقرارٌ بالخلافة العبّاسيَّة،
والذَّب عنها حتَّى يرجع محمّد بن الحنفيَّة. فلم يكد أبو العبّاس السفاح يظهر
بالكوفة، ويخطب في أهلها، ويأخذ منهم البيعة حتَّى بادر السيِّد الحميري إليه،
وحفَّ به، فرحاً بانتصار العبّاسيين، ومستبشراً بقيام دولتهم، فله يقول مهنِّئاً
ومبايعاً
(٢٩):
|
دُونَكُمُوها يا بَني هاشمٍ دُونَكُمُوها لا عَلاَ كعبُ مَنْ دُونَكُمُوها فالبَسوا تاجَها خلافةُ اللهِ وسلطانُهُ قد ساسَها من قبِلكم ساسَةٌ لو خُيِّر المنبرُ فرسانَهُ والمُلْكُ لو شُووِرَ في سائسٍ لم يُبْقِ عبدُ اللهِ بالشَّامِ منْ فلستُ من أنْ تملِكوها إلى |
|
فَجدِّدوا من آيِها الطَّامِسا
أمسى عليكُم مُلْكَها نافِسا |
فهو يبارك له بالخلافة، ويراها باقية في العبّاسيين، صافية لهم، حتَّى يعود محمّد بن الحنفيَّة من غيبتِهِ، وهي عودةٌ رَمَزَ لها بهبوط عيسى على الأرض. ولعلَّه لذلك وصفه الدكتور طه حسين بالمنافقة أو التقيَّة في مدائحه للعبّاسيين؛ لأنَّه (كان يستحلُّ أنْ يُظهِر غير ما يضمر، وأنْ يمدح بني العبّاس بلسانه ويلعنهم في قلبه، فيظفر بمالِهِم، ويتَّقي شرَّهم) (٣٠). وجاراه في ذلك أحمد الشايب، إذْ ظنَّ أنَّه (جمعَ بين التعصُّب للعلويين تديُّناً، ومدح العبّاسيين تكسُّباً) (٣١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩)
ديوانه: ١٢٥ و١٢٦.
(٣٠) حديث الأربعاء ٢: ٢٤٠.
(٣١) تاريخ الشعر السياسي:
٢٤٤.
ومن المحقَّق أنَّه لم يمدحهم منافقاً أو متكسِّباً أو متَّقياً، وإنَّما مدحهم
مؤمناً بهم، مسلِّماً بخلافتهم، فهم أولياء المذهب الكيساني الذي يدين به. ومعروف
أنَّ بعض الكيسانيَّة -وفيهم جمهور فرقة الهاشميَّة- كانوا يعتقدون بأنَّ
العبّاسيين ورثوا الإمامة عن أبي هاشم -عبد الله بن محمّد بن الحنفيَّة-، لأنَّه
أوصى بها لمحمّد بن عليٍّ العبّاس، فساقها محمّد لابنه إبراهيم، ثمّ ساقها إبراهيم
لأخيه أبي العبّاس السفاح. فالعبّاسيون في نظر الكيسانيَّة هم أوصياء المذهب
الكيساني، وخلافتهم صحيحة مقبولة عندهم.
ومن الطبيعي لذلك أنْ يواليهم السيِّد الحميري، ويُهلِّل لنجاحهم، ويرتضي خلافتهم،
فقد كان يعتقد أنَّ ظَفَرهم بالأُمويين وفوزهم بالدولة فوزاً لمذهبه وفرقته. ولذالك
صرَّح -كما قلنا- في تهنئتِهِ لأبي العبّاس السفاح بأنَّ خلافته تجديد لخلافة عليِّ
بن أبي طالب (عليه السلام)، كما ربط تأييده لبني العبّاس بغياب محمّد بن الحنفيَّة،
فإذا رجع وجب أنْ يتنازلوا له عن الإمامة، ويُسلِّموا الخلافة.
وما زال السيِّد يقول بمذهب الكيسانيَّة حتَّى لَقِي الإمام الصادق (عليه السلام)
بمكَّة أيّام الحجِّ فناظره وألزمه الحجَّة، فرجع عن ذلك، واعتنق مذهب الإماميَّة،
وهو القائل
(٣٢):
|
ولمَّا رأيتُ الناسَ في الدِّينِ قد غَوَوْا
وَدِنْتُ بدينٍ غيرِ ما كنتُ دائِناً
ولكنَّهُ ممَّا مضى لِسبيلهِ |
|
تَجعْفرتُ باسمِ اللهِ فيمَنْ تَجعفرُوا |
والقائل أيضاً (٣٣):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢) ديوانه: ٩٥ و٩٦.
(٣٣) المصدر نفسه: ١٤٥.
خولة: هي أُمُّ محمّد بن الحنفيَّة.
|
تركتُ ابنَ خولةَ لا عن قِلى |
|
وإنِّي لَكالكَلِفِ الوامِقِ |
ومن هنا ليس صحيحاً ما يزعمه أبو الفرج الأصفهاني (٣٤)، ومَنْ تبعه من المحدِّثين من أمثال أحمد الشايب (٣٥) وشوقي ضيف(٣٦) وحسين عطوان(٣٧)، من أنَّ السيِّد قد ظلَّ على كيسانيته إلى الرَّمق الأخير من حياتِهِ. يدلُّ على ذلك ما ذكرناه من أبيات، فضلاً عن قوله من قصيدة بعثها للإمام الصادق (عليه السلام) يشرح فيها أسرار اعتناقه لمذهب الكيسانيَّة، وقوله هو (٣٨):
|
وما كانَ قولي في ابنِ خَولةَ مُبْطِناً
ولكنْ رُوِينا عن وَصِيِّ محمّدٍ |
|
مُعاندةً مِنِّي لِنَسْلِ المُطَيَّبِ |
فحجَّته في مقام الثبوت -كما يُعبِّر الأُصوليون- أنَّ الرواية التي صحَّت عن الإمام عليٍّ (عليه السلام) وصيِّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) صريحة في غيبة وليِّ الأمر سنين... (٣٩).
|
فلمَّا رُوِيِ أنَّ ابنَ خَولةَ غائبٌ وقُلنا هو المهديُّ والقائِمُ الذي |
|
صَرفْنا إليهِ قولَنا لمْ نَكْذِبِ |
فالمسألة -إذن- مسألة اجتهاد؛ لأنَّ الرواية الأُولى تنصُّ على غيبة إمامه، والرواية الثانية تقول إنَّ محمّداً قد غاب ولم تتحدَّث عن غيبة غيره، فإذن تسلم له النتيجة أنَّه هو الإمام، فليصرف القول إليه غير مُكذِّب وليتمَّ له اعتناق هذا المذهب بخصوصه حتَّى يبدو له ما ينقض إحدى مقدّمتيه، وفعلاً بدا له ما ينقض هذا المذهب واعتنق مذهب الإماميَّة أصحاب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حتَّى إنَّه قال ينعى نفسه قبل وفاته (٤٠):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) انظر: الأغاني ٧: ٢٣٦.
(٣٥) انظر: تاريخ الشعر
السياسي: ٢٤٥.
(٣٦) انظر: تاريخ الأدب
العربي، العصر العبّاسي الأوَّل: ٣١٢.
(٣٧) انظر: الشعراء من
مخضرمي الدولتين الأُموية والعبّاسية: ١٩١.
(٣٨) ديوانه: ٤٨.
(٣٩) المصدر نفسه: ٤٩.
وانظر: شاعر العقيدة السيِّد الحميري: ٤٣ و٤٤.
(٤٠) المصدر نفسه: ١١٦.
|
يا أهلَ كوفان إنِّي وامقٌ لكم |
|
مذْ كنتُ طِفلاً إلى السَّبعينَ والكبرِ |
فأئمَّة الشاعر -بعد الوصيِّ- جماعة عبَّر عنهم بلفظ الجمع (السيِّدينِ أُولي
الحُسنى)، وإمامه الذي سيغيب هو (نجلهم) لا محمّد بن الحنفيَّة الذي كان أخاً
للإمام الحسين (عليه السلام).
ونعدو السيِّد الحميري إلى الشاعر عليٍّ الخوافي، الذي عاش في عصر الإمام الرِّضا
(عليه السلام)، وعندما تُوفّي الإمام (عليه السلام) رثاهُ بقصيدة ذكر فيها الإمام
الحجَّة (عليه السلام)، وتمنَّى خروجه وإقامة دولة الحقِّ والإصلاح في هذه
الأُمَّة، إذْ قال
(٤١):
|
في كلِّ عصر لكم منَّا إمام هدى
أمست نجوم سماء الدين آفلة |
|
فربعهُ آهلٌ منكم ومأنوسُ |
ومثل الخوافي، القاسم بن يوسف. وقد عمل في خلافة المأمون فكانت إليه جباية السواد. ونرى الصولي يروي له في كتاب الأوراق أشعاراً شيعيَّة مختلفة في مديح بني هاشم وبيان فضائل الإمام عليٍّ (عليه السلام)، وفي رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) وندبه ندباً حارَّاً، مُلوِّحاً بيده في وجه الشيخين أبي بكر وعمر، وفي وجوه خصوم الإماميَّة، مشيراً إلى مهديِّهم المنتظر (عليه السلام) الذي سيأخذ بثأرهم، فيقول (٤٢):
|
إنِّي لأرجو أنْ تنالهُمُ بالقائمِ المهديِّ إنْ عاجلاً |
|
منّي يدٌ تشفي حَوَى الصَّدرِ أو آجلاً إنْ مُدَّ في عُمْري |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤١) مقتضب الأثر في النصِّ
على إمامة الاثني عشر: ٥١.
(٤٢) الأوراق (قسم أخبار
الشعراء): ١٨٢.
وإذا تركنا هذا الشاعر إلى أبي تمام الطائي، قيل لنا: إنَّه كان من رؤساء الرافضة
(٤٣)، وكان له شعرٌ في أهل
البيت (عليهم السلام) كثير.
وقد أورد له الحافظ ابن شهر آشوب المازندراني في كتابه المناقب قصيدة -حُذِفَت من
ديوانه المطبوع- يذكر فيها الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) حتَّى انتهى إلى
الإمام المهدي (عليه السلام). والظاهر أنَّه ذكر فيها ما بعد أبي جعفر الثاني
(الإمام الجواد (عليه السلام))؛ لكونه كان معتقداً إمامتهم بما ثبت من الآثار
المرويَّة في الاثني عشر (عليهم السلام). يقول أبو تمام
(٤٤):
|
ربِّيَ اللهُ والأمينُ نبيِّي |
|
صفوةُ اللهِ والوصيُّ إمامي |
وعلى شاكلة أبي تمام، شاعر أهل البيت (عليهم السلام) دعبل بن عليٍّ الخزاعي. فقد أتاه نبأ عهد المأمون للإمام الرِّضا (عليه السلام) بالخلافة من بعده لسنة (٢٠١ه)، وكان المأمون لا يزال بخراسان فارتحل إليهما ولم يكد يَمْثُلُ بين أيديهما حتَّى أنشد تائيته المشهورة (٤٥):
|
مدارسُ آياتٍ خَلتْ من تِلاوةٍ |
|
ومنزلُ وحيٍ مُقْفرُ العَرَصَاتِ |
وقد صوَّر فيها ما نزل بالعلويين من كوارث في (كربلاء) و(فخٍّ) نائحاً على قتلاهم وخاصَّة الإمام الحسين (عليه السلام) نواحاً مؤثِّراً ويفيض في حرمانهم من الاستمتاع بحقِّهم في الخلافة آملاً في خروج مهديِّهم المنتظر (عليه السلام) الذي يملأ الأرض عدلاً بعد أنْ مُلئت ظلماً وجوراً، وفيها يقول (٤٦):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣) الكنى والألقاب ١: ٣٠،
نقلاً عن الجاحظ في كتابه الحيوان، إذْ قال: (وحدَّثني أبو تمام وكان من رؤساء
الرافضة).
(٤٤) مناقب آل أبي طالب ١:
٢٥٤.
(٤٥) شعره: ٧١.
(٤٦) المصدر نفسه: ٧٤ - ٧٦.
|
مَلامَكَ في أهلِ النَّبيِّ فإنَّهمْ |
|
أحبَّايَ ما عاشوا وأهلُ ثِقاتي |
فالخروج حتميٌّ وعلى لسان مَنْ لا ينطقُ عن الهوى إنْ هو إلاَّ وحيٌ يُوحى.
ودعبل على معرفة ويقين بهذا الخبر، عندما سأله الإمام الرِّضا (عليه السلام): «فهل
تدري مَنْ هذا الإمام؟ ومتى يقوم؟»، فقال: لا يا مولاي، إلَّا أنِّي سمعت بخروج
إمام منكم يُطهِّر الأرض من الفساد ويملأها عدلاً كما مُلئت جوراً
(٤٧).
فالشاعر ذكر مسألة عقديَّة تخصُّ المشروع التكميلي للإمامة ألَا وهو الإمام الغائب
(عليه السلام)، فكان خطابه الشعري بوتقة للتفاعل ما بين نصِّه الحاضر والنصِّ
الغائب - حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) -، فجعله أداةً ناجحةً داخل تجربته
يُقلِّبها وينهلُّ من معانيها ليرسم صورة المستقبل ويُذكِّر بقضيَّة الإمام المهدي
(عليه السلام)، وأنَّه سيخرج لا محالة ويُعيد الحقوق إلى أصحابها، ولذلك هو متفائل
بالمستقبل وغير مبالٍ بالموت؛ لأنَّ عقيدته الولاء والمحبَّة لأهل البيت (عليهم
السلام). ولمَّا كان عصر دعبل يطغى بالفوضى والاضطراب والصراع والمنازعات من
الناحية السياسيَّة للاستيلاء على الخلافة، فلا بدَّ - إذن - من إعادة الحقِّ، وهي
عودة مأمولة تُمثِّل الأمان لهذه الأُمَّة، وأنَّ الظهور أمرٌ من الله تعالى،
وأنَّه يأتي بغتة مثل الساعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧) أُصول الكافي ١: ٣٣٨.
لقد أُعجب بالقصيدة الإمام الرضا (عليه السلام) فخلع عليه حُلَّةً من ثيابِهِ،
ويُقال: إنَّ أهل مدينة (قم) المقدَّسة اشتروا منه الحُلَّة بثلاثين ألف درهم، كما
اشتروا الدراهم المضروبة باسم الإمام الرِّضا (عليه السلام) كلَّ درهم بعشرة. ويقول
ابن المعتزِّ: (إنَّ أهل هذه المدينة قسَّطوا له كلَّ سنة خمسين ألف درهم)
(٤٨).
وما دمنا قريبين من مدينة (قم) المقدَّسة فلا ضير أنْ نذكر شاعرها محمّد بن إسماعيل
بن صالح الصَّيمري - وهو من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام) -، فله قصيدة يمدح
فيها أهل البيت (عليهم السلام) ويتعرَّض فيها للإمام الحجَّة (عليه السلام)، ويذكر
فيها أنَّ للإمام غيبتين لا بدَّ منهما، وبعدهما سوف يظهر وينشر العدل والرفاه، وهو
أمل هذه الأُمَّة المترقب. يقول
(٤٩):
|
عَشْرُ نجومٍ أَفَلَتْ في فُلْكِها |
|
ويُطْلعُ اللهُ لنا أَمثالَها |
وللشاعر عليِّ بن الحسين المعروف بلقب ابن الرومي قصيدة عصماء رثى بها الثائر الطالبي يحيى بن عمر العلوي الذي ثار ضدَّ بني العبّاس أيّام المتوكِّل والمستعين. وفي هذه القصيدة يُصوِّر هذا الشاعر مظالم بني العبّاس وما جنوه على الأُمَّة المحمَّديَّة، ويُبشِّر بانقراض دولتهم وإقامة دولة الحقِّ على يد الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) الذي رمز إليه بأوصاف من قبيل (إمام الحقِّ) و(الثائر في منطوى الغيب) دون تصريح باسمه؛ بسبب شدَّة الأوضاع التي عاصرها هذا الشاعر سنة ثلاث وثمانين ومائتين، أي بدايات الغيبة الصغرى (٥٠)، يقول ابن الرومي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨) انظر: تاريخ الأدب
العربي (العصر العبّاسي الأوَّل): ٣٢١.
(٤٩) مقتضب الأثر في النصِّ
على إمامة الاثني عشر: ٥٥.
(٥٠) ديوانه ٢: ٤٩٦ و٤٩٧.
|
غُرِرْتُم إذا صَدَّقْتُمُ أنَّ حالةً
فَيُدرِكُ ثارَ اللهِ أنصارُ دينِهِ |
|
تدوم لكم والدَّهرُ لَونانِ أخْرَجُ |
فهو يُشير إلى حتميَّة ظهور المهدي الموعود وإزالة دول الجور، وأنَّ ظهوره سيكون
بعد غيبة، مصرِّحاً بأنَّ ما أنزله الجائرون من ظلم بأهل البيت النبوي (عليهم
السلام) هو ثأر الله تعالى، والله تعالى مُدرِك ثأره حتماً بأنصاره المخلصين وبإمام
الحقِّ المهدي المنتظر (عليه السلام).
وإذا تقدَّمنا قليلاً بعد ابن الرومي عثرنا على مقطوعة مؤلَّفة من سبعة أبيات،
للشاعر أبي فراس الحمداني، أورد فيها ذكر الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)
وعدَّد ألقابهم، واختتم كلَّ بيت منها باسم عليٍّ (عليه السلام). وفيها يقف
متضرِّعاً راجياً بعاطفة حارَّة وبإيمان متين قلَّ نظيره في بعض المُترفين ناهيك عن
أبناء الملوك والسلاطين. يقول أبو فراس
(٥١):
|
لستُ أَرجُو النَّجاةَ مِنْ كلِّ ما أَخْ |
|
شاهُ إلَّا بأحمدٍ وعَلِيِّ |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥١) ديوانه ٣: ٤٢٩ و٤٣٠.
وثَمَّة مقطوعة ثانية في ذكر آل البيت (عليهم السلام)، يقول فيها(٥٢):
|
شَافِعِي أحمدُ النَّبيُّ وَمَوْلاَيَ |
|
عَلِيٌّ والبِنْتُ والسِّبْطانِ |
فهو في كلا القطعتين يرجو الله تعالى متوسِّلاً بأهل البيت (عليهم السلام)، محمَّد
وعليٍّ وفاطمة (عليهم السلام) حتَّى قائم آل محمّد (عليه السلام) الذي ينتظرهُ
بلهفة؛ ليُظهِر (حقي مُحمَّد)؛ وليشفع له (يوم لا ينفعُ إلَّا غُفران ذي الغفرانِ).
وما من شكٍّ أنَّ استحضار الحمدانيين أُمراء دولة الثغور، وعلى رأسهم أبو فراس
المجاهد المؤمن بانتظار الإمام، الانتظار الإيجابي، يحسم الأمر تاريخياً؛ لأنَّ هذه
الدولة التي عاصرت الغيبتين: الصغرى والكبرى. وعاصرت النيابتين: الخاصَّة والعامَّة
- وفارسها وأميرها الشاعر الذي يشهد شعره بولائه لأهل البيت (عليهم السلام) ويشهد
تاريخه بتحمُّله أعباء الجهاد في دولة الثغور، وآلام الأسر في سجون الروم الأعداء -
ما ينمُّ عن ارتكاز مفهوم الانتظار الإيجابي العملي في وعيها الملتصق بالمفهوم
الإسلامي كتاباً وسُنَّةً، وعترةً وسيرةً.
ويمكن أنْ نضمَّ إلى أبي فراس الحمداني شعراء آخرين كانوا يتَّخذون من العقيدة
المهدويَّة مثالاً يحتذونه، وطريقاً يسلكونه، للتعبير عن عاطفتهم الدينيَّة البريئة
نحو النبيِّ وآل بيته (عليهم السلام)، ومن هؤلاء الشعراء أبو الفتح محمود بن الحسين
المعروف ب (كشاجم)، فهو يُثبِت مصاديق الأثر النبوي حين يذكر الإمام المهدي (عليه
السلام) بعد أنْ عدَّد أسماء الأئمَّة (عليهم السلام)، إذْ قال
(٥٣):
|
نبيِّي شفيعي والبتول وحيدر بِجَعْفَرْ بموسى بالرِّضا بمحمَّدٍ |
|
وسبطاهُ والسَّجّاد والباقر المجدِ |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي نحو هذا المعنى يقول الصاحب بن عباد (٥٤):
|
بمحمَّدٍ وَوَصيِّهِ وابْنَيْهِما |
|
وبعابِدٍ وبباقِرَيْنِ وكاظِمِ |
وقريب منهما فكرة وصياغة قول الفقيه الشافعي أبو الفضل يحيى بن سلامة الحَصْكَفي (٥٥):
|
حَيْدَرةٌ والحَسَنانِ بَعْدَهُ |
|
ثمَّ عليٌّ وابنُهُ مُحمَّدُ |
وكذلك قول الشريف الرَّضي (٥٦):
|
معشرٌ مِنهُمْ رسولُ
اللهِ والكاشفُ |
|
الكَرْبِ إذا الكَرْبُ
عرَا |
أمَّا شاعر الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) أبو محمَّد العوني الغسّاني فقد نظم في الإمام المنتظر (عليه السلام) أبياتاً يقول فيها (٥٧):
|
سلامٌ على الطهر المسمَّى بجدِّه |
|
سلامَ حزينِ القلبِ عبرتُه تجري |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤) ديوانه: المستدرك ق
١٩٢/٢٧٤. وانظر: مناقب آل أبي طالب ١: ٢٦٥.
(٥٥) البداية والنهاية ١٢:
٢٩٧ و٢٩٨. وانظر: مناقب آل أبي طالب ١: ٢٥٥.
(٥٦) ديوانه ١: ٥٠ و٥١.
وانظر: مناقب آل أبي طالب ١: ٢٥٥.
(٥٧) مناقب آل أبي طالب ١:
٢٥٨.
وفي هذا الاتِّجاه ذاته يقول الشاعر نفسه (٥٨):
|
السيِّد المهدي والقائم في |
|
الأرض الذي غُيِّب فهو المنتظَر |
وفي مثله يقول الأمير حسام الدولة أبو الشَّوك فارس بن محمَّد (٥٩):
|
بالعسكريينِ اعتصامِي من لظى |
|
وبقائمٍ من آلِ أحمد في غدِ |
ومنه لمهيار الديلمي يمدح أهل البيت (عليهم السلام) ويذكر قائمهم (٦٠):
|
عسى سطوةُ الحقِّ تَعْلُو المُحال |
|
عسى يُغْلَبُ النقصُ بالسُّؤَدُدِ |
ويطول بنا الأمر لو رحنا نتتبَّع قصائد الموالين لأهل البيت (عليهم السلام)
ومُحبِّيهم في مهديِّهم المنتظر (عليه السلام)، ففي ما نقلناه من أمثلة غُنْية،
ويكفي أنْ نعلم أنَّ هؤلاء الشعراء قد آمنوا إيماناً شديداً بإمامهم الغائب الذي
بشَّر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمَّة الطاهرون (عليهم السلام).
وقد لا نتعجَّل الحقائق إذا قلنا: إنَّ الاضطهاد الذي حاق بالشيعة، هو الذي قوَّاها
في نفوس الشعراء؛ لأنَّه لم يعد أمامهم إلَّا أنْ يحلموا بالإنقاذ؛ ولذا كانت هذه
القصائد تُمثِّل رفضاً سياسياً واضحاً -للواقع السيِّئ الذي كان يعيشه الشاعر-
فضلاً عن كونها تنفيساً نفسياً عمَّا يصطرع في نفس الشاعر من آمال وأحلام ورؤية
للواقع بأفضل ما يكون من السعادة والهناء، ولعلَّه من هنا كان الطلب من الله بتعجيل
الظهور لتغيير الواقع الذي ضاقت به الصدور نتيجة الظلم والجور والفقر والعوز الذي
كانت تعاني منه الناس آنذاك.
المتمهِّدون في العصرين الأُموي والعبّاسي:
المتمهدي: هو كلُّ مَنْ ادَّعى المهدويَّة كذباً وزوراً. أو نُسِبَتْ إليه -
في حياته - وسكت عن ذلك؛ بدافع الدَّجَل وحُبِّ الرئاسة، أو لجلب القلوب واكتساب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٨) المصدر نفسه ١: ٢٥٨.
(٥٩) المصدر نفسه ١: ٢٥٦.
(٦٠) ديوانه ١: ٣٠٠.
القدرة والعظمة. ونجد مصاديق هذين المعنيين عند خلفاء بني أُميَّة وبني العبّاس.
إذْ يبدو أنَّ بريق عقيدة الشيعة في المهدي المنتظر (عليه السلام)، وخروجه في آخر
الزمان؛ ليملأ الأرض أمناً وعدلاً بعد أنْ مُلِئَت خوفاً وجوراً، قد دفع بعض أنصار
البيت السفياني من الأُمويين إلى القول بمهدي من بني سفيان بن حرب بن أُميَّة.
فقد أورد أبو الفرج الأصفهاني
(٦١) رواية تذهب إلى أنَّ
خالد بن يزيد بن معاوية هو الذي وضع خبر السفياني وكبَّره، وأراد أنْ يكون للناس
فيه طمعٌ، حين غَلَبهُ مروان بن الحَكَم على المُلك، وتزوَّج أُمَّه إمعاناً في
إذلاله.. حتَّى إنَّ الكثيرين من المسلمين -من غير الشيعة- قد آمنوا بأنَّ (إماماً
سفيانياً) سوف يظهر ويُعيد الخلافة إلى البيت السفياني. ثمّ قال بهذه العقيدة
المروانيون، فزعموا أنَّ الخليفة المرواني القائم هو (المهدي المنتظر). والمرجَّح
أنَّهم راموا من هذا الادِّعاء إلى أنْ يتمكَّنوا من المسلمين وأنْ يستميلوهم،
ويبعثوا في الوقت نفسه اليأس في قلوب الشيعة والسفيانيين جميعاً من زوال حكمهم
وانتقاله إلى غيرهم.
فسليمان بن عبد الملك بن مروان -كما يقول الفرزدق- (المهدي) الذي جاء ذكرهُ في
التوراة والزَّبور، وحدَّث عنه القساوسة والأحبار، ففي عهده سينعم المسلمون بالخير
والعدل، وبالعزَّة والنصر المبين
(٦٢):
|
أنتَ الذي نَعَتَ
الكتابُ لَنَا |
|
في ناطِقِ التَّوراةِ
والزُّبْرِ |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦١) الأغاني ١٧: ٧٧٧. ثمّ
انظر في ذلك كلِّه: الشعر السياسي من وفاة الرسول إلى نهاية العصر الأُموي: ٣٢٤.
(٦٢) ديوانه: ١٩٦. وانظر:
الشعر السياسي من وفاة الرسول إلى نهاية العصر الأُموي: ٣٢٤.
ويقول في كلمة أُخرى (٦٣):
|
وألقيتَ من كَفَّيْكَ حَبْلَ جَماعةٍ |
|
وطاعةَ مَهديٍّ شَديدِ النَّقائمِ |
وهذا ما ردَّده نهار بن توسعة أيضاً، عند مدحه سليمان بن عبد الملك، ساعياً إلى أنْ يغرس في أذهان الناس فكرة أنَّ سليمان هو المهدي المنتظر (٦٤):
|
له رايةٌ بالثَّغر سوداءُ لم تزل على طاعة المهدي لم يبقَ غيرها |
|
تفضُّ بها للمشركين جموعُ |
ويرى جرير في سليمان ما رآه الفرزدق ونهار بن توسعة، فهو (المهدي) العادل، العالم بالشريعة، المنقذ من الفساد والظلم، والسائر في سياسته على سنَّة النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) (٦٥):
|
سليمانُ المباركُ قد عَلمتُمْ |
|
هو المهديُّ قد وضَحَ السبيلُ |
ويُردِّد جرير في أكثر من قصيدة هذه المعاني التي تدور حول فكرة واحدة، وهي أنَّ الحاكم المرواني هو (المهدي) اختاره الله ليكون خليفته على الناس وإماماً لهم. فهشام مثل والده عبد الملك هداهُ اللهُ بهدْيهِ، وعصمهُ بحبلٍ متين من قدرته، وأولاهُ من الكرامات ما جعله يهدي الناس إلى دينِهِ القويم، ويشفع لهم عنده، فهو إمامهم المهدي، يستقيم به دينهم، وتصلح حياتهم، وهو وسيلتهم إلى الله تعالى ليحيل ببركةٍ منه، وبشفاعتِهِ، خوفهم أمناً، وجدبهم خصباً. يقول جرير (٦٦):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٣) المصدر نفسه: ٥٦٠.
(٦٤) شعره: ق ١٩/١٠٠.
(٦٥) ديوانه: ٣٥٨.
(٦٦) المصدر نفسه: ٤١٢.
وانظر: الشعر السياسي من وفاة الرسول إلى نهاية العصر الأُموي: ٣٢٦.
|
إلى المهديِّ نَفزَعُ إنْ فَزِعْنا |
|
ونَستَسْقِي بِغُرَّتِهِ الغَمَاما |
ويُكرِّر المعنى ذاته عند تولِّي عمر بن عبد العزيز الخلافة مدَّعياً أنَّه المهدي المنتظر، وأنَّ الله قد قدَّر له الخلافة كما قدَّر من قبل النُّبوَّة لأنبيائِهِ، فيقول (٦٧):
|
أنتَ المباركُ والمهديُّ سِيرَتُهُ |
|
تَعصِي الهوى وتقومَ اللَّيلَ بالسُّورِ |
ومثل هذه الصفات تدلُّ -إنْ صحَّ ما نذهب إليه من الفهم- على أنَّ الشاعر الأُموي
كان مطَّلعاً على المعاناة التي عاشتها جماهير الأُمَّة وهي ترزح تحت ظلِّ بني
أُميَّة، واحداً تلوَ الآخر، فقد أدرك أنَّ أهمَّ ما يشغل هذه الجماهير في عصر
الأُمويين، هو البحث عن خليفة عادل يستطيع إنقاذها من وطأة الظلم، ومن هنا سعى
الشاعر إلى استغلال آلام الناس وهمومها خدمةً لِأَهدافه السياسيَّة، فاستعان بفكرة
المهدي المنتظر، بعد أنْ عَمَدَ إلى تحويرها لتتلاءم مع أهدافه السياسيَّة، فإذا
كانت الشيعة تقول بغيبة الإمام المهدي، وتنتظر عودته؛ ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد
أنْ مُلِئَت ظلماً وجوراً، فإنَّ الشاعر الأُموي حاول إيهام الناس بأنَّ الخليفة
الأُموي القائم بالحكم هو المهدي الذي انتظروه؛ ليُحقِّق لهم العدل.
وصفوة القول: إنَّ شعراء الحزب الأُموي قد تأثَّروا بفكرة المهدويَّة، فنسجوا عليها
بما ينسجم مع مقولة المدح التي كانوا يمدحون بها أسيادهم من البلاط الأُموي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٧) المصدر نفسه: ٢٣٨.
فهم اختارهم الله تعالى ليخلفوه في الأرض، فضلاً عمَّا يتمتَّعون به من سطوة ومهابة
وقوَّة وشكيمة. وكلُّ خروج عليهم هو خروج على إرادة الجماعة النابعة من إرادة الله
تعالى الذي جعلهم أئمَّةً، واستخلفهم ليكونوا خلفاءً على المسلمين جميعاً.
ومثلما كان لعقيدة المهدي صدى قويَّاً في شعر الأُمويين، فقد اعتمد عليها الشعراء
العبّاسيون وأخذوا يُجيِّرونها لممدوحيهم و(يزايدون) بها على مُبدعيها أنفسهم؛
لإضفاء التأثير الذي كان يتركهُ شعرهم في نفوس المسلمين. فلا يكاد عهد أبي جعفر
المنصور يُظلِّل الشعراء حتَّى قصدوه مادحين ومصوِّبين لسياستِهِ ومنافحين عن
خلافتِهِ.
ومن أوائل الشعراء الذين داهنوه، واستظهروا في مداهنتهم له أبو دُلامة، حتَّى قيل:
إنَّه لم يصل إلى أحد من الشعراء ما وصل إليه من المنصور خاصَّة.
وكان أوَّل ما جعله يُسْنى له الجوائز داليَّته التي مدحه بها حين قَتَلَ أبا مسلم
الخراساني، وفيها يقول
(٦٨):
|
أبا مُجرمٍ ما غيَّرَ اللهُ نعمةً |
|
على عبده حتَّى يُغيِّرها العَبْدُ |
وواضح أنَّه يُلقِّب المنصور في البيت الثاني بالمهدي، وأنَّه المنقذ الذي يُخلِّص
الناس من بلاياهم، ويملأ الأرض عدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً، ويهدي الناس إلى الطريق
السَّويِّ المستقيم.
إنَّ الاسم الحقيقي للمهدي إنَّما هو محمَّد، ولعلَّ المنصور لاحظ ذلك حين لقَّب
ابنه محمَّداً بالمهدي، وكأنَّهُ كان يُريد أنْ يُوحي للناس بأنَّه المهدي المنتظر.
على أنَّ من الشعراء مَنْ مضى مثل أبي دُلامة يُلقِّبه نفسه بهذا اللقب. مع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨) الشعر والشعراء: ٧٧٨.
العلم أنَّ المنصور كان قد بايع -قبل ذلك- محمَّد بن عبد الله المحض المعروف بالنفس
الزكيَّة، الذي نُسِبَت إليه المهدويَّة.
ولعلَّ هذا ما أدركه سُديف بن ميمون حين مضى ينتقد أبا جعفر المنصور دامغاً له
بالاستبداد والطغيان، وسفك الدماء، ساخراً من صفة المهدي التي كان يخلعها عليه بعض
أنصاره، ومنذراً له بجيش كثيف، كقوله(٦٩):
|
أسرفتَ في قَتْلِ الرَّعيَّةِ ظالماً فلتأْتِيَنَّكَ رايةٌ حَسَنِيَّةٌ |
|
فاكْفُفْ يَديْكَ أَضَلَّها مَهْدِيُّها |
وينتهي عهد المنصور، فيستقبل ولده المهدي عهداً جديداً. ولعلَّ أوَّل ما يُلاحَظ عليه أنَّه استغلَّ من اسمه ولقبه طريقاً يسلك منه إلى دعوى عريضة. فقد ادَّعى بأنَّه هو محمَّد المهدي الذي بشَّر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: إنَّه يملؤها عدلاً وقسطاً. ولذا يصفه المؤمَّل بن أَميل المحاربي بأنَّه... (٧٠):
|
هو المهديُّ إلَّا أنَّ فيه |
|
مشابه صورة القمر المنيرِ |
ويصفه ابن المولى بأنَّه القائم بالخلافة(٧١):
|
إلى القائم المهديِّ أعملتُ ناقتي |
|
بكلِّ فلاةٍ آلُها يترقرقُ |
أمَّا بشّار بن برد فلا تخلو قصيدة من القصائد التي مدح بها المهدي من الإجلال لشخصيته وأُسرته، والدعاية لسياسته، والمقارعة عن حقِّه في الخلافة. وهو عنده المهدي الحقيقي الذي تتحدَّث عنه الكتب والذي ينتظرهُ المسلمون (٧٢):
|
سَمِيُّ مَنْ قامت الصلاةُ به |
|
لم يأتِ بخلاً ولم يقل كذبا |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٩) العقد الفريد ٥: ٣٤٦.
(٧٠) الأغاني (طبعة ساسي)
١٩: ١٤٧.
(٧١) الأغاني ٣: ٢٨٦. الآل:
السَّراب.
(٧٢) ديوانه ١: ٣٢٧.
ويُؤكِّد في قصيدة ثانية -يهجو فيها الحسن بن إبراهيم بن عبد الله العلوي- بأنَّ المهدي هو وارث الخلافة الشرعي، وأنَّه مهدي بني العبّاس الذي زهد في متاع الدنيا ونعيمها، ووهب نفسه لنصرة الدِّين وحراسته، يقول (٧٣):
|
تَعَزَّ بصبرٍ عن خلافةِ أحمدٍ |
|
وكُلْ رغداً ممَّا تشرَّفتَ وارقدِ |
ونراه يُصرِّح في قصيدة ثالثة بأنَّ المهدي أحقّ بالإمامة وأولى بها، مع تأكيده بأنَّه المهدي المنتظر بما لفَّقه العبّاسيون من أحاديث نحلُوها للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وزعموا فيها أنَّه أوصى بأنْ تكون الخلافة لعمِّهِ العبّاس، وأنَّه أشار إلى أنَّ المهدي يكون من وِلْدهِ، دَعْماً لدولتهم، وهَدْماً لِمَا كان يعتقده الشيعة من أدلَّة على حقِّهم في الخلافة (٧٤):
|
عُرفتَ أمير المؤمنينَ برقَّةٍ |
|
علينا ولم تُعرف بفخرٍ ولا كِبرِ |
وإذا كان بشّار قد تطرَّف في مدائحه للمهدي، وضمَّنها ما اخترعهُ العبّاسيون من أحاديث وضعوها على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحمَّلوها شهادته بأنَّ الخلافة لهم، وأنَّ المهدي يخرجُ منهم، فإنَّ مروان بن أبي حفصة تابعهُ في هذا التطرُّف، فقد وصفه بأنَّه المصطفى المهدي، وأنَّه الإمام الذي يشعُّ ضوؤُهُ في الليالي المظلمة فيهدي السائرين إليه (٧٥):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٣) المصدر نفسه ٣: ٧٣.
(٧٤) المصدر نفسه ٣: ٢٨٤.
(٧٥) شعره: ١٠٢.
|
إلى المُصْطَفى المهديِّ خاضَتْ رِكابُنا |
|
دُجَى اللَّيلِ يَخْبِطْنَ السَّريحَ المخَدَّمَا |
وكان للسِّيِّد الحميري موقف يختلف عن مواقف غيره من الشعراء، فقد وجد أنَّ ادِّعاء
الخليفة بأنَّه هو المهدي المنتظر لا يتَّفق مع عقيدته الإماميَّة (الجديدة)، التي
كانت إلى ذلك التاريخ تعتقد أنَّ المهدي لم يُولَد بعد، وأنَّه سَيُولَد بعد حين،
فكيف يدَّعي الخليفة ذلك، ويُضلِّل به الناس؟
وهذا بالطبع ما لا يستطيع أنْ يصبر عليه بحال من الأحوال، ولذا قال معرِّضاً به
(٧٦):
|
ظَنَنَّا أنَّهُ المهديُّ حقَّاً |
|
ولا تَقعُ الأُمورُ كما ظَنَنَّا |
وتبلغ المهدي هذه الأبيات، وهو رجل جديد العهد لم يُجرِّب بعد كما جرَّب أبوهُ المنصور ليصبر عليه وعلى أمثاله ويحتفظ بهم كدعاة لتوطيد عناصر مُلْكِهِ في البلاد، فيغضب ويقول فيه: (هذا شعره وما أحتاج فيه برهاناً على ذلك)، ثمَّ يطلبهُ، فيضطرُّ هو إلى الاستتار والتخفِّي عنه، ويظلُّ متخفِّياً عنه مدَّة يضيق بها عليه الأمر فيفزع بالآخرة إلى التقيَّة التي هي من مبادئ عقيدته الجديدة، ويتَّخذ منها مجنَّاً يتدرَّع به للطوارئ، ثمّ يظلُّ يلتمس الفرص لإرضائِهِ، وربَّما استغلَّ أقربها إليه، وقد تكون هي فرصة أخذ البيعة لولديه موسى وهارون، فيقبل عليه يُهنِّئه بهذه القصيدة (٧٧):
|
آليتُ لا أمدحُ ذا نائلٍ |
|
من مَعْشرٍ غيرَ بني هاشِمِ |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٦) ديوانه: ٢٠٦ و٢٠٧.
(٧٧) المصدر نفسه: ١٨٩
و١٩٠. ثمّ انظر: شاعر العقيدة السيِّد الحميري: ٩٤.
|
وطاعةُ المهديِّ ثُمَّ ابنِهِ |
|
موسى على ذي الإربَةِ الحازِمِ |
ومضى الشعراء يمدحون الهادي بعد المهدي مضيفين عليه نفس صفات القداسة والجلال من مثل قول العمَّاني مسبِّحاً بحمد الله تعالى الذي وهب للناس المهدي الهادي (٧٨):
|
الحمدُ للهِ الذي بحمدهِ |
|
مَنَّ على عبادهِ بعبدهِ |
ولا يطلّ عهد هارون حتَّى يقصدهُ مروان بن أبي حفصة ويمدحهُ بقصيدة تشبه ترانيم الكهنة، خلع عليه فيها وعلى أخيه الهادي من قبله، لقب المهدي المنتظر الذي تُبشِّر به الأسفار ويتشوَّق إليه الناس، مردِّداً أنَّهما من نسل المهدي الأوَّل، وفيها يقول (٧٩):
|
مُوسى وهَارُون هما اللَّذانِ |
|
في كُتُبِ الأخبارِ يُوجَدانِ |
وفي نحو هذا المعنى يقول أبو العتاهية يمدح هارون (٨٠):
|
إمامَ الهُدَى أَصْبحتَ بالدِّينِ مَعنيَّا |
|
وأَصْبحتَ تَسقي كُلَّ مُستَمطرٍ رِيَّا |
ولإبراهيم الموصلي في مثله (٨١):
|
إذا ظُلَمُ البلادِ تَجَلَّلْتنا |
|
فهارونُ الإمامُ لها ضِياءُ |
وظاهرٌ من كلِّ ما أسلفنا أنَّ الشعراء الذين أيَّدوا العبّاسيين، استظهروا حقَّهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٨) طبقات ابن المعتزِّ:
١١١.
(٧٩) شعره: ١١٠.
(٨٠) ديوانه: ٤٨٩.
(٨١) الأغاني ٥: ٢١٧.
في الخلافة، وخلعوا عليهم الألقاب التي كان الشيعة يُطلِقونها على أئمَّتهم،
ومتأثِّرين بالأساطير التي كان العبّاسيون يُروِّجونها من أنَّ النبيَّ (صلى الله
عليه وآله وسلم) أوصى بالخلافة إلى جدِّهم العبّاس، وأنَّه صرَّح بأنَّ المهدي
المنتظر يخرج من بين صفوفهم.
وقد يسأل سائل بعد ذلك فيقول: إنَّ من أئمَّتكم وأولادهم وأحفادهم -كما تناولتم في
هذا البحث- مَنْ نُسِبَت إليهم المهدويَّة وسكتوا عن ذلك، من نحو عليِّ بن أبي طالب
(عليه السلام) وابنه محمَّد بن الحنفيَّة، وحفيده زيد بن عليٍّ.
والحقُّ أنَّ الإجابة عن هذا السؤال يسيرة؛ لأنَّ هؤلاء الذين نُسِبَت إليهم
المهدويَّة إنَّما ادَّعاها لهم أصحابهم وأتباعهم بعد مماتهم، أمَّا في حياتهم فلم
يشهد التاريخ أيَّ تصريح لهم بذلك، بل رفضوا ذلك -جملةً وتفصيلاً-، وأكَّدوا أنَّهم
هُداة إلى الله تعالى فقط، ولهذا بشَّر محمَّد بن الحنفيَّة بالمهدي وقال ناقلاً
الرواية عن أبيه (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المهدي
منَّا أهل البيت يصلحه اللهُ في ليلة»
(٨٢).
كما روى محمَّد بن بكير، قال: دخلت على زيد بن عليٍّ (قدس سره) وعنده صالح بن بشير،
فسلَّمتُ عليه -وهو يُريد الخروج إلى العراق-، فقلت له: يا بن رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم)، متى يقوم قائمكم؟ قال: يا بن بكير، إنَّكَ لم تلحقهُ، وإنَّ
الأمرَ يليه ستَّة من الأوصياء بعد هذا -الصادق (عليه السلام)-، ثمَّ يجعل الله
خروج قائمنا فيملأها قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً. قلتُ: يا بن رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم)، ألستَ صاحب هذا الأمر؟ قال: أنا من العترة، فعدتُ فعاد
إليَّ، فقلتُ: هذا الذي تقولهُ عنك أو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
قال: لو كنتُ أعلمُ الغيب لاستكثرت من الخير، ولكن عهدٌ عهدهُ إلينا رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم). ثمَّ أنشأ يقول
(٨٣):
|
نحنُ منَّا المصطفى |
|
المختارُ والمهديُّ مِنَّا |
وقبله قال جدُّهُ الإمام عليٌّ (عليه السلام)(٨٤):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٢) حلية الأولياء ٣: ١٧٧.
(٨٣) أعيان الشيعة ٢٣: ٧٦.
(٨٤) ينابيع المودَّة: ٤٩٥.
|
سَقَى اللهُ قائِمَنا صَاحِبَ |
|
القيامةِ والنَّاسُ في دَأْبِها |
وله أيضاً(٨٥):
|
فللّهِ درُّهْ من إمامٍ سُمَيْدعٍ وما قلتُ هذا القَوْلَ فخراً وإنَّما |
|
يذلُّ جيوشَ المشركينَ بصارِمِ |
وللإمام الكاظم (عليه السلام) في مثله، مشيراً إلى الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام) ومنهم الإمام الحجَّة (عليه السلام) (٨٦):
|
أنا ابنُ منى والمشعرينِ وزمزَمِ |
|
ومكَّة والبيت العتيق المعظَّمِ |
فالأئمَّة (عليهم السلام) وأبناؤهم وأحفادهم، كلُّهم متَّفقون على أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام)، هو إمام من أهل البيت (عليهم السلام) حيٌّ لم يمت، ولكنَّه اختفى من وجه الظلم، وهو يظلُّ مختفياً إلى أنْ تُتاح له الفرصة للظهور واسترداد الحقِّ وإقامة العدل. ولهذا قال الإمام الصادق (عليه السلام) وقد أنشدناهُ من قبل:
|
لكُلِّ أُناسٍ دولةٌ يرقبونها |
|
ودولتنا في آخرِ الدَّهرِ تظهرُ |
خاتمة:
بالجملة لقد ساهم شعراء أهل البيت (عليهم السلام) في رفد الأدب العربي بالقصائد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمقطعات المتضمِّنة لسيرة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، فقد وضع أُولئك
الشعراء بين أيدينا صورة واضحة عن سلوك هذا (المصلح المهدي (عليه السلام)) ودوره في
بناء المجتمع الإسلامي، وإرساء قواعد الفكر الأصيل، وتشويق الناس إلى الأدب الرفيع،
وحثِّهم على السيرة الصالحة، وما فيها من الأبعاد الأخلاقيَّة والعقائديَّة
والسياسيَّة.
ولقد كان لعقيدة المهدي (عليه السلام) صدىً قوي في شعر الأُمويين والعبّاسيين
تأثُّراً ببريق هذه العقيدة الشيعيَّة. فإذا كان شعراء الشيعة لم ينأوا بأنفسهم
بعيداً عن نظرية الإصلاح، ومَنْ يُمثِّلها من أهل البيت النبوي (عليهم السلام)،
فإنَّ الشعر في ركاب بني أُميَّة وبني العبّاس لم يُقصِّر في ذلك المعنى، بل غلا
فيه وزاد عليه؛ إحساساً من الشعراء أنَّ مشاعر الناس وقلوبهم أقرب إلى الوقوف
بعيداً عن الأُمويين والعبّاسيين رغم اتِّساع ملكهم وسخاء أيديهم.
ومن هنا لا نبتعد عن الواقع إذا قلنا: إنَّ أكثر هذا الشعر الذي قيل -رغم جودته- لم
يكن صادراً عن إيمان قائله به وتفانيه في سبيله -على خلاف شعراء الشيعة الذين كانوا
ينشدون شعرهم عن إيمان صادق وعقيدة أصيلة في أنفسهم-؛ لأنَّ شعراء بني أُميَّة وبني
العبّاس كانوا يقولون شعرهم إمَّا تقليداً أو استنشاداً أو رغبةً في صلة أو تحامياً
لأذى أو تحاشياً لاضطهاد. غير أنَّنا نُسجِّل في الوقت نفسه، وبكثير من الثقة، أنَّ
هذا الشعر هو ضربٌ مبتدع من القول الجديد جعلهُ يسير في موكب السياسة مُمْسِكاً
بأسبابها غير متخلِّف قيد أنملة عمَّا جرى من أحداث وما نشب من عظائم الأُمور.
على أنَّ الأمر الذي ينبغي لنا أنْ لا نغفله أيضاً، هو أنَّ الشعر هنا، كلَّهُ في
خدمة الفكرة يستقصي المعاني دون الألفاظ، والمضمون دون الشكل، فجاء خالياً من زخرف
اللفظ ولكنَّه جاء -في الوقت نفسه- ثريَّاً بعمق الأفكار وازدحام المعاني.
استقراء التطوّر الفكري
في مسيرة التراث المهدوي الشيعي
الباحث مجتبى السادة - السعودية - صفوى
بحث مشارك في مسابقة خاتم الأوصياء (عجّل الله فرجه) للإبداع الفكري وحاز على المركز الخامس
العقيدة
المهدويَّة قضيَّة عامَّة تخصُّ البشرية كلِّها، وهي أيضاً عقيدة مركزية في
الدين الإسلامي، وقد كتب العلماء جيلاً بعد جيل وإلى زماننا هذا، مصنَّفات
عديدة في العقيدة المهدويَّة ومن جوانب شتّى، حتَّى غدا البحث في المهدويَّة
ميداناً معرفياً له مزاياه المنفردة، وأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في
الطليعة، ممَّا شكَّل ثروة فكرية هائلة.
تواجه الباحث حول التراث المهدوي الشيعي مصاعب كبيرة، من قبيل أنَّ المعلومات
والبيانات المتوفِّرة حول هذا الموضوع لا يمكن أن تكون وافية لدراسة قائمة على
الموضوعية ومنهج البحث العلمي، وذلك للحجم الهائل لهذا التراث وسعته، بالإضافة
لضياع الكثير من مفرداته. ولذا انبثقت هذه الدراسة التي سنحاول فيها إن شاء
الله: دراسة التطوّر الفكري والمعرفي في الثقافة المهدويَّة الشيعية على ضوء
المسار التاريخي، ورغم أهمّية هذا الموضوع إلَّا أنَّه لم ينل نصيبه من اهتمام
الباحثين والمختصّين إلَّا قليلاً، وظلَّ يفتقر للدراسات التي تتناول تاريخ
تطوّره، علماً بأنَّنا لسنا في مقام الرصد والاستقصاء لتلك المصنَّفات التي
عنيت بتدوين القضيَّة المهدويَّة.
من الحقائق الثابتة: أنَّ العقيدة المهدويَّة منذ فجر التاريخ وإلى يوم القيامة
لن تتغيَّر أو
تتطوَّر، ولكن فهمنا لها هو الذي يتغيَّر ويتطوَّر، ومع مرور الأيّام نستوعب
مفاهيمها أكثر فأكثر. إذاً دراسة التراث المهدوي الشيعي والتغيّرات التي طرأت
عليه عبر مراحل التاريخ، تعطينا فكرة واضحة عن تطوّر فهم الإنسانية واستيعابها
للمهدوية، علماً بأنَّ إدراكنا في الوقت الحالي لا زال قاصراً للإحاطة بجميع
جوانبها حيث يخيم عليه ضباب وحجاب (الغيبة).
لقد تشكَّل التراث المهدوي الشيعي على مدى مساحة من الزمن تزيد على (١٤٠٠عام)
تطوَّرت فيها الأفكار والمعارف والعلوم. ومثل هذه المساحة الزمنية تتطلَّب أن
نندفع لالتقاط عناصر هذا التطوّر وفق سياق المسيرة التاريخية، وهذا يتطلَّب
منّا دراسة مجمل الظروف والمؤثِّرات ومناخات المعرفة والفكر والسياسة والأحداث
بشكل عام، وعليه فما نُقدِّمه هنا هو رؤية أوَّلية لتقويم تطوّر الأداء الفكري
في التراث المهدوي.
إنَّ استقراء التطور المعرفي المهدوي ومن خلال دراسة شاملة للكتب ذات الشأن
المهدوي يمكن أن نختزله في ثماني مراحل وأطوار أساسية، سنتحدَّث بتفصيل مناسب
عن كلِّ واحدٍ من هذه الأطوار -وهذا هو صلب البحث-، ونُسلِّط الضوء على
المستجدّات المتراكمة في الثقافة المهدويَّة عبر المسيرة التاريخية، وتأثير
الأوضاع السياسية على النتاج الفكري المهدوي، ونبدأ من فجر التاريخ مروراً
بالعصر الإسلامي ووقتنا المعاصر واستشفاف أولويات المرحلة وآفاق المستقبل.
علماً أنَّ اهتمامنا في هذا البحث لن ينصبَّ على الكمِّ وإنَّما على الكيف.
ونُحِبُّ أن نجيب باختصار على تساؤل قد يثار لمن يقرأ هذا البحث، وخاصَّة لمن
يطَّلع على سعة التراث المهدوي الشيعي، فيتعجَّب من كيفية استعراض هذا التراث
وقراءة سياقه ومساره في هذه الصفحات المحدودة، والجواب على ذلك من عدَّة وجوه:
أوَّلاً: أنَّ
التراث المهدوي الشيعي مع كثرته وسعته ممتلئ بالتكرار.
ثانياً: أنَّنا في هذه الدراسة سنُركِّز على القضايا الكبرى التي تميَّز بها
التراث المهدوي في مراحله التاريخية، ولا نهتمُّ كثيراً بالتفاصيل.
ثالثاً: نُسلِّط الضوء على الأطوار الفكرية وعلاقة الأوضاع السياسية آنذاك على
التراث المهدوي وما تضمَّنه من تطوّر أو انكماش أو تغيّرات جوهرية في مستواه
الفكري.
وفي ختام هذه المقدَّمة نتمنّى أن يكون هذا الجهد المتواضع نواة وباكورة لبحوث
ودراسات قادمة في مثل هذا الموضوع، ونأمل أن يفتح هذا العمل البحثي باباً
مهمّاً لدراسات مستقبلية تقوم ببحوث تحليلية وبنقد موضوعي للتراث المهدوي
الشيعي.
التراث المهدوي الشيعي:
يُعرَّف على أنَّه: مصطلح شامل يتَّسع لكلِّ ما له علاقة بالإمام المهدي
(عليه السلام) من نصوص القرآن والسُّنَّة واجتهادات العلماء، وهو لا يقتصر
بالضرورة على الإنتاج الفكري، بل يتَّسع ليشمل كلَّ ما خلفه الشيعة عبر العصور
من أشكال متعدِّدة ثقافية وفنّية وفكرية، وبشتّى اللغات وفي كلِّ بقعة من بقاع
الأرض، وبعبارة مختصرة: هو السجل الكامل للنشاط الشيعي في مجال القضيَّة
المهدويَّة.
إنَّ التراث المهدوي الشيعي تتَّضح أبرز صوره في الكتب والمصنَّفات وضروب
التأليف التي تعطي انطباعاً كبيراً عن أهمّية القضيَّة المهدويَّة، والمحاضرات
الصوتية للعلماء، والشعر المهدوي بشتّى أشكاله، وفي العصر الحديث الأفلام
الوثائقية المهدويَّة، بالإضافة للأشكال الأُخرى من أنواع التراث، ممَّا كان له
بالغ الأثر في المحافظة على المهدويَّة الأصيلة وصونها من الانحراف والتضليل.
قبل بدء البحث:
تواجه الباحث حول التراث المهدوي الشيعي مصاعب كبيرة، من قبيل أنَّ
المعلومات والبيانات المتوفِّرة حول هذا الموضوع لا يمكن أن تكون وافية لدراسة
قائمة على الموضوعية ومنهج البحث العلمي وذلك للأسباب التالية:
١- الكتب والمصنَّفات الشيعية القديمة التي كُتِبَت في مجال العقيدة المهدويَّة
تكاد تكون كلُّها مفقودة، وأنَّ معظم التراث المهدوي الشيعي في مرحلة صدر
الإسلام الأوَّل وكذلك في عصر الغيبة الصغرى قد ضاع تماماً، ولا نجد في عصرنا
الحالي إليه سبيلاً.
٢- محاربة السلطات الحاكمة الظالمة للعقيدة المهدويَّة ومحاولة تحريف مفاهيمها،
كونها تُمثِّل التهديد الحقيقي لتلك الأنظمة، وبالخصوص إبّان الدولة الأُموية
والعبّاسية، ممَّا دفعها لاتِّخاذ بعض الإجراءات بمنع تدوين أيِّ حديث شريف أو
كتابة أيِّ شيء له علاقة بالمهدي (عليه السلام).
٣- انحياز معظم الحكومات (قديماً وحديثاً) إلى مذهبها الديني، فتؤكِّد على
مذهبها وتنشر كتب المتون والشروح حوله، وتلغي لصالحه تراث الفِرَق الإسلاميَّة
الأُخرى، ويصل منطق الإلغاء والتغييب إلى حدِّ الحظر والمنع لكتب المذاهب
المختلفة، ممَّا أثَّر سلباً على التراث المهدوي الشيعي.
٤- إنَّ ممَّا يزيد مشقَّة الباحث في دراسة شاملة عن التراث المهدوي، انعدام أو
قلَّة توفّر الدراسات المهدويَّة التاريخية المتخصِّصة والتي تواكب التغيّرات
التي طرأت على هذا التراث في العصور المختلفة، ممَّا يجعل ذلك تحدّياً رئيسياً
في هذا الإطار.
من هنا نلاحظ أنَّ البحث حول التراث المهدوي بالغ العُسر، فإنَّ ما في متناول
أيدينا من أو عن هذا التراث لا يعطينا معلومات شاملة وافيه عنه، حيث إنَّ
الكثير من كتب التراث القديمة ضائع.
الهدف من الدراسة:
إنَّ ملامح الثقافة المهدويَّة المعاصرة تشكَّلت من المفاهيم والأفكار
الإسلاميَّة الأصيلة التي بُنيت عليها أُسسه، ومن التراث المهدوي الواسع الذي
تواصلت معه وانطلقت منه. لذا فقد انبثقت هذه الدراسة للتعريف بتاريخ التراث
المهدوي الشيعي، ومدى استجابة التغيّرات والمستجدّات فيه لمتطلِّبات كلِّ مرحلة
تاريخية، وسيكون تركيزنا فيها على نقطتين جوهريتين:
أوَّلاً: إعطاء رؤية واضحة عن التراث المهدوي الشيعي، ومجرى الأحداث التاريخية
المؤثِّرة في مسيرة القضيَّة المهدويَّة، لتتَّضح لنا الأزمنة الفكرية التي
مرَّ بها التراث، والمؤثِّرات الجوهرية على النتاج الثقافي المهدوي لكلِّ
مرحلة.
ثانياً: استقراء التطوّر الفكري في التراث المهدوي الشيعي على ضوء المسار
التاريخي، وسيكون معيارنا في رصد التطوّر في المنظومة الفكرية المهدويَّة هو
المنهج العلمي المتبع في كلِّ مرحلة تاريخية، وسنُركِّز على منهجين: المنهج
الروائي والمنهج العقلي، ومدى اتِّساع استخدام كلِّ منهج في مصنَّفات الفترات
الزمنية المختلفة.
إحصائيات عن التراث المهدوي الشيعي:
أهمّ ما يُميِّز أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) على طول التاريخ
هو حضارية الفكر والموقف، فقد انحاز الشيعة إلى العلم وحرّية الرأي، واهتمّوا
كثيراً بآلية المعرفة وبالأخصِّ فيما يرجع إلى تدوين العلوم والمعارف والأحاديث
الشريفة، ممَّا كان له بالغ الأثر في النهوض الفكري للطائفة وتشكيل التراث
الشيعي.
وبنظرة سريعة وبتتبُّع موجز نجد أنَّ الكتب والدراسات المهدويَّة تحتلُّ مساحة
واسعة من البحوث والتقصّي المعرفي، فالمكتبة المهدويَّة خزانة عظيمة متشعِّبة
الأبعاد ومتعدِّدة الجوانب، ومن أجل تسليط الضوء على أهمّية التراث المهدوي
وحجمه وغزارته، نودُّ الإشارة إلى الإحصائيات التي تفصح عن
حجم هذا التراث، وتعطينا فكرة عن تصانيف علماء الشيعة عبر مراحل التاريخ:
أوَّلاً: إحصائيات عن المهدي (عليه
السلام) في القرآن الكريم:
إنَّ الآيات القرآنية المفسَّرة والمؤوَّلة في الإمام المهدي (عليه
السلام) حسب ما ورد في الأحاديث الشريفة كثيرة جدّاً، فمثلا ذُكِرَ في كتاب (المحجَّة
فيما نزل في القائم الحجَّة) للسيِّد هاشم البحراني (١٢٠) آية مرتبطة بالإمام
(عليه السلام).
ثانياً: إحصائيات عن المهدي (عليه السلام)
في السُّنَّة الشريفة:
مصنَّفات حديثية كثيرة قد خصَّصت فيها فصلاً مستقلّاً عن المهدي، أو
موسوعات مستقلَّة فمثلاً كتاب (منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر) للشيخ لطف
الله الصافي الكلبايكاني، أحصى عدد (١٢٨٧ حديثاً) ممَّا رواه الفريقان في موضوع
المهدي.
ثالثاً: إحصائيات عن الكتب التي تتعلَّق
بالمهدي (عليه السلام):
عندما جلنا في عالم الكتب التي تتحدَّث عن صاحب الزمان (عليه السلام)،
وجدناه غنيّاً حافلاً، فبعض تلك الكتب أُلِّفت قبل ولادة الإمام (عليه السلام)
(٢٥٥ه)، وأنَّ المؤلف توفّى قبل هذا التاريخ بسنين، وعندما نتتبَّع ما كُتِبَ
في القضيَّة المهدويَّة عبر القرون نجده لا يكاد يُحصى، فمثلاً بيانات موسوعة
(معجم ما كُتِبَ عن الرسول وأهل البيت)(١)
يتضمَّن معلومات كافية عن (١١٤٤ كتاباً) مجموع ما أحصاه المؤلِّف عن الإمام
المهدي (عليه السلام).
رابعاً: إحصائيات للأديان التي تتعلَّق
بالمهدي (عليه السلام):
تراث حضاري كبير يتعلَّق بشأن المخلِّص الموعود، ومن كافَّة الأديان
السماوية وغيرها، فمثلاً موسوعة (معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام))(٢)
ذكرت بشارات الأديان، وقد أحصيناها فاشتملت على الآتي: في العهد القديم: أشار
إلى المخلِّص في (٥٤) نصّاً، والعهد الجديد: أشار إلى المنقذ في (٤٥) نصّاً،
وكتب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) معجم ما كُتِبَ عن
الرسول وأهل البيت (عليهم السلام) / عبد الجبّار الرفاعي، مجلَّد ٩، قسم ١٤، من
تصنيف رقم (٢٢٢١٨) إلى رقم (٢٣٣٦٢)، الطبعة الأُولى، ١٣٧١ه.
(٢) معجم أحاديث الإمام
المهدي (ج ١)، قسم بشارات الأديان، مؤسَّسة المعارف، نشر مسجد جمكران، الطبعة
الثانية، ١٤٢٨ه.
الهندوس: أشارت إلى الموعود (٧) مرّات، وكتب الزرادشتية: أشارت إلى المنجي (٦)
مرّات.
خامساً: إحصائيات شعرية تتعلَّق بالمهدي
(عليه السلام):
فمثلاً الموسوعة الشعرية المهدويَّة(٣)
ذكرت (١٧٦٣ قصيدة)، اشتملت على الآتي: (١١٣٨) قصائد الشعر الفصيح، (٥٥٧) قصائد
الشعر الشعبي، (٦٨) قصائد الأناشيد والجلوات، ل (٥٩٢) شاعراً.
آملين من عرض هذه المعلومات والبيانات والإحصائيات الموجزة والمختصرة، أن نُعطي
فكرة عامَّة عن مكانة الإمام المهدي (عليه السلام) عند المسلمين وفي فضاء
الثقافة الدينية والإنسانية، وأن نُقدِّم صورة حقيقية عن الإنتاج الثقافي
المرتبط بالقضيَّة المهدويَّة في التراث الفكري والأدبي الشيعي.
مراحل تطوّر التراث المهدوي:
إنَّ المهدويَّة كعقيدة ومنهج ربّاني وُجِدَتْ من بداية تاريخ البشرية،
منذ وجود آدم في الجنَّة، فعندما خاطب جلَّ وعلا إبليس اللعين وقال له: ﴿قالَ
رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ
الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (الحجر: ٣٦ - ٣٨)(٤)
الوقت المعلوم: أي وقت ظهور المهدي (عليه السلام)، فكان هذا الخطاب يشير
للمهدوية قبل أن تُخلَق البشرية من نسل آدم (عليه السلام)، ومستقبلاً فإنَّ
المهدويَّة باقية إلى يوم القيامة، حيث نهاية المطاف سيؤول للمتَّقين الصالحين،
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ
بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾
(الأنبياء: ١٠٥)(٥).
فالمهدويَّة منذ جنَّة آدم وإلى يوم القيامة، وعليه فدراسة التراث المهدوي
الإنساني والتغيُّرات التي طرأت عليه عبر مراحل التاريخ يعطينا فكرة واضحة عن
تطوُّر فهمنا واستيعابنا للمهدوية، مع التأكيد على أنَّ عقلنا يظلُّ قاصراً عن
الإحاطة بجميع جوانبها حيث يخيم عليه حالياً ضباب وحجاب (الغيبة).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) الموسوعة الشعرية
المهدويَّة/ الحاجّ عبد القادر عليّ أبو المكارم، الطبعة الأُولى، ١٤٣١ه، عشرة
مجلَّدات.
(٤) قال الإمام الصادق
(عليه السلام): «﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾
[الحجر: ٣٨] أي وقت قيام قائمنا». المصدر: إلزام الناصب/ الشيخ عليّ اليزدي
الحائري ١: ٦٩، الطبعة الثالثة، ١٣٩٠ه.
(٥) قال الإمام الباقر
(عليه السلام): «﴿عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾
[الأنبياء: ١٠٥] هم أصحاب المهدي في آخر الزمان». المصدر: معجم أحاديث المهدي
٧: ٣٦٩، ط ٢.
من المهمِّ أن لا ننسى ونحن ندرس مراحل أو أطوار التراث المهدوي وبالخصوص
الجانب الشيعي منه بأنَّ السياسات التي تمارسها السلطات الحاكمة والعقيدة
الدينية التي تتبنّاها لها تأثير عميق على ثقافة المجتمع، وأنَّ تفاعل العلماء
على مرِّ العصور التاريخية مع ما كان متاحاً من الحرّية الفكرية واضح الأثر في
كتاباتهم ونتاجهم الفكري والمعرفي.
إنَّ استقراء التطوُّر الفكري في التراث المهدوي الشيعي ومن خلال دراسة شاملة
للمصنَّفات المهدويَّة وعلى ضوء المسار التاريخي، يؤكِّد لنا أنَّ ثقافتنا منذ
أقدم العصور وإلى يومنا هذا مرَّت بمراحل تحولّات كبيرة. وسنقوم بالتعرُّف على
المتغيِّرات في سياقات الثقافة المهدويَّة من خلال دراسة فترات تاريخية متعاقبة
وبحسب التسلسل الزمني، وسنختزل هذه التغيُّرات والمستجدّات أو بمعنى آخر
التطوّرات في ثمانية أطوار أساسية محدَّدة المعالم وأن نُقسِّمها الى مراحل
مختلفة، وهي:
١- طور الأُمنية.
٢- طور التأسيس.
٣- طور الواقع.
٤- طور التأصيل.
٥- طور الركود.
٦- طور التفريع.
٧- طور الدفاع.
٨- طور التجديد.
ولنتحدَّث بتفصيل مناسب وبعرض موجز عن كلِّ واحدٍ من هذه الأطوار، وعن ثمرة
كلِّ مرحلة مختلفة، ونُسلِّط الضوء على أبرز التطوُّرات الفكرية أو المستجدّات
التي طرأت على الثقافة المهدويَّة.
١- طور الأُمنية: مرحلة ما قبل الإسلام
(آدم (عليه السلام) - البعثة ٦١٠ م):
بدأت فكرة المخلِّص من أعماق التاريخ، من فجر الإنسانية، من زمن أبي البشر آدم
(عليه السلام) وقصَّته مع إبليس (السجود، الوقت المعلوم)، واستمرَّت في أُفق
الإنسانية تتَّصل بمحطّات مختلفة في كلِّ مراحل التاريخ. وبنظرة فاحصة شاملة في
تاريخنا البشري، نجد أنَّ هذه الفكرة مفصلية ودقيقة تختزل في عقلية الإنسان
وتتطوَّر مع الزمن. فمسألة المنقذ والمخلِّص من المواضيع البارزة في المسيرة
البشرية واهتماماتها المتَّصلة بالعدل، بل هي إحدى الأُمنيات الكبرى عند
الأنبياء والرُّسُل والأُمم منذ القِدَم. وأنَّها في الأصل فكرة دينية سماوية
منذ القدم.
تدرُّج الأنبياء في طرح فكرة المخلِّص:
إشارات عديدة ودلالات كثيرة ومتلاحقة لفكرة المخلِّص (المهدويَّة)
انبعثت على أيدي الأنبياء السابقين، ولكن مستوى الطرح كان يتناسب من حيث العمق
والاتِّساع مع مستوى النضج الفكري الذي تكون عليه البشرية في ذلك الزمن.
في البداية ركَّزت النبوّات القديمة على ضرورة الإصلاح النفسي، الذي هو خطوة
أُولى في إصلاح المجتمع وإصلاح العالم، ومن الأنبياء الذين أكَّدوا ذلك نبيُّ
الله نوح (عليه السلام).
تميَّزت المرحلة الثانية بالإشارة إلى المخلِّص والمنقذ كأُمنية وحلم، قال
تعالى على لسان نبيِّ الله شعيب (عليه السلام): ﴿بَقِيَّتُ
اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (هود: ٨٦)، وهذا يؤكِّد
أنَّ المشروع الذي أُنيط بالإمام المهدي هو النتيجة النهائية لجهود كلِّ
الأنبياء، فيُحقَّق بذلك أحلامهم.
بعد ذلك تطوَّر الطرح في وقت لاحق فجاء التصريح بوضوح بوجود
مخلِّص يظهر في آخر الزمان، يبسط التوحيد والعدل على كافَّة الأرض، جاء ذلك في
الكتاب المنزل على داود (الزبور: المزمور ٧٢/١ - ١٥) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ
كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها
عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
وهكذا أصبحت المسألة المهدويَّة جزءاً من المنظومة الفكرية الدينية عند جميع
الأنبياء، منذ آدم (عليه السلام) وإلى خاتم الأنبياء محمّد (صلى الله عليه وآله
وسلم).
١- التراث اليهودي (العهد القديم):
الشعب اليهودي من قبل أن يُبعَث النبيُّ عيسى (عليه السلام) وبعد بعثته لا زال
ينتظر موعوده المؤمَّل، فاليهود لم يؤمنوا بالسيِّد المسيح (عليه السلام)
ورسالته، وإذا تأمَّلنا في التراث اليهودي الديني نجد فيه تصويراً لملامح ثلاثة
منتظَرين: السيِّد المسيح (عليه السلام) النبيُّ القادم، الرسول الأعظم محمّد
(صلى الله عليه وآله وسلم) النبيُّ الخاتم، الإمام المهدي (عليه السلام)
المخلِّص. ورغم وضوح هذه الرؤية وتلك الملامح في آثار الديانة اليهودية وأسفار
التوراة وكتب أُخرى، إلَّا أنَّ اليهود لم يؤمنوا بالمسيح (عليه السلام) ولا
بالنبيِّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعليه فما زالوا منتظرين كلَّ
البشائر والإشارات التي وردت في نصوص كتبهم. هناك مجموعة من كتب وآثار اليهود
الدينية (العهد القديم / التوراة أو التناخ) التي ورد فيها الحديث عن المخلِّص
والمنتظر الموعود، وقد بلغت النبوءات في هذا المجال العشرات(٩)،
وسنذكر شاهداً واحداً فقط مراعاةً للاختصار: جاء في المزمور (٧٢) من زبور داود
(عليه السلام) ما نصُّه: (اللّهمّ اعط شريعتك للمَلِك، وعدلك لابن المَلِك،
ليحكم بين شعبك بالعدل، ولعبادك المساكين بالحقِّ، فلتحمل الجبال والآكام
السلام للشعب في ظلِّ العدل، ليحكم لمساكين الشعب بالحق...، يشرق في أيّامه
الأبرار ويعمُّ السلام، ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض)(١٠).
هذا النصُّ واضح المعالم في ذكر الرسول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) صاحب
الشريعة الإسلاميَّة (شريعتك للمَلِك)، وفقرة (وعدلك لابن المَلِك) إشارة إلى
المخلِّص الموعود الذي يحكم بشريعة أبيه التي ستعمُّ العالم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) من أراد التوسُّع
والاطِّلاع على جميع البشارات حول المخلِّص، ليرجع إلى معجم أحاديث الإمام
المهدي، مصدر سابق، ج١، قسم بشارات الأديان، الطبعة الثانية، ١٤٢٨ه.
(١٠) الكتاب المقدَّس،
العهد القديم، سفر مزامير (زبور النبيِّ داود) المزمور ٧٢، النصّ ١ إلى ١٥.
٢- التراث المسيحي (العهد الجديد):
لقد بشَّر النبيُّ عيسى (عليه السلام) بظهور نبيِّ آخر الزمان (صلى الله عليه
وآله وسلم) وبأوصيائه الاثني عشر (عليهم السلام)، وبقي ذلك راسخاً في التراث
المسيحي، وذلك يعود إلى أنَّ المسيحية هي آخر الديانات قبل الإسلام، فتكون
الدلالات والإشارات والبشائر محفوظة فيها أكثر وأوضح. لذا نجد البشائر
بالمخلِّص الموعود حاضرة في التراث المسيحي الديني بشكل واضح، وقد بلغت
العشرات، وسنذكر شاهداً واحداً فقط مراعاةً للاختصار: جاء في الإصحاح (١٤) من
سفر رؤيا يوحنّا ما نصُّه: (ثمّ رأيت مَلاكاً طائراً في وسط السماء معه بشارة
أبدية، ليُبشِّر الساكنين على الأرض وكلَّ أُمَّة وقبيلة ولسان وشعب، منادياً
بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجداً، لأنَّه قد جاءت ساعة حكمه، واسجدوا لصانع
السماء والأرض والبحر وينابيع المياه)(١١).
هذا النصُّ إشارة إلى (الصيحة السماوية) التي هي إحدى علامات الظهور المحتومة،
وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ
الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ
ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (ق: ٤١ و٤٢).
وهناك نصوص عديدة عن المخلِّص موجودة في الكتاب المقدَّس، لم نشر إليها مراعاةً
لمنهج البحث.
٣- المخلِّص (المهدي) في الأديان
المختلفة:
بشائر وتنبُّؤات كثيرة حول المخلِّص نجدها في التراث الديني غير السماوي وفي
آثار الحكماء القدامى، بل حتَّى في الآثار المصرية والهندية والصينية القديمة
توجد بها دلالات وإشارات حول المنقذ. فكلُّ دين ومذهب له منقذه ومخلِّصه الذي
سيظهر في آخر الزمان، ممَّا جعل المسألة تُشكِّل محوراً مركزياً في المنظومة
الفكرية العقدية للبشرية أجمع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد، سفر رؤيا يوحنّا، الإصحاح ١٤، نصّ ٦ - ٧.
المصداق الحقيقي للمخلِّص في التراث
الديني:
إنَّ من يُمعِن النظر في نصوص التراث الديني السماوي ويتأمَّل البشارات فيها،
يرى بوضوح أنَّها تُقدِّم مواصفات للمنقذ العالمي لا تنطبق إلَّا على الإمام
المهدي (عليه السلام) طبقاً للأُطروحة الشيعية الاثني عشرية، وبالتأكيد فمن لم
يتعرَّف على آراء الإماميَّة في المهدويَّة فلن يستطيع التوصُّل إلى المصداق
الذي تتحدَّث عنه بشارات الكتب السماوية والقرآن الكريم. وعندما يكون البحث
والدراسة بأُسلوب علمي وموضوعي وبعيداً عن التعصُّب الديني سيصل الباحث للحقيقة
وإلى نتيجة منطقية واقعية، ونشير هنا إلى بعض الشخصيات العلمية وهم من مشارب
شتّى، كنماذج بحثوا الموضوع بحياد علمي فتوصَّلوا للحقيقة مثل:
١- القاضي الساباطي من أعلام (ق ١٢ه) إذ كان في بداية أمره عالماً نصرانياً ثمّ
أسلم واتَّبع المذهب السُّنّي وألَّف كتابه (البراهين الساباطية)، كانت نتيجة
تحقيقه عندما تناول إحدى البشارات الواردة في كتب إشعياء (العهد القديم) بشأن
المخلِّص وبعد أن ناقش تفسير اليهود والنصارى دحض آراءهم وقال: (إنَّ قول
الإماميَّة أقرب لما يتناوله هذا النصُّ، وإنَّ هدفي الدفاع عن أُمَّة محمّد
(صلى الله عليه وآله وسلم) مع قطع النظر عن التعصُّب لمذهب، لذلك ذكرت لك أنَّ
ما يدَّعيه الإماميَّة يتطابق مع هذا النصِّ»(١٣).
٢- الأُستاذ محمّد صادق فخر الإسلام(١٤)
الذي كان نصرانياً واعتنق الإسلام وانتمى لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)
وألَّف كتابه الموسوعي (أنيس الأعلام) في ردِّ اليهود والنصارى، وتناول فيه
دراسة البشارات وانطباقها على الإمام المهدي بن الحسن العسكري (عليه السلام).
٣- فعل مثله أيضاً الأُستاذ محمّد رضا رضائي الذي أعرض عن اليهودية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) كتاب: الإمام
المهدي في الأديان/ مهدي خليل جعفر: ٢٠، دار المحجَّة، ط الأُولى، ١٤٢٩ه.
(١٤) محمّد صادق
الملقَّب فخر الإسلام (١٢٥٠ه - ١٣٣٠ه) اشتهر بتحوّله من المسيحية إلى الإسلام
حيث وُلِدَ في عائلة مسيحية تسكن مدينة أُرومية في إيران، إلَّا أنَّه أسلم
فيما بعد وصار من علماء المسلمين الشيعة.
وكان من علمائها واعتنق الإسلام، وألَّف كتاب (منقول رضائي) الذي بحث فيه موضوع
البشارات وأثبت النتيجة نفسها.
٤- أكَّد النتيجة نفسها الأُستاذ سعيد أيّوب(١٥)
وهو باحث مسلم من أهل السُّنَّة الذي استطاع الاهتداء إلى المصداق الذي تتحدَّث
عنه بشارات الكتب السماوية عندما تعرَّف على عقيدة الشيعة في المهدي المنتظر
(عليه السلام)، حيث يقول في كتابه (المسيح الدجّال) عندما ناقش بشارة سفر
الرؤيا ليوحنّا (الإصحاح ١٢): (هذه هي أوصاف المهدي، وهي نفس أوصافه عند الشيعة
الإماميَّة الاثني عشرية)(١٦).
إذن فدراسة الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة تفتح آفاقاً أوسع للاهتداء للمصداق
الحقيقي للمخلِّص، الذي تناول التراث الديني السماوي خصوصياته طبقاً لدلالات
نصوص البشارات الواردة فيها.
ثمرة المرحلة (الطور):
أهمُّ ما تميَّزت به مرحلة ما قبل الإسلام فيما يخصُّ فكرة المخلِّص، أنَّها
مرحلة طرح الفكرة، وقد بدأ الأنبياء ذكرها بالتدرُّج حتَّى تتكامل الفكرة في
الذهن البشري، وكان يغلب على هذا الطرح أُسلوب الأُمنية والحلم، كذلك نجد أنَّ
الكتب والتراث الديني السماوي قد اتَّفقت على مجيء المخلِّص، وأنَّ جميع
الأنبياء والرُّسُل (عليهم السلام) قد ذكروه وحلموا بيومه الموعود. وممَّا هو
جدير بالذكر في تراث هذه المرحلة عدَّة نقاط:
الأُولى: أنَّ التراث الديني المتبقّي في مرحلة ما قبل الإسلام هو تراث الأديان
السماوية اليهودية والنصرانية أو تراث بعض الديانات المختلفة كالصابئة
والهندوسية والزرادشتية، ورغم اختلاف العقائد والأديان بشكل كبير بينها إلَّا
أنَّ جميعها مشترك ومتَّفق على فكرة المخلِّص (المهدي (عليه السلام)) الذي هو
حلم الإنسانية المشترك وهو الأُمنية الكبرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) وُلِدَ في مصر سنة
١٩٤٤م في أُسرة سُنّية المذهب، وهو مفكِّر ومؤلِّف قدير وداعية، وهو صاحب
الكتاب الرائع (معالم الفتن) صدر عام ١٤١٦ه الذي يُعَدُّ من أكثر الكتب صراحة
وواقعية في دراسة فتنة افتراق المسلمين بعد ابتعادهم عن آل البيت (عليهم
السلام). وكان سبب اهتدائه إلى التشيُّع هو: الاقتناع بالأُطروحة المهدويَّة
الشيعية بعد بحثٍ شاقٍّ في أوضاع الأُمم السابقة وفتن المسلمين بعد وفاة الرسول
(صلى الله عليه وآله وسلم)، ودراسته للمهدوية أو فكرة المخلِّص عند اليهود
والمسيحيين والمسلمين، في كتابه القيِّم: عقيدة المسيح الدجّال، طُبِعَ عام
١٤١١ه.
(١٦) كتاب: عقيدة
المسيح الدجّال في الأديان/ سعيد أيّوب: ٣٧٩.
الثانية: أنَّ التحقيق العلمي الدقيق في موضوع الاعتقاد بالمخلِّص في التراث
الديني السماوي يُوضِّح لنا حقيقة: أنَّ التراث الإسلامي هو أكثر معرفة وتوضيح
بتفاصيل المخلِّص (المهدي (عليه السلام)) من بقيَّة الأديان الأُخرى، وذلك
لغزارة ما ورد فيه وكثرة التفاصيل عن المهدي وصفاته وخصائصه وعلامات خروجه آخر
الزمان. وتأتي في المرتبة الثانية الديانة المسيحية، وذلك للبشارات العديدة
والواضحة عن المخلِّص كما جاء في (الإنجيل) وصرَّح به المسيح (عليه السلام) عن
هويته والإشارة إلى أبرز علامةٍ لخروجه (الصيحة السماوية). ثمّ يأتي اليهود
بالدرجة الثالثة، وذلك لكثرة ما ورد في أسفارهم (التوراة) بحتمية مجيء المنقذ
وانتصاره الكبير في يوم الله الأعظم. وهكذا على التوالي تأتي بقيَّة الأديان
والفلسفات الأُخرى(١٧).
الثالثة: أنَّ اختلاف الأديان والفِرَق والمذاهب في تشخيص هوية المخلِّص رغم
الاتِّفاق على أصل الفكرة والمبدأ، ناشئ من سوء تفسير أو تأويل نصوص التراث
الديني السماوي، وليس الاختلاف من نصوص البشارات نفسها، وكذلك محاولة تطبيق
النصوص وإيجاد مصداق لهذه الشخصية من الدين أو المذهب نفسه بدافع العصبية
الدينية.
٢- طور التأسيس: مرحلة صدر الإسلام
(البعثة ١٣ قبل ه - ٢٦٠ ه):
تعود جذور القضيَّة المهدويَّة عند المسلمين إلى صدر الإسلام الأوَّل، وإلى عهد
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي بشَّر بظهور حفيده وأخبر بتطهير
الأرض من الظلم والفساد على يديه، فصارت مسألة المهدي (عليه السلام) من الأُمور
البديهية ومن المسائل المسلَّم بها لديهم، فكانوا ينتظرون ظهوره ليُصلِح شأن
العالم، ولهذا لم يكونوا يتساءلون عن أصل الموضوع وعنوانه، بل كانت معظم
استفساراتهم تدور حول مسائل فرعية وتفاصيل متعلِّقة بأصل المسألة، عن هويته
ونسبه، عن صفاته وخصاله، عن غيبته وأحواله، عن علامات ظهوره ودولته إلى غير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) أشار إلى هذه النقطة الشيخ كاظم مزعل الأسدي في كتابه: المنقذ الأعظم عقيدة ومشروع الكتب السماوية: ٢٣٨.
ذلك من الاستفسارات. نعم لقد تضمَّنت المصادر الحديثية والروائية أقوال الرسول
(صلى الله عليه وآله وسلم) المتعلِّقة بالعقيدة المهدويَّة في أكثر من (٥٦٣)
حديثاً(١٨)
وصرَّح العلماء بتواترها، ممَّا جعلها من العقائد الإسلاميَّة الصحيحة
والمتَّفق عليها بين المدارس والمذاهب الإسلاميَّة.
الوضع السياسي والفكري في هذه المرحلة:
هذه المرحلة التاريخية (طور التأسيس) تميَّزت بأنَّها مرَّت بأربعة عصور
مختلفة، وهي:
الأوَّل: السيرة النبوية (٥٢ق ه - ١١ه): وقيام أوَّل دولة إسلاميَّة قادها
الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، واتَّخذت المدينة المنوَّرة قاعدة
لها، ثمّ ما لبثت أن شملت الجزيرة العربية.
الثاني: العصر الإسلامي الأوَّل (١١ - ٤١ه): تولّى فيها أربعة حُكّام، كانت
المدينة المنوَّرة ثمّ الكوفة عاصمة لها.
الثالث: عصر الدولة الأُموية (٤١ - ١٣٢ه): تولّى فيها (١٤) حاكماً، وكانت دمشق
هي العاصمة.
الرابع: عصر الدولة العبّاسية (١٣٢ - ٦٥٦ه): تولّى فيها (٣٧) حاكماً، وكانت
بغداد هي العاصمة.
بعد وفاة النبيِّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت مسألة المهدي (عليه
السلام) معروفة لدى المسلمين كافَّة، ويروي أحاديثها الكثير من الصحابة، ولكن
ممَّا يُؤسَف له عقَّب ذلك حوادث مريرة كإقصاء الإمام عليٍّ (عليه السلام) عن
الخلافة ومصادرة ميراث فاطمة الزهراء (عليها السلام) من أبيها، مروراً إلى
الفتن الداخلية في زمن خلافة أمير المؤمنين إلى أنْ سقط شهيداً عام (٤٠ه)،
ولمَّا تصدّى الإمام الحسن (عليه السلام) للخلافة بعده، كان معاوية (حكم ٤١ -
٦٠ه) قد أحكم قبضته على الشام ومناطق أُخرى وآل الأمر إلى بني أُميَّة، فسيطروا
على وسائل القوَّة والنفوذ، فاستشهد الإمام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨) معجم أحاديث الإمام المهدي/ مجموع أحاديث المجلَّدات الثلاثة الأُولى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، الطبعة الثانية ١٤٢٨ه.
الحسن (عليه السلام) مسموماً، واستشهد الإمام الحسين (عليه السلام) في فاجعة
عاشوراء (٦١ه) مقتولاً، إلى أنْ آلت الأُمور باجتياح جيش يزيد (حكم ٦٠ - ٦٤ه)
المدينة المنوَّرة، والإعدامات التي طالت الكثير من الصحابة، وآلاف المآسي
والآلام، وقد عانى أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم في العهد الأُموي كلَّ
صنوف الظلم والقهر، واستولى بنو أُميَّة على مقدرات المسلمين وأصبح الحكم
وراثياً عائلياً. وجاء بني العبّاس بعدهم بنفس المنهج، وكان نصيب العلويين ومن
ناصرهم في هذه الحقبة القتل والتشريد والسجن.
وممَّا يؤلم القلب ويبعث على الأسى والأسف أيضاً، أنَّ أوَّل الأعمال التي قام
بها الخلفاء بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنْ مُنِعَت رواية
وكتابة أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحرق كلّ ما وصلت إليه أيديهم
من الأحاديث النبوية، فلم يعد بوسع أحد من المسلمين أن يروي حديثاً أو يحتج
بحديث إلَّا إذا كان هذا الحديث مؤيِّداً لدولة الخلافة أو تصرّفاتها
وسياساتها، أمَّا فيما يخصُّ الأحاديث المتعلِّقة بالإمامة أو الولاية من بعد
النبيِّ أو المتضمِّنة مكانة أهل البيت (عليهم السلام) وفضائلهم فقد كانت
محظورة وممنوعة منعاً تامّاً، ممَّا حرم الأُمَّة تلك الكنوز الثمينة. وتأثَّرت
القضيَّة المهدويَّة سلباً تبعاً لذلك، كغيرها من القضايا الإسلاميَّة الرئيسية
بفقد وضياع أحاديث وتعليمات المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، واستمرَّ هذا
المنع قرابة مائة عام إلى زمن خلافة عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ه) الذي سمح
بكتابة ورواية الأحاديث النبوية.
خلال تلك الحقبة المريرة من الزمن، بذل الأئمَّة (عليهم السلام) جهوداً كبيرةً
في ربط الأُمَّة فكرياً وعاطفياً بالقضيَّة المهدويَّة وبأهدافها، فمن خلال
البشارات والتأكيدات الكثيرة الصادرة عن أهل البيت (عليهم السلام) في الإمام
الثاني عشر (عليه السلام) تأصَّلت العقيدة المهدويَّة وترسَّخت الحالة
التفاعلية مع المهدويَّة في عمق الواقع
الفكري والنفسي للأُمَّة، ممَّا دفع الأنظمة الحاكمة إلى محاربتها ومحاولة
تحريف مفاهيمها ورؤاها، كونها تُمثِّل التهديد الحقيقي لتلك الأنظمة، وخير مثال
لهذه المحاربة، أنَّ البخاري ومسلم لم يرويا أيَّ حديث صريح بالمهدي المنتظر
(عليه السلام)، خاصَّة وأنَّ الشيخين قد كتبا صحيحيهما بالتاريخ المرتقب لولادة
الإمام (عليه السلام)(١٩)،
وكان مجرَّد ذكر لفظة المهدي (عليه السلام) يثير الرعب في أوصال أركان الدولة
العبّاسية.
المهدويَّة في التراث الإسلامي:
انبثقت جذور الاعتقاد بالأُطروحة المهدويَّة عند الشيعة الإماميَّة من ركنَي
الإسلام: الكتاب والعترة، فشقَّ الاعتقاد طريقه بيسر وسهولة باعتبار أنَّ أصل
القضيَّة ومنبع الفكرة هي المصادر الرئيسية للشريعة الإسلاميَّة (القرآن
والسُّنَّة). وبنظرة فاحصة وجوهرية للتراث المهدوي الشيعي يلزم التأكيد على
ضرورة التفريق بين جهتين(٢٠)
من هذا التراث:
الجهة الأُولى: التراث المرتبط بالوحي (التراث الوحياني)، وهو عبارة عن الآيات
القرآنية والأحاديث الشريفة المرتبطة بالشأن المهدوي، والذي أضفى صفة القداسة
عليه، وهذا الجانب من التراث المعرفي (العقدي) لا يقبل إلَّا الصواب وموافقة
الحقِّ والواقع، وهو الذي يُحدِّد الإطار الديني والمنظور المعرفي.
الجهة الثانية: التراث المرتبط بالمنجز الإنساني أي الفكر المتغيِّر (التراث
البشري)، وهو عبارة عن الآراء والأفكار والنظريات المرتبطة بالشأن المهدوي،
وهذا الجانب من التراث الفكري يقبل الصواب والخطأ، وهو الذي يُحدِّد الإطار
الزمني والمنظور التاريخي والحضاري.
بالتأكيد ليس هناك انفصال بين هاتين الجهتين في التراث المهدوي الشيعي، بل هناك
وحدة وترابط وتناسق في الجانب المعرفي في المنظومة الفكرية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) الإمام (م ح م د)
بن الحسن العسكري (المهدي) وُلِدَ يوم (١٥/ شعبان/ ٢٥٥ ه).
- محمّد بن إسماعيل البخاري، صاحب الصحيح (١٩٤ه - ٢٥٦ه).
- مسلم بن الحجّاج النيسابوري، صاحب الصحيح (٢٠٦ ه - ٢٦١ه).
أي إنَّهما عاشا في نفس الفترة التي وُلِدَ فيها الإمام المهدي، وكتبا صحيحيهما
في الوقت المتوقَّع لذلك.
(٢٠) مقتبس بتصرُّف من
كتاب: من التراث إلى الاجتهاد/الأُستاذ زكي الميلاد: ٢٤١ و٢٤٢، نشر المركز
الثقافي العربي، المغرب، الطبعة الأُولى ٢٠٠٤م.
مصنَّفات مهدوية في هذه المرحلة:
صنَّف علماء الشيعة المعاصرون للأئمَّة (عليهم السلام) من عهد أمير المؤمنين
وإلى عهد الإمام العسكري (عليه السلام) ما يزيد على (٦٦٠٠ مصنَّف)(٢١)
في الأحاديث المرويَّة من طريق أهل البيت (عليهم السلام)، وامتاز من بين هذه
المصنَّفات (٤٠٠ أصل)(٢٢)
عُرِفَت بالأُصول الأربعمائة التي شكَّلت أساس الجوامع الروائية للشيعة فيما
بعد، حيث يمكن القول: إنَّ موضوع المهدي (عليه السلام) قد احتلَّ مساحة واسعة
من الحديث والرواية، فقد ذكرت المجاميع الحديثية والكتب الروائية التي بأيدينا
حالياً أكثر من (٨٧٥ حديثاً)(٢٣)
عن الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام).
نودُّ الإشارة إلى الحجم الهائل من التراث (الفكري - العقائدي) في الثقافة
الإسلاميَّة في هذه المرحلة فيما يتعلَّق بالقضيَّة المهدويَّة، فهناك بعض
الكتب تنتمي إلى المدرستين (الشيعة والسُّنَّة) كُتِبَت في الشأن المهدوي
وأُلِّفَتْ قبل ولادته، وأنَّ المؤلِّف توفّى قبل ذلك بسنين.
فقد ذكر الدكتور جواد عليّ في رسالته (المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية)(٢٤)
عناوين أكثر من (١٨) كتاباً في موضوع المهدي وأسماء مؤلِّفيها من الشيعة،
كُتِبَت قبل ولادته (عليه السلام) بعناوين (الغيبة، القائم، الرجعة).
ومن هؤلاء:
١- الفضل بن شاذان الأزدي النيشابوري، عاصر بعض الأئمَّة (عليهم السلام)، توفّى
سنة (٢٥٨ه أو ٢٦٠ه)، كان عالماً وأديباً، له خمسة كتب في الشأن المهدوي(٢٥)،
وهي بعناوين: (الغيبة، إثبات الرجعة، الملاحم، الحجَّة البليغة في إثبات
القائم، كتاب حذو النعل بالنعل). وتظهر أهمّية كتابي (الغيبة) و(إثبات الرجعة)
لأنَّ المؤلِّف ذكر روايات تتحدَّث عن تفاصيل كثيرة لم يألفها الشيعة، فالإمام
(عليه السلام) لم يكن قد وُلِدَ آنذاك، بمعنى: أنَّه كان قد تحدَّث عن الغيبة
قبل حدوث الغيبة الصغرى. وللأسف لم تصلنا أيٌّ من هذه الكتب الخمسة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) كتاب: الشيعة في
مسارهم التاريخي/السيِّد محسن الأمين العاملي: ٤٢٢، دائرة معارف الفقه، الطبعة
الثانية ١٤٢٦ه.
(٢٢) الأصل: هو الكتاب
الحديثي الذي تكون الأحاديث المدوَّنة فيه من مسموعات صاحب الكتاب من المعصوم
مباشرةً، أو ممَّن سمع عن الإمام مباشرةً أصلاً، وذلك لكونه التسجيل الأوَّل
لتلك الأحاديث والأصل الذي يُرجَع إليه.
(٢٣) معجم أحاديث
الإمام المهدي/مجموع أحاديث المجلَّدات (٥ و٦ و٧) من حديث (٥٦٤) إلى حديث
(١٤٣٩)، الطبعة الثانية.
(٢٤) جواد عليّ، رسالة
دكتوراه عام (١٩٣٩م): ١٨ - ٢٨، جامعة هامبورغ بألمانيا، منشورات الجمل، ط
الأُولى، ٢٠٠٥م.
(٢٥) جواد عليّ، مصدر
سابق: ٢١.
٢- كتاب (الفتن) للحافظ نعيم بن حمّاد الخزاعي المروزي، وهو من أهل العامَّة،
توفّي سنة (٢٢٩ه)، يحتوي كتابه على (٢٠٠٤ رواية) تتحدَّث عن علامات الساعة
الصغرى والكبرى، وأخبار المهدي (عليه السلام)، ونزول عيسى بن مريم (عليهما
السلام)، وأحداث آخر الزمان، ونعيم هو أوَّل من صنَّف كتاباً مستقلّاً في هذا
الموضوع. ويهمُّنا أنَّ المؤلِّف توفّى قبل ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)
بستّ وعشرين سنة تقريباً، وهو أقدم كتاب من تراث أهل العامَّة وصل إلينا في
موضوع المهدي (عليه السلام) في عصرنا الحالي.
٣- مسند أحمد: لأحمد بن محمّد بن حنبل الشيباني الذهلي (١٦٤ - ٢٤١ه)، كتاب مسند
في الحديث النبوي، ومؤلِّفه إمام المذهب الحنبلي، يُعتَبر من أشهر كتب الحديث
وأوسعها عند أهل العامَّة، أورد فيه (١٣٦ حديثاً)(٢٦)
تتعلَّق بالمهدي الموعود (عليه السلام).
ثمرة هذه المرحلة (الطور):
أهمُّ ما تميَّزت به هذه المرحلة فيما يخصُّ فكرة المخلِّص والتراث المهدوي،
أنَّها مرحلة التأسيس وعصر بناء الأُسس والمفاهيم من قِبَل المعصومين (عليهم
السلام)، وطور إرساء دعائم العقيدة المهدويَّة، حيث اتَّسمت ببلورة فكرة المنقذ
الموعود بشكلها النهائي، ويظهر ذلك جليّاً في الحجم الهائل من الأحاديث
والروايات الشريفة التي قيلت، والبشارات العديدة التي صدرت من بيت العصمة،
والتي تدلُّ على المكانة الهامَّة التي حظيت بها المهدويَّة في الإسلام.
وبإلقاء نظرة سريعة على التراث المهدوي في صدر الإسلام تستوقفنا بعض الملاحظات:
١- منع المسلمين من تدوين الحديث، خسَّر الأُمَّة الكثير من أحاديث المصطفى
(صلى الله عليه وآله وسلم)، وخاصَّة في مدرسة الخلفاء، حيث نقلت بعض روايات
الرسول وأقوال الصحابة للجيل اللاحق شفوياً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦) جمعت هذه الأحاديث في كتاب: أحاديث المهدي من مسند أحمد بن حنبل/ السيِّد محمّد جواد الجلالي، نشر جماعة المدرِّسين، قم المقدَّسة، الطبعة ١٤٠٩ه.
٢- كلُّ الكتب والمصنَّفات الشيعية التي دُوِّنت في هذه المرحلة اتَّسمت بتجميع
روايات أهل البيت (عليهم السلام)، والاقتصار على التدوين والتجميع من غير أيِّ
تصنيف أو تبويب مثل الأُصول الأربعمائة، وللأسف فكلُّ المصنَّفات الشيعية
المرتبطة بالشأن المهدوي في هذه المرحلة، ضاعت وفُقِدَت ولا نجد إليها سبيلاً،
إنَّما وصلنا خبرها أو الكتب التي نقلت عنها مباشرةً كالكافي مثلاً.
٣- غياب المباحث الكلامية والعقلية والاستفسارات التحليلية في القضيَّة
المهدويَّة في هذه الحقبة التاريخية.
٤- في أواخر هذه المرحلة، عمل الإمام العسكري (عليه السلام) على التمهيد لإمامة
ولده الإمام المهدي (عليه السلام)، الذي وُلِدَ في (١٥) شعبان (٢٥٥ ه)، عبر
أساليب عديدة منها: كتمان ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) خوفاً عليه من
السلطة العبّاسية، وإخبار خواصِّ الشيعة بولادة الإمام المهدي وعرضه عليهم،
والنصّ على إمامة المهدي (عليه السلام) وغيبته والإشهاد على ذلك.
نستنتج من محصَّلة هذه المرحلة نتائج إيجابية، فقد أرسى الرسول الأكرم (صلى
الله عليه وآله وسلم) والأئمَّة الأطهار (عليهم السلام) القواعد الأساسية
للعقيدة المهدويَّة فكرياً ونظرياً وفق الأُطروحة الشيعية الإماميَّة، وذلك من
خلال تشخيص المصداق للمهدي الموعود وبتعريف جامع مانع، وبتحديد تسلسل الإمامة
عبر سلسلة نسبية محدَّدة تبدأ بالنبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وتنتهي
بالوصيِّ الخاتم (عليه السلام)، فهو الإمام الثاني عشر والإمام التاسع من ولد
الحسين (عليه السلام) وهكذا، فأصبحت هويته وشخصيته معروفه لدى المسلمين.
وعملياً عبر ترسيخ فكرة المهدي المنتظر (عليه السلام) في أوساط القواعد الشعبية
لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وتهيئة الأُمَّة لاستقبال مرحلته.
٣- طور الواقع: مرحلة الغيبة الصغرى (٢٦٠
- ٣٢٩ ه):
تمتاز هذه البرهة الزمنية في تاريخ الشيعة بأهمّية خاصَّة، إذ قارب هذا العصر
على السبعين عاماً، بدأ بوفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عام (٢٦٠ه)
وتولّي الإمام المهدي (عليه السلام) الولاية والإمامة، وانتهى في الخامس عشر من
شعبان عام (٣٢٩ه) بوفاة السفير عليّ السمري (قُدِّس سرُّه) رابع وآخر نائب خاصّ
للإمام المهدي (عليه السلام). ففي هذا الفترة انتقل الشيعة إلى مرحلة جديدة في
العلاقة مع القيادة الشرعية.
أوضاع تلك المرحلة:
الأوَّل: الوضع السياسي(٢٧):
تزامنت فترة الغيبة الصغرى مع حكم ستَّة خلفاء عبّاسيين، من الخليفة الخامس عشر
المعتمد (٢٥٦ - ٢٧٩ه) وحتَّى الخليفة العشرين الراضي (٣٢٢ - ٣٢٩ه). ومن المشاكل
التي واجهت العالم الإسلامي في عصر الغيبة الصغرى ظهور القرامطة وتمرُّدهم عام
(٢٧٧ه) وفتنتهم وممارستهم للظلم والجور طيلة (٣٠ عاماً)، وهذا ما استدعى ممارسة
السلطة العبّاسية الظلم ضدَّ الشيعة بذريعة انتساب هذه الفرقة إليهم، وتصاعُد
أجواء الكبت ضدَّ الشيعة. ففي هذه الفترة من التاريخ ظهرت أيضاً دول مستقلَّة،
فانقسم العالم الإسلامي إلى ثلاثة أنظمة: الحكومة العبّاسية في بغداد، الحكومة
الأُموية في الأندلس، الحكومة الفاطمية في مصر.
الثاني: الوضع الفكري: بدأت حركة تدوين المصادر الروائية في هذه الفترة، حيث
صُنِّفت فيه كتب عديدة، منها الكتاب الشهير (الكافي).
الثالث: نظام السفارة: ففي ظلِّ الوضع الأمني المتأزِّم والذي نشأ عقب استشهاد
الإمام العسكري (عليه السلام) فإنَّ حُكّام الدولة العبّاسية يُدركون تماماً،
أنَّ المهدي (عليه السلام) - آخر الأوصياء - الذي بشَّر به النبيُّ (صلى الله
عليه وآله وسلم) ستزول دولتهم على يديه ويُقوِّض عروشهم، ولهذا بذلوا أقصى
جهودهم للقضاء عليه، وهكذا نجد أنَّ التاريخ يعيد نفسه كقصَّة موسى وفرعون، ومن
أجل هذا كانت منازل بني هاشم تخضع لمراقبة شديدة، للبحث عن الصبي الموعود. فكيف
يتصرَّف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧) نُقِلَ بتصرُّف من كتاب: بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت (عليهم السلام): ٣٢٧ - ٣٣٠، جمعية المعارف الإسلاميَّة، الطبعة الأُولى، ٢٠١١ م.
الإمام المهدي في جوٍّ خانق مليء بالجواسيس والعيون، وكيف يتسنّى له حماية نفسه
من بطش الطغاة؟ وتحذيراً من خطر القتل وإبقاء نفسه الشريفة لأجل إظهار الدين
وبأمر إلهي قرَّر اعتزال الناس بالغيبة والاستتار(٢٨).
كان لا بدَّ من إيجاد طريقة تحاول أن تعالج فراغ الغيبة، فوجد نظام (السفارة)
كنوع من الارتباط غير المباشر بالإمام الغائب من خلال سفير أو نائب خاصٍّ
يُعيِّنه الإمام (عليه السلام) بنفسه، وكانت مهمَّة السفراء رفع حوائج الناس
والسعي في حلِّ مشاكلهم، وكانت الأسئلة تُسجَّل في ورقة فيأتي جوابها بتوقيعه
(عليه السلام)، اصطُلِحَ عليها بتواقيع الناحية المقدَّسة.
إنَّ الغيبة الصغرى هي حقبة انتقالية، وهو أمر واقع تاريخياً تبرز فيه السفارة
كمقوِّم أساسي لهذه المرحلة، أدّى إلى تفاعل الأُمَّة وجدانياً وعملياً مع
القيادة الربّانية المتمثِّلة في إمام الزمان (المهدي (عليه السلام)) وذلك
تجسيداً لمبدأ الإمامة.
خصوصية الأُطروحة المهدويَّة الشيعية:
تولّى الإمام المهدي (عليه السلام) الإمامة بعد استشهاد والده الإمام العسكري
(عليه السلام) عام (٢٦٠ه)، وهذه ميزة تحسب إلى المدرسة الإماميَّة حيث إنَّها
بدلَّت حالة الأُمنية في المسألة المهدويَّة إلى حالة واقعية موجودة، فهي بذلك
تنتظر مهدياً محدَّداً، معروف الهوية والشخصية، وُلِدَ في عصره، وهو الآن حاضر
موجود.
مراحل غياب الإمام المهدي (عليه السلام):
بناءً على الوضع الأمني المتأزِّم في بداية فترة إمامته وتناغماً مع الدور
الإلهي الكبير المناط به تحقيقه، احتجب الإمام عن الناس بأمر إلهي إلى أن يأذن
الله تعالى بظهوره في اليوم الموعود. فكانت ظروف احتجابه واختفائه تُقسَّم إلى
مرحلتين:
الأُولى: الغيبة الصغرى (٢٦٠ - ٣٢٩ه):
بدأت منذ وفاة أبيه الإمام العسكري (عليه السلام)، حيث تواصل الإمام المهدي مع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨) حديث زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «للغلام غيبة قبل قيامه»، قلت: ولِمَ؟ قال: «يخاف على نفسه الذبح». المصدر: بحار الأنوار ٥٢: ٩٧.
قاعدته الشعبية عن طريق تعيين أربعة سفراء له. وإن لم يكن أمر السفارة غريباً
على أذهان الموالين (الشيعة) بعد أن كان نظام الإمامين الهادي والعسكري (عليهما
السلام) قائماً على ذلك بشكل طبيعي واعتيادي، وكان مركز السفراء الأربعة بمدينة
بغداد، ولهم وكلاء (٢٠ وكيلاً) في المدن الإسلاميَّة المختلفة، وكان الموالون
أو الوكلاء يحملون حاجاتهم للسفير من مراكز وأقطاب بعيدة ويُقدِّمون له
أسئلتهم، وبدوره ينقلها للإمام (عليه السلام)، ونظراً لأهمّية هذا الموقع
الحساس بما يحمله من إمكانيات، برز العديد من الأصوات التي ادَّعت حصولها على
شرف السفارة (كذباً وزوراً)، فابتدأت في عهد السفير الثاني الادِّعاءات الكاذبة
وتوالت في زمن الغيبة الكبرى وإلى يومنا، وهذا من أكبر الفتن عند الشيعة
الإماميَّة.
الثانية: الغيبة الكبرى (٣٢٩ه - اليوم
الموعود):
كانت وفاة السفير الرابع يوم الخامس عشر من شعبان عام (٣٢٩ه) إيذاناً بابتداء
عصر الغيبة الكبرى، وكان التوقيع الصادر عن الإمام (عليه السلام) إلى علي
السمري قبل وفاته بستَّة أيّام هو الإعلان عن انتهاء أمد الغيبة الصغرى وانقطاع
السفارة والنيابة الخاصَّة وبدء عصر الغيبة الكبرى. وبدأت مرحلة جديدة هي مرحلة
النيابة العامَّة: فالنائب العامّ لم يُشخَّص بالاسم، وإنَّما شُخِّص بالصفة
(ملكة الفقاهة).
التراث المهدوي الشيعي في هذه المرحلة:
برزت في هذه المرحلة أهمّية رسائل الإمام المهدي (عليه السلام)، فالتراث في هذه
المرحلة يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام:
١- تواقيع الناحية المقدَّسة:
أسئلة واستفسارات الشيعة في هذا العصر وإجابات الإمام المهدي (عليه السلام)
عليها يتمُّ نقلها وتداولها عبر السفير، وهي كثيرة جدّاً وعلى امتداد ما يقرب
من
سبعين سنة. ولكن للأسف الشديد (وأُكرِّرها مراراً)، فإنَّ أغلب رسائل الإمام
المهدي (عليه السلام) والذي يُقدَّر عددها بين (حدود ٨٨٢٠ رسالة في الحدِّ
الأدنى)(٢٩)
أو (حدود ٢٨٨٠٠ رسالة في الحدِّ الأعلى)، وقد أكَّد السيِّد محمّد القبانجي،
أنَّ هذا الرقم أقلّ من الحدِّ الأعلى لرسائل الإمام بكثير، حيث قال: (فيكون
مجموع التواقيع الواصلة للوكلاء عن طريق السفراء (٢٨٨٠٠) توقيع، هذا عدا مئات،
بل آلاف التواقيع المباشرة من السفير إلى صاحب الشأن والحاجة)(٣٠).
فالذي بين أيدينا حالياً من هذه التواقيع والرسائل الثمينة لا يتجاوز (٨٥)
توقيعاً(٣١)،
منها: (٣٩) دعاءً، (١٥) توقيعاً تنقل مسائل فقهية، (٣١) توقيعاً في أُمور
عامَّة وخاصَّة، أمَّا البقيَّة الكبرى منها فقد ضاع، وهذه إحدى المصائب في
القضيَّة المهدويَّة.
نشير إلى بعض المصنَّفات التي بادر بعضٌ من العلماء في العصر الحديث إلى جمع
هذا التراث النفيس مثل: كتاب (كلمة الإمام المهدي) للسيِّد حسن الشيرازي توفّى
(١٤٠٠ه)، وكتاب (موسوعة توقيعات الإمام المهدي) للشيخ محمّد تقي أكبر نجاد،
طُبِعَ (١٤٢٧ه).
٢- كتب ومصنَّفات الشيعة:
كثرت المصنَّفات في هذه الفترة التي تتحدَّث عن الغيبة، فمن المصنَّفات التي
دُوِّنت وكُتِبَت في هذه المرحلة، النماذج التالية(٣٢):
كتاب (صاحب الزمان): أبو العنبس محمّد بن إسحاق بن أبي العنبس الصيمريّ، توفّى
ببغداد عام (٢٧٥ ه). عبد الله بن جعفر بن الحسين القمي، له الكتب التالية:
(الغيبة والحيرة، المسائل والتوقيعات، قرب الإسناد إلى صاحب الأمر)، توفّى بعد
سنة (٢٩٠ه).
٣- شعر الشيعة في زمن الغيبة الصغرى:
أمَّا ما يخصُّ عدد الشعراء الشيعة وتراجم حياتهم في هذه الفترة، فقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩) حساب الحدِّ
الأدنى كالآتي:
- ٧٠ سنة (ضرب) ١٢ شهر = ٨٤٠ شهراً.
- وباعتبار كلِّ شهرين رسالة على الأقلّ كما صرَّح أحد الوكلاء (القاسم بن
العلاء، وكيل منطقة أذربيجان).
- ٨٤٠ شهر (قسمة) ٢ رسالة كل شهرين = ٤٢٠ رسالة لكلِّ وكيل على الأقلّ.
- عدد الوكلاء ٢٠ وكيل (بالإضافة) لسفير الفترة = ٢١ شخص.
- ٤٢٠ رسالة (ضرب) ٢١ شخص = ٨٨٢٠ رسالة كحدٍّ أدنى صادرة من الإمام في زمن
الغيبة الصغرى.
(٣٠) صحيفة صدى المهدي،
العدد ١٤، شهر رجب ١٤٣١ ه: من المفترض أن يكون الحدُّ الأعلى للرسائل الواصلة
للوكلاء ٣٣٦٠٠ رسالة، باعتبار رسالتين كلّ شهر، ٢٠ وكيل، ٧٠ سنة.
(٣١) قد تكون هناك
مجموعة فقرات متفرِّقة ولكن في الحقيقة تعود كلُّها إلى توقيع واحد، حيث جرى
تقطيع التوقيع الواحد الذي جاء مفصَّلاً، إلى مقتطفات ومقاطع وتمَّ تفريقها على
أبواب مختلفة من الكتب الروائية لمناسبة أو أُخرى.
(٣٢) جواد علي، مصدر
سابق: ٢٢ - ٢٥.
تعرَّض لإحصائهم السيِّد محسن الأمين، وقد أثبت أسماءهم في موسوعته الرائعة
(أعيان الشيعة)(٣٣).
ومن الملاحظ في تراث هذه الفترة أنَّه:
أوَّلاً: لم يتحدَّث أيُّ كتاب من كتب الشيعة في زمن الغيبة الصغرى (الكافي
مثلاً)، بل والفترة التي بعدها مثل كتب (النعماني والمفيد والصدوق والمرتضى
والطوسي) عن اختفاء الإمام المهدي في السرداب. نستغرب إذن! من أين جاء هذا
الادِّعاء؟
ثانياً: لماذا لم يكتب السفراء الأربعة أو
يُدوِّنوا أيَّ كتاب؟
فالسفراء الأربعة الكرام وهم من أعلام الطائفة وفقهائها قد تجنَّبوا تأليف
وتدوين الكتب، وذلك: لأنَّ شخصيتهم لم تكن تُطرَح في المجتمع كعلماء وإنَّما
كتجّار وأصحاب مهن لكي تبقى مسألة السفارة في طيِّ الكتمان والخفاء، ويجب أنْ
لا يشعر الجهاز العبّاسي تجاههم بخطر، ودون أن يثيروا أيَّ شكوك حول علاقتهم
بالإمام، ولذا اقتصروا في نشر آرائهم عن طريق الرواية الشفوية.
ثمرة المرحلة (الطور):
أهمُّ ما يُميِّز هذه المرحلة أن تبلورت فكرة المخلِّص بشكلها النهائي، وبلغت
معه أرقى صور نضجها وتحوَّلت إلى واقع ملموس، إنَّها مرحلة التأسيس العملي
للعقيدة المهدويَّة وطور البداية في العهد المهدوي الذي تنتظره البشرية منذ
آلاف السنين، حيث بدأنا الخطوة الأُولى في تجسيد الأُمنية الكبرى لجميع أُمم
العالم. وحيث إنَّ البداية اتَّسمت بظروف أمنيَّة عصيبة، والبشرية لم تتهيَّأ
بعد لاستقبال العهد الميمون، فغُيِّب الإمام بأمر إلهي عن الناس إلى أن يأذن
الله تعالى بظهوره في اليوم الموعود، فانتقلت البشرية وبالخصوص الشيعة إلى حقبة
جديدة من العلاقة مع إمام الزمان (عليه السلام) لم تعتد عليها الأجيال السابقة.
مرحلة الغيبة الصغرى بالرغم من محدودية مدَّتها، إلَّا أنَّها مهمَّة جدّاً في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٣) أعيان الشيعة/ السيِّد محسن الأمين ١: ١٦٦ - ١٧٢، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الخامسة، ١٤٠٣ه.
القضيَّة المهدويَّة، ومفصلية في تاريخ البشرية، فلو افترضنا فشل التخطيط في
هذه المرحلة ولم ينجح التنفيذ، فإنَّ النتائج سوف تكون كارثية، ممَّا يقود
الأُمَّة والقواعد الشعبية الشيعية إلى نسيان الإمام المهدي (عليه السلام) وعدم
التصديق بوجوده وولادته. ولكن الإدارة الحكيمة من قِبَل الإمام ووالده من قبله
(عليهم السلام)، بالإضافة إلى نجاح التنفيذ من قِبَل جهاز السفارة أدّى إلى
تكلُّل المرحلة بالنجاح.
نستنتج من محصَّلة هذه المرحلة: أنَّها محطَّة قصيرة في تاريخ الشيعة، إلَّا
أنَّها ضرورية للانتقال إلى مرحلة الغيبة الكبرى.
٤- طور التأصيل: مرحلة بداية الغيبة
الكبرى (٣٢٩ - ٤٤٧ه):
التمهيد الذي سبق في الغيبة الصغرى عبر نظام السفارة، جعل الشيعة تعتاد على عدم
رؤية الإمام، وأنَّ الجيل الذي كان معتاداً على الاتِّصال بقيادته الشرعية
والرجوع لها في كلِّ الأُمور قد انتهى، والجيل الجديد تعوَّد على غيبة الإمام
المعصوم (عليه السلام)، فعندما حدثت الغيبة الكبرى لم تُشكِّل صدمة لهم، إذ
ألفوا هذا النمط من الغياب والاحتجاب.
غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) لا تعني انسحابه عن دور القيادة والتوجيه
للمجتمع الإسلامي، فهو الإمام الخاتم وهو الإمام الثاني عشر للمسلمين، ونظام
الإمامة ممتدٌّ متَّصل إلى يوم القيامة. فالإمام في مرحلة الغيبة الكبرى يمارس
دوره من خلال النيابة العامَّة، ويجب على الأُمَّة في هذه المرحلة أن ترتبط
بإمام الزمان (عليه السلام) من خلال الارتباط بنوّابه (الفقهاء): «أمَّا
الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا...»
(٣٤).
في الواقع تُشكِّل الغيبة التامَّة في بداياتها حدثاً استثنائياً ومنعطفاً
حادّاً في مسيرة الشيعة، ممَّا تُحتِّم على الفقهاء القيام بجزء من دوره (عليه
السلام) والتصدّي لقيادة الشيعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) كمال الدين: ٤٨٤.
الوضع السياسي والفكري في هذه المرحلة:
وهي فترة انكماش الدولة العبّاسية وضعفها، ما أدّى إلى سيطرة البويهيين على
بغداد عاصمة الخلافة عام (٣٣٤ه) وواحدة من أهمّ أماكن تواجد الشيعة.
الدولة البويهية (٣٢١ - ٤٤٧ه): نشأت دولة البويهيين وهم شيعة اثنا عشرية،
وتشكَّلت دولتهم غير المركزية من ثلاثة فروع: فارس والريّ وبغداد. بزغ نجم
الدولة البويهية بعد فترة وجيزة(٣٤)
من الغيبة الكبرى، وسيطرتها على السلطة الفعلية للدولة العبّاسية (٣٣٤ه)،
وإحالة (منصب الخليفة) إلى موقع رمزي معنوي صوري. وبالرغم من كون البويهيين
يعتنقون المذهب الإمامي، إلَّا أنَّهم سلكوا سبيلاً وسطاً بين جميع الميول
والاتِّجاهات الدينية، هذه التوفيقية هي التي أسهمت في تهدئة الأحوال واستقرار
الأمن في البلاد، وهذا ممَّا ساعد على ترعرع العلم والثقافة.
امتاز العصر البويهي في العراق بالتمتُّع بالحرّية الدينية والفكرية والثقافية
المتاحة لجميع أفراد المجتمع من جميع الفِرَق الإسلاميَّة، ولهذا اعتبرت هذه
الفترة من أزهى العصور الثقافية، فأسهم ذلك في النهضة العلمية التي شهدتها
بغداد في القرن الرابع والنصف الأوَّل من القرن الخامس الهجري(٣٥).
الدولة الحمدانية (٣١٧ - ٣٩٤ه): كان الحمدانيون وهم شيعة اثنا عشرية، يحكُمون
الجزيرة الفراتية وشمال الشام، واتَّخذوا من حلب عاصمة لهم، دام حكمهم (٧٧)
سنة. هجم الفاطميون على حلب ودخلوها، وقبل ذلك عادت الموصل إلى كنف الدولة
العبّاسية الواقعة تحت السيطرة البويهية، لتزول بذلك الدولة الحمدانية في
الشام.
شهدت الحياة الفكرية والثقافية في عهد الدولة الحمدانية نهضة كبيرة، وتمكَّن
سيف الدولة من جعل حلب بيئة خصبة للعلوم والآداب، وكان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) لفتة تاريخية:
بدأت الغيبة الكبرى قبل خمس سنوات من استيلاء البويهيين على بغداد. بالتأكيد
بداية الغيبة ٣٢٩ ه لم يكن محض صدفة، بل هو بتلطُّف إلهي، فلو افترضنا جدلاً
أنَّ الغيبة الصغرى لا زالت مستمرَّة ونظام السفارة لا زال موجوداً، لكان هناك
تعارض وتصادم بين الحُكّام البويهيون وبين سفراء الإمام (السفير الخامس
افتراضاً)، ولتغيَّر حال الفقهاء والقاعدة الشعبية الشيعية تجاه البويهيون أو
العكس، ولما حدث هذا التطوّر الفكري والثقافي في مسيرة الشيعة في هذه الفترة
التاريخية.
(٣٥) كتاب: الدور
الحضاري للشيعة الإماميَّة، خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين (٣٠٠ -
٥٠٠ه)/ عبد الإله عليّ حسن البلداوي ١: ٩٥ و٩٦، مركز عكبرا للدراسات ، العراق،
الطبعة الأُولى، ٢٠١٢ م.
ممَّن ذهب إليها الشيخ محمّد بن إبراهيم المعروف بالنعماني في سنة (٣٤٢ه) (صاحب
كتاب الغيبة الشهير)، فأصبح البلاط الحمداني مرتع مشاهير العلماء والأُدباء
والشعراء أمثال المتنبّي. من التراث المهدوي الذي كُتِبَ في الشام في زمن
الدولة الحمدانية أو على أطراف عهدها، مجموعة من المصنَّفات نذكر منها: كتاب
(غيبة النعماني): والذي كتبه في حلب سنة (٣٤٢ه)، وكتاب (تقريب المعارف): لأبي
الصلاح تقي بن نجم الحلبي (٣٧٤ - ٤٤٧ه) والذي تطرَّق فيه إلى موضوع الإمام
المهدي (عليه السلام) في (٥٠) صفحة في مبحث (إثبات إمامة الحجَّة بن الحسن
(عليه السلام) ووجه الحكمة في غيبته)، ويُبرهِن على ذلك بأدلَّة عقلية ونقلية
ثاقبة، وكتاب (كنز الفوائد): لأبي الفتح محمّد بن عليٍّ الكراجكي الطرابلسي
توفّى عام (٤٤٩ه)، والذي تطرَّق فيه إلى موضوع الإمام المهدي (عليه السلام) في
(١٨) صفحة في مبحث (الكلام في الغيبة وسببها)، وقد كان للمؤلِّف العديد من
المناظرات الكلامية مع علماء الطوائف والأديان الأُخرى، وبالخصوص الإسماعيلية
في فترة بروز الدولة الفاطمية.
الدولة الفاطمية (٢٩٧ - ٥٦٧ه): هي إحدى دول الخلافة الإسلاميَّة في المغرب
العربي، والوحيدة التي اتَّخذت من المذهب الشيعي (الإسماعيلي) مذهباً رسمياً
لها، بويع عبيد الله بن الحسين (ت ٣٢٢ه) بالخلافة ولُقِّب بالمهدي، وهو الإمام
الحادي عشر للإسماعيلية، وقام ببناء مدينة جديدة على الساحل التونسي سمّاها
المهدية واتُّخذت عاصمةً للدولة.
استغلَّ الفاطميون ضعف الدولة الإخشيدية في مصر وتفكُّكها فاستطاع جوهر الصقلي
دخولها عام (٣٥٨ه)، وأصبحت مصر ولاية فاطمية، وبعد مرور أربع سنوات انتقلت
عاصمة الخلافة الفاطمية إلى مصر، حيث أنشأوا في عهد المعزِّ لدين الله مدينة
القاهرة في عام (٣٦٢ه) وبنوا فيها الجامع الأزهر ودار الحكمة.
شملت الدولة الفاطمية مناطق وأقاليم واسعة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط،
وضمّوا إلى سيطرتهم جزيرة صقلية والشام والحجاز فأضحت دولتهم أكبر دولة
استقلَّت عن الدولة العبّاسية، والمنافس الرئيسي لها على زعامة المسلمين، وقد
استمرَّت الدولة الفاطمية ما يقارب (٢٧٠) عاماً، وقد كانت خاتمتها عام (٥٦٧ه)
على يد الأيّوبيين.
بشكل عامٍّ كانت بلاطات الحُكّام الشيعة (البويهيين والفاطميين والحمدانيين)
منتديات للعلماء والمفكِّرين ومراكز لاستقطابهم، فالمنافسة العلمية الشديدة
والخصبة بين هذه الدول، أهَّلت هذه الفترة إلى أن يُطلَق عليها عصر النهضة في
الحضارة الإسلاميَّة، وبلغت قمَّة مجدها في القرن الرابع والنصف الأوَّل من
القرن الخامس الهجري الذي عُرِفَ بالعصر الذهبي لعلماء المسلمين.
تأصيل التراث الحديثي الشيعي:
برز الفكر الشيعي الإمامي وشهد تطوّراً علمياً فريداً في هذه الفترة، وبخاصَّة
في بغداد حيث أفرزت أجواء الحرّية المتاحة توافد العلماء عليها، ممَّا نتج عنه
طفرة علمية ثقافية، وفي وسط هذا التجمُّع العلمي الكبير برز بعض العلماء
والفقهاء الشيعة منهم: الصدوق (٣٠٦ - ٣٨١ ه)، والمفيد (٣٣٦ - ٤١٣ ه)، والمرتضى
(٣٥٥ - ٤٣٦ ه)، والطوسي (٣٨٥ - ٤٦٠ه).
هؤلاء الجهابذة العظام هم أهل التخصُّص الديني في المذهب الإمامي، وقد بيَّنوا
في مصنَّفاتهم أصالة العقيدة الإماميَّة، ومن المواضيع التي أعطوها اهتماماً
كبيراً هو موضوع الإمام المهدي (عليه السلام)، فهم أصحاب رأي سديد ومنهج عقلي
وعلمي أصيل، يُلمُّون بالدقائق المذهبية، ويغوصون في أعماق القضيَّة المهدويَّة،
ويجلون الخافي في الأُمور الكلامية، ويتجلّى ذلك بوضوح عند مطالعة مصنَّفاتهم
في هذا الموضوع، فقد تركوا تراثاً علمياً يتَّسم بالقوَّة والعمق والأصالة.
في رحم هذه المرحلة بدأت حركة تدوين نشطة تظهر عند كافَّة المذاهب
الإسلاميَّة المختلفة، فأُمّهات كتب الروايات الشيعية كُتِبَت في هذه الفترة،
وبدأت تتَّضح ملامح المدرسة الإماميَّة، وأصبحت مصنَّفات هذه الفترة مصادر
أساسية ومرجعية، وفيها كتبت الأُصول الحديثية المرجعية للشيعة الكتب الأربعة:
(الكافي) و(من لا يحضره الفقيه) و(تهذيب الأحكام) و(الاستبصار). إجمالاً هذه
الكتب تُقدِّم فكرة عمَّا كانت عليه تصانيف علماء الشيعة في هذا العصر من سعة
وشمول وعمق، ممَّا كان له بالغ الأثر في المحافظة على أحكام الشريعة الغرّاء
وسُننها وآدابها.
أهمُّ كتب التراث المهدوي الشيعي في هذه
المرحلة:
كان من البديهي تأصيل التراث المهدوي الشيعي في هذه الفترة أيضاً، فكتابة
مصنَّفات مهدوية مرجعية للشيعة لم يأتِ من فراغ، بل هو مواكب للحركة العلمية
والفكرية التي تبنّاها علماء الشيعة. إنَّ مجرَّد مراجعة إجمالية لتصنيفات
فقهاء الشيعة في بداية عصر الغيبة الكبرى، تظهر حاجة وخطورة مسألة الغيبة، وحفظ
الروايات الشريفة المرتبط بالشأن المهدوي، فانصرف العلماء لكتابة مصنَّفات
مستقلَّة عن علل الغيبة وبلورة العقيدة المهدويَّة، وأنَّ الدافع الأكبر من
ورائها يكمن في رفع الحيرة والشكِّ الذي أصاب بعض الشيعة. واعتُبِرَت بعض
مصنَّفات هذه الفترة المراجع (الأُمّ) في القضيَّة المهدويَّة، فهي التي أصَّلت
للثقافة المهدويَّة بمحافظتها على الروايات الشريفة في هذا الشأن، فكما هو ثابت
فإنَّ الوحي هو مرجعية التأصيل في المرتبة الأُولى، ولذا انطلق علماء هذه
المرحلة في البدء بتأصيل العقيدة المهدويَّة بتجميع روايات أهل البيت (عليهم
السلام) أوَّلاً، ثمّ ردّ الشبهات ثانياً، ومن هنا تبرز أهمّية هذه المصنَّفات،
ولا بدَّ من الإشارة إلى بعضها:
١- كتاب (الغيبة للنعماني): لأبي عبد الله محمّد بن إبراهيم النعماني المشهور
بابن أبي زينب، وهو من تلامذة الكليني، توفّي بحلب (عام ٣٦٠ه) في عهد
الدولة الحمدانية. هذا الكتاب أثر ثمين خصَّه مؤلِّفه في موضوع الإمام المهدي
(عليه السلام)، قسَّم الكتاب إلى (٢٦) باباً، واشتمل على (٤٧٨ رواية)، وقد
اكتفى المؤلِّف بجمع الروايات وتصنيفها بلا إضافة تعليق أو شرح إلَّا في حالات
نادرة، مكتفياً أيضاً بنقل الرواية في باب واحد من دون تكرار لها في الأبواب
الأُخرى، دوَّن النعماني هذا المصنَّف وهو في حلب (الشام)، وفرغ من تأليفه في
شهر ذي الحجَّة من سنة (٣٤٢ه)(٣٦)،
وهذا المصنَّف أقدم كتاب شيعي وصل إلينا في موضوع الإمام المهدي (عليه السلام)
في عصرنا الحالي.
٢- كتاب (كمال الدين وتمام النعمة): لمحمّد بن عليِّ بن بابويه القمّي المعروف
بالصدوق (٣٠٦ - ٣٨١ه)، كتب هذا المصنَّف بأمر الإمام المهدي (عليه السلام)،
لإِزالة بعض الشبهات التي أُثيرت عند الشيعة حول المهدويَّة، ويُعَدُّ من
المصنَّفات القيِّمة عند الشيعة الاثني عشرية، يبحث المؤلِّف فيه روائياً عن
شخصية الإمام (عليه السلام) وما يختصُّ بوجوده وغيبته وما يدور حوله في (٥٨)
باباً.
٣- كتاب (المسائل العشر في الغيبة): لمحمّد بن النعمان العكبري المعروف بالمفيد
(٣٣٦ - ٤١٣ه)، وموضوعه دفع أهمّ الشبهات التي كانت تُثار آنذاك حول موضوع
الإمام المنتظر (عليه السلام)، عالج الشيخ الإشكالات بعلاج جذري وناقشها من
جميع الجهات، واعتمد في ردِّه الشبهات على الأدلَّة النقلية والعقلية، شأنه شأن
الكتب الكلامية العميقة، وقد بدأ بتأليفه في أواخر سنة (٤١٠ه)، وانتهى منه في
سنة (٤١١ه).
٤- كتاب (المقنع في الغيبة): للسيِّد عليِّ بن الحسين المعروف بالشريف المرتضى
(٣٥٥ - ٤٣٦ه)، الكتاب من خيرة وأنفس ما كُتِبَ في موضوع الغيبة من محور البحوث
الكلامية، صنَّف كتابه بأُسلوب ونسق مميَّز على طريقة (فإن قيل... قلنا) فجاء
قويُّ الحجَّة، دحض فيه شبهات المخالفين، وأثبت غيبة الإمام المهدي (عليه
السلام) وعللها وأسبابها والحكمة الإلهيَّة التي اقتضتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦) نقلاً من مقدّمة المحقِّق/ فارس حسّون: ١٣، ط الأُولى، ١٤٣٢ه، دار الجوادين، قم المقدَّسة. وهناك بحث للسيِّد محمّد الشبيري الزنجاني بعنوان (النعماني ومصادر الغيبة) يُثبِت فيه أنَّ الكتاب يعود تأليفه إلى سنة ٣٣٦ ه، المصدر: مجلَّة (تراثنا) العددان ١٢٧ و١٢٨: ٤٢، ١٤٣٧ه، الصادرة عن مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، قم المقدَّسة.
٥- كتاب (غيبة الطوسي): لمحمّد بن الحسن المعروف بشيخ الطائفة (٣٨٥ - ٤٦٠ه)،
ألَّف الشيخ هذا الكتاب في بغداد سنة (٤٤٧ه)، ويُعتَبر من أفضل المصادر
المهمَّة في المعارف المهدويَّة التي يعتمدها الباحثون، وذلك لشموليته وعمق
ودقَّة المعلومات فيه، فالمؤلِّف ذو خبرة وإحاطة عالية بالعلوم الإسلاميَّة،
بالإضافة لتوفُّر بعض المصادر المهمَّة بين يدي الشيخ أثناء تدوينه الكتاب غير
موجودة بين أيدينا حالياً(٣٧)،
مثل: كتاب (الضياء في الردِّ على المحمّدية والجعفرية) لسعد بن عبد الله
الأشعري القمّي، وكتاب (الرجعة) وكتاب (القائم) للفضل بن شاذان، وكتاب (أخبار
الوكلاء الأربعة) لابن نوح الصيرفي، وكتاب (الأوصياء) وكتاب (الغيبة) للشلمغاني،
وكتاب (في نصرة الواقفة) لعليِّ بن أحمد العلوي، وهذا ما يرفع القيمة العلمية
للكتاب ويُبيِّن مدى أهمّيته.
وبنظرة شاملة لهذه الكتب الخمسة نجد أنَّ: كتاب (الغيبة) لابن أبي زينب
النعماني، و(كمال الدين وتمام النعمة) للشيخ الصدوق، قد اشتملا على روايات
الغيبة، فتمَّ تصنيف وتبويب الروايات الشريفة إلى موضوعات مختلفة، فانتهج
المؤلِّفان المنحى الروائي في الغالب. في حين كتاب (الفصول العشرة في الغيبة)
للشيخ المفيد، وكتاب (المقنع في الغيبة) للشريف المرتضى، انتهج المؤلِّفان
المنحى العقلي حيث اقتصرا على تناول أبحاث الغيبة من الناحية العقلية والكلامية
فقط. بينما كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي قد اهتمَّ بالمنهجين معاً حيث ذكر
روايات كثيرة بالإضافة إلى المباحث العقلية، ممَّا جعله كتاباً جامعاً مميَّزاً
في موضوعه.
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة
(٣٨):
نذكر بعض ما صنَّفه العلماء عن موضوع الإمام المهدي (عليه السلام) والدفاع عنه
في هذه الحقبة التاريخية:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٧) موقع ويكي شيعة: الموسوعة الإلكترونية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) (http://ar.wikishia.net).
(٣٨) الإمام المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية، جواد عليّ، مصدر سابق.
١- كتاب (الغيبة وكشف الحيرة): سلامة بن محمّد بن إسماعيل الأرْذني، المتوفّى
سنة (٣٣٩ه).
٢- كتاب (المهدي): أبو موسى عيسى بن مهران المستعطِف، توفّى في حدود (٣٤٥ه).
٣- كتاب (الغيبة): أبو محمّد الحسن بن حمزة، المعروف بالطبري والمرعش، توفّي
سنة (٣٥٨ه).
تواقيع الناحية المقدَّسة في هذه المرحلة:
ذكر الشيخ الطبرسي في الاحتجاج كتابين(٣٩)
أرسلهما الإمام المهدي (عليه السلام) إلى الشيخ المفيد، يتضمَّنان بعض
التوجيهات العالية، وبعض الأخبار المستقبلية الصادقة، وذلك وفقاً للمصلحة
العامَّة في أوَّل زمان الغيبة الكبرى. كلا الخطابين(٤٠)
وصل للشيخ المفيد في أواخر أيّام عمره (ت ٤١٣ه)، ويكون مضى على وفاة السمري
(السفير الرابع والأخير) ما يزيد على الثمانين عاماً بقليل، أي على انتهاء
الغيبة الصغرى عام (٣٢٩ه).
ثمرة المرحلة (الطور):
في هذه المرحلة التاريخية تمَّ وضع الأُسس لأُصول المعرفة والتراث المهدوي
الشيعي، وبناء الخريطة العلمية العامَّة في أُفق الأُطروحة المهدويَّة
الإماميَّة. وتمتاز هذه البرهة الزمنية في تاريخ التشيُّع بأهمّية خاصَّة، ذلك
أنَّ الشيعة حصلوا على حرّية نسبية في إبراز معتقداتهم بعد تشكيل حكومات شيعية
مستقلَّة (الدول: البويهية - الحمدانية - الفاطمية)، ولذا كان للعامل السياسي
دور كبير في النهضة الشيعية العلمية، وكان للظرف التاريخي أيضاً (بداية الغيبة
الكبرى) عامل مهمّ في تكوين وبلورة معارف الإمامة، فاستمرار حركة النشاط العلمي
أعطت ثمارها في تعزيز المعارف المهدويَّة وتأصيلها، حيث ساعدت الظروف السياسية
والحاجات الاجتماعية والفكرية في هذه المرحلة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩) بخصوص سند هاتين
الرسالتين: السيِّد محمّد محمّد صادق الصدر بعد أن ناقش السند قال: (يُعطي
ظنّاً كافياً بصحَّة السند، وإن كان لا يبلغ حدَّ الإثبات التاريخي). تاريخ
الغيبة الكبرى: ١٣٨. أشار المحدِّث البحراني إلى صحَّة الرسالتين في لؤلؤة
البحرين: ٣٦٣ و٣٦٧. أمَّا السيِّد أبو القاسم الخوئي ذهب في (معجم رجال الحديث
١٨: ٢٢٠)، حيث قال: (هذه التوقيعات لا يمكننا الجزم بصدورها من الناحية
المقدَّسة، فإنَّ الشيخ المفيد (قُدِّس سرُّه) قد تولَّد بعد الغيبة الكبرى
بسبع أو تسع سنين، وموصِل التوقيع إلى الشيخ المفيد (قُدِّس سرُّه) مجهول، هب
أنَّ الشيخ المفيد جزم بقرائن، أنَّ التوقيع صدر من الناحية المقدَّسة، ولكن
كيف يمكننا الجزم بصدوره من تلك الناحية؟ على أنَّ رواية الاحتجاج لهذين
التوقيعين مرسلة، والواسطة بين الطبرسي والشيخ المفيد مجهول).
(٤٠) لقراءة الرسالتين،
والاطِّلاع على شرح المفاهيم والتنبؤات الرئيسية التي وردت فيهما، ارجع إلى
كتاب (تاريخ الغيبة الكبرى) للسيِّد محمّد محمّد صادق الصدر: ١٣٧ - ١٧١.
التاريخية للشيعة في معالجة قضايا الغيبة وعللها، فقد تخطّى علماء هذه المرحلة
الطور السابق، واتَّبعوا منهج التأصيل الروائي بتصنيفه وتبويبه، بالإضافة إلى
الاجتهادات الكلامية والعقلية.
أخذت قضيَّة التأصيل للمعارف المهدويَّة قوَّة دفع كبرى في هذه المرحلة،
فالقفزة الابتكارية والرائدة التي قام بها علماء الشيعة (بكتابة المصنَّفات
المهدويَّة الروائية والكلامية في المرحلة الأُولى من عصر الغيبة الكبرى)، يضع
ما يشبه أن يكون إطاراً عامّاً في موضوع الإمام المهدي (عليه السلام) وفق رؤية
منهجية يتكامل فيها النقل والعقل. لقد تبلورت المعارف المهدويَّة وتأصَّلت
بالنتاج العلمي الخصب لعلماء هذه المرحلة، ممَّا يرمز إلى تطوّر كبير في مسار
الثقافة المهدويَّة، لأنَّه استطاع أن يعطينا نتاجاً علمياً ثميناً أهَّله
للانتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل النموِّ والتطوّر والنضج الفكري.
الحمد لله بفضل الرعيل الأوَّل من علماء الشيعة بداية الغيبة الكبرى أُصِّلت
المعارف المهدويَّة، ممَّا جعل الشيعة تقبل ظروف الإمامة الخاتمة، وتتأقلم مع
غيبة الإمام واحتجابه عن الناس. وفي عصرنا الحالي مازلنا نتغذّى فكرياً على
النتاج الثقافي والفكري لهذه المرحلة.
٥- طور الركود: مرحلة التقلّبات الطائفية
(٤٤٧ - ٩٠٧ه):
تمتاز هذه الحقبة الزمنية في تاريخ الشيعة بتحوّلات سياسية وفكرية خاصَّة، إذ
بدأت مرحلة التعصُّب الطائفي التي قادها بنو سلجوق، وانعكس ذلك على السياق
العامّ للفكر المهدوي، فعاش حالة من الانكماش والتراجع.
الوضع السياسي والفكري في هذه المرحلة:
بدأت مرحلة التعصُّب الطائفي عندما دخل السلاجقة بغداد عام (٤٤٧ه)، فسرعان ما
انحازوا إلى الاتِّجاه السلفي المتشدِّد، وأسرفوا في الفتك والبطش، وتُعَدُّ
الفترة (٤٤٧ - ٤٤٩ه) من أسوأ ما شهدته بغداد (حاضرة
العالم الإسلامي)، فقد ضاع من خلالها كثير من التراث الشيعي، وهذا الذي يُفسِّر
لنا حالة التراجع في الثقافة المهدويَّة.
الدولة السلجوقية (٤٢٩ - ٥٨٣ه):
تأسَّست على يد سلالة السلاجقة وهي سلالة تركية، لقد ظهرت الدولة عندما قاد
طغرل بك السلجوقي حرباً مع الدولة الغزنوية في إقليم خراسان وانتصر عليهم، واصل
طغرل تقدُّمه نحو الغرب، فخاض حرباً مع الدولة البويهية في إيران والعراق،
وسيطر على بغداد في عام (٤٤٧ه)، استمرَّت الدولة فترة من الزمن إلى أن انتهت في
سنة (٥٨٣ه).
استقلال الخلافة العبّاسية (٥٨٣ - ٦٥٦ه):
في عام (٥٨٣ه) هدم الخليفة العبّاسي الناصر لدين الله قصور السلاجقة بالمخرم،
لمحو أثرهم وابتداء صفحة جديدة من سموِّ الخلافة وقوَّتها، وكان الناصر لدين
الله (حكم ٥٧٥ - ٦٢٢ه) يميل إلى التشيُّع ويرى رأي الإماميَّة.
إنَّ الضعف الذي أصاب الخلافة العبّاسية في عهد المستعصم (حكم ٦٤٠ - ٦٥٦ه) وقع
في ظلِّ تهديدات خارجية خطيرة للغاية، وهي أنَّ سرايا التتار تتواصل على ثغور
الدولة، فاجتاح التتار مدينة بغداد عاصمة الدولة العبّاسية يوم (٩) صفر (٦٥٦ه)،
وسقطت على يد المغول، وانتهى الحكم العبّاسي.
الدولة الإيلخانية المغولية (٦٥٦ - ٧٣٦ه):
حكم المغول العراق بعد سقوط بغداد، ويعود أصلهم لقبائل كبيرة سكنت هضبة منغوليا
بأطراف الصين، وقد حقَّق القائد المغولي (هولاكو) هدفه الأوَّل بالاستيلاء على
قلاع الإسماعيلية وأُمراء الفرس عام (٦٥٤ه)، ثمّ مضى في تحقيق هدفه الآخر
بالقضاء على الخلافة العبّاسية، وفعلاً سقطت بغداد، وقتل المغول عدداً كبيراً
من أهلها، ودمَّروا معظم معالم المدينة، وقضوا على المكتبات ودور العلم التي
تحتوي على وثائق تاريخية ثمينة وكتب علمية كثيرة، حتَّى أنَّ مياه نهر دجلة
أصبحت سوداء.
حدثت نزاعات داخلية عائلية على الحكم عند مغول الصين، فقرَّر هولاكو الانفصال
بالمناطق التي تحت يديه، وشكَّل دولته الإيلخانية بإيران والعراق (٦٥٦ - ٧٣٦ه)
وعاصمتها تبريز، وصار الحكم وراثياً في نسل هولاكو.
إنَّ سوء العلاقة مع المغول في الصين، والمناوشات المتكرِّرة مع دولة المماليك
في مصر والشام بعد معركة عين جالوت، بالإضافة لعوامل أُخرى كثيرة تظافرت وأصبحت
معوِّقات استقرار، وكان اعتناق الإسلام هو السبيل الأمثل للخروج من هذه
الأزمات، فقرَّر الإيلخان السابع محمود غازان (حكم ٦٩٤ - ٧٠٣ه) أن يفتتح عهده
بفرض الإسلام وفق أحد المذاهب السُّنّية (الحنفي) للدولة في مطلع شعبان (٦٩٤ه)
أي بعد (٣٥) سنة على تأسيس الدولة، وبدأ الحُكّام المغول يُقدِّمون أنفسهم
باعتبارهم مسلمين(٤١).
في الواقع إنَّ المغول اكتشفوا أنَّ اعتناقهم للإسلام واتِّباعهم للمذهب
السُّنّي يُحبِّط مشروعهم السياسي، فبدأ التحوّل الإيديولوجي الثاني، فانتقل
السلطان الجايتوخان - غيَّر اسمه إلى محمّد خدابنده - إلى مذهب التشيُّع
وإقراره مذهباً رسمياً للدولة الإيلخانية عام (٧٠٩ه)، أي بعد نحو (١٥) عاماً
على التحوّل الأوَّل، وذلك ببركة جهود العلَّامة الحلّي، فخرجت الدولة من
المعارك المذهبية وسمح للحرّيات الدينية، كما سمح للمذاهب الأُخرى أن تقيم
طقوسها بحرّية تامَّة.
يذكر (د. فؤاد إبراهيم): (في حقيقة الأمر، أنَّ المغول سعوا باعتناقهم التشيُّع
للتزوّد بمبرِّر معقول وفعّال يستعملونه لتحقيق مآربهم السياسية، فقد باتوا بعد
تشيُّعهم قادرين على التشكيك في مشروعية كلِّ الحكومات الإسلاميَّة السُّنّية)(٤٢).
من الدول التي حكمت العراق بعد المغول، الدولة الجلائرية (٧٣٦ - ٨١٣ ه):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤١) عادة الشعوب
المحكومة والمسيطر عليها تأخذ بحضارة الشعوب المستعمرة، ولكن هنا انعكست
القاعدة، باعتبار أنَّ المغول بدو وليست لديهم حضارة عريقة، وشعروا أنَّ
المسلمين أفضل منهم، فذابوا في المجتمع الإسلامي واتَّبعوا الإسلام.
(٤٢) كتاب: الفقيه
والدولة/ د. فؤاد إبراهيم: ١٥٨ و١٥٩، دار المرتضى، بيروت، طبعة ١٤٣٣ه.
وهي دولة شيعية ومن أُصول مغولية، ودولة القره قوينلو - التركمانية الأُولى
(٨١٣ - ٨٧٢ه)، ودولة آلاق قوينلو - التركمانية الثانية (٨٧٢ - ٩١٤ه).
الوضع الفكري:
يمكن إدراك انعكاسات التحوّل السياسي عقب انهيار الدولة البويهية، وقيام الدولة
السلجوقية التي أعادت التضييق على الشيعة، وكان من آثارها الهجوم على دار الشيخ
الطوسي وإحراق كتبه وكرسيه، وإحراق مكتبات شيعية أُخرى في بغداد، وإتلاف التراث
الشيعي المودَع في خزائن الكتب ودور العلم، ممَّا أجبرت المرجعية في عام (٤٤٨ه)
للانتقال إلى النجف.
الظروف السياسية الجديدة ركَّزت اهتمام علماء الشيعة على حماية التراث الشيعي
والحفاظ عليه من الاندثار، فغلب المنحى الإخباري وتنامي ميول الانغلاق على
الذات. وعلى امتداد أكثر من قرن انحسر النشاط العلمي التجديدي في الوسط الشيعي،
فيما انتعشت البحوث التقليدية، التي برزت في صورة محاججات ومناظرات عقدية بين
الشيعة والسُّنَّة. ففي ظروف عصيبة كهذه لجأت المذاهب الدينية للاعتصام بالتراث
الخاصّ الداخلي، والاكتفاء بالحدِّ الأدنى من الأعمال التي تُظهِر هوية المذهب،
وقد ساد هذا المنحى بصورة متفاوتة منذ وفاة شيخ الطائفة الطوسي عام (٤٦٠ه)،
حتَّى الربع الأخير من القرن السادس الهجري، لتبدأ إرهاصات تحوّل علمي بظهور
محمّد بن منصور بن إدريس الحلّي (ت ٥٩٨ه)، الذي شهد انهيار الدولة السلجوقية
واستقلال الخلافة العبّاسية (٥٨٣ه)، والأجواء الجديدة المؤاتية والباعثة على
استئناف النشاط الفقهي التجديدي، وخصوصاً في عهد الناصر لدين الله العبّاسي،
الذي أتاح بعض الحرّية للعلماء(٤٣).
وفي مقابل ذلك برز الاتِّجاه الإخباري الذي واجه الاتِّجاه الأُصولي الاجتهادي
ممَّا شكَّل انتكاسه في انفتاح الحوزة العلمية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣) مقتبس بتصرف من كتاب: الفقيه والدولة – فؤاد ابراهيم ص ١١٢-١١٤.
في ضوء التحوّلات الكبرى وخصوصاً تحوّل المغول إلى التشيُّع، والمناخ التحرّري
الذي عاشه فقهاء الشيعة، شهد المذهب الشيعي الاثني عشري في هذه الفترة انتعاشاً
في مجالَي الفقه والعقائد، بخلاف الفقه السُّنّي الذي شهد فترة ركود، هذا
الانتعاش الذي تأكَّد بعد الإعلان الذي أصدره هولاكو بالأمان لأهل الحلَّة في
العراق، وانتقل على أثره معظم علماء الشيعة إلى الحلَّة، التي بدأت تشهد نشاطاً
علمياً تجديدياً، حيث انتقلت الزعامة للحوزة العلمية في الحلَّة من القرن
السابع إلى القرن التاسع الهجري.
على الرغم من إعادة إطلاق حركة التجديد الفقهي مع بروز المحقِّق الحلّي (٦٠٢ -
٦٧٦ه)، والعلَّامة الحلّي (٦٤٨ - ٧٢٦ه) والذي كان له دورٌ أساسيٌّ في تشيُّع
الدولة المغولية (الإيلخانية)، وبعدهما الشهيد الأوَّل (٧٣٤ - ٧٨٦ه) إلَّا
أنَّنا لا نقع على تطوّرات تُذكَر في التراث المهدوي الشيعي في هذه الفترة
التاريخية، وأنَّ مسار التطوّر المعرفي المهدوي أقرب إلى الانكماش منه إلى
التجديد والانطلاق، فالمصنَّفات المهدويَّة تقف عند حدود النقل والاقتباس
الجامد للنصوص، والسعي إلى تصنيف وتجميع الروايات وإدراجها في عناوين محدَّدة،
وخير مثال على هذا المنهج في هذه الحقبة التاريخية: كتاب (الملاحم والفتن) لابن
طاووس.
أمَّا بالنسبة لعلماء مدرسة الحلَّة البارزين، لا نجد لهم أيَّ تصانيف مستقلَّة
مرتبطة بالشأن المهدوي، إنَّما بعض البحوث الصغيرة المتفرِّقة هنا وهناك في
مصنَّفاتهم الأُخرى، ونستشفُّ من قراءتنا لبعض هذه الصفحات المحدودة التي
كُتِبَت عن القضيَّة المهدويَّة، أنَّهم لم يولوها المزيد من الاهتمام، إنَّما
تدخل ضمن مبحثهم للإمامة باعتبارها الإمامة الخاتمة أو الردّ على بعض الشبهات
المتعلِّقة بالغيبة، ونجد ذلك عند مطالعتنا لبعض الكتب العقائدية التي كُتِبَت
في هذه الفترة الزمنية(٤٤)،
مثل:
- كتاب (المسلك في أُصول الدين) للمحقِّق الحلي، نجد به (٨) صفحات في مباحث
متعلِّقة بالغيبة.
- كتاب (النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة) لميثم البحراني (ت ٦٩٩ه)، نجد
به (٦) صفحات في ردِّ شبهات المخالفين عن الغيبة.
- كتاب (اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية) لجمال الدين مقداد السيوري
الحلّي (ت ٨٢٦ه)، نجد به (٤) صفحات في موضوع الغيبة.
إجمالاً هذه الصفحات المهدويَّة القليلة، لا يخلو بعضها من منحى عقلي وكلامي،
إلَّا أنَّها كُتِبَت بطابع المساجلات والمناظرات ومحاكاة للردود على شبهات
المخالفين القديمة عن علل الغيبة، ومعتمدة في الأساس على كتب الشيخ المفيد
والشريف المرتضى.
عوامل ركود الحركة الفكرية في التراث
المهدوي:
يُؤرَّخ للركود الثقافي في هذه الحقبة من تاريخ التراث المهدوي في الفترة ما
بين وفاة الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ه) وبدايات القرن العاشر الهجري، وقد ساعدت على
ذلك مجموعة من العوامل، منها:
١- انهيار الدولة البويهية الشيعية الداعم الأساسي لرجال الفكر والمعرفة،
وخصوصاً مع كون البديل تُمثِّل بالحكومة السلجوقية والمواقف التعسّفية الذي
اتَّخذتها تجاه العلماء ودور العلم والمكتبات وإحراق خزائن العلم الشيعية.
٢- عظمة شخصية الشيخ الطوسي ومكانته العلمية ممَّا جعله مهيمناً على الحركة
الفكرية الشيعية لفترة طويلة من الزمن انحسر فيها النشاط العلمي التجديدي في
الأوساط العلمية، إلى أن ظهر العالم محمّد بن إدريس الحلّي (ت ٥٩٨ه) ليضع حدّاً
للتبعية لآراء الطوسي، ويُفعِّل منهج الاجتهاد والاستنباط القائم على النقد
والتحليل.
٣- توجُّه الأوساط العلمية (الحوزة) نحو الفقه والأُصول والتركيز عليهما،
ولم يكن العطاء العقلي والاجتهاد والتجديد في القضيَّة المهدويَّة بالمستوى
الرفيع الذي وصلت إليه في مجال الدراسات النقلية والفقه وأُصوله حيث تمحورت
الدراسة الحوزوية حولهما، وقد ألقى ذلك بظلاله على نتاجاتهم في مجال المعارف
المهدويَّة.
كلُّ ذلك ساعد في انحسار النشاط الفكري المهدوي، وعاد طابع المحاكاة والنقل
الحرفي خلال هذه الفترة، فانعكس ذلك على التراث، فلم نجد التجديد أو التطوير
الذي يُذكَر في المصنَّفات المهدويَّة.
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة:
عند مراجعة التراث المهدوي في هذه المرحلة، نجد أثر الاتِّجاه النقلي واضحاً في
مصنَّفاته، ولم نلحظ أيَّ إضافات جديدة مهمَّة ذات منحى عقلي في هذا الشأن،
فمثلاً نقرأ في مصنَّف مهدوي بارز من هذه الفترة مثل كتاب ابن طاووس (ت ٦٦٤ه)
(الملاحم والفتن في ظهور الغائب المنتظر)، وهو مقارب في عنوانه ومضمونه للكتب
التي نقل منها، وهو مثال جيِّد يُوضِّح مستوى الحركة الفكرية المهدويَّة
المرحلية. حيث يُعتَبر الكتاب من المصنَّفات الحديثية (الروايات) في الشأن
المهدوي، وهو من المختصرات الجامعة التي تناولت عدداً كبيراً من المسائل
المندرجة تحت أبواب (الفتن)، يجمعها كلَّها بصورة شاملة وبصيغة موجزة، ويُعتَبر
هذا الكتاب تقليدياً في منهجه وأُسلوبه وطريقة عرضه للمسائل، وقد اعتمد
المؤلِّف على ثلاثة كتب أساسية في موضوعه: كتاب الفتن لنعيم بن حمّاد المروزي
(ت ٢٢٩ه)، وكتاب الفتن لأبي صالح السليلي بن أحمد الحسّاني (نسخة عام ٣٠٧ه)،
وكتاب الفتن لأبي يحيى زكريا بن الحارث البزار (نسخة عام ٣٩١ه). والغالبية
العظمى للكتاب عبارة عن نقل روايات لأهل العامَّة - ليس من رواياتنا -،
والسيِّد ابن طاووس أراد أن يقيم الدليل على العامَّة بأنَّ علماءهم ومحدِّثيهم
يتحدَّثون بحديث العلامات
وليس الشيعة فحسب، والملاحظ أنَّ بعض المواضيع المختارة تخالف بعض الثوابت
للمذهب الشيعي الاثني عشري، فمثلاً في الباب (١٦٢) في اسم المهدي يذكر أحاديث
عديدة منسوبة للنبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق أهل العامَّة ومن
مصادره التي اعتمدها «يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي». بقراءة إجمالية نجد
أنَّ الكتاب ليس به أيَّة إضافة فكرية أو منحى عقلي إنَّما منغمس في النقل
والتبويب.
من المصنَّفات المهدويَّة في هذه المرحلة
(٤٥):
١- كتاب (المسألة في مولد صاحب الزمان): محمّد بن الحسن بن حمزة الجعفري، توفّى
(٥٦٣ه).
٢- كتاب (الغيبة): الأشرف بن الغرّ بن هاشم المعروف بتاج العلى (ت ٦١٠ه).
٣- كتاب (السلطان المفرِّج عن أهل الإيمان) وكتاب (الغيبة) وكتاب (سرور أهل
الإيمان في علائم ظهور صاحب الزمان): عليُّ بن عبد الكريم النيلي، كان حيّاً
سنة (٨٠٣ه).
بالإضافة لبعض البحوث التي لم تُكتَب مستقلَّة إنَّما دُمِجَت ضمن سياق كتب
عقائدية أو مجموعات أُخرى لعلمائنا الأعلام(٤٦)،
نذكر منها: كتاب (إعلام الورى بأعلام الهدى) تأليف: أمين الإسلام الطبرسي (ت
٥٤٨ه)، وكتاب (الاحتجاج) تأليف: أبو منصور أحمد بن عليٍّ الطبرسي (ت ٦٢٠ه)،
وكتاب (مختصر البصائر) تأليف: الحسن بن سليمان الحلّي (ت ٨٠٢ه).
ثمرة المرحلة (الطور):
إنَّ الظروف السياسية التي عاشها الشيعة في هذه الحقبة التاريخية كان لها تأثير
سلبي كبير جدّاً على التراث الشيعي، فقد خيَّمت أجواء التعصُّب المذهبي على
الحرّية المتاحة للعلماء وعلى المستوى الفكري واتِّجاهاته بشكل عامٍّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٥) جواد علي، مصدر
سابق، ص ٣٥– ٤٢.
(٤٦) موسوعة (الإمام
المهدي في مصادر علماء الشيعة) إعداد مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي،
طبع عام ١٤٣٠ هـ.
من المؤسف حقّاً أنَّه في صدر الإسلام مُنع الحديث النبوي ظنّاً منهم أنَّ هذا
هو الذي يحفظ الإسلام وهو توهُّم باطل، ممَّا خسَّر البشرية الكثير من تراث
الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأفقدنا الكثير من تراث أهل البيت
(عليهم السلام). وفي عصور لاحقة -كهذه الحقبة التاريخية- فإنَّ الهمجية والجهل
والتعصُّب الطائفي والحروب المقيتة قضت على العلم والفكر، فتُحرَق وتُبيد جهود
مئات السنين وترجع بالأُمَّة إلى الخلف، فضاعت علينا الأُصول الأربعمائة
واندثرت معظم تواقيع الناحية المقدَّسة.
إنَّ ممَّا يقرح الفؤاد حقّاً، هو الكمُّ الهائل الذي أُحرق من مكتبات الشيعة
على مرِّ التاريخ، وفي هذه المرحلة بالذات، فتوارت واختفت للأبد كلُّ مصنَّفات
الشيعة في الشأن المهدوي في عصر الأئمَّة (عليهم السلام) وعصر الغيبة الصغرى،
فصارت مئات الكتب المهدويَّة النفيسة طعمة للنار!
علماً بأنَّ الأحداث الطائفية التي قام بها السلاجقة لم تكن فريدة في التاريخ
الإسلامي وبالخصوص في هذه الفترة، فقد سبقتها بلاد فارس في عهد الدولة الغزنوية،
وأعقبتها أحداث مصر في عهد الدولة الأيّوبية، وكذلك ما قام به المغول على حاضرة
العالم الإسلامي.
التقلّبات السياسية والطائفية للدول المتعاقبة في هذه المرحلة الزمنية، أدَّت
إلى أنْ يتمثَّل الاتِّجاه الفكري الشيعي في اتِّجاهين:
الأوَّل: اتِّجاه ذو منحى عقلي اجتهادي، وتُمثِّله ثُلَّة من كبار علماء مدرسة
الحلَّة، وقد سلكت مسيرة التجديد وفتحت باب الاجتهاد وإعادة الاعتبار للعقل،
ولكن للأسف لم نجد أيَّ كتاب أو مصنَّف مستقلٍّ كُتِبَ في الشأن المهدوي من
قِبَل علماء هذا الاتِّجاه.
الثاني: اتِّجاه ذو منحى نقلي أثري، وليس بالضرورة إخباري، ونشأ هذا الاتِّجاه
كردِّ فعلٍ على الاتِّجاه الأوَّل، ويتبنّى نزعة سلفية تقليدية، تقف عند حدود
النقل والاقتباس الجامد للنصوص.
في هذه المرحلة التاريخية تغيَّر واختلف مسار الحركة التصاعدية في الفكر
المهدوي، بصورة عكست طبيعة الظروف الزمانية وتمايز البيئات السياسية الحاكمة،
فقد شهدت تحوّلات وتراجعات فكرية تميَّزت بانخفاض مستوى الناتج الفكري المهدوي
كمّاً وكيفاً نتيجة للتراجع في النشاط العلمي، وغلب على تصنيفات هذه الفترة
الزمنية طابع المطارحات والسجالات الفكرية مع المدارس الأُخرى، وطابع النقل
الذي يعيد صياغة الثقافة المهدويَّة نقلاً عن مصنَّفات سابقة يُبوِّبها أو
يختصرها، ممَّا خيَّم على مسار الثقافة والمعارف المهدويَّة في هذه المرحلة
حالة من الركود والانكماش.
٦- طور التفريع: مرحلة انتشار التشيّع
(٩٠٧ - ١١٤٨ه):
تمتاز هذه الفترة الزمنية بتحوّلات مفصلية سياسية وفكرية في تاريخ الشيعة، إذ
بدأت مرحلة انتشار وتوسُّع التشيُّع، وانفتاح المجال السياسي أمام فقهاء
الشيعة، والولاية العامَّة للفقيه بصفته نائباً للإمام المهدي (عليه السلام)،
وارتفع الاضطهاد عن الشيعة في إيران خاصَّة.
الوضع السياسي والفكري في هذه المرحلة:
إنَّ الهجوم المغولي على إيران، أشاع الدمار والظلم في المجتمع
الإيراني، ودفعه إلى الانهيار الروحي ممَّا وفَّر قاعدة مناسبة لإعادة الحياة
إلى التصوّف المتجذِّر في فارس، وإضافة لعوامل أُخرى تهيَّأت الأرضية المناسبة
لانتشار المذهب الشيعي.
الدولة الصفوية (٩٠٧ - ١١٤٨ه):
يُنسَب الصفويون إلى جدِّهم الأعلى الشيخ صفي الدين إسحاق الأردبيلي،
وهو تركي سُنّي على مذهب الشافعي، وكان شيخ طريقة صوفية، انتقل إلى أردبيل
(التابعة للحكم في مقاطعة أذربيجان). اعتنق أحد أحفاده (الشيخ جنيد) المذهب
الشيعي الاثني عشري، والذي قام برحلة إلى الأناضول والشام، حيث
التشيُّع منتشر في تلك المناطق، ويقول (د. طقوش) عن هذه الرحلة: (فقرَّر
استقطاب التركمان إلى صفه من خلال تبنّيه لشعائرهم في التشيُّع، وأشاع بأنَّ
دولة العلويين الموعودة التي ستظهر في آخر الزمان هي وشيكة القيام بقيادته، وهو
سيحارب في جيش المهدي (عليه السلام)، واضعاً بذلك البنى التأسيسية لمشروع سياسي
يهدف إلى إنشاء دولة)(٤٧)،
فالتفَّ حوله عشرات الآلاف من التركمان الشيعة في الأناضول، وتمَّت على يديه
الانعطافة في تحوّل الحركة الصوفية إلى حركة سياسية، بعد أن تهيَّأ لها الجوّ
السياسي بتفتُّت إمبراطورية تيمور لنك.
وخطا ابنه (حيدر) خطوة أُخرى في دفع الحركة الصوفية إلى التشيُّع، وذلك بوضع
نواة لقوَّة عسكرية، وتوالت الأحداث بسرعة، فتولّى رئاسة الأُسرة ابنه الفتى
إسماعيل (١٤ عاماً)، فالتفَّتْ حوله القبائل التركمانية وطبعت شخصيته بهالة من
القداسة باعتباره القائد العسكري والملهم الروحي لهذه القبائل، فانطلق الجيش من
أردبيل وقاده بنفسه للغزو والفتح، واستولى على مناطق عديدة من إيران، وقُدِّر
لهذا الفتى الشجاع (٨٩٢ - ٩٣٠ه) أن يقوم عام (٩٠٧ه) بخطوتين مثيرتين للغاية:
أوَّلاً: تأسيس دولة جديدة قويَّة، استطاعت أن تُوحِّد إيران تحت راية واحدة.
ثانياً: إعلان المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري مذهباً رسمياً في البلاد.
قاد الشاه إسماعيل (حكم ٩٠٧ - ٩٣٠ ه) جيوشه محقِّقاً انتصارات متلاحقة، وفي سنة
(٩١٤ه) دخلت بغداد في حكمه. جاء قيام الدولة الصفوية ليكون إحدى الحوادث الكبرى
في تاريخ إيران، ولكن قرار التشيُّع كلَّف الدولة الصفوية الكثير، فقد وجدت
نفسها بين فكَّي كمّاشة: الأُوزبك المتعصِّبين في الشرق، والعثمانيين
المدجَّجين بالسلاح في الغرب، وسرعان ما وجدت الدولة الصفوية الفتيَّة نفسها
تخوض حروباً مصيرية في حدودها الشرقية والغربية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧) كتاب: تاريخ الدولة الصفوية - د. محمد سهيل طقوش، دار النفائس بيروت، الطبعة الأولى ١٤٣٠ هـ، ص ٤٤.
وفي (٣٨) من العمر توفّى شاه إسماعيل تاركاً على العرش نجله طهماسب (حكم ٩٣٠ -
٩٨٤ه)، وهكذا انطوت الفترة التأسيسية، فاتَّجهت الدولة إلى بناء جبهة داخلية
قويَّة تستند إلى قاعدة مذهبية جديدة. توالت الأحداث، وفي عهد الشاه عبّاس
الأوَّل (٩٩٦ - ١٠٣٨ه) ترتَّبت الأوضاع الداخلية للدولة وارتقت إلى مصافِّ
الدول الكبرى في المنطقة، وقد عالج الأوضاع الخارجية وحسَّن العلاقات مع بعض
دول أُوربا. حكم الدولة الصفوية (١١) مَلِكاً من عام (٩٠٧) وحتَّى عام (١١٤٨)
هجري، وعندما أصابها الضعف والفتور أغرى ذلك الدول الأُخرى في السيطرة على
مناطقها، فاحتلَّت القبائل الأفغانية أجزاءً من إيران، وكذلك فعلت الدولة
العثمانية مع المناطق الغربية، واحتلَّت روسيا القيصرية المناطق الشمالية، وهنا
يظهر نادر شاه الأفشاري (١١٠٠ - ١١٦٠ه) كقائد عسكري على مسرح الأحداث، الذي
أعلن سقوط الدولة الصفوية التي دامت قرابة قرنين ونصف، وقيام دولة جديدة
محلّها.
الوضع الفكري:
برزت حاجة الدولة الصفوية في بداية تأسيسها إلى إيجاد قاعدة فقهاء شيعة
حيث لا يمكن العثور عليهم في تبريز، فاتَّجهت الأنظار إلى الخارج وبالخصوص
العراق ولبنان والحواضر الشيعية، فبدأ الاتِّصال بالعلماء والفقهاء للاستفادة
منهم في إدارة الشؤون الدينية والقضائية. وقد كان لعلماء لبنان دور كبير في
تعميق التشيُّع في إيران، وأصبحت استمالة علماء جبل عامل للتوجُّه إلى إيران من
السياسات الأساسية للحكومة الصفوية، وكان من بينهم الشيخ عليّ عبد العال الكركي
(٨٧٠ - ٩٤٠ه) الذي تسنَّم منصب شيخ الإسلام -أعلى منصب ديني رسمي- في عهد الشاه
طهماسب، فلأوَّل مرَّة في تاريخ الشيعة يتقلَّد الفقيه منصب النيابة (الولاية)
العامَّة عن الإمام المهدي (عليه السلام)، بمعنى
أن يصبح الفقيه المصدر الرئيسي لإضفاء الشرعية على السلطة، فهذه بداية مرحلة
جديدة لعلاقة الفقيه مع السلطان.
ومن أجل فهم الظروف التي ساعدت على حدوث هذا التطوّر، علينا أنْ نعرف ولو بشيء
من الإيجاز النظرية الإماميَّة حول إشكاليات التعامل مع السلطان:
(إنَّ التأسيس الشيعي للسلطة يقوم على الإمامة المعصومة من خلال النصِّ، فإنَّ
شرعية ممارسة السلطة في زمن حضور الإمام المعصوم (عليه السلام) منوطة به وحده،
ولا يمكن تجاوزه بحال من الأحوال (فالوصيَّة هي ما يُؤسِّس نظرية السلطة عند
الشيعة)، ولكن غيبة الإمام الثاني عشر (عليه السلام) شكَّلت تحوّلاً كبيراً
وأنتج بدوره إشكاليات جديدة، إذ إنَّ غياب الإمام المهدي (عليه السلام) في
العام (٣٢٩ه) ترك فراغاً فعلياً، رغم أنَّه إمام الزمان (عليه السلام) وصاحب
السلطة الفعلية، وعلى ضوء ذلك لا يمكن الإقرار بشرعية أيِّ نظام سياسي يقوم على
غصب الإمام المعصوم صلاحياته وسلطته)(٤٨).
لقد تبَّوأ العلماء والفقهاء مناصب قيادية في الدولة الصفوية، وهو ما يتماهى مع
حاجة الصفويون إلى تدعيم أركان حكمهم عبر كسب شرعية دينية، وكان هذا يُشكِّل
الطابع والسياق العامّ في الدولة الصفوية. ولكن عند تقييم التجربة الصفوية في
إيران، ودراسة عهد كلِّ مَلِك بشكل مستقلٍّ نجد الاختلاف في التعامل كالآتي:
(لقد كان شاه إسماعيل يجمع في شخصيته الزعامتين الروحية والسياسية، واعتُبِرَ
إلى حدٍّ كبير نائباً للإمام المهدي (عليه السلام). أمَّا شاه طهماسب فقد أعلن
وبصراحة مثيرة أنَّ الشيخ الكركي - وهو عالم عربي لا يعرف الفارسية ولا التركية
- هو نائب الإمام المهدي (عليه السلام)، وأنَّه هو الحاكم الحقيقي لإيران،
وأنَّه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨) نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر/ د. عليّ فياض: ١١٣ - ١١٨، مركز الحضارة، بيروت، ٢٠٠٨م.
مفوَّض في إدارة شؤون الدولة. وعندما جاء شاه عبّاس إلى الحكم أصبح هو الحاكم
المطلق لإيران والدكتاتور الذي لا يُسئَل عمَّا يفعل)(٤٩)،
كلُّ ذلك أدّى إلى أن يكثر الحديث عن دور (الفقيه الجامع للشروط) في شؤون الحكم
وتوسيع هذا الدور باعتباره نائباً للإمام الغائب، فانطلق جدال فقهي وسياسي وسط
فقهاء الشيعة في القرن العاشر الهجري حول العلاقة مع السلطة وقبل ذلك
مشروعيتها، فبرزت آراء فقهية معارضة لما يطرحه الكركي وتيّار جبل عامل، بدأت مع
الفاضل إبراهيم القطيفي(٥٠)
الذي كان متحفِّظاً تجاه التعاون مع السلطة الصفوية.
شهدت العقود الأخيرة من عمر الدولة الصفوية صراعات فكرية على أكثر من جبهة:
صراع بين الفقهاء والحركة الصوفية، وآخر بين أهل الحديث وأهل الفلسفة، ومثله
بين الإخباريين والأُصوليين، ومواجهة بين المسلمين والتبشير المسيحي بسبب
الانفتاح على أُوربا. هذه التحوّلات والصراعات الفكرية هيأت الأجواء لظهور كتب
حديث مميَّزة في هذه الحقبة، مثل: كتاب (الوافي) للفيض الكاشاني (ت ١٠٩١ه)،
كتاب (وسائل الشيعة) للحرِّ العاملي (١٠٣٣ - ١١٠٤ه)، موسوعة (بحار الأنوار)
للعلَّامة المجلسي (١٠٣٧ - ١١١٠ه)، وتُعتَبر هذه الكتب من أهمّ ما أضافه العصر
الصفوي إلى المكتبة الشيعية في حقل الدراسات الفقهية والعلوم الإسلاميَّة، وهذه
المصنَّفات الحديثية قد أكملت سلسلة كتب الحديث الأربعة القديمة، ذات القيمة
التاريخية لفقه الإماميَّة.
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة:
نقتطف بعض المصنَّفات المهدويَّة البارزة والتي كُتِبَت في زمن العهد الصفوي،
ونلاحظ فيها كثرة التفريعات والتبويبات، وكُتِبَت على شكل موسوعات من كثرة
التفصيل والتوسُّع فيها أو التطرُّق إلى أبواب جديدة، ونشير إلى:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٩) كتاب: نشوء وسقوط
الدولة الصفوية، اعداد عباس حسن الموسوي - كمال السيد، مستندة من المجموعة
التاريخية الكبرى حول تاريخ إيران والعهد الصفوي، لرسول جعفريان، الناشر باقيات
قم المقدسة، الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ، ص ١٧٣.
(٥٠) الشيخ إبراهيم بن
سليمان القطيفي، هاجر عام ٩١٣ه من مسقط رأسه القطيف إلى النجف الأشرف، كان
حيّاً إلى سنة ٩٤٥ه، كان زميل دراسة مع الشيخ الكركي عند أُستاذهما الشيخ عليّ
بن هلال الجزائري، وقد كان بين المحقِّق الكركي والفاضل القطيفي جدال في مسائل
كثيرة، فقد كانا ممثِّلين لخطّين متوازيين في ما يرتبط بالتعامل مع السلطات
الزمنية في زمن الغيبة.
١- موسوعة (بحار الأنوار الجامعة لدُرر أخبار الأئمَّة الأطهار) لشيخ الإسلام
العلَّامة محمّد باقر بن محمّد تقي الأصفهاني المجلسي، تُعتَبر الموسوعة من
أشهر الكتب الحديثية والروائية لدى الشيعة الاثني عشرية، كتبه المجلسي في
أصفهان في زمن الدولة الصفوية، يتكوَّن من (١١٠) مجلَّدات ضخمة. دوَّن المجلسي
الموسوعة في النصف الثاني من عمره وبعد أن طوى مدارج عالية في العلم والتأليف،
وحظي بدعم مادّي ومعنوي من الدولة الصفوية. تحتوي موسوعة البحار على عناوين
ومواضيع عديدة ويتفرَّع من كلِّ عنوان أبواب شتّى، فإنَّ (المجلَّد الثالث عشر)
طبقاً للطبعة الحجرية ذات الخمسة والعشرين مجلَّداً، والطبعة الحديثة ذات
المائة والعشرة أجزاء (المجلَّدات ٥١ إلى ٥٣) اشتمل على موضوع (في تاريخ الإمام
الثاني عشر (عليه السلام))، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ هذه المجلَّدات الثلاثة
وجُلّها روايات وأخبار أهل البيت (عليهم السلام) تشارك في تثبيت الحقائق
العقائدية وتثبت أنَّ قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) هي قضيَّة إسلاميَّة
عامَّة، وقد اعتمد في الجزء المتعلِّق بموضوع الإمام المهدي (عليه السلام) على
أكثر من (٥٤) مصدراً شيعياً. وقد استغرق جمع الموسوعة وتدوينها ما يقرب من (٣٤)
سنة كاملة (١٠٧٢ - ١١٠٦ه).
٢- موسوعة (عوالم العلوم والمعارف والأحوال من الآيات والأخبار) للشيخ عبد الله
بن نور الله البحراني الأصفهاني (ت ١١١٤ ه) من أعلام تلامذة شيخ الإسلام
المجلسي. عدد مجلَّدات الموسوعة (١٢٩) جزءاً، وهذا الكتاب أخذه البحراني من
(بحار الأنوار) مع تنظيم دقيق وتنسيق جيِّد في ترتيب الأحاديث وتبويبها، وقد
انتقد عليه جماعة واعتبروا كتابه تحويراً شائناً عن البحار، ولذا لم يُرزَق من
الحظِّ ما رُزِقَ البحار. طُبِعَ في العصر الحديث(٥١)
بعض أجزائه بشكل مستقلٍّ، منها كتاب (أحوال الإمام الحجَّة) في (٥) مجلَّدات
كبيرة في (٢٦٢٥) صفحة وهي عبارة عن الجزء (٢٦) من الطبعة الحجرية القديمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥١) طُبِعَ عام ١٤٣٢ه في قم المقدَّسة، بتحقيق ومستدركات السيِّد محمّد باقر الموحِّد الأبطحي.
٣- كتاب (المحجَّة فيما نزل في القائم الحجَّة) للسيِّد هاشم بن سليمان
البحراني (ت ١١٠٧ه)، يُعتَبر أوَّل مصنَّف في هذا الباب وبهذا الأُسلوب حيث جمع
فيه الآيات القرآنية النازلة في الإمام المهدي (عليه السلام) على ضوء الروايات
الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، وهو من الكتب القيِّمة في هذا المجال،
ويحتوي على (١٢٠) آية ابتداءً من سورة البقرة إلى سورة العصر، يقول البحراني عن
كتابه المحجَّة: (ألَّفته من تفسير أهل البيت (عليهم السلام) وربَّما كانت
الآية قد نزلت فيه وفي آبائه الطاهرين، فاقتصرت في هذا الكتاب على ذكر الرواية
فيه (عليه السلام) وأُحيل في الرواية في آبائه على كتاب (البرهان في تفسير
القرآن))(٥٢).
المحجَّة كتاب قيِّم لم يسبقه أحد على هذا النهج، وعلاوة على ذلك فإنَّ فيه
ميزة أُخرى، وهي نقله مباشرة من كتب مفقودة اليوم ولا أثر لها، مثل: كتاب (الهداية)
للحسين بن حمدان الخصيبي، وكتاب (كشف البيان) لمحمّد بن الحسن الشيباني. انتهى
من تأليفه قبل (٢٢) ذي الحجَّة (١١٠٤ه).
ومن بين المصنَّفات المهدويَّة كذلك في
هذه المرحلة التاريخية:
٤- كتاب (رسالة في الغيبة): للشيخ عليِّ عبد العال الكركي (ت ٩٤٠ه).
٥- كتاب (رسالة في مناهج تسميات المهدي (عليه السلام)): محمّد باقر الحسيني
الداماد (ت ١٠٤٠ه).
٦- كتاب (الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة): محمّد بن الحسن الحرّ
العاملي (ت ١١٠٤ه).
ثمرة المرحلة (الطور):
إنَّ الظروف السياسية التي عاشها الشيعة في هذه المرحلة بانفتاح المجال السياسي
أمام فقهاء الشيعة، وانتشار التشيُّع في مناطق جديدة، أثَّر بشكل كبير على
تطوّر الفكر الإمامي من ناحيتين:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٢) كتاب المحجَّة/ السيِّد البحراني/ تحقيق محمّد منير الميلاني: ١٥، من مقدّمة المؤلِّف.
أوَّلاً: في الجانب السياسي:
من الناحية النظرية وكذلك الناحية العملية (ونقصد بذلك الولاية العامَّة للفقيه
عن الإمام المهدي (عليه السلام))، ففي السابق لم يكن لدى علماء الشيعة قبل قيام
الدولة الصفوية نظرية سياسية واضحة المعالم في عصر الغيبة، أو حتَّى خبرة عملية
يمكن أن تعين الفقيه على بناء نظرية واقعية لدولة تستمدُّ من قِيَم الدين
والمذهب أُسسها وسياساتها، فقد قَصُرَ دور العلماء على الاعتقاد بالإمامة
الإلهيَّة التي تحوَّلت إلى نظرية مقفلة بإحكام، فمنذ انقطاع الجدل الفقهي حول
العلاقة مع السلطة وسط فقهاء الشيعة في القرنين الرابع والخامس الهجري -في عهد
الدولة البويهية- لم يشهد الوسط الشيعي جدالاً مماثلاً حتَّى القرن العاشر
الهجري، حيث بقيت مسألة العلاقة مع السلطة وقبل ذلك مشروعيتها غير محسومة،
بالرغم من الظروف المساعدة والمناخ السياسي الذي يتيح للفقيه فرصة إنتاج معارف
دينية سياسية، ونخصُّ بتلك الظروف النماذج التالية:
* نموذج: العلَّامة الحلّي وأُلجايتو خدابنده في الدولة الإيلخانية المغولية،
وكان دور الفقيه منحصراً في الحيِّز الإرشادي التبليغي.
* نموذج: الشهيد الأوَّل محمّد مكّي العاملي والحاكم عليّ ابن المؤيَّد في
الدولة السربدارية، وكان دور الفقيه منحصراً في دور الافتاء.
إلَّا أنَّ المصادر التاريخية والفقهية لا تشير إلى ثَمَّة جدالات سياسية جرت
وسط فقهاء الشيعة خلال الفترة الممتدَّة من القرن السادس وحتَّى بدايات القرن
العاشر الهجري. أمَّا في عهد الدولة الصفوية، فقد شكَّل نموذج الشيخ الكركي
منعطفاً تاريخياً في علاقة الفقيه والسلطان، بمعنى أنه أصبح المصدر الرئيسي
لإضفاء الشرعية على السلطة. ولذا يمكن القول بأنَّ التراث السياسي
الشيعي (الولاية العامَّة عن الإمام المهدي (عليه السلام)) بدأ مع قيام الدولة
الصفوية، وتحديداً فيما يتعلَّق بالمواقف العامَّة من التعاطي بالشأن السياسي
والعلاقة بين الفقيه والسلطان، فأنطلق أثر ذلك نشاط ثقافي وفكري وجدل حادٍّ في
الأوساط الشيعية، بين مؤيِّد للتماهي مع الدولة الصفوية وبين مستنكر بشدَّة
لأيِّ نوع من العلاقة مع الدولة المندرجة تحت عنوان الدولة الغصبية وهي دولة
زمنية لا دينية، كون العلاقة معهم تُلوِّن سلطانهم بالشرعية التي لا تصحُّ
إلَّا للإمام المعصوم(٥٣).
ثانياً: في الجانب المعرفي المهدوي:
نتيجة لانتشار التشيُّع وتعدُّد العلوم والمعارف والتوسُّع في مختلف المسائل
الدينية، ونتيجة للتحوّلات والصراعات الفكرية التي حدثت في عهد الدولة الصفوية
وعلى أكثر من جبهة، وجد العلماء أنفسهم مضطرّين إلى مواكبة المرحلة، فتوسَّعت
المعارف والعلوم الدينية، وتفرَّعت الأبواب في الثقافة المهدويَّة، فأطلق
العلماء العنان لأفكارهم وانسابت أقلامهم، فأنتجوا مؤلَّفات حديثية ضخمة
وموسوعات جامعة مطوَّلة ذات فروع متكاثرة وأبواب متناثرة، والتي كانت إحدى
السمات الجديدة في التأليف في هذه المرحلة التاريخية، فسار التصنيف الموسوعي
إلى جانب التصنيف الموضوعي، إضافة لهدف حفظ التراث الشيعي المهدوي من الضياع
والاندثار، فظهر لنا مثل: موسوعة (البحار) وموسوعة (عوالم العلوم والمعارف)
كدوائر معارف تهتمُّ بأحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، ومنها عدَّة مجلَّدات
تهتمُّ بالأحاديث المتعلِّقة بالإمام المهدي (عليه السلام)، وقد اشتملت هذه
المصنَّفات على العديد من الأبواب والتفريعات الجديدة في القضيَّة المهدويَّة.
إضافةً إلى ذلك ففي هذه المرحلة تمَّ التطرُّق إلى فروع مبتكرة في الثقافة
المهدويَّة مثل كتاب (المحجَّة) والذي يُعتَبر أوَّل مصنَّف في بابه. وبناءً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣) مقتبس بتصرُّف من كتاب: الفقيه والدولة، مصدر سابق: ٢١٠ - ٢٢٧.
على ذلك تطوَّرت حركة التفريعات في القرون اللاحقة، وتوسَّعوا في دائرة
التفريعات، وخلاصة القول: فإنَّ كتاب (البحار) يُعتَبر مثالاً بارزاً وتحوّلاً
واضحاً في مسار التراث المهدوي الشيعي، ونقلة في النشاط الثقافي والفكري
المهدوي من طور الركود إلى طور التفريع والتفصيل، فالمجلَّدات الثلاثة (٥١، ٥٢،
٥٣) تُعتَبر من المصنَّفات المهدويَّة الرائدة والشاملة الجامعة، وقد تناولت
عدداً كبيراً من المسائل والأبواب.
٧- طور الدفاع: مرحلة دحض الشبهات عن العقيدة المهدويَّة (١١٤٨ - ١٣٩٠ه):
بعد انتهاء الدولة الصفوية والتعاقب السريع لدول عديدة على حكم إيران،
والتدخُّل الأجنبي السافر في البلاد الإيرانية، فقد أفرزت هذه الظروف واقعاً
نفسياً محبطاً وسيِّئاً لدى الإيرانيين، فدخل الشيعة في صراع ومواجهة مع فِرَق
هدّامة وضالَّة صنيعة الاستعمار الأجنبي كالبابية والبهائية، والتي استغلَّت
بعض سمات القضيَّة المهدويَّة في بداية انطلاق دعوتها، ممَّا دفع علماء الشيعة
في الردِّ على ادِّعاءاتهم ومزاعمهم وفضح خبث مخطَّطاتهم.
الوضع السياسي في هذه المرحلة:
الدولة الأفشارية (١١٤٨ - ١١٦٣ه)(٥٤):
كان نادر شاه أوَّل ملوكها، والذي يرجع أصله إلى عشيرة أفشار التركمانية، والتي
استقرَّت في شمال خراسان في منطقة (أبيورد)، بدأ نادر حياته العسكرية بانضمامه
إلى عساكر حاكم أبيورد، وكان طموحه أن يحكم خراسان كلَّها، فاجتمع حوله عددٌ
كبيرٌ من عشائر الأفشار التركمانية وأكراد قوجان، فسيطر على خراسان ووسَّع
دائرة نفوذه بسرعة، وبسبب ضعف الدولة الصفوية في أيّامها الأخيرة، عزل عبّاساً
الثالث الصفوي، ونصَّب نفسه شاهاً جديداً على إيران عام (١١٤٨ه). وقد دخلت
إيران بعد مقتله عام (١١٦٠ه) في دوّامة من الفوضى والاضطرابات الدموية،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤) كتاب: موسوعة تاريخ إيران السياسي/ د. حسن كريم الجاف ٣: ٨٧ - ١١٩، الدار العربية للموسوعات، بيروت، الطبعة الأُولى، ٢٠٠٨م.
وقد تمكَّن كريم خان الزندي من استغلال الظروف وتأسيس دولة الزنديين.
الدولة الزندية (١١٦٦ - ١٢٠٩ه)(٥٥):
مؤسِّس الدولة كريم خان الزندي والذي تنتسب أُسرته إلى (قبيلة لك) الكردية، كان
كريم جندياً في جيش نادر شاه، وتقلَّد مناصب عسكرية رفيعة في عهد عادل شاه،
وبعد مقتل نادر دخلت البلاد الإيرانية بعد عام (١١٦٠ه) في حروب داخليه قاسية،
فاستغلَّ كريم خان الأوضاع القلقة والمضطربة التي اجتاحت إيران للاستحواذ على
السلطة والحكم، فتمَّ له ذلك عام (١١٦٦ه)، ولكن بعد مماته (١١٩٣ه) دبَّ الخلاف
والنزاع بين أخلافه وتقاتلوا وضعفت الدولة الزندية، وبعد قتل لطف عليّ خان
الزندي عام (١٢٠٩ه) في طهران، قامت مكانها الدولة القاجارية.
الدولة القاجارية (١٢٠٩ - ١٣٤٣ ه)(٥٦):
تنحدر سلالة القاجار من إحدى قبائل القزلباش البدوية من التركمان، استطاع آغا
محمّد خان أن يستولي على الحكم في بلاد فارس بعد قيامه سنة (١٢٠٩ه) بالقضاء على
الزند في كرمان، ثمّ القضاء على الأفشاريين في خراسان، فوحَّد البلاد واتَّخذ
لنفسه لقب الشاه، وبسبب القيادة السياسية الفاشلة والخسائر العسكرية في عهد فتح
عليّ شاه (١٢١٢ - ١٢٥٠ه)، تدهورت أوضاع البلاد وتغلغل النفوذ الروسي والبريطاني
في إيران بشكل كبير، وانفصلت مناطق كثيرة من القوقاز وأجزاء من سواحل بحر قزوين
عن إيران بموجب معاهدة (گُلستان عام ١٢٢٨ه) ومعاهدة (تُركمن چاي عام ١٢٣٤ه) مع
روسيا القيصرية، ومعاهدة باريس (١٢٧٤ه) مع الحكومة البريطانية، والامتيازات
التي حصلوا عليها نتيجة لهذه المعاهدات، فتعرَّضت كرامة إيران كدولة، فأدَّت
هذه الأوضاع إلى حدوث انتفاضات داخلية مهمَّة:
في عهد مظفَّر الدين شاه القاجاري (١٣١٤ - ١٣٢٣ه) ثارت الجماهير الإيرانية
للمطالبة بإقرار دستور للبلاد، فبرز كلٌّ من آية الله (محمّد الطباطبائي)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٥) المصدر السابق ٣:
١٣٥ - ١٦٢.
(٥٦) المصدر السابق ٣:
١٧٧ - ٣٥٠.
وآية الله (عبد الله البهبهاني) اللذين كان لهما دور كبير في إذكاء روح الثورة،
وتحت ضغط الجماهير أصدر الشاه في عام (١٣٢٤ه) قانوناً يقضي بإنشاء مجلس نيابي
منتخب، وافتتح مجلس الشورى وتمَّت صياغة الدستور، وتوضِّح إحدى موادِّه أن يكون
في كلِّ دورة من دورات المجلس لجنة مؤلَّفة من خمسة أشخاص من الفقهاء المجتهدين
يدرسون جميع اللوائح التشريعية على ضوء الشريعة الإسلاميَّة ووفقاً للمذهب
الشيعي الاثني عشري، فإذا وجدوا ما يخالف الشريعة رفضوه، وأنَّ قراراتهم في هذا
الصدد واجبة التنفيذ، وأنَّ هذا الشرط في الدستور لا يمكن تغييره إلى حين ظهور
إمام الزمان (عليه السلام).
الدولة البهلوية (١٣٤٣ - ١٣٩٩ه): بانتهاء الحرب العالمية تخلَّصت بريطانيا من
منافسيها في إيران وأصبحت السيِّد المطلق في السياسة الإيرانية، وكانت معاهدة
عام (١٣٣٧ه/١٩١٩م) مع بريطانيا بمثابة فرض حماية استعمارية على إيران. فباركت
الاستخبارات البريطانية الانقلاب العسكري الذي قاده رضا خان بهلوي في (١٣)
جمادى الآخرة (١٣٣٩ه)، فتأسَّست الدولة البهلوية، وفي سنة (١٣٤٣ه) خلع الشاه
أحمد ميرزا القاجاري رسمياً وأصبح بهلوي مَلِكاً لإيران، واتَّبَع سياسة داخلية
تقوم على فصل الدين عن السياسة، تأسّياً بأُسلوب كمال أتاتورك التركي، فكان في
صراع دائم مع رجال الدين.
خلفه ابنه محمّد رضا بهلوي (١٣٣٨ - ١٤٠٠ه) وكان يُلقَّب ب (شاهنشاه) أي ملك
الملوك. في عهده بدأت علائم النفور تظهر على العلاقات بين إيران والاتِّحاد
السوفيتي، وبدأت الولايات المتَّحدة الأمريكية تدخل على خطِّ نيل الامتيازات
الاقتصادية، وتزامن عهده بمجابهة حادَّة مع المؤسَّسات الدينية، ممَّا أدّى الى
سقوط نظامه عام (١٣٩٩ه)، أثر انتفاضة شعبية قادها الإمام الخميني، وقامت مكانها
الجمهورية الإسلاميَّة حيث رافقتها تغييرات جذرية شاملة، فاضطرَّ الشاه إلى ترك
إيران في (١٧) صفر (١٣٩٩ه) وتُوفّي في مصر.
الوضع الفكري في هذه المرحلة:
اقتفت الدولة القاجارية سيرة التشيُّع الصفوي، فأقرَّت تمذهب الدولة ولكن سمته
أنَّه يقع خارج نطاق حركة الدولة، أي إنَّ النشاط الديني مستقلّ عن الحكومة،
ولذا فالدولة القاجارية لم تحمل رسالة دينية أو مذهبية محدَّدة. وقد تنبَّه
القاجاريون لمستوى وعي فقهاء الشيعة في الميدان السياسي، حيث كان دورهم محورياً
في الحوادث السياسية كثورة التنباك والحركة الدستورية، فبدأ ملوك القاجار
يُشجِّعون المنحى القريب إلى نزعتهم التسلطية عبر ترسيخ الفكر الانعزالي
الصوفي، والحدّ من تأثيرات النزعة العقلانية التحرّرية في الفكر الشيعي، وفي
هذه الفترة ظهرت الفرقة الشيخية بزعامة الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي (١١٦٦ -
١٢٤١ه)، الذي كان مقرَّباً لدى المَلِك القاجاري فتح عليّ شاه (حكم ١٢١٢ -
١٢٥٠ه)، في سياق خطَّة لتطوير التيّار الأخباري والصوفي داخل التشيُّع بما يتيح
له فرصة وقف تمدُّد التيّار الأُصولي الاجتهادي المهيِّئ للعب دور سياسي
احتجاجي داخل الدولة(٥٧)،
فابتدأ فصل جديد من الصراع (الأخباري - الأُصولي) في العهد القاجاري، في سجال
فقهي تُحرِّكه أغراض سياسية محدَّدة.
إنَّ الواقع النفسي السيِّئ والمرير للمجتمع الإيراني، قد أوحى لأعداء الإسلام
باستغلال هذه الحالة النفسية، وجدوى استثمارها وتوظيفها في خدمة أهدافهم وتحقيق
مآربهم، وتمَّ ذلك بتشويه العقيدة الإسلاميَّة الأصيلة باستخدام فكرة
المهدويَّة. إنَّ الأرضية في زمن الشاه محمّد القاجاري ووزارة الميرزا الأقاسي
الإيرواني كانت مهيَّأة لظهور وادِّعاء مهدوية أُخرى وإمام زمان جديد في إيران،
فلم يمض على هزيمة الشاه فتح عليّ وخسرانه مدن القفقاز إلَّا خمسة عشر عاماً
حتَّى خسر الشاه محمّد بلاد الأفغان، ومن جهة أُخرى كانت موجة السخط والتذمُّر
من قِبَل الشعب الإيراني قد بلغت أوجها لما يعانيه من ظلم الحُكّام وانتشار
الفقر وتدهور الحالة الاقتصادية وخسران
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٧) مقتبس بتصرُّف من كتاب: الفقيه والدولة، مصدر سابق: ٢٩٧ - ٣٠١.
جزء من أرض البلد وتسلُّط الأجانب عليه، وقد اتَّبع الروس والإنجليز سياسة
متحمِّسة تماماً للصيد في الماء العكر، فاستغلَّت المخابرات الروسية الفرصة
وبواسطة جاسوسهم (كينياز دالكوركي)، وما هي إلَّا فترة وجيزة حتَّى سمع
الإيرانيون أنَّ إمام الزمان (المهدي) قد ظهر، وذلك بادِّعاء عليّ محمّد
(الباب) بالمهدويَّة، وأنَّ عهد ظلم الحُكّام وجور أُمراء القاجار وعتوّهم قد
ولّى، وقريباً تتحوَّل إيران بل العالم كلُّه إلى جنَّة من الزهور، وتُستَأصل
جذور الظلم والجور إلى الأبد والمحظوظ من طار صوبه، وبواسطة أساليب الحيل
والمكر والخديعة ووسائل الخبث الاجتماعي والسياسي انطلت الخديعة على البسطاء
والمحرومين من أهل ذلك الزمان، ممَّا أدّى إلى انتشار الإشاعة الكاذبة
وتصديقها، فبهذا المكر والخداع الذي صاحبه حاجة الناس للهروب من الظلم والجور
توافَدَ البسطاء والسُّذَّج على (البابية) اعتقاداً منهم بأنَّ من يسبق إلى
اللحاق بعليّ محمّد (مدَّعي البابية والمهدويَّة) يكن من أنصاره (٣١٣)، فتحقَّق
للعدوِّ الأجنبي ما أراد وطمح إليه.
الكتب الشيعية في الردِّ على البابية
والبهائية:
انبرى علماء الشيعة لمحاربة ومجابهة الفرقة البابية الضالَّة والتي تفرَّعت
منها الديانة البهائية، فبرزت العديد من المصنَّفات العربية والفارسية في
الردِّ على ضلالاتهم وادِّعاءاتهم. نذكر أمثلة من هذه الكتب(٦٢):
١- إزهاق الباطل: للحاجّ محمّد كريم خان الكرماني (١٢٢٥ - ١٢٨٨ه)، زعيم الشيخية
الكرمانية.
٢- صواعق البرهان في ردِّ دلائل الإيقان: الحاجّ زين العابدين الكرماني (١٢٧٦ -
١٣٦٠ه).
٣- بارقه حقيقت: من تأليف البابيَّة الإيرانية قدس إيران التي أسلمت في فترة
لاحقة، وهو بالفارسي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٢) هذه العناوين ذُكِرَت في موسوعة الذريعة للشيخ آغا بزرك الطهراني، بالإضافة لمصادر أُخرى متفرِّقة.
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة:
بعض مصنَّفات علماء الشيعة في موضوع الإمام المهدي (عليه السلام) في هذه
المرحلة التاريخية:
١- كتاب (النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجَّة الغائب)، حسين بن محمّد تقي
النوري الطبرسي (ت ١٣٢٠ه)، وقد فرغ من تأليفه سنة (١٣٠٣ه).
٢- كتاب (إلزام الناصب في إثبات الحجَّة الغائب): عليّ بن زين العابدين اليزدي
الحائري (ت ١٣٣٣ه)، انتهى من كتابته سنة (١٣٢٧ه)، طُبِعَ في مجلَّدين.
٣- كتاب (بشارة الإسلام في علامات صاحب الزمان): مصطفى إبراهيم حيدر الكاظمي،
انتهى من تدوينه سنة (١٣٣٢ه).
٤- كتاب (البابية والبهائية): للشيخ محمّد جواد البلاغي (١٢٨٢ - ١٣٥٢ه)، هذا
الأثر النفيس صُنِّف للردِّ على ضلالات البابية والبهائية وتفنيد مزاعمهم ودحض
ادِّعاءاتهم، وقد سمّاه مؤلِّفه (نصائح الهدى والدين إلى من كان مسلماً وصار
بابياً)، فقد تعرَّض فيه لمجمل عقائدهم وشبهاتهم فنقضها وردَّها، هذا علاوة على
كلِّ خصوصيات الكتاب وفوائده، فإنَّ فيه ميزة نادرة أُخرى، وهي نقله مباشرةً من
كتاب (الغيبة) ونقل منه (١٩) حديثاً، وكتاب (الرجعة) ونقل منه حديثاً واحداً،
وهي من مصنَّفات الشيخ الفضل بن شاذان النيسابوري (ت ٢٦٠ه) وهما كتابان
يُعَدّان من الكتب المفقودة التي لا أثر لها اليوم. وقد تمَّ الانتهاء من
تأليفه في شهر شعبان سنة (١٣٣٩ه) في النجف الأشرف.
٥- كتاب (مع أحمد أمين في حديث المهدي والمهدويَّة) للشيخ محمّد أمين زين الدين
(١٣٣٣ - ١٤١٩ه).
٦- كتاب (البرهان على وجود صاحب الزمان) للسيِّد محسن الأمين الحسيني العاملي
(١٢٨٤ - ١٣٧١ه).
٨- طور التجديد: مرحلة العصر الحديث
(١٣٩٠ه - إلى يومنا الحالي):
يمكن تحديد معالم هذا الطور في التاريخ المعاصر بالمخاضات الفكرية والتحوّلات
الثقافية التي مرَّت على العالم الإسلامي بشكل عامّ والشيعة بشكل خاصّ، حيث
تجلَّت الثمرة بقفزة نوعية في مجال القضيَّة المهدويَّة بشقّيه الفكري والعملي.
بالإضافة للكتابات المميَّزة والمنشورات الرائعة للمراكز المتخصِّصة في
القضيَّة المهدويَّة، والتي كثير من نتاجها الثقافي يواكب حاجات ومتطلَّبات
العصر الحالي.
ثانياً: مجلّات ونشرات تخصُّصية تُعنى
بالشأن المهدوي:
تطوّر جديد حدث في التراث المهدوي، حيث نشأت وصدرت في هذه الفترة
الزمنية بعض المجلّات والنشرات الثقافية الدورية العلمية المتخصِّصة في موضوع
الإمام المهدي، حيث أدرك أصحابها أهمّية دور المتابعة الثقافية وفاعليتها في
تنمية وعي المجتمع بالفكر الأصيل، ومكانة الإعلام المهدوي كطرف مهمٍّ في دحض
الشبهات والأفكار المنحرفة الموجَّهة ضدَّ العقيدة المهدويَّة.
هذه الدوريات المهدويَّة تُعطي مؤشِّراً على ازدهار الفكر والمعارف المهدويَّة
في هذه المرحلة، حيث تميَّز نتاج المجلّات العلمية المتخصِّصة بالعصرية وتوطيد
العلوم الأكاديمية المهدويَّة، وخلق جوٍّ من الدراسة والنقد بين العلماء
والمفكِّرين في مجال القضيَّة المهدويَّة، وهذه دلائل على رقي المستوى العلمي
الذي وصلت إليه الثقافة المهدويَّة حديثاً.
ثالثاً: دراسات وبحوث أكاديمية مهدوية:
تطوُّر جديد آخر في التراث المهدوي، حيث بدأت تظهر في هذه الفترة بعض
الدراسات الأكاديمية والتي ترتبط بالشأن المهدوي، أو بمعنى آخر أخذت المسألة
المهدويَّة تشقُّ طريقها للبحوث التعليمية الجامعية ولكن بخجل شديد جدّاً.
هذه البحوث والدراسات الأكاديمية تُعطي مؤشِّراً على التجديد والتطوير في
الثقافة المهدويَّة في هذه المرحلة، وتنبع أهمّية هذه الدراسات من الأُسلوب
المنظَّم في جمع وتوثيق المعلومات، والخطوات العلمية الممنهجة في كتابة هذه
البحوث، ممَّا يساهم في إنتاج مصنَّفات ذات مصداقية علمية، وينعكس ذلك إيجابياً
على الرقي بمستوى الثقافة والمعارف المهدويَّة.
المشهد الأدبي في مسار التاريخ الشيعي:
واكب الشعراء الشيعة التحوّلات السياسية والمخاضات الفكرية في مسار
التاريخ الشيعي، ووجدوا في القصائد المهدويَّة متنفَّساً لبثِّ شكواهم إلى صاحب
الزمان (عليه السلام)، فاتَّجه الأُدباء الشيعة في قصائدهم المهدويَّة في
مسارين: قصائد (الاستنهاض) والأخذ بالثأر، وقصائد (الانتظار) وتعجيل الظهور،
فالغرضان الشعريان: الاستنهاض والانتظار نجدهما أكثر التصاقاً بقضيَّة الإمام
المهدي (عليه السلام)، وهذا يُعَدُّ نوعاً من أنواع التجديد في الشعر العربي،
فأبدع الضمير الشيعي بقصائد مهدوية رائعة على طول مسيرته التاريخية.
ثمرة المرحلة (الطور):
إذا أردنا أن نُصوِّر هذه الحقبة الزمنية في مسيرة التراث المهدوي
الشيعي في أطوار من التقسيمات الفكرية التاريخية، وعملنا مقارنة بين الكتابات
المهدويَّة للجيل الأوَّل بداية الغيبة الكبرى وجيل العصر الحديث، وحاولنا أن
نقيس المسافة الفكرية التي تفصل بين كتابي: (المسائل العشر في الغيبة) للشيخ
المفيد (ت ٤١٣ه) و(المقنع في الغيبة) للشريف المرتضى (ت ٤٣٦ه) وبين كتابي: (بحث
حول المهدي) للسيِّد محمّد باقر الصدر (ت ١٤٠٠ه) و(موسوعة الإمام المهدي)
للسيِّد محمّد صادق الصدر (ت ١٤١٩ه)، فإنَّ هذه المسافة في قياسات التطوّر
الفكري لا تتناسب مع المدَّة الزمنية الفاصلة بينهم (حدود ألف عام)، ممَّا
يُبرهِن على أنَّ التطوّر والتصاعد الفكري والمعرفي في مسار التراث المهدوي
بشكل عام يزحف ببطء وبتثاقل شديد جدّاً.
فمن جهة الحقل المعرفي فإنَّ الكتابين الأوَّلين ينتميان إلى علم الكلام، في
حين ينتمي الكتابان الحديثان إلى علم الفلسفة (المنطق والتحليل)، وهذا بدوره
يعكس تحوّلاً منهجياً في التراث المهدوي، وهو تحوّل من المنهجية التأصيلية
الكلامية إلى المنهجية الفلسفية التحليلية. ولذا يمكن القول بصورة شديدة
العمومية وإجمالية بأنَّ التطوّر الفكري في سياق التراث والمعارف المهدويَّة
بطيء جدّاً جدّاً، ولا يتناسب مع متطلَّبات الإمامة الخاتمة.
هل التراث المهدوي الشيعي مفقود؟
* التراث المهدوي الشيعي لايزال مفقوداً، وذلك لعدَّة أسباب نذكر منها:
أوَّلاً: بحكم الواقع الإحصائي، وذلك لأنَّ إحصاء ما نُشِرَ من هذا
التراث المرتبط بالشأن المهدوي، ومقارنته بما لم يزل مخطوطاً أو بما ضاع مع
الزمن، يدلُّ على أنَّ نسبة التراث المتوفِّر بين أيدينا من تراث الرسول (صلى
الله عليه وآله وسلم) وتراث أهل البيت (عليهم السلام) وتراث الناحية المقدَّسة
أو تراث علماء الشيعة لا يزيد على عشرة بالمئة من مجموع التراث الحقيقي.
ثانياً: بحكم تداعيات الكتمان والأوضاع الأمنية، فقد مرَّ الشيعة بظروف وواقع
حياة أمنية متأزِّمة عقب استشهاد الإمام العسكري (عليه السلام) وفترة الغيبة
الصغرى، فكانت القاعدة الأساس عدم نشر تواقيع الناحية المقدَّسة، واقتضى الأمر
بعض الأحيان تمزيقها من قِبَل أصحابها، ممَّا خسَّر البشرية رسائل مهمَّة لإمام
الزمان، الذي لم يصل لنا منها إلَّا أقلّ من (٠.٢٥%) ربع بالمئة(٧٣).
ثالثاً: بحكم محاربة الأعداء له، وذلك لأنَّ هذا التراث ظلَّ ممتدّاً في الزمان
والمكان ردحاً طويلاً من الوقت، فمرَّ بمنحنيات كثيرة ولم يعرف ثبات الأحوال،
حيث جاءت حكومات التعصُّب الطائفي (مثل السلاجقة) وحملات الاستعمار الأجنبي
(مثل المغول)، فكان ما كان، فأُحرقت الكثير من كتب الطائفة الشيعية وضاع الكثير
من التراث المهدوي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٣) توقيعاً واحداً تقريباً وصل إلينا من مجموع (٤١١) توقيعاً على الأقلّ في السنة الواحدة من سنيِّ عصر الغيبة الصغرى. السيِّد محمّد القبانجي/ مدير مركز الدراسات التخصُّصية في الإمام المهدي، صحيفة صدى المهدي، العدد ١٤، شهر رجب ١٤٣١ه.
رابعاً: بحكم عدم اكتشافه والاطِّلاع عليه، فهذا التراث يُعتَبر من أثمن الكنوز
العلمية في التاريخ الإنساني، وذلك لدوره المتوقَّع في مستقبل البشرية، لكنَّنا
لم نستكشفه أو نستفد منه، فنحن الذين ننتسب لهذا التراث لا نُدرك قيمته
العلمية، وهو غير مستكشف بكامل محتوياته ومضامينه، كما أنَّه مغيَّب وغير معروف
لعموم المؤمنين.
خامساً: بحكم منطق الإلغاء والتغييب للعقيدة المهدويَّة ومحاولة تحريف
مفاهيمها، فنرى انحياز بعض السلطات الحاكمة لمذهبها وإلغاء أو محاربة تراث
الفِرَق الإسلاميَّة الأُخرى، ويصل منطق الإلغاء والتغييب بسبب النظرة
الأُحادية الضيِّقة إلى حدِّ منع كتب المذاهب الأُخرى، وعدم الاعتراف بثراء
التراث المهدوي.
سادساً: بحكم عدم الوعي به، وذلك لأنَّنا حين ننظر في المصنَّفات المهدويَّة
الحديثة (الكتابات الجديدة)، لا نجد في مراجع هؤلاء الكُتّاب مخطوطة واحدة،
بمعنى أنَّهم اعتمدوا على المنشور المعلوم، بينما هذا المعلوم لا يُمثِّل إلَّا
أقلّ القليل من جملة التراث المهدوي الحقيقي.
سابعاً: بحكم انعدام الخطَّة المنهجية للاهتمام به، بالتنقيب عن الضائع منه،
وطبع ونشر المخطوط منه، بالإضافة لإرسال البعثات العلمية للحصول على النسخ
الخطّية الحبيسة في خزائن المخطوطات ببلدان الشرق والغرب، ثمّ تحقيقها ونشرها.
وعلى هذا النحو صار التراث المهدوي الشيعي مفقوداً ومجهولاً وضائعاً، ولذلك
جاءت هذه الدراسة لتُعرِّفنا بأهمّيته وبحجمه، وتصرخ بصوتٍ عالٍ تطالب بانتشال
الثروات المهدويَّة العلمية المدفونة في زوايا المكتبات أو التراث الضخم الذي
تراكم الغبار عليه، ممَّا يجعل إخراجه إلى عالم النور وبسرعة قصوى أمراً
ضرورياً وملحّاً قبل أن يتلف مع الزمن.
فالواجب علينا أن نطلَّ على المخطوطات القريبة منّا وأن نتعرَّف على الكثير من
ذخائر التراث المهدوي المنزوي في الخزانات الخطّية، ومن جهة أُخرى نصبُّ
اهتمامنا في البحث عن التراث المهدوي الإسلامي المسروق في مكتبات الشرق والغرب،
فما زال هذا الكنز بعيداً عن دائرة الضوء، وعلينا أن نُقبِل على البحث عنه
واكتشافه ونشره، فنزيد نسبة المعروف من هذا التراث ونُقلِّل المفقود والمجهول
منه.
ينبغي الحفاظ على هذا التراث وإنقاذه من الضياع والاندثار، ولا بدَّ أن يستوعب
المؤمنون هذه المعادلة: أنَّ حماية التراث الفكري والحفاظ عليه هي حماية للهوية
الذاتية والحفاظ عليها، فتراث الأُمم ركيزة أساسية من ركائز الهوية الثقافية.
آفاق مستقبلية:
لقد استعرضنا في الصفحات السابقة مسيرة التراث المهدوي الشيعي باختصار،
ولم يكن استعراضنا هذا ضرباً من التاريخ، بالقدر الذي كان يهدف إلى تتبُّع
واستقراء التطوّر المعرفي والفكري في المسار التصاعدي والمستجدّات المتراكمة في
الثقافة المهدويَّة، فلم نقارب الوقائع والأحداث التاريخية إلَّا بالمقدار الذي
يُقرِّبنا من المفاهيم والتصوّرات، ومن وراء ذلك كنا نرمي في نهاية المطاف إلى
فتح آفاق مستقبلية جديدة هي التالي:
١- التراث المهدوي المرتبط بالوحي الإلهي (بشقّيه الكتاب والسُّنَّة) والذي
يُميِّز التراث الشيعي عن غيره، وهو على قدر كبير من الأهمّية، فإنَّنا نجد
الجانب المرتبط بالسُّنَّة الشريفة ومرويات العترة الطاهرة (عليهم السلام) قد
ضاع الكثير منه، وخسرت الإنسانية ثروات علمية هائلة، لذا فالمسؤولية التاريخية
تفرض علينا البحث والتنقيب عن الضائع والمفقود منه، وذلك على أكثر من صعيد:
- الأحاديث الشريفة المتعلِّقة بالشأن المهدوي، والتي لم تصلنا.
- توقيعات الناحية المقدَّسة، والتي فقدنا معظمها.
- المصنَّفات المهدويَّة القديمة لعلماء الطائفة التي ضاعت.
٢- المراجعات والتجديدات في الثقافة المهدويَّة من مظاهر النضج والتطوّر،
والتراث المهدوي يحمل منطلقات ومرتكزات تأسيسية وتأصيلية متينة. فهناك ضرورة
بأن نستوحي من تراثنا روح التقدُّم والعصر ونندفع نحو التجديد والابتكار،
فنحافظ على المسار التصاعدي للمعارف المهدويَّة، ولن يتمَّ ذلك إلَّا بالتوسُّع
في الدراسات والبحوث ذات المنهج العقلي والتحليلي، وأن تواكب كتاباتنا القادمة
المستوى الفكري للحياة الإنسانية المعاصرة، بل نطمح أن تتقدَّم عليه وتكون
رائدة في هذا المجال، وأن يكون هناك اقتران دائم بين المهدويَّة والمستقبل
المشرق للبشرية، وأن لا خلاص نهائياً ودائماً لمآزق شعوب العالم إلَّا بالتطبيق
الفعلي لدولة العدل الإلهيَّة على يد الإمام المهدي (عليه السلام).
٣- المهدويَّة حركة عالمية لا تقتصر على طائفة معيَّنة أو دين معيَّن، بل هي
لكلِّ البشرية. والترجمة اللغوية من أوضح الصور والأمثلة على التواصل بين
الثقافات والحضارات المختلفة، ولها دور وخصوصية في رفد الثقافة والمعارف
المهدويَّة من خلال الأخذ والعطاء، وكذلك لها بالغ الأثر في التواصل ثقافياً مع
الآخر (غير المسلم)، إضافة لحسن الأثر في حفظ التراث وحمايته من الاندثار،
فيتحتَّم أن يكون عندنا برنامج جادٌّ لترجمة المصنَّفات المهدويَّة المميَّزة
(القديمة والحديثة)، بحيث تواكب حركةَ التأليف والتدوين حركةُ ترجمة نشطة من
اللغة العربية إلى اللغات الأُخرى وبالعكس، فنخلق فرصة للانفتاح على الحضارات
الأُخرى، وعندما ننهلُّ من تراثنا المهدوي الصفحات المشرقة وننقلها للآخر
ونُعرِّفه بالمهدويَّة الأصيلة، فإنَّ ذلك يعكس نظرتنا الإيجابية لتراثنا.
٤- إنَّ الجامعات التعليمية الإسلاميَّة لم تُعطِ القضيَّة المهدويَّة اهتماماً
كافياً أو
عناية بالشكل الذي تستحقُّ، فمراجعة سريعة لعناوين أُطروحات الماجستير
والدكتوراه تكشف لنا صورة الإهمال المفجع للمسألة المهدويَّة، حتَّى إنَّ المرء
ليصاب بالدهشة عندما يجد مئات الأبحاث حول الفِرَق الضالَّة والهدّامة، بينما
لا يجد شيئاً يُذكر حول الإمام المهدي (عليه السلام). ولنا أن نتساءل عن أسباب
مثل هذا الإهمال والعزوف عن البحث والدراسة في العقيدة المهدويَّة وارتياد
آفاقها؟
أمَا آن لجامعاتنا أنْ تستفيد من هذه الثروة العلمية الزاخرة، وتجعلها محوراً
لدراستها وأبحاثها الأكاديمية؟ فالمهدويَّة كمشروع حضاري عالمي (إلهي) ينتظر
محاولة الاستكشاف واستشراف رؤى المستقبل.
٥- إنَّ دراسة الأولويات الراهنة وخصوصيات المرحلة المعاصرة، تجعلنا نضع منهجاً
لمسيرة التراث المهدوي القادم والمستقبلي، ولكن عند النظر لميزان أولوياتنا
حالياً نجده مختلّاً وبه مفارقات عجيبة، فكثير من اهتماماتنا الحالية منصبَّة
على علامات الظهور، لذا يجب معرفة متطلِّبات المرحلة وترتيبها حسب الأهمّية
وتقديم الأهمّ على المهمّ. فمثلاً أيَّهما أولى: أن تُؤلّف كتاباً يتكلَّم عن
علامات الظهور والتي تدلُّ على اليوم الموعود، ويُرتِّبها ويُصنِّفها الكاتب
بناءً على الروايات، ويشرحها على ضوء التحليل العلمي والمنطقي لديه، أم تُؤلّف
كتاباً يتكلَّم عن شرائط الظهور والتي ترتبط بمقتضيات النجاح لليوم الموعود،
ويُقدِّم أُطروحات جديدة في مسيرة التمهيد المهدوي؟
ينبغي أن نتحلّى برؤية منهجية شاملة تخلق لنا ثقافة وسلوك (فقه الأولويات
المهدويَّة) ويرسم لنا ملامح متطلِّبات المراحل التاريخية حسب أهمّيتها فلا
ننشغل بالجزئيات عن الأساسيات، ممَّا يضمن أن تواكب كتاباتنا مقتضيات العصر
ومسيرة التمهيد المهدوي.
٦- إنَّ قراءة مسيرة التراث المهدوي الشيعي ودراسته بقدر كبير من
الوعي والإدراك التاريخي والحضاري، ودمجها مع متطلِّبات مسيرة التمهيد المهدوي
وأولويات المرحلة المعاصرة، يرسم لنا ضرورة الانتقال من الماضي إلى الانفتاح
على العصر والنظر إلى المستقبل واستشراف آفاقه وتحدّياته، ومن هذه التحدّيات
والأولويات الهامَّة في وقتنا الحالي هو تعريف المهدويَّة لدى الشعوب غير
المؤمنة بدين الإسلام، فحقائق المهدويَّة مجهولة لديهم ولا تعرف شيئاً عنه،
وإذا حان موعد ظهوره لا تعرف ماذا سيفعل وماذا سيُحقِّق وماذا سينشر، فكيف إذاً
لمثل هذه الشعوب أن تؤمن به حين ظهوره وكيف ستُؤيِّده وتؤازره، وهي لا تعرف
أدنى معلومات أو حقائق عن قضيَّته وأهدافه؟ نحن بحاجة لإيصال الثقافة
المهدويَّة والمعارف الربّانية لكلِّ شعوب العالم، فهذه ضرورة ملحَّة تقتضيها
مرحلتنا التاريخية المعاصرة، فهل أخذنا على عاتقنا التبشير للمهدويَّة وبشكل
إيجابي لدى الآخر غير المسلم، فنوصل المهدويَّة الأصيلة للشعوب وللمؤسَّسات
الأكاديمية والإعلامية العالمية، ونخاطبهم باللغة والأُسلوب الذي يفهموه
ويُؤثِّر فيهم؟
نحن نراهن على مستقبل التراث المهدوي وأفكاره ومعارفه، وقدرته على صنع المستقبل
المشرق للبشرية، والمحافظة على فاعلية ثقافته. فأمام الكتابات المهدويَّة مسار
طويل من البناء والإنجاز والتقدُّم، لأنَّ البحث عن موقع رائد في فضاء الفكر
العالمي والتواصل مع الحضارات المختلفة، ليس مجرَّد رغبة أو دعوة إنَّما هو فعل
متراكم من التطوّر المستمرّ والقدرة على صنع ثقافة تواكب متطلِّبات العصر
وحاجات المستقبل.
وفي ختام بحثنا نطرح هذا السؤال: كيف نستطيع أن نستلهم من تراثنا المهدوي
آفاقاً مستقبلية، ونبعث روح الإبداع والابتكار في أقلامنا، ونندفع نحو التطوير
والتجديد في ثقافتنا المهدويَّة؟
الهيكل التنظيمي الافتراضي ودوره في تحديد
مستويات القادة الفرعيين بدلالة القيادة الموعودة
دراسة استشرافية: الافتراضات والمتعلقات والمستقبليات
الأستاذ الدكتور يوسف حجيم سلطان الطائي
جامعة الكوفة- عميد كلية الإدارة والاقتصاد
بحث مشارك في مسابقة خاتم الأوصياء (عجّل الله فرجه) للإبداع الفكري وحاز على المركز السادس
منهجية الدراسة:
تُعَدُّ القيادة الموعودة أحد أهمّ الممارسات والأنماط القيادية في اليوم الموعود،
والتي لاقت رواجاً منقطع النظير في الوقت الحالي، لأهمّيتها الاستراتيجية، والتطوّر
الحاصل في مجال التقني التكنولوجي ممَّا زاد الاهتمام بالجوانب النظرية لهذه
القيادة التي ستحكم الكون بقيادة القائد الموعود الإمام المهدي المنتظر (عليه
السلام).
في بحثنا هذا سيتمُّ التطرُّق إلى الهياكل التنظيمية الافتراضية التي من الممكن
تطبيقها في اليوم الموعود، وهل أنَّ هذه الهياكل التنظيمية قادرة على استيعاب
المتغيِّرات البيئية المتنوِّعة، والتي تحتاج إلى هياكل مرنة قادرة على تنظيم
العلاقة الإدارية بين القيادة الموعودة والقادة الفرعيين؟ وذلك لمعرفة الكيفية التي
يتمُّ توزيع الأعمال والأعباء على القادة الفرعيين على أساسها، فضلاً عن تحديد نطاق
الإشراف لكلِّ قائد فرعي، وما هو العدد الأمثل من المرؤوسين الذين يمكن قيادتهم
لتحقيق هدف القيادة الموعودة؟
وهذا ما ركَّز عليه (Davis) وحدَّد مجموعة من القوى التي تُؤثِّر على عمل أيِّ
تنظيم، وهذه العناصر وهي: (الأفراد، والهيكل، والتكنولوجية، والبيئة)(١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) (Davis; Newstrom): ٧، ط (١٩٩٧م).
لذا فأيُّ تنظيم يحتاج إلى مجموعة من الأفراد، وبواسطتهم يتمُّ تحقيق أهداف
التنظيم، وهذا سينتج عملاً، والذي يُترجَم إلى إنتاجية، وهؤلاء الأفراد يحتاجون إلى
هيكل تنظيمي يُنظِّم عملهم، وقد يحتاجون إلى تكنولوجيا لتسهيل عملهم. وكلُّ هذه
القضايا لا بدَّ أن تُراعي البيئة الخارجية والداخلية، وأن تأخذ بنظر الاعتبار أيَّ
تغيير يمكن أن يُؤثِّر على عمل الأفراد والهيكل التنظيمي.
وهنا لا بدَّ أن تكون العملية منظَّمة وفق الفلسفة الإدارية، والكيفية التي تُوزَّع
بها الأعمال على القادة الفرعيين، وكيفية توزيع القادة الفرعيين على العالم، وما هو
الهيكل التنظيمي النموذجي للقيادة الموعودة، بعد تحديد أهمّ أنواع الهياكل
التنظيمية التي يمكن أن يتمَّ تطبيقها في المستقبل وفقاً للقراءة الحالية، واستشراف
المستقبل لما سيكون عليه هذا التنظيم الموعود.
وقبل البدء نشير إلى بعض النقاط المهمَّة:
أوَّلاً: مشكلة الدراسة:
لذا تكمن مشكلتنا في الآتي: (هل هناك هياكل تنظيمية جديدة يمكن تطبيقها في القيادة
الموعودة من أجل تحديد مستويات القادة الفرعيين عند ظهور القائد الموعود؟)، وتنبثق
من هذه المشكلة الرئيسة العديد من التساؤلات الفرعية، وهي:
١- ما هي أهمّ أنواع الهياكل التنظيمية الافتراضية للقيادة الفرعية؟
٢- ما هو عدد المستويات الإدارية للقيادة الموعودة؟
٣- كيف يُحدَّد نطاق الإشراف للقادة الفرعيين ضمن الهياكل الافتراضية؟
٤- ما هي مواصفات القادة الفرعيين ضمن الهياكل التنظيمية الافتراضية؟
ثانياً: أهمّية الدراسة:
تُعَدُّ هذه الدراسة من الدراسات المهمَّة، والتي تُسلِّط الضوء على أهمّ موضوع
أثار جدلاً ولسنوات عديدة، ألَا وهو كيف يمكن أن يكون شكل
الهيكل التنظيمي الافتراضي أو المستقبلي للقادة الفرعيين بدلالة القيادة الموعودة؟
لذا تكمن مشكلتنا في الآتي:
١- الأهمّية المستقبلية:
حاز موضوع القيادة الموعودة على اهتمام أغلب الباحثين في الشأن الاقتصادي والديني
والسياسي، وعلى كافَّة الأصعدة، ممَّا حتَّم إعطاء نظرة مستقبلية لأهمّ الأنماط
والممارسات القيادية للقيادة الموعودة، وما هي الهياكل التنظيمية الافتراضية التي
من الممكن أن تستوعب كلَّ البشر في الكون على انتظامهم وإدارتهم في المستقبل، لذا
سعت دراستنا هذه على تسليط الضوء على كيفية تحديد أنواع الهياكل التنظيمية في
المستقبل عند ظهور القيادة الموعودة، وكيفية توزيع المهامِّ والمسؤوليات على أفراد
التنظيم والقادة الفرعيين؟
٢- الأهمّية الدينية:
أخذ مفهوم القيادة الموعودة اهتمام أغلب الديانات إذا لم تكن كلِّها، وكلُّ
ديانة تدَّعي بأنَّ القائد المخلِّص ينتمي إليها، وهذا بحدِّ ذاته هو إذعان لحقيقية
أساسية مفادها أنَّ هنالك قائداً موعوداً لا بدَّ أن يقود هذه الأرض. ومن هنا يمكن
إثبات هذا القائد، وحسب الديانات التي أكَّدت ذلك، وإن لم نكن بصدد إثبات هذا
الحقيقة، لأنَّها أصلاً مثبتة، ولكن العامل الديني هل يسهم في إيجاد الهياكل
التنظيمية القادرة على استيعاب العالم بأسره؟
٣- الأهمّية العالمية:
إنَّ قضيَّة القيادة الموعودة هي قضيَّة ذات اهتمام عالمي، لأنَّ مصير
العالم بأسره مرتبط بها، وبرز هذا الاهتمام خصوصاً في السنوات القليلة الماضية،
وزاد في الوقت الحالي، إذ نلاحظ أنَّ العديد من المعاهد البحثية ووسائل التواصل
الاجتماعي فضلاً عن بعض الدول الكبرى التي أعطت اهتماماً واضحاً لهذه القيادة، وهنا
يتحتَّم علينا أن نَعُدَّ العِدَّة لهذه القيادة، وكيف ستكون الهياكل التنظيمية
وشكلها لتغطيتها العالم بأسره؟
٤- الأهمّية العملية:
هذا المحور سيُركِّز على الجوانب العملية عند تطبيق القيادة الموعودة، وما
هي الهياكل الافتراضية التي يمكن أن تُطبَّق في الواقع المستقبلي لهذه القيادة
الكونية، وهنا لا بدَّ من التركيز على الآتي:
- كيف يمكن تحديد نطاق الإشراف للقادة الفرعيين؟
- معرفة المستويات الإدارية ضمن الهياكل التنظيمية وخصوصاً الهياكل المرنة.
- آلية توزيع المهامِّ والواجبات على القادة الفرعيين.
ثالثاً: أهداف الدراسة:
لدراستنا العديد من الأهداف، ولكن أهمّ هدف رئيسي وهو كيف يمكن أن نُحدِّد الهياكل
الافتراضية التي يمكن أن تُطبَّق في المستقبل عند ظهور القيادة الموعودة؟ وما هي
أنواع الهياكل الإدارية التي يمكن تطبيقها في اليوم الموعود، والتي تتلاءم وفلسفة
القيادة الموعودة لتوزيع القيادات الفرعية على العالم؟
لذا يمكن تحديد الأهداف الفرعية بالآتي:
- القدرة على الاستشراف لمعرفة عدد المستويات الإدارية التي تحتاج إليها القيادة
الموعودة.
- التنبُّؤ بتحديد القيادات الفرعية للقيادة الموعودة، وكيفية توزيعها على العالم
بأسره.
- تحديد نطاق الإشراف المفترض، وتوزيع القادة الفرعيين وفقاً لتعداد السكان.
- تحديد أهمّ مواصفات القادة الفرعيين لشغل المناصب القيادية في القيادة الموعودة.
- افتراض عدد من أنواع الهياكل الافتراضية التي ممكن أن تعمل وفق فلسفة القيادة
الموعودة.
رابعاً: افتراضات الدراسة:
لدراستنا هذه العديد من الافتراضات، وهي:
الافتراض الأوَّل: هل هنالك قدرة على تحديد أنواع الهياكل التنظيمية الافتراضية
التي يمكن تطبيقها في اليوم الموعود؟
الافتراض الثاني: هل يمكن تطبيق أكثر من هيكل تنظيمي في وقتٍ واحدٍ؟
الافتراض الثالث: هل يمكن تحديد عدد المستويات الإدارية في القيادة الموعودة؟
الافتراض الرابع: هل يمكن التنبُّؤ بعدد القادة الفرعيين الذين تحتاج إليهم القيادة
الموعودة؟
الجانب النظري: تعريف الهيكل التنظيمي:
أغلب المنظَّمات تحاول أن تسيطر على مواردها البشرية والمادّية، ولكلٍّ منها هيكل
تنظيمي خاصٌّ به من أجل أن يكون العمل منظَّماً وغير عشوائي، كيما يُحدِّد العلاقة
بين التنظيمات الإدارية العليا والدنيا. وأيضاً تحديد سلوكيات الأفراد داخل
التنظيم، للوصول إلى تحديد المسؤولية عن أيِّ عمل يقوم به المرؤوسون، وعدم السماح
لتداخل الصلاحيات ممَّا يُولِّد حالة من الصراع الداخلي والعشوائية في العمل.
ويمكن تعريف الهيكل التنظيمي بأنَّه (ذلك الإطار الذي يُحدِّد الإدارات وخطوط
السلطة ومواقع اتِّخاذ القرارات ومواقع التنفيذ، وهو الذي يُبيِّن التقسيمات
التنظيمية)(٢).
وللهيكل التنظيمي العديد من الأبعاد، وهي الأُطر التي تُحدِّد أُسلوب بناء التنظيم،
وهذه الأبعاد هي: (التعقيد، الرسمية، المركزية).
ويُقصَد بالتعقيد هو الارتباط بالتعقيد البيئي، فالتنظيم الذي يعمل في بيئة
مستقرَّة هادئة يختلف عن الهيكل التنظيمي الذي يعمل في بيئة ديناميكية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) سعيد وآخرون: ٨٧، ط (٢٠٠٣م).
صارخة، فكلَّما كانت البيئة هادئة ومستقرَّة قلَّ التعقيد، والعكس صحيح.
أمَّا الرسمية في التنظيم فتُحدَّد في ضوئها العلاقات الأُفقية والعمودية وما
يرافقها من صلاحيات ومسؤوليات للمراكز الوظيفية.
أمَّا المركزية فإنَّها تُشير إلى مدى تمركز سلطة اتِّخاذ القرار في قمَّة الهرم
التنظيمي، وفي حالة تفويضها إلى المستويات الأدنى يكون التنظيم توجَّه نحو
اللامركزية(٣).
وعُرِّف أيضاً بأنَّه عبارة عن عمليات منتظمة لتحديد العلاقة بين السلطة والأعمال
من أجل تحديد أنشطة الأفراد، وكيفية استخدام الموارد المادّية والمعلوماتية، لتحقيق
هدف التنظيم(٤).
فالهيكل التنظيمي يُمثِّل حصيلة تفاعل عدد من المتغيِّرات المتمثِّلة في تقسيم
العمل، توزيع الأدوار والسلطة، نشاطات التنسيق بين المهامِّ بما ينسجم وغايات
المنظَّمة وأهدافها بكفاءة عالية تتمثَّل بإيجاد المزيج المناسب من التخصُّصات،
والتوافق الدائم بين الأدوار والمهمّات المدعمة بالسلطة المناسبة لإدارة المسؤوليات
في إطار آليات محدَّدة للتنسيق والتكامل كالاتِّصالات والقواعد والإجراءات، بل
وتعدّى دور الهيكل التنظيمي إلى التركيز على الجوانب السلوكية داخل التنظيم، وتحديد
للعلاقات اللارسمية داخل التنظيم حيث عَرَّف كلٌّ من (March) و(Simon) بأنَّ الهيكل
التنظيمي يحتوي على أشكال معيَّنة ومحدَّدة من أنماط السلوك في المنظَّمة، والتي
تكون ثابتة نسبياً وتغيُّرها بطيء، فهو يُمثِّل توزيعات الأفراد المنتشرة على مختلف
خطوط المراكز الوظيفية التي تُؤثِّر بدورها على علاقات الدور بين هؤلاء الأفراد(٥).
من خلال ما تقدَّم يتَّضح لنا أنّ أيَّ تنظيم يُريد أن يُحقِّق النجاح والنموِّ
والبقاء فلا بدَّ عليه أن يُحدِّد طبيعة العلاقة بين الأفراد من خلال الهياكل
التنظيمية الخاصَّة به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) العنزي: ٢٥٠- ٢٥٤، ط
(٢٠١٥م).
(٤) Jones: ٨، ط (٢٠٠١م).
(٥) الرسول: ٢٥، ط (٢٠٠٥م).
الهيكل التنظيمي في القيادة الموعودة:
ركَّزت الإدارة الحديثة على أهمّية الهياكل التنظيمية أو الإدارية أو القيادية
لتحقيق الانسيابية في الأوامر من القيادة العليا للقيادة الدنيا، وكذلك لعدم حصول
الصراع الإداري والقيادي بين المستويات نتيجة المعرفة التامَّة بصلاحيات ومسؤوليات
كلِّ فرد داخل التنظيم الكوني. وهذه العملية ستُسهِّل إتقان العمل والإبداع فيه،
لذا في هذه الفقرة سيتمُّ توضيح الهياكل التنظيمية المقترحة التي يمكن أن تُستَعمل
في القيادة الموعودة.
يُعَدُّ موضوع الهيكل التنظيمي من المواضيع المهمَّة، وذات الصلة بموضوعة القيادة
الموعودة، وذلك لأجل معرفة الصلاحيات والمسؤوليات الموزَّعة على القادة الفرعيين،
لغرض مزاولة أعمالهم بالصورة الصحيحة.
وهنالك العديد من العوامل التي تُؤثِّر على الهيكل التنظيمي، ومنها:
١- حجم التنظيم المراد إدارته، أي كلَّما زاد حجم التنظيم زاد تعقيد الهيكل.
٢- مكان تواجد التنظيم، ومدى انتشاره أو تركُّزه.
٣- الفترة الزمنية التي يعيشها التنظيم (عمر التنظيم).
٤- مدى استخدام التخصُّص.
٥- القدرات البشرية التي يمكن استخدامها في التنظيم.
٦- التكنولوجيا، ومدى استخدامها.
٧- البيئة، ومدى استقرارها أو عدم استقرارها.
وهنالك عوامل أُخرى يمكن أن تُؤثِّر على الهيكل التنظيمي.
من خلال ما تقدَّم يتَّضح بأنَّ الهيكل يتأثَّر بحجم التنظيم الذي يمكن أن يُدار من
قِبَل القيادة الموعودة، فإذا كان الكون بأسره هو المراد إدارته، فكيف سيكون
الهيكل؟
هنا لا بدَّ أن يتميَّز الهيكل بالآتي:
١- المرونة التامَّة في الهيكل، وإمكانية تغيُّره من وقتٍ لآخر بسبب التغيُّر
الحاصل في البيئة من جهة والبشر المراد إدارتهم من جهة أُخرى.
٢- التعامل مع البيئة تعاملاً تكاملياً، وتطويع البيئة مع الهيكل إن أمكن وحسب
الحاجة.
٣- العمل على استخدام الهياكل الشفّافة التي يمكن أن تتغيَّر بسرعة فائقة، وحسب
توجُّهات القيادة الموعودة.
٤- العمل على تكوين هيكل عنكبوتي شمولي يشمل كافَّة مفاصل الكون، وإمكانية إجراء
التغيُّرات عليه.
٥- إمكانية تقليل التعقيد في عمل الهيكل التنظيمي، لأجل أن يسهل تطبيقه.
٦- استخدام هياكل متعدِّدة، ولكلِّ منطقة إدارية هيكل خاصّ بها، ويمكن تغيُّره من
وقتٍ لآخر، وهذا التغيُّر يشمل هذه الجزئية دون التغيُّر في الهيكل الكبير.
أمَّا الفقرة الثانية التي تُركِّز على انتشار الهيكل أو تركُّزه في منطقة معيَّنة،
فهنا يوجد عدَّة نقاط أيضاً، ومنها:
١- هيكل منظومة القيادة الموعودة يتَّسم بالانتشار المكاني، وهذا يحتاج إلى هيكل
يُحاكي الكون بأسره، وهذه عملية معقَّدة تحتاج إلى قدرة فائقة لدى رأس المال البشري
لإدارة هكذا هياكل.
٢- تجزئة الكون إلى ولايات متفرِّقة، ووضع هيكل خاصٍّ لكلِّ ولاية بحسب الطبيعة
البشرية والبيئة لهذه أو تلك المنطقة.
٣- استخدام استراتيجية التركيز، وتطبيق هيكل معيَّن على منطقة معيَّنة، ومن ثَمَّ
تطبيقه على المناطق المشابهة.
أمَّا المدَّة الزمنية التي يعيشها التنظيم (الهيكل التنظيمي)، فكلَّما زادت الفترة
الزمنية كلَّما تمكَّن التنظيم من معايشة العديد من الهياكل ومدى ملائمتها مع
التنظيم، وهذا يؤدّي إلى أن:
١- تساهم الفترة الزمنية للتنظيم من ممارسه هياكل تنظيمية متعدِّدة.
٢- القدرة على تشخيص المناطق، ومدى احتياجها للهياكل التنظيمية الخاصَّة بها، والتي
تساهم في إدارة التنظيم إدارة مثلى.
٣- تصنيف المناطق حسب هياكلها التنظيمية.
٤- معرفة التجارب الإدارية، وخصوصاً في مجال الهيكل الإداري، وإمكانية معرفة
الهياكل المثلى التي يمكن تطبيقها هنا أو هناك(٦).
أمَّا الفقرتان الأخيرتان، وهما: مدى استخدام التخصُّص والقدرات البشرية التي يمكن
استخدامها في التنظيم، فنقول هنا:
يُعَدُّ التخصُّص من القضايا الأساسية التي تساهم في انسيابية عمل الهيكل، ونجاح
أداء الأعمال بالصورة الصحيحة عند تحديد الأعمال وتعيين الأفراد لهذه الأعمال. وهذا
مرتبط بالقدرات البشرية التي تسعى القيادة الموعودة إلى جذبها واستقطابها في عمل
هياكلها التنظيمية، ومدى مساهمتها في نجاح عملها.
وبطبيعة الحال فإنَّ القيادة الموعودة لا يوجد في صفوفها إلَّا الأفراد الذين لديهم
ولاء عالي وإيمان مطلق بها، وهذا محفِّز على إنتاج هياكل تنظيمية تُحاكي الواقع،
وتساهم في نجاح أعمالها والسرعة في انتشارها عالمياً.
أمَّا الفقرتان اللتان تُؤثِّران على الهيكل، وهما: التكنولوجيا، ومدى استخدام
البيئة، ومدى استقرارها أو عدم استقرارها. حيث تُعَدُّ التكنولوجيا وسرعة تغيُّرها
من وقتٍ لآخر وخصوصاً في العصر الرقمي الذي أصبح سمة الكون، فهنا سيكون الهيكل
التنظيمي أكثر تغيُّراً وفقاً لمتغيِّر التكنولوجيا، إضافة إلى التغيُّر الحاصل في
البيئة المعقَّدة والمضطربة. وهنا لا بدَّ من وضع هياكل تنظيمية تتَّسم بالمرونة
وإمكانية إجراء عمليات علاجية أو وقائية وحسب الظروف البيئية أو المتغيِّرات
التكنولوجية، وهذا يُحتِّم على الهيكل التكيُّف مع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦) الطائي: ٢٥٨، ط (٢٠١٥م).
التغيُّر المستمرِّ، وأيضاً يُحتِّم على الكادر البشري التكيُّف بقدراته وإبداعه مع
هذا التغيُّر.
اختيار الهيكل التنظيمي النموذجي المناسب للقيادة الموعودة:
يعتمد اختيار الهيكل الأمثل أو المناسب للقيادة الموعودة على عدَّة مؤشِّرات،
ومنها:
١- تحليل ودراسة البيئة الخارجية دراسة مستفيضة، وخصوصاً الحدود البيئية التي يعمل
فيها الهيكل التنظيمي الجزئي فيما لو قُسِّم الكون إلى مجموعة مناطق، أو حسب
التقسيمات التي سنأتي عليها لاحقاً، وتحليل كافَّة العوامل الدخيلة لوضع الهيكل
المناسب.
٢- تحليل مهمّات القيادة الموعودة، وتحديد الأنشطة المتعلِّقة بها، وهل أنَّ هذه
الأنشطة هي التي تُحقِّق الهدف المنشود لها أو لا؟
٣- تحديد القيادات الرئيسة والفرعية والأدنى، وذلك لأجل معرفة من يتَّخذ القرارات
الاستراتيجية. وهذا يساعد في تحديد الهيكل المناسب والأمثل لكلِّ قيادة، ولكلِّ
قرار، وحسب المستوى. وكذا تحليل العلاقات المؤثِّرة على اتِّخاذ القرارات، سواء
أكانت داخلية أم خارجية أُفقية أم طولية.
٤- تحليل القدرات البشرية التي تمتلكها القيادة الموعودة، وهل لديهم القدرة على
تغيير هياكل وحداتهم الإدارية في حال إذا تعرَّضوا لأيِّ مؤثِّر خارجي؟
٥- تحليل نوعية القاعدة الجماهيرية، وما هي مواصفاتهم وإمكانية وضع هيكل ملائم لهم
بما يمتلكونه من خصائص ومواصفات؟
كلُّ هذه المؤشِّرات وغيرها ستُؤثِّر على اختيار الهيكل الأمثل للمنطقة المراد
إدارتها، وهذه المؤشِّرات كلِّها محدَّدة ومعروفة لدى القيادة الموعودة، بل أكثر من
ذلك.
أنواع الهياكل التنظيمية في القيادة الموعودة:
قبل التطرُّق إلى أنواع الهياكل التنظيمية هنالك مراحل إعداد الهيكل التنظيمي، وهذه
المراحل هي:
١- تحديد الأهداف الرئيسة والفرعية للقيادة الموعودة.
٢- تحديد الأعمال المشابهة بين الوحدات والأقاليم والولايات في القيادة الموعودة.
٣- تقسيم وتجميع الأعمال ضمن الوحدات الإدارية، وإعطاء التفويض لبعض القادة لإنجاز
بعض الأعمال باستخدام المركزية أو اللامركزية في السلطة.
٤- التنسيق بين مختلف الولايات والأقاليم بخصوص المشورة، واطِّلاعهم على الإنجازات
المتحقِّقة من خلال ربط الوحدات الإدارية بالقيادة من خلال خطوط السلطة وحسب نطاق
الهل(٧).
في هذه الفقرة يمكن أن تكون أنواع الهياكل في القيادة الموعودة كما يلي:
١- التقسيم حسب المناطق أو الجغرافي: وهنا التقسيم يُركِّز على المناطق الجغرافية،
ويمكن توضيح ذلك كما في الشكل الآتي:
@٠٠٧
شكل (١) التقسيم الجغرافي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) الطائي: ٢٦٠، ط (٢٠١٥م).
٢- التقسيم حسب الدول أو القارّات: وهذا التقسيم يوزع القيادات الفرعية حسب الدول
أو القارات الموجودة في العالم ويمكن أيضاً تقسيم الدول الكبيرة دويلات صغيرة أو أي
تقسيم آخر ويمكن توضيح ذلك كما في الشكل الآتي:
٣- التقسيم حسب اللغات: في هذا التقسيم سيتم تقسيم العالم حسب اللغات وذلك لأجل
تسهيل عملية التخاطب فيما بين الأفراد وإيجاد آليات للتواصل من خلال اللغة
ومفاهيمها واستخدامها الصحيح من قبل القادة الفرعيين.
@٠٠٨
شكل (٢) التقسيم حسب اللغات
٤- التقسيم الوظيفي: حسب الوظائف التي أُسندت للقادة الفرعيين، وسيكون لكلِّ قائد
وظيفة فرعية تُناط به من لدن القائد الموعود. وهذا سيُحقِّق المهارة والتفاني في
العمل، إضافة إلى التخصُّص الدقيق، وتوزيع القادة حسب مهاراتهم بما يتلاءم مع
الوظيفة التي أُنيطت به، ممَّا يُسهِّل عملية تقسيم العمل على القادة الفرعيين.
٥- التقسيم حسب الكثافة السكّانية: في هذه الفقرة سيتمُّ التركيز على المناطق عالية
الكثافة السكّانية، مثلاً بعض الدول يكون عدد سكّانها قليل، وبعض الدول يكون عدد
سكّانها كبير جدّاً مثل الصين والهند، فهنا يجب أن يُركَّز عمل القيادة وإعداد
هياكل متعدِّدة للدول ذات الكثافة السكّانية العالية،
وقد تُقسَّم هذه الدول إلى تقسيمات أصغر لأجل السيطرة عليها. وهكذا التقسيم حسب
الثقافات أو الولايات والأقاليم، أو حسب الولاء والإيمان، أو حسب شرائح المجتمع،
وغيرها.
٦- التقسيم العنكبوتي: وهذا التقسيم يجمع أكثر من نوع من التقسيمات السابقة، ويكون
الاتِّصال فيه نوع من التعقيد، وبنفس الوقت له صفة الانتشار والتوسُّع طبقاً للهدف
المراد تنفيذه، وهو يشبه بيت العنكبوت، والذي ترتبط أجزاؤه مشتركة، ويمكن أن تصل
الأوامر والتعليمات من أيِّ طرف إلى باقي الأطراف الأُخرى. وكما يمكن أن يكون
التقييم الهجين الذي لا يعتمد على نوع معيَّن ممَّا تقدَّم لأجل السهولة في
القيادة.
@٠٠٩
شكل (٣) التقسيم العنكبوتي
المستويات القيادية في الهيكل التنظيمي:
لإنجاح أيِّ عملٍ قياديٍّ لا بدَّ أن تكون هنالك العديد من المستويات القيادية،
وهذه المستويات تُسهِّل العمل الإداري، وتوزيع الأعمال القيادية على القادة
الفرعيين الذين سيتمُّ نشرهم في العالم لبسط السيطرة، وتقسيم العمل القيادي فيما
بين القيادات الفرعية.
بصورة عامَّة تنقسم القيادة على أربعة مستويات رئيسة أو أكثر حسب طبيعة الموقف،
وهي:
١- القائد المعصوم الموعود (الإمام المهدي (عليه السلام)).
٢- القادة الأصحاب أو القادة الفرعيون، وهم قادة الإمام الذين ترتكز عليهم القيادة
الموعودة، ويأتمرون بأمر القائد الموعود، وعددهم معروف، وذكرت النصوص أسماء بعضهم.
٣- القادة الأنصار، وهم القادة الأقلّ رتبةً من القادة الأصحاب.
٤- القادة المنتظرون أو المناصرون، وهم القادة الأقلّ رتبةً من القادة الأنصار، وهم
قادة فرعيون، وهؤلاء يتبعون القادة الفرعيين في المستوى الثالث، ويتوزَّعون على
العالم بأسره.
٥- القادة الموثوق بهم، وهم يتوزَّعون في كلِّ العالم في الكرة الأرضية.
وما بعد ذلك يأتي المستوى الأخير، وهم الجمهور المراد قيادته لتحقيق الهدف، والذي
تمَّ توضيحه لاحقاً.
ويمكن تقسيم الأصحاب والأنصار الذين سيستخدمهم الإمام في قيادته الموعودة، وهم
بطبيعة الحال سيكونون القادة الفرعيين والتابعين لدولته، ووفقاً للأحاديث المرويَّة
على أساس بُعدين، وهما: (البُعد المادّي، والبُعد الغيبي)(٨):
١- الأصحاب (٣١٣)، ويُمثِّلون البُعد المادّي، لأنَّهم موجودون بيننا، وهم الدرجة
الأُولى كما أشارت الروايات.
٢- الأنصار (١٠٠٠٠)، ويُمثِّلون أيضاً البُعد المادّي، لأنَّهم موجودون بيننا، وهم
الدرجة الثانية كما أشارت الروايات.
٣- عامَّة المنتظرين، ويُمثِّلون أيضاً البُعد المادّي، لأنَّهم موجودون بيننا، وهم
الدرجة الثالثة. وهؤلاء يُكوِّنون القاعدة الجماهيرية، وهم على أصناف.
٤- رجوع نبيِّ الله عيسى (عليه السلام) وظهور الخضر (عليه السلام) في الدولة
المهدويَّة، وهذا يُمثِّل البُعد الغيبي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨) أحد خدمة أهل البيت: ٧- ٩، ط (٢٠١٢م).
٥- رجوع أصحاب الكهف وبعض أصحاب الرسول والأئمَّة (عليهم السلام)، وهم الآن في عالم
البرزخ. حيث يرجع سبعة وعشرون رجلاً بين يدي الإمام أنصاراً وحُكّاماً(٩)،
سمَّتهم الرواية كالآتي:
- (١٥) رجلاً من أصحاب موسى (عليه السلام).
- (٧) أصحاب الكهف.
- رجل واحد، وهو يوشع بن نون وصيِّ نبيِّ الله موسى (عليه السلام).
- (٤) أصحاب النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهم كلٌّ من: (سلمان، وأبو
دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالك الأشتر)، وهؤلاء من الدرجة الأُولى.
٦- خواصُّ المؤمنين من محض الإيمان محضاً، وهؤلاء يُمثِّلون البُعد الغيبي، لأنَّهم
الآن في عالم البرزخ.
٧- عامَّة المنتظرين الذين وُفِّقوا بالمواظبة على دعاء العهد ثمّ ماتوا، وهؤلاء
أيضاً يُمثِّلون البُعد الغيبي.
٨- ظهور الملائكة الأربعة العظام كـ (جبرائيل، وميكائيل (عليهما السلام)، وغيرهم).
وهؤلاء يُمثِّلون البُعد الغيبي، وهم من الدرجة الأُولى بالنسبة للملائكة.
٩- خواصُّ الملائكة من الكروبيّين والمنزلين والمسوَّمين وغيرهم، ويُمثِّلون البُعد
الغيبي، وهم من عالم الملائكة.
١٠- نصرة الجنِّ، ويُمثِّلون البُعد الغيبي.
١١- الريح والسحاب، ويُمثِّلون البُعد الغيبي، وهم الدرجة الأُولى من نصرة الكون.
١٢- الأرض وسباع الأرض وسباع الطير والجدران، بل عامَّة الكون، ويُمثِّل البُعد
الغيبي من نصرة الكون، وهم من الدرجة الثانية.
١٣- الرعب، وهو يُمثِّل البُعد الغيبي، ويُمثِّل الجانب النفسي والروحي لنصرة
الإمام المهدي (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) حسب ما جاء في الإرشاد للمفيد ٢: ٣٨٦.
ويمكن توضيح ذلك كما في الشكل الآتي:
@٠١٠
شكل (٤) البُعد المادّي والغيبي لنصرة الإمام (عليه السلام)
وسيكون اعتماد القائد الموعود بالدرجة الأساس على القادة الأصحاب أو الأساس، وهم عددهم (٣١٣) بعدد المسلمين في معركة بدر، وهؤلاء القادة الذين يعتمد عليهم القائد الموعود في إدارة القاعدة الجماهيرية يُمثِّلون المستوى الثاني بعد قيادة الإمام (عليه السلام). أمَّا المستوى الثالث فهم القادة الأنصار وعددهم يقارب عشرة آلاف، أمَّا القادة المناصرون والموثوق بهم سيكون عددهم كبيراً جدّاً حتَّى الوصول إلى قاعدة الهرم، والتي ستتكوَّن من الأتباع الذين آمنوا
بقيادة الإمام المهدي (عليه السلام)، وهي قاعدة تتَّسع لكلِّ العالم، لأنَّ العملية
القيادية ستكون على مستوى المعمورة، وهي العالم بأسره، لذا فالقائد الموعود يحتاج
إلى هذا التقسيم لأجل توزيع الأدوار على القادة. وهذا ما أكَّده السيِّد الشهيد
الصدر الثاني (قُدِّس سرُّه) في كتابه اليوم الموعود: (شكل دولة المهدي (عليه
السلام) من الناحية الإدارية، وكيفية تقسيمه مناطق العالم وتوزيعه الحُكّام الأكفاء
عليها، مع إعطاء الأيديولوجية العامَّة أو المبدأ الأساسي الذي تتَّصف به الدولة).
أهمّية القادة الفرعيين في الهيكل التنظيمي:
تعتمد القيادة الموعودة على تقسيم العمل القيادي على القادة الفرعيين، وذلك لأجل
إدارة العالم، وهذا يحتاج إلى شبكة واسعة من القيادات الفرعية التي ستناط بهم
مسؤولية القيادة في مناطقهم التي أُوكلت لهم. وستكون لهم أهمّية كبيرة للدور الذي
سيخطُّه لهم قائدهم، وتوزيعهم على مستوى الكون باعتبار أنَّ القيادة تتَّسم
بالعالمية. وهنا لا بدَّ من التركيز على الآتي:
١- وضوح رؤية ومهمَّة القيادة الموعودة وعملها بصورة جليَّة للذين يعملون فيها
وبأُسلوب يُشعِرهم بالانصهار في المجموعة والعمل المشترك لتحقيق الأهداف والرؤية عن
طريق قابليتهم في تقييم المشاعر؛ لأنَّ القيادة الموعودة سيكون لها قادة فرعيون،
ويجب على هؤلاء القادة أن يقودوا مجاميعهم وفق رؤية القائد الموعود.
٢- للقيادة الموعودة دور ريادي ومبدع في غرس الإدراك بالآخرين حول أهمّية مهمَّتهم،
وبنفس الوقت العمل على تعزيز الثقة بين المرؤوسين وقابليتهم لمعالجة المشاكل
الطارئة ومواجهتها عن طريق إدارة المشاعر.
٣- تعزُّز القيادةُ الموعودة إثارةَ الحماس والتفاؤل بين المجاميع، وتحسين التعاون
المشترك، وتطوير العلاقات الشخصية عالية الجودة بين المرؤوسين وبين القادة الأصحاب
والقادة المناصرين.
٤- تُشجِّعُ القيادةُ الموعودة المرونةَ في اتِّخاذ القرار والتغيير في الخطط عن
طريق الإدراك الدقيق للموقف البيئي وضمِّها في معادلة اتِّخاذ القرار والعمل على
تذليل المقاومة للتغيُّر من قِبَل الجمهور.
٥- يحافظ ويُؤكِّد القائد الفرعي على الهويَّة الأساسية التي جاء من أجلها، وإثارة
القيم التي تتوافق مع توجُّهاته.
من خلال ما تقدَّم لا بدَّ أن تكون هنالك صفات يملكها القائد الموعود، صفات شعورية
تُميِّزه عن باقي القادة الفرعيين أو العاديين؛ لأنَّ القائد الموعود يحتاج إلى
الشعور لفهم القادة الفرعيين وفهم القاعدة الجماهيرية التي ستكون المرتكز الثاني
لعملية القيادة الموعودة.
مواصفات القادة الفرعيين ضمن الهيكل التنظيمي:
تحتاج أيُّ عملية قيادية وخصوصاً إذا كانت كونية لإدارة العالم بأسره إلى قادة
أكفاء ولديهم الإيمان المطلق بالقائد الموعود. وإنَّ أهمّيتهم تنبع من دورهم
الريادي ذي البعد الاستراتيجي المبنيِّ على المرتكزات الإسلاميَّة الحقيقية،
والمشاركة والالتزام التامِّ بإمرة القائد المهدي (عليه السلام)، من أجل تحقيق
العدالة في العالم وصولاً إلى إنشاء الدولة العالمية المنتظرة من مشارق الأرض إلى
مغاربها. وتحتاج هذه العملية إلى إيجاد عدد كبير من القادة الفرعيين ليمارسوا
أعمالهم القيادية في جميع الولايات أو الدول أو الأقاليم في العالم بأسره لتحقيق
الهدف السامي الذي أُعِدَّ له هؤلاء القادة ليكونوا جزءاً من منظومة القيادة
الموعودة.
ويتمتَّع القادة الفرعيون بالإيمان المطلق، والقوَّة المعنوية العالية، وأنَّ الله
تعالى رمى في قلوبهم حبَّ قائدهم المنتظر وهدفهم النبيل حيث قال الإمام السجّاد
(عليه السلام): «إذا قام قائمنا أذهب الله عن شيعتنا العاهة، وجعل قلوبهم كزبر
الحديد، وجعل قوَّة الرجل منهم قوَّة أربعين رجلاً، ويكونون حُكّام الأرض وسنامها»(١٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) بحار الأنوار ٥٢: ٣١٦/ ح ١٢.
ومن خلال هذا الحديث الشريف اتَّسم هؤلاء القادة بكونهم حُكّام الدولة المهدويَّة،
وسيتمُّ توزيعهم على كافَّة أرجاء الكرة الأرضية من أجل نشر دولة العدل الإلهي.
وسيكون كلُّ قائد بمثابة حاكم وله من الأتباع والقيادات الفرعية التابعة له وفقاً
لنطاق الإشراف. ومن أجل إحكام السيطرة على مناطقهم التي سيقودونها، وستكون تحت
إمرتهم قاعدة جماهيرية واسعة وعملية الاختيار ستخضع لمعايير الإخلاص والعلم
والمعرفة التي يمتلكونها. وهنالك العديد من المواصفات التي يتمتَّع بها هؤلاء، وهي
كما يأتي:
١- الولاء:
يُعَدُّ الولاء أحد المحرِّكات الأساسية للارتباط الروحي بالقضيَّة المهدويَّة،
والإيمان التامِّ بمكوِّناتها الأساسية (القائد، الجمهور، الهدف). ويُعرَّف الولاء
بأنَّه عملية الارتباط الروحي المطلق والتماثل فيما بين القائد والمرؤوس، والمبنيُّ
على أساس الثقة المتبادلة والمعرفة التامَّة بالهدف الذي تصبو إليه القيادة
الموعودة.
وهذا سيُنشئُ ولاءً عالياً أو ما يُسمّى بالولاء المطلق للقيادة الموعودة، وهنا
سيكون للقائد الاحتفاظ بالقاعدة من الخُلَّص في قيادة الدولة المهدويَّة من خلال
الآتي:
أ- الفهم المتبادل، والثقة العالية بين الجمهور وقائده.
ب- تحصيل الهدف الأسمى للقائد والجمهور، وهي مرضاة الله تعالى.
ج- التحسين المستمرُّ بين القائد والجمهور للوصول إلى مراحل متقدِّمة من الولاء
المطلق، وانعكاس ذلك على باقي القاعدة الجماهيرية.
د- يُعَدُّ الجمهور الموعود مصدراً مهمّاً لانطلاق القيادة الموعودة، ويجب الاهتمام
بهذا الجمهور، وتقديم الدعم المعنوي له باستمرار.
وعلى القادة الفرعيين أنْ يكون لديهم ولاء تامٌّ للقضيَّة المهدويَّة.
ويمكن تقسيم الولاء على الآتي:
١- الولاء لله تعالى لتحقيق العدالة الإلهيَّة، وسيادة اليوم الموعود لسعادة البشر.
٢- الولاء للرسول الأكرم وآل بيته الأطهار (عليهم السلام).
٣- الولاء للإمام القائد الموعود المفترض الطاعة.
٤- الولاء للهدف السامي، وهو نشر العدالة الإلهيَّة.
من خلال ما تقدَّم يتَّضح بأنَّ للولاء دوراً أساسياً في إنجاح القيادة الموعودة،
وهذا الولاء سيرتبط بدرجة إيمان المكلَّف في ذلك اليوم، وستكون العلاقة طردية بين
الإيمان والولاء، أي كلَّما زاد الإيمان زاد الولاء، والعكس صحيح.
٢- الطاعة:
إنَّ نجاح أيِّ عمل عند التنفيذ لا بدَّ فيه من أن يكون المنجَز مطابقاً لما هو
مخطَّط له، وهذا النجاح في الإنجاز يرتبط بطاعة الأتباع، وتنفيذ وتطبيق الأعمال
وفقاً لما هو مخطَّط لها من قِبَل القادة الفرعيين، وكلٌّ حسب المنطقة التي خُوِّل
بقيادتها وإدارتها.
فكيف إذا كان العمل المنجَز هو قيادة العالم بأسره؟ فهذه العملية تحتاج إلى طاعة
المرؤوس لرئيسه أو قائده طاعة تامَّة، وبالتالي القائد الموعود يحتاج إلى الجمهور،
والقائد الفرعي المطيع الذي يتَّسم بدرجات عالية من الطاعة في تنفيذ الأوامر. وهذه
طاعة للحقِّ، وهو أمر إلهي في النهاية، وينصبُّ في طاعة الله سبحانه وتعالى، بل
تُعَدُّ عبادة له تعالى، وكما قال الإمام عليٌّ (عليه السلام): «أشرف الأعمال
الطاعة»(١١).
٣- الصبر:
من السمات الأساسية للقائد هو التحمُّل في أوقات الشدَّة، والصبر عند
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) الآمدي ٢: ٣٨٣، ط (١٩٩٢م).
نزول البلاء أو الصبر من أجل الوصول إلى الهدف النهائي الذي ينبغي الوصول إليه.
وهذه الصفة موجودة عند أصحاب الإمام، وهو الصبر على أذى البشرية، والصبر على إقناع
العالم. وهنالك العديد من القادة والأنبياء الذين صبروا وحقَّقوا النجاح، مثل صبر
النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على قريش وأذيَّتهم له، وصبر نبيِّ الله
أيّوب (عليه السلام)، وصبر نبيِّ الله يعقوب (عليه السلام). كلُّ هذه صور للصبر،
ونتيجته سيتحقَّق الهدف المرجو منه. هذا من جانب، أمَّا الجانب الآخر سوف تحدث بعض
الأحداث العالمية عند قيام الدولة العادلة لا يمكن تحمُّلها إلَّا ممَّن مُحِّصوا
واعتادوا على الصبر وجعلوه آليَّة عمل يومي. وهنا تُعَدُّ القدرة على التحمُّل أحد
صور الصبر، لذا سيكون قادة العالم في دولة الإمام الموعود قادرين على التحمُّل،
ولديهم الثبات والصبر. قال تعالى في كتابة الحكيم في سورة الكهف: ﴿سَتَجِدُنِي
إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ (الكهف: ٦٩).
٤- قوَّة الإيمان:
إنَّ الإيمان الذي يمتلكه أصحاب المهدي (عليه السلام) قلَّ نظيره، وإنَّ عملية
الاختيار الدقيق بُنيت على أساس الإيمان بالله سبحانه وتعالى، والإيمان بقيادة
الإمام الموعود، لذا عُدَّ الإيمان أحد القوى الأساسية لنجاح القائد عندما يؤمن
بفكرة معيَّنة.
هذه الصفة تُعَدُّ الأساس الذي تُبنى عليه القيادة الفرعية النابعة من القيادة
العليا للقائد الموعود، وأيضاً تُميِّز أصحاب الإمام، كما قال الإمام عليٌّ (عليه
السلام) بأنَّهم «رجال مؤمنون عرفوا الله حقَّ معرفته»(١٢).
فإذا عرف المرء الله فإنَّما هو من قوَّة الإيمان.
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «واللهِ لَتُمحَّصُنَّ، واللهِ
لَتَطيرُنَّ يَميناً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) الشافعي: ١٠١، ط (١٩٧٩م).
وشمالاً حتَّى لا يبقى منكم إلَّا كلَّ امرئٍ أخَذَ اللهُ ميثاقَه، وكَتَب الإيمانَ
في قلبه، وأيَّده برُوح منه»(١٣).
وهذا كاشف عن قوَّة الإيمان التي يمتلكها القادة الفرعيون التابعون لقيادة الإمام
الموعود، إذن فإنَّ أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام) بقوَّة الإيمان المتكامل،
ولا طريق للشكِّ إلى قلوبهم، فلأنَّ الإنسان كلَّما ازداد إيماناً بالله تعالى
ازداد قوَّةً وشجاعةً، ولهذا تراهم عندما يدخلون ساحة الجهاد لا يقف في طريقهم أحد،
لا يمنعهم مانع عن تنفيذ الأوامر الموجَّهة إليهم، ويقضون على كلِّ قوَّة تحول
بينهم وبين أهدافهم المقدَّسة.
٥- الرضا:
بطبيعة الحال الرضا يُقسَّم على ثلاثة مستويات: المستوى الأوَّل هو الرضا التامُّ،
والمستوى الثاني هو الرضا المتوسِّط، والمستوى الثالث هو عدم الرضا التامِّ.
والرضا سيُولِّد انطباعاً إيجابياً تامّاً لدى القادة وانصهارهم مع القائد، وسيكون
الرضا التامُّ هو المحرِّك نحو الأعمال الصحيحة، وعمل الشيء الصحيح له ارتباط
بالجوانب الأخلاقية للقائد الفرعي، وهذا سيكون محفِّزاً نحو الإبداع في مجال
القيادة. وهنا سيكون جميع أتباع القائد من القادة الفرعيين لديهم الرضا التامُّ عن
قيادة الإمام، وعن الأدوار التي ستُناط بهم لقيادة المناطق الجغرافية التي أُنيطت
بهم لتحقيق الهدف النهائي لدولة العدل الإلهي.
أمَّا من الناحية الأُخرى، فإنَّ القادة من أصحاب الإمام تحتاج الخلائق والأرض
رضاهم. روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «كأنّي بأصحاب القائم (عليه
السلام) وقد أحاطوا بما في الخافقَين، فليس من شيءٍ إلَّا وهو مُطيع لهم، حتَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) الغيبة للنعماني: ٢٦/ مقدّمة المؤلِّف.
سِباع الأرض وسباع الطير، يطلب رضاهم في كلِّ شيءٍ، حتَّى تفخر الأرضُ على الأرض
وتقول: مَرَّ بي اليوم رجلٌ من أصحاب القائم (عليه السلام)»(١٤).
وما أطيبهم من أصحاب وأحبّهم إلى الله تعالى، وسيكون النبات والجماد والحيوان
منقاداً ومطيعاً لهم ولقضيَّتهم.
٦- القيمة:
أيُّ عمل جيِّد سيُضيف قيمة للقائم بالعمل، وهذا سيُولِّد عنده إحساساً بأنَّه ذو
قيمة، وأنَّه حصل على مبتغاه، فكيف إذا كانت العملية هي تخطيط إلهي لإدارة الكون؟
فسيصبح العمل بحدِّ ذاته ذا قيمة كونية وشخصية ودينية، ممَّا سيقود في النهاية إلى
الإبداع في العمل.
٧- الإخلاص:
تُعَدُّ موضوعة الإخلاص من المواضيع المهمَّة في أيِّ عملية قيادية، وخصوصاً
في القيادة الشرعية أو الدينية، فلا بدَّ أن يكون الأتباع وبمختلف المستويات
خُلَّصاً إلى الله تعالى. والإخلاص هنا مبنيٌّ على أساس كبر حجم القضيَّة الإلهيَّة
التي سيقع تطبيقها على عاتق المخلصين للقيادة الموعودة. وهنا لا بدَّ من توافر أعلى
درجات الإخلاص.
٨- الشجاعة:
تُعَدُّ الشجاعة أحد الصفات الأساسية التي يتَّصف بها قادة الإمام الذين
سيكونون أحد أهمّ الأركان الأساسية للقيادة الموعودة. وهنا الشجاعة قد تكون شجاعة
قلبية أو عقلية أو جسمانية أو نفسية أو إيمانية، أيُّ نوع من أنواع الشجاعة
الموجودة في العالم بصورة ستكون متوفِّرة في القادة.
قال الصادق (عليه السلام): «رجال كأنَّ قلوبهم زبر الحديد، لا يشوبها شكٌّ في ذات
الله، أشدّ من الحجر، لو حملوا على الجبال لأزالوها...»(١٥).
وهذه الشجاعة الشاملة لجيش الإمام (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) كمال الدين ٢: ٦١٠؛
بحار الأنوار ٥٢: ٣٩١؛ إثبات الهداة ٣: ٥٨٤.
(١٥) مستدرك سفينة البحار
٦: ١٩٠.
٩- المعرفة:
قلوبهم مضيئة بنور المعرفة، وهم بعيدون عن الجهل، لأنَّهم يفهمون الواقع،
وعندهم الوعي الكامل، ولديهم معرفة الأشياء المادّية وغير المادّية، ومعرفة العلوم
الغيبية والإدارية والقيادية والاقتصادية والسياسية وغيرها. ويتميَّزون بالمعرفة
التامَّة، لأنَّ عملية اختيارهم عملية دقيقة ومبنيَّة على أُسُس دينية وأخلاقية.
كيفية توزيع الأعمال على القادة الفرعيين وفق الهيكل
التنظيمي الافتراضي:
في هذه الفقرة سيتمُّ التطرُّق إلى كيفية توزيع القادة الفرعيين للقيادة
الموعودة، وهنا العملية ليست عشوائية، والعدد معروف حيث إنَّ هؤلاء قادة وحُكّام
وإداريون سيتمُّ توزيعهم على الكرة الأرضية، ويُصنَّفون إلى عدَّة مستويات الغاية
منها هي توزيع المسؤوليات والصلاحيات وعدم التقاطع في اتِّخاذ القرار الإداري أو
القيادي. وهنا سيكون واضحاً الهيكل القيادي للقيادة الموعودة، وهذا الهيكل المرن
سيُساهم في الآتي:
١- تحديد الأعمال الواجب القيام بها من قِبَل القادة الفرعيين أو المستويات
القيادية الدنيا، وذلك من أجل تخصيص الموارد البشرية والمعلوماتية والمادّية
اللازمة، واستغلالها استغلالاً أمثل، والتي يحتاج إليها الهيكل القيادي.
٢- وضوح توزيع الأدوار والمسؤوليات للقادة الفرعيين، وتحديد الأعمال المناطة بكلِّ
قائد.
٣- تسهيل عمليات الاتِّصال البيني بين القادة الفرعيين وبين القائد الموعود.
٤- السرعة في اتِّخاذ القرار، وخصوصاً في وقت تطبيق القيادة الموعودة ستكون
المتغيِّرات البيئية متسارعة، وتحتاج إلى اتِّخاذ قرارات سريعة ودقيقة وسليمة وغير
ذلك ممَّا تمتَّ الإشارة إليه فيما تقدَّم.
العديد من الروايات حدَّدت الأصحاب بأنَّ عددهم محدَّد من طرف الله تعالى، وهو
(٣١٣). أمَّا الأنصار فإنَّ عددهم غير محدَّد.
روي عن الصادق (عليه السلام): «ويجيء- والله- ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فيهم خمسون
امرأة يجتمعون بمكَّة»(١٦).
إذن الانطلاقة الأُولى للقيادة الموعودة ستكون من بيت الله تعالى في مكَّة
المكرَّمة قبلة المسلمين.
والإمام الصادق (عليه السلام) يصف الأصحاب بقوله: «هم أصحاب الألوية»، إشارة إلى
توفُّر المؤهِّلات فيهم لقيادة الجيوش والعسكر، وعبَّر (عليه السلام) عنهم كذلك:
«وهم حُكّام الله في أرضه». إنَّ الاختلاف في الوظائف بين الأصحاب والأنصار،
والأنصار فيما بينهم في المهامِّ التي تُوكَل إليهم، إنَّما هي نتيجة لاختلاف
درجاتهم في الإخلاص.
فإنَّ هؤلاء الممحَّصين الكاملين سوف يكونون في جيش المهدي (عليه السلام) هم أصحاب
الرايات- يعني القادة ورؤساء الفِرَق-، على حين يكون الممحَّصون من الدرجة الثانية
عامَّة جيش الإمام الفاتح للعالم بالعدل.
وممَّا ينبغي الإشارة له أمران:
١- سرعة التحاق الأصحاب بالمهدي (عليه السلام) في مكَّة، فالثلاثمائة
والثلاثة عشر رجلاً يكونون حاضرين في المسجد الحرام في مكَّة عند خطاب المهدي (عليه
السلام).
٢- سرعة إيمان الأصحاب بالمهدي (عليه السلام) ومبايعتهم له، إذ من المعلوم أنَّ
الفرد كلَّما كان أعمق إيماناً وأوسع ثقافة يستطيع أن يفهم قول الحقِّ ويُشخِّص
القائد الحقَّ بشكل أعمق وأسرع، ومن هنا سيكون هؤلاء- بخلاف الأنصار- هم الروّاد
الأوائل إلى مبايعة المهدي (عليه السلام) بعد جبرائيل، ولربَّما كان بعضهم يعرفون
الإمام (عليه السلام) في عصر الغيبة، فلا يحتاجون معه إلى أيَّة حجَّة أو معجزة.
والواقع فإنَّ العدد الكافي لغزو العالم بالعدل ليس هو وجود ثلاثمائة وثلاثة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) إلزام الناصب ١: ١١٦؛ بحار الأنوار ٥٢: ٢٢٣.
عشر جندياً كما قد يبدو، وإنَّما العدد المذكور يكون كافياً للقادة بكونهم قادة
وحُكّاماً، ويُضاف إلى هؤلاء عدد ضخم من الجيش لا يقلُّ عن عشرة آلاف شخص في نواته
الأُولى.
ومن المعلوم أنَّ جيش الإمام المهدي (عليه السلام) لا يكون منحصراً بالثلاثمائة
والثلاثة عشر، فإنَّهم وحدهم لا يُشكِّلون قوَّةً، ولا يكونون كافين في تحقيق الهدف
الكبير، وإنَّما هم يقومون بالقيادة العليا والإشراف بالنسبة إلى غيرهم من الناس.
وإنَّ العشرة آلاف جندي كافية في أوَّل حركة الإمام (عليه السلام)، وكلَّما اتَّسعت
حركته فإنَّ جيشه سوف يتَّسع، وتتَّضح أهدافه، وتكثر أسلحته، ويحتاج إلى قادة
فرعيين جُدُد.
توزيع القادة الفرعيين على العالم وفق الهيكل التنظيمي
الافتراضي:
تُعَدُّ عملية توزيع القادة على العالم من الأُمور المهمَّة التي يجب أن
تُراعيها القيادة الموعودة، وهذه العملية ستُساعد في الإشراف والرقابة على كلِّ
قيادة فرعية من قِبَل القائد الموعود، إضافةً إلى إشراف القادة الفرعيين على القادة
الأدنى. وممكن أن تُساعد عملية التوزيع في الآتي:
١- كفاءة أداء القيادات الفرعية في إنجاز أعمالها المناطة إليها.
٢- تسهيل عملية الرقابة، ومدى تحقيق الهدف المنشود، وتحديد الانحراف إنْ وُجِدَ.
٣- وضوح المسؤولية والسلطة والأدوار لكلِّ قائد فرعي؛ لأنَّه سيكون هنالك اختلاف في
الرؤية والثقافة بين البلدان، ولا بدَّ أن تكون المسؤولية واضحة.
٤- إعطاء الاهتمام الكافي لكلِّ منطقة جغرافية، وحلُّ مشاكلها الناشئة نتيجة
التطبيق للقيادة الموعودة.
٥- التكامل والتفاعل بين المجتمع الكوني عن طريق القيادات الفرعية باستخدام وسائل
الاتِّصالات المتطوِّرة.
٦- سهولة التنسيق بين القادة الفرعيين والقادة الأدنى نتيجة التوزيع الأمثل للقادة
على المناطق الجغرافية.
ممكن أن يكون التوزيع على أربعة مناطق رئيسة، وهي: المنطقة الشمالية والجنوبية
والغربية والشرقية كما تقدَّم.
نطاق الإشراف للقادة الفرعيين وفق الهيكل التنظيمي:
حاز موضوع نطاق الإشراف على اهتمام الباحثين في المجال الإداري والقيادي لما
له من دور في إنجاز الأعمال المناطة بالمرؤوسين بكفاءة عالية. ويُعرَّف نطاق
الإشراف بأنَّه (عدد المرؤوسين الذين يستطيع القائد إداراتهم والإشراف عليهم
والمتوقَّع منهم أداء متميِّز).
ولا يوجد اتِّفاق موحَّد بين علماء الإدارة على تحديد عدد نطاق الإشراف، لأنَّ
الانصياع للأوامر من قِبَل الأفراد والانتباه لهم من القائد يحتاج إلى فطنة إدارية
واهتمام من لدن الطرفين. وحُدِّد العدد المثالي ما بين (٨- ١٢)، ولكن يمكن زيادة
هذا العدد إلى أكثر من ذلك بسبب السيطرة الرقمية التي ستُوفِّرها التكنولوجيا
ودورها في إدارة الجمهور. ولكن الفرق هنا في القيادة الموعودة ستعتمد على ممارسة
الآتي:
١- القادة يتَّسمون بالقدرة الفائقة على حسن الإدارة والإبداع والابتكار في مجال
القيادة الكونية.
٢- الجمهور سيكون طوعياً بإيمان مطلق، والرقابة ستكون رقابة ذاتية في العمل، ومهما
كان نطاق الإشراف منفرجاً أو مسطَّحاً فيمكن السيطرة عليه بسبب الالتزام والطاعة.
٣- سيكون نطاق الإشراف أكبر بكون العملية الإدارية كونية، وكلَّما زاد حجم القاعدة
الجماهيرية التي يُراد قيادتها كلَّما زاد عدد القيادات لها.
٤- وفي حالة القيادة الموعودة سيكون لكلِّ قاعدة استثناء، وهذا يعود إلى حسن اختيار
القادة الفرعيين، وهم يفهمون العمل الذي يقومون به.
٥- سيكون للتقانة دور أساسي وبارز في الرقابة والتوجيه، وهذه التقانة تُسهِّل
عمليات الاتِّصال، وهذا بطبيعة الحال من الممكن زيادة عدد المرؤوسين الذين يشرف
عليهم القادة.
@٠١١
شكل (٥) المستويات الإدارية في القيادة الموعودة
لذا سيظهر العديد من المستويات الإدارية في القيادة الموعودة لو كان عدد المرؤوسين هو (٣١٣). وهذا الرقم تمَّ الاعتماد عليه بكون القادة الأصحاب الذين يقودهم الإمام (عليه السلام) في بداية حكم الدولة المهدويَّة محدَّدين بهذا العدد الذي تمَّ ذكره مسبقاً. وهنا سيكون نطاق الإشراف للقائد الموعود هو هذا العدد، وهؤلاء بدورهم سيشرفون على عدد أكبر، وهكذا. وكلُّ هذه العملية مراقبة من لدن القائد الموعود.
ويمكن توضيح في الاحتمالات الآتية:
الاحتمال الأوَّل: في حالة الاعتماد على القادة الفرعين الأصحاب وعددهم هو (٣١٣)،
ويمكن ملاحظة ذلك كما في الشكل الآتي:
@٠١٢
شكل (٦) عدد القادة الفرعيين
من خلال الشكل في أعلاه وهو حالة (احتمالية افتراضية) لأجل التوضيح سيكون عدد المستويات الإدارية هي أربعة مستويات، وهي:
١- المستوى الأوَّل، وهو القائد الموعود.
٢- المستوى الثاني، هم القادة الفرعيون، وعددهم (٣١٣)، وبافتراض أنَّ كلَّ قائد
فرعي سيرأس أيضاً (٣١٣) سيكون العدد الكلّي الذين سيشرف عليهم هؤلاء القادة هم
(٩٧٩٦٩)، وهم عدد القادة الذين أقلّ رتبة من (٣١٣)، وهو يقارب (١٠.٠٠٠) الذين أشارت
لهم الروايات.
٣- ظهر لدينا العدد (٩٧٩٦٩) وهم القادة الخُلَّص الذين سيقود كلُّ واحد من هؤلاء
(٣١٣)، سيكون الناتج النهائي للقادة هو (٣٠٦٦٤٢٩٧).
٤- إنَّ إدارة العالم بأسره تحتاج إلى (٣٠٦٦٤٢٩٧)، وهؤلاء كلُّ واحد منهم سيقود
(٢٣٥) شخصاً، وفي النهاية سيكون العالم بأسره والبالغ عدده تقريباً هو
(٧.٢٠٠.٠٠٠.٠٠٠) سبعة مليارات ومائتي مليون نسمة تحت قيادة القائد الموعود.
الاحتمال الثاني: في حالة الاعتماد على عدد القادة الخُلَّص، والذين عددهم (١٠.٠٠٠)
شخص، فبهذه الحالة سيكون كلُّ قائد فرعي من الأصحاب والذين عددهم (٣١٣) سيقود ما
يقارب (٣٢) قائداً فرعياً من القادة الخُلَّص والذين عددهم عشرة آلاف، وهؤلاء
القادة الخُلَّص سيقود كلُّ واحد منهم (٢٠٠) قائد فرعي أقلّ رتبة من القادة
الخُلَّص. سيكون هنا القادة الفرعيون والبالغ عددهم (٢.٠٠٠.٠٠٠) سيقود كلُّ واحدٍ
منهم (١٠٠) قائد. وهنا سيكون العدد الكلّي للقادة هو (٢٠٠.٠٠٠.٠٠٠)، وكلُّ واحد
سيقود (٣٦) من القاعدة الجماهيرية، وبهذا يكون عدد العالم (٧٢٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠).
@٠١٣
شكل (٧) عدد القادة الفرعيين الاحتمال الثاني
ومن الممكن أن تكون هنالك مئات الاحتمالات باعتبار أنَّه كلَّما قلَّ نطاق الإشراف
كلَّما زادت مستويات القيادة، وأيضاً معها سيزداد القادة الفرعيون الذين تُوكَل
إليهم مهامُّ قيادة الأفراد، والعكس صحيح كلَّما زاد نطاق الإشراف كلَّما قلَّت
المستويات القيادية، ويقلُّ معها القادة الفرعيون. وهنا من الممكن أن تُستَخدم
نظرية الاحتمالات للوصول إلى العديد من القرارات التي تخصُّ نطاق الإشراف.
الاستنتاجات والتوصيات:
أوَّلاً: الاستنتاجات:
١- من خلال التحليل النظري والنظرة الاستشرافية للهياكل الافتراضية التي من الممكن
تطبيقها في اليوم الموعود نستنتج الآتي:
- من الممكن أن يُحدَّد أكثر من هيكل افتراضي لإدارة العالم، وهذا مرتبط بنوعية
الناس، والثقافة السائدة في هذه المناطق.
- لا بدَّ من التركيز على المرونة التامَّة عند تحديد الهياكل التنظيمية.
- تحديد المناطق المتشابهة والأقاليم لوضع هياكل افتراضية خاصَّة بكلِّ منطقة أو
إقليم.
- تقسيم العمل على القادة الفرعيين وفقاً لمستويات الإبداع الإداري الذي يمتلكه
كلُّ قائد فرعي.
- دراسة البيئة الخارجية والداخلية لتحديد مهامِّ القيادة الفرعية وإيجاد الهياكل
الملائمة لها.
- معرفة القاعدة الجماهيرية التي ستُطبَّق عليها هذه الهياكل لخلق حالة من التوازن
بين الجمهور والقادة الفرعيين.
٢- تحديد المستويات الإدارية ومعرفة مواصفات القادة الفرعيين لكلِّ مستوى.
٣- توزيع الأعمال وتحديد الأدوار والمسؤوليات للقادة الفرعيين.
٤- تحديد نطاق الإشراف الأمثل لخلق حالة من الإبداع والتميُّز في إدارة الجمهور.
ثانياً: التوصيات:
١- ضرورة التوسُّع في الدراسات النظرية والتي تتعلَّق بالكيفية التي تسهم في إنجاح
مهمَّة الهياكل التنظيمية في إدارة التنظيم الكوني.
٢- لا بدَّ من التركيز على تحديد نطاق الإشراف في القيادة الكونية، وما هو العدد
الأمثل للإشراف.
٣- ضرورة معرفة مواصفات وخصائص القادة الفرعيين المؤهَّلين لقيادة الجمهور الكوني.
٤- ضرورة تقسيم العالم إلى عدد من الأقاليم، ولكلِّ إقليم هيكل إداري خاصٌّ به من
أجل سهولة السيطرة على الجمهور.
٥- لا بدَّ من تقسيم العمل على القادة الفرعيين لتقليل حالات الصراع التنظيمي التي
من الممكن أن تحدث عندما تكون هنالك عشوائية في توزيع المهامِّ.
٦- ضرورة تحليل البيئة الداخلية والخارجية، وتصميم الهياكل التنظيمية وفقاً
لمتطلِّبات البيئة (السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وغيرها).
٧- التركيز على التقانة التكنولوجية في الرقابة والتوجيه، وهذه التقانة تُسهِّل
عمليات الاتِّصال في الهياكل التنظيمية، وهذا بطبيعة الحال من الممكن أن يزيد من
عدد المرؤوسين الذين يشرف عليهم القادة.
٨- المرونة في اتِّخاذ القرار، والتغيير في الخطط بسبب التغيُّر في البيئة، والعمل
على تذليل المقاومة للتغيُّر من قِبَل الجمهور عند وضع هياكل تنظيمية جديدة.
٩- بثُّ ثقافة الالتزام والطاعة والعمل الفِرَقي عند إنجاز الأعمال الخاصَّة
بالقادة الفرعيين.
القرآن الكريم.
المصادر الدينية:
١- الفصول المهمَّة: ابن الصباغ.
٢- أثبات الهداة: الحرُّ العاملي.
٣- الاحتجاج: الطبرسي.
٤- الآمدي.
٥- بحث حول المهدي: آية الله محمّد باقر الصدر.
٦- الموسوعة المهدوية: آية الله محمّد محمّد صادق الصدر/ ط ١/ دار المجتبى/ ٢٠٠٥م.
٧- بحار الأنوار: العلَّامة المجلسي.
٨- إلزام الناصب: الشيخ عليٌّ اليزدي الحائري.
٩- القيادة الموعودة (الأنماط والممارسات في عصر الظهور): يوسف حجيم الطائي/ دار
المرتضى/ ٢٠١٥م/ بيروت.
١٠- الغيبة: النعماني.
١١- كمال الدين: الشيخ الصدوق.
١٢- البيان في أخبار صاحب الزمان: الحافظ أبي عبد الله محمّد الشافعي/ منشورات
مؤسَّسة الهادي للمطبوعات/ قم المقدَّسة/ ١٩٧٩م.
المصادر الأكاديمية:
١- تأثير الهيكل التنظيمي واللّاتأكُّد البيئي في فاعلية بعض كلّيات جامعة بغداد
والكلّيات الأهلية دراسة ميدانية: خمائل طالب طه مهدي الرسول/ رسالة مقدَّمة إلى
مجلس كلّية الإدارة والاقتصاد- جامعة بغداد/ وهي جزء من متطلِّبات نيل شهادة
الماجستير في علوم الإدارة العامَّة.
٢- سيكولوجية التفكير والوعي بالذات: سعاد جبر سعيد/ ط ١/ عالم الكتب الحديث للنشر
والتوزيع/ ٢٠٠٨م.
٣- مبادئ الإدارة: يوسف حجيم الطائي وآخرون/ الطبعة الأُولى/ ٢٠٠٦م.
٤- الذكاء الشعوري في المنظَّمات (مدخل متكامل): يوسف حجيم الطائي، وعامر العطوي/
دار الورّاق للنشر والتوزيع/ ٢٠٠٩م.
٥- نظرية المنظَّمة (مفاهيم، مداخل، عمليات): سعد عليّ حمود العنزي/ مكتبة السيسبان/
بغداد.
٦- إبداعات الأعمال (قراءات في التميُّز الإداري والتفوّق التنظيمي): سعد عليّ حمود
العنزي/ دار الورّاق للنشر والتوزيع/ الطبعة الأُولى/ ٢٠١٤م.
المصادر الأجنبية:
Davis،Keith،PH.d.،Newstrom،John W. “Organizational Behavior Human Behavior At
Work،Tenth Edition، McGraw .Hill Co.، ١٩٩٧،U.S.A.
Fielder.f، (Theory of leadership effectiveness) new york، mcgraw hill book co
١٩٧٨
Jones، Gareth “ Organizational Theory Text And Cases” Published By Addison-
Wesley،Inc،١٩٩٥، U.S.A..
الإنترنت:
www.rafd.net.maomal
الدكتور عدنان خلف سرهيد الدراجي
كلية التربية - الجامعة المستنصرية - بغداد
بحث مشارك في مسابقة خاتم الأوصياء (عجّل الله فرجه) للإبداع الفكري وحاز على المركز السابع
المقدّمة:
يدور هذا البحث حول دراسة فكرة المنقذ في الفكر الاعتقادي الموريسكي(١)
وهي واحدة من أندر المواضيع العقائدية لدى هذا الشعب الذي أُبيد من الوجود بفعل دور
محاكم التفتيش الإسبانية سيِّئة الصيت.
فبعد أن حكم المسلمون لما يقارب من ثمانية قرون شبة جزيرة ايبيريا، ومن ثَمَّ سقوط
حكمهم انبرى رجال الدين النصارى بمعيَّة السلطات الإسبانية إلى التخلُّص من كلِّ ما
هو عربي وإسلامي على أرضهم، فعمدت في البداية إلى محاولة تنصيرهم، ومن ثَمَّ
تنصيرهم تنصيراً قسرياً، ثمّ صدر مرسوم الطرد لكلِّ من يثبت إسلامه أو أُصوله
الموريسكية، وآثرت فئة أُخرى من المسلمين التشبُّث بمبدأ التقيَّة الإسلاميَّة رغم
أُصولهم المذهبية المالكية حفاظاً على دينهم، ومع مرور الزمن ونتيجة الضغط النصراني
ولفظاعة ما نزل بهم من مآسي من حرق وتعذيب وتنكيل وتهجير وقتل وسبي، فقد علَّقوا
آمالهم على منقذهم ومخلِّصهم من عذاباتهم وثقَّفوا أبناء جلدتهم على التعلُّق
بقدومه المبارك عبر علامات للظهور خاصَّة بهم تأمَّلوها بكلِّ دقَّة، فاندفعوا من
تلك النبوءات التي دائماً ما كانت تصدر عن كتب الجفر التي هي خاصَّة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) الموريسكييون: هم المسلمون الذين بقوا في شبة جزيرة ايبيريا بعد سقوط الأندلس سنة ٨٩٧هـ - ١٤٩٢م.
بالإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه
السلام)، وعندهم روايته لا تعدلها رواية، حتَّى أعجب بشخص الإمام عليٍّ (عليه
السلام) الإسبان، واعتمد الموريسكيون عليها متأثِّرين ومنتظرين لمخلصهم الذي
تعدَّدت أدواره، وصولاً إلى الاتِّكال على (الفاطمي العربي ذي الفرس الأبيض الذي
يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلِئَت ظلماً وجوراً) الذي تسخر الأرض والسماء
أسبابها لظهوره الكريم.
تناولت في هذا البحث نبذة عن الموريسكين وحياتهم الدينية، ثمّ علامات الظهور
المبارك للمهدي عند الموريسكيين والتطرُّق إلى أصحابه، ثمّ أهمّ المنقذين في الفكر
الموريسكي والتطرُّق إلى أصحابه، ومن ثَمَّ تأثير فكرة المنقذ والمخلِّص العربي في
التراث المسيحي الإسباني المعاصر للمسلمين، ومسك الختام تناول البحث عن كلِّ ما
يتعلَّق بشخص المهدي المنتظر (عليه السلام) وصفاته، ونسبه، ومكان خروجه، وأهمّ
أعماله.
كلُّ تلك المعلومات استُخرجت من كتب قيِّمة ووثائق مخطوطة عن الموريسكيين محفوظة من
مكتبات إسبانيا الوطنية.
راجياً الله تعالى أن يتقبَّل هذه الدراسة بقبول حسن خالصة لوجهه الكريم، خدمةً
لمذهب أهل البيت (عليهم السلام).
أوَّلاً: المنقذ عند الموريسكيين:
انتشرت بين الموريسكيين نبوءات كثيرة تتعلَّق برؤيتهم لمصيرهم في شبة جزيرة ايبريا
والتي استمدُّوها من تراثهم الإسلامي نتيجة للأحداث المأساوية التي ألمَّت بهم من
جراء ما عانوه من مآسي مؤلمة جرت عليهم بعد أن تنصَّل الإسبان عن وعودهم التي
أبرموها مع آخر ملوك الأندلس، والنشاط الإجرامي والتعسُّفي لمحاكم التفتيش سيِّئة
الصيت والتي مارست بحقِّهم أبشع أنواع التعذيب والقتل والنفي، حتَّى قضى تحت أيديهم
وفي
سجونهم مئات الآلاف من المسلمين
وبعضهم من اليهود غير من قُتِلَ حرقاً وطُرِدَ ظلماً، حتَّى أُبيد شعب بكامله
وتلاشى عن وجه الأرض بفعل تلك الممارسات البشعة وسفك الدماء. ومحاولة من هؤلاء
المظلومين للتصدّي والمقاومة والتمسُّك بالأرض والدين، فقد توجَّهت أبصارهم صوب
المشرق الإسلامي منحدرهم الروحي والمادّي الذي انحدروا منه قبل مئات السنين،
فتعلَّقوا بنبوءات كانت متنفّساً لهم للخروج من تلك الأزمة التي يعيشونها، فبحثوا
عنها في بطون كتب المسلمين، فوجدوا فيها أملاً ومتنفّساً لهم، وهي التي تشير بظهور
الدين الإسلامي بعد انحساره على يد المنقذ المبشَّر به.
وأخذوا يُبشِّرون به في كتبهم حتَّى غدت أملهم المرتجى للخلاص من واقعهم المزري.
فكان كتاب الجفر المنسوب إلى الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) أحد تلك
المراجع الرئيسة لهم، وإن لم يكن الظاهر من هذه التسمية هو كتاب الإمام (عليه
السلام) بعينه، بل حاكوه في موضوعاته ونسجوا على منواله، وربَّما استمدّوا من نسخة
لهذا الكتاب أو نقلوا منه روايات تتعلَّق بأخبار الساعة وعلامات المنقذ وظهوره.
فأطلقوا على تلك الكتب تسمية الأجفار تيمُّناً بكتاب الإمام (عليه السلام)
ليُوثِّقوها وليستندوا إليها في إضفاء الشرعية على نبوءاتهم، ثقةً منهم بالإمام
(عليه السلام) الذي وثقوا بروايته (حيث يُصدِّق الجميع ما يقول، وقد رُويت عنه مآثر
عظيمة حدثت على النحو الذي صاغه)(٢)،
فكانت تلك الأجفار بالنسبة لهم قبل كلِّ شيء عملاً دينياً سواء من حيث أُصوله أو
أهدافه(٣)،
وكانت تلك الأجفار وما تحويه من تنبُّؤات قد حفَّزت الموريسكيين على القيام بالثورة
ضدَّ الإسبان لمواجهة الظلم الواقع عليهم لما تحويه من مضامين تبشيرية وعدتهم
بالنصر، فاستندوا إليها وجمعوا رجالهم وأموالهم وانتفضوا ضدَّ أعدائهم الإسبان(٤).
ومن أشهر تلك الأجفار في شبه جزيرة ايبيريا وما تحتويه من نبوءات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) وقائع ثورة
الموريسكيين/ مارمول كارباخال/ ترجمة وسام محمّد جزر ١: ٢٢٧، مراجعة وتقديم: جمال
عبد الرحمن، المشروع القومي للترجمة، ط ١، مصر، ٢٠١٢م.
(٣) الاندلسييون وهجراتهم
إلى المغرب خلال القرنين (١٦ و١٧)/ محمّد رزق: ٢٤٧، دار أفريقيا الشرق، الدار
البيضاء، ١٩٨٩م.
(٤) تاريخ ثورة
الموريسكييون وطردهم من إسبانيا وعواقبه على سائر أقاليم المملكة/ اي غفيريا خوسي
مونيوث/ ترجمة د. عبد العزيز السعود: ١٠٣، منشورات ليتوغراف، ط ١، طنجة، ٢٠١٠م.
هي ما اصطُلِحَ عليه تاريخاً
بالألواح الرصاصية، وما فيها من نبوءات، والتي وُجِدَت في البرج العتيق في منارة
مسجد غرناطة أثناء تهديمه لبناء الكاتدرائية الكبيرة في المدينة(٥)،
(لقد كانت المحنة التي يمرُّ بها مسلمو الأندلس باعثة على اليأس في من جعلهم يبحثون
من ملاذ لهم في الحيل المدهشة التي تُمكِّنهم من احتمال الوضع وتمنحهم بعض المتعة
والفرح، لقد انغسموا في النبوءات أو كتب الجفر (Aljofores) ويُعَدُّ هذا الأمر من
الأبعاد المدهشة والمثيرة للاستغراب في الأدب الإسباني المكتوب بالحروف العربية...،
الكتب التي تُدعى كتاب الجفر، المكتوبة بوضوح في القرن السادس عشر بأنَّها مخطوطات
قديمة (رغم وجود استثناءات معيَّنة تشذُّ عن القاعدة) تتنبَّأ بمستقبل زاهر مزدهر
بالنصر لمسلمي إسبانيا، باستخدام كتب الجفر التي يصعب علينا تصنيفها وردِّها إلى
أحد الأنواع الأدبية، لأنَّها تندمج فيها عناصر من الرواية والأدب والتاريخ. كان
المسلمون يحاولون فقط إعادة كتابة تاريخهم والتأثير في مستقبلهم. ومن النادر أن نجد
موازياً لهذه التجربة الأدبية والإنسانية التي حاول بها مسلمو الأندلس أن يعيشوا
حياه مختلفة عن حياتهم)(٦).
وفي عام (١٥٦٩م) صرَّح مسلم يُدعى زكريا مقيم في غرناطة باعترافه أمام محاكم
التفتيش بأنَّ المغاربة لهم رغبة كبرى في الانتقام وأكَّدوا بأنَّ الخلاص قريب،
وسيأتي من شمال أفريقيا، من بجاية ووهران وسبته، وسوف يتمُّ دخول إسبانيا من جديد،
وأنَّه سيظهر جسر من حديد عند مضيق جبل طارق وعن طريقه سيدخل العرب إلى إسبانيا(٧).
وعضَّد ما ذهبنا إليه (كارباخال) من أنَّ تلك النبوءات مصدر قوَّة وباعث عزيمة
للمسلمين للثورة بقوله: إنَّهم (كانوا يُعَدُّونها إحدى وسائل بثِّ الثقة في نفوس
القرويين الجُهّال حتَّى يحملوهم على تصديق ما يُقرَأ عليهم وأنَّ فحواه محقَّقة
ومنزَّهة على الخطأ بما أنَّ تلك الثقة الجوفاء كانت السبب الأكبر في جزء كبير من
القلاقل التي أثاروها فإنَّنا نعرضها في هذا الجزء حرفياً)(٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(Mcdina، Francisco Javier Martines، Cristianos Y Musulmanes en la Andalucia modrna. La Granada del siglo XVI، uma ciudad intercultural: Invenciones de reliquias Y libros plumbeos، Tesis Doctoral Universidad de Granada.).
(٦)
التراث الإسلامي في الأدب الإسباني/ لوسي لوبيز بارلت ١: ٧٧٨، بحث منشور ضمن كتاب
الحضارة العربية الإسلاميَّة في الأندلس، تحرير سلمى الجيوسي الخضراء، مركز دراسات
الوحدة العربية، ط ٢، بيروت، ١٩٩٩م.
(٧) الأندلسييون وهجراتهم
إلى المغرب/ رزق: ٢٤٧.
(٨) وقائع ثورة
الموريسكيين/ كارباخال ١: ٢٢٥.
وأخذ يسترسل في سرد تلك النبوءات
التي عاب على المسلمين رداءة كتاباتهم العربية سبب ابتعادهم عن قواعد اللغة العربية(٩)
لحضر استخدامها عليهم، ولعلَّه ليس من قبيل الصدفة أن تستند رواية الغيبة في حديث
الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الإمام عليٍّ (عليه السلام)، وهذا يُعيدنا
إلى كتابه المنسوب له الذي أشرنا إليه في المقدّمة والمسمّى الجفر، والذي ربَّما
بمنطق اللاشعور من قِبَل الموريسكيين حاولوا إلصاق النبوءة بالإمام (عليه السلام)،
كونه صاحب كتاب الجفر الذي يحوي على أسرار ما كان وما يكون، والشخصية المميَّزة بين
الصحابة (رضي الله عنهم)، كما قال ذلك راوي النبوءة سيِّد زيد الجرجالي (Zayd el
Guergualh)
(١٠)، فضلاً عن ذلك يضيف
الراوي اهتمام السيِّدة الزهراء (عليها السلام) بتلك الأحداث وسؤالها لأبيها (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) عن حالة الأندلس وحزنها وبكائها عليهم(١١).
وقد حُدِدَّ وقت بدء عملية الانقلاب في القوى لصالح المسلمين بعد أن اضطهدهم
الإسبان على لسان الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أن سأله الإمام
عليٌّ (عليه السلام) حول ذلك التوقيت قائلاً: (إيه يا عليُّ، سيكون ذلك في جزيرة
الأندلس، في العامِّ الذي يوافق مطلعه يوم سبت والإشارة التي ستُنبئ بقدومه هي أن
يُرسِل الله سراباً من الطيور يضمُّ طائرين معلَّمين، أحدهما المَلَك جبرائيل
(Gabriel) والآخر هو المَلَك ميكائيل)(١٢).
والعام الذي أخبر به الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الإمام عليّاً (عليه
السلام) عام كبيس(١٣)،
وفي إحدى الوثائق المخطوطة والتي تتحدَّث عن وقت الظهور والملاحظة عليها أنَّها
مرتبكة اللغة غير مترابطة إلى حدٍّ ما، لعدم معرفتهم بقواعد اللغة العربية. تذكر
تاريخاً محدَّداً لظهور جبرائيل وميكائيل إذ قال (رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلّم) إلى عليِّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) أو إلى فاطمة (رضي الله عنها): إذا
دخل العام تسعة وتسعمائة عجام يوم السبت يبعث الله فيها سحابة من طيور وليس هي
بطيور الأمن...، وترى فيها زوج معيَّنة (وهو) وهما جبريلي وميكايلي)(١٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) المصدر نفسه ١: ٢٢٦.
(١٠) المصدر نفسه.
(١١) المصدر نفسه ١: ٢٣١.
(١٢) المصدر نفسه ١: ٢٣٤
و٢٣٥.
(١٣) المصدر نفسه ١: ٢٤١.
(١٤) (Analabarta،Carmen
Barcelo، Archivos Moriscos، Textos Arabes De La Minoria Islamica Valenciana،
-،(، espania)،p.).
١ - علامات
الظهور عند الموريسكيين:
علامات الخلاص ومجيء المنقذ وعلامات ظهوره أكَّدها صاحب الشريعة الرسول محمّد (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) بحسب ما جاء في روايات الموريسكيين والتي استمدّوها من
تراثهم الإسلامي رغم التعميم في الموروث الديني الذي انحرف نتيجة نشاط محاكم
التفتيش وقطع المسلم عن تراثه الديني، ومن أهمّ هذه العلامات التي ترتبط بعصر
الظهور والتي سطرها الموريسكيون في نبواءاتهم والتي رُتِّبت على أسبقيتها
التاريخية.
أ - كسوف الشمس وخسوف القمر:
(ويُراد به حدوثها بشكل مختلف عن الشكل الاعتيادي له، فبدلاً من أن يحدث الكسوف في
أوَّل الشهر والخسوف في وسطه كما هو معتاد، فإنَّ حدوثها سوف يكون بالعكس، فيحدث
الكسوف في وسط الشهر والخسوف في أوَّله بشكل لم يسبق له نظير منذ أوَّل البشرية إلى
حين حدوثه)(١٥).
وقد أخبر الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) عن تلك الآية قائلاً: «آيتان تكونان
قبل القائم لم تكونا منذ هبط آدم صلوات الله علية أبداً، وذلك أنَّ الشمس تنكسف
النصف من شهر رمضان والقمر في آخره»، فقال له رجل: يا بن رسول الله، لا بل الشمس في
آخر الشهر والقمر في النصف، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «إنّي لأعلم بالذي
أقول: إنَّهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم (عليه السلام)»(١٦).
وقد احتفظت النبوات الموريسكية بتلك الآية عادَّة إيّاها إحدى علامات خلاصهم من
عذابهم في شبه الجزيرة ايبريا، والتي عُدَّت نذير شؤم بالنسبة للمسيحيين، إذ كان
كسوف الشمس إحدى أبرز علامات خلاصهم(١٧).
ب - الدجّال:
من العلامات الحتمية قبل الظهور هي فتنة الدجّال، والذي حذَّر منه الرسول محمّد
(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أكثر من موضع، وكذلك تحدَّثت عنه كتب التاريخ
كثيراً،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) علامات الظهور دراسة
وتحليل/ محمّد رباط الفرطوسي، منشورات سعيد بن جبير، إيران، ٢٠٠٥م.
(١٦) الغيبة/ ابن أبي زينب
أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم النعماني (ت ٣٦٠هـ): ٢٨٠، تحقيق: فارس حسّون كريم،
دار الجوادين، العراق، ٢٠١١م.
(١٧) حرب غرناطة/ أُورتادو
دي مندوثا/ ترجمة إيمان عبد الحليم وسلوى محمود: ٤٧، المشروع القومي للترجمة، مصر،
٢٠٠٨م.
فهو بحسب ما تُصوِّره الأحاديث
النبوية والروايات التاريخية: (رجل جسيم أحمر جعد الرأس...)(١٨).
وكان قد ادَّعى الربوبية قائلاً: (إلى أوليائي، أنا الذي خلق فسوّى، وقدَّر فهدى،
أنا ربُّكم الأعلى)(١٩).
وأمَّا علاقته بعلامات الظهور فقد ذكره الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
قائلاً: «فبينما هو كذلك، إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء
شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفَّيه على أجنحة مَلَكين...، فيطلبه حتَّى يُدركه
بباب لدٍّ فيقتله، ثمّ يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوهم،
ويُحدِّثهم بدرجاتهم في الجنَّة»(٢٠).
وقد صرَّح الإمام عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) بمصير الدجّال بخلاف الرواية
السابقة، بعد أن خطب بأصحابه قائلاً: «سَلوني قبل أن تفقدوني - ثلاثاً -»، فقام
إليه صعصعة بن صوحان فقال: يا أمير المؤمنين، متى يخرج الدجّال؟ فقال له: «اقعد فقد
سمع الله كلامك وعلم ما أردت...»، إلى أن يقول بعد حديث طويل: «يقتله الله (عزَّ
وجلَّ) بالشام على عقبة تُعرَف بعقبة أفيف، لثلاث ساعات مضت من يوم الجمعة على يد
من يُصلّي عيسى بن مريم خلفه»(٢١).
وهذه الأحاديث والروايات في كتب المسلمين ومصادرهم المشرقية.
أمَّا الدجّال عند الموريسكيين فقد رافق ظهوره آخر الزمان، وقد ذكرت النبوءات التي
تُؤرِّخ في تلك الفترة بعض أخباره المقتضبة، ففي النبوءات التي ذكرها (كارباخال)
نراها تتحدَّث عن أحداث تاريخية كارثية قبل خروج الدجّال يمرُّ بها الناس، إذ تقول
في النبوءة: (وفي أعقاب ذلك يُولَد المسيح الدجّال اللعين، ويخرج على الناس، آنذاك
سيُرسِل الله قحطاً شديداً، يدوم سبعة أعوام، لن يظهر خلالها خبزٌ أو حبوب أو ماء)(٢٢).
ثمّ تتكلَّم النبوءة عن معاجزه بعد تلك الشدائد (فيقوم حينها بغرس البذور عند منتصف
النهار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨) الجامع الصحيح/ أبو
عبد الله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري (ت ٢٥٦هـ) ٩: ٦٠، تحقيق: محمّد زهير
بن ناصر، دار طوق النجاة، ط ١، (بلا ت - ١٤٢٢هـ.
(١٩) كمال الدين وتمام
النعمة/ أبو جعفر محمّد بن عليِّ بن الحسين بن بابوية القمّي (الصدوق) (ت ٣٨١هـ) ٢:
٥٩٠، تصحيح: العلَّامة الشيخ حسين الأعلمي، مؤسَّسة الأعلمي للمطبوعات، ط ١، بيروت،
١٩٩١م.
(٢٠) صحيح مسلم بشرح الإمام
محي الدين النووي المسمّى المنهاج لشرح صحيح مسلم بن الحجاج (ت ٦٧٦هـ) ١٨: ٢٧٨،
تحقيق: الشيخ خليل مأمون، دار المعرفة، ط ١٧، بيروت ٢٠٠٩م.
(٢١) كمال الدين/ الصدوق ٢:
٤٧٦.
(٢٢) وقائع ثورة
الموريسكيين/ كارباخال ١: ٢٣٩.
ليحصدها مع المغيب، ويزرع الأشجار
والنباتات بيمناه، فتحصد ثمار الفاكهة بيسراه. سيأمر الميِّت أن يحيا، فينهض
واقفاً، فيُدعى أنَّه باعث الموتى، والإله والسيِّد الذي ليس كمثله شيء، أمَّا من
يتَّبعه فلن ينال خيراً قطُّ، وسيموت كافراً، ويُمسي مثواه في سوء الجحيم. سيتَّبع
المسيح الدجّال الناس كاشفاً لهم عن العديد من صنوف الرزق وعيون المياه)(٢٣).
وقد ورد عن الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه «مكتوب بين عينه: كافر،
يقرؤه كلُّ مؤمن كاتب وغير كاتب»(٢٤).
وذكرت المصادر الموريسكية تلك الخصلة بتحريف، إذ تقول النبوءة التي أوردها (مارمول)
حول تلك القضيَّة وأنَّه (سوف يظهر على جبينه عبارة: استبدَّ وعصى)(٢٥).
وتسترسل النبوءة بذكر صفاته قائلة: (ستكون ملامح وجهه مثيرة للفزع، فهو ليس له سوى
عين واحدة، ويحمل على رأسه وعاءً ممتلئاً بالطعام اللذيذ، ورأسه مستدير كاستدارة
القمر، سترون الناس وراءه بأعداد غفيرة، حتَّى لن تسعهم الأماكن هم وأبناؤهم
وأُسرهم، سوف يمتطي دابَّةً يثير نظرها الفزع)(٢٦)،
والفزع المصاحب لمنظر تلك الدابَّة ربَّما هو ما روي عن الرسول محمّد (صلّى الله
عليه وآله وسلّم) حولها، إذ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «له حمار يركبه، عرض
ما بين أُذُنيه أربعون ذراعاً»(٢٧).
وتُكمِل النبوءة صفات الدجّال قائلة: (وسيمتدُّ الطريق أمامه على مرمى البصر،
وسيطوف الدنيا بأسرها في سبعه أيّام. ومعه نهران: أحدهما من ماء والآخر من نار،
فإذا شرب من يتَّبعوه من الماء ألفوهُ ملتهباً كما النيران)(٢٨)،
وهو ما أشار إليه الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إذ قال عنه: «إنَّ معه
ماءً وناراً، فناره ماء بارد، وماؤه نار، فلا تهلكوا»(٢٩).
ثمّ تأتي النبوءة إلى ذكر اليهود وعلاقتهم به قائلة: (سوف ترافقه كلُّ أُسر اليهود
التي سيحجب بها ضوء النهار)(٣٠)،
وهو أيضاً ما أشار إليه الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قائلاً: «الدجّال
معه سبعون ألف يهودي كلُّهم ذو سيف محلّى وساج»(٣١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣) المصدر نفسه.
(٢٤) صحيح مسلم ٨: ١٩٥.
(٢٥) وقائع ثورة
الموريسكيين/ كارباخال ١: ٢٣٩.
(٢٦) المصدر نفسه ١: ٢٣٩
و٢٤٠.
(٢٧) مسند الإمام أحمد بن
محمّد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) ٣: ٣٦٨، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسَّسة الرسالة، ط ٢،
بيروت، ٢٠٠٨م.
(٢٨) وقائع ثورة
الموريسكيين/ كارباخال ١: ٢٤٠.
(٢٩) صحيح البخاري ٨: ١٨٨.
(٣٠) وقائع ثورة
الموريسكيين/ كارباخال ١: ٢٤٠.
(٣١) سنن ابن ماجة/ الحافظ
أبو عبد الله محمّد بن يزيد القزويني (ت ٢٧٥هـ) ٢: ١٣٦، تحقيق: محمّد فؤاد عبد
الباقي، مطبعة إحياء الكتب العربية، القاهرة، ١٣٧٢هـ.
وتذكر النبوءة نهايته قائلة:
(حينئذٍ يُرسِل الربُّ العليُّ المسيحَ عيسى بن مريم (عليه السلام)، فيخرج لمقابلته
في أرض الشام (Hexen) فلمَّا يُبصِره يخرُّ أمامه كأنَّه جبان مخنَّث، وتقول
الحجارة والأمكنة: ليدفن أسفلنا عدوّ الله)(٣٢).
وذكره الحجري في رحتله على لسان الموريسكين قائلاً: (والمسيح الدجّال دليل، في طلوع
الشمس من المغرب)(٣٣).
ج - المطر:
المطر علامة أُخرى من العلامات التي ترافق قيام المنتظر (عليه السلام)، وإن كانت
الروايات التي أوردت هذه العلامة ضعيفة، مقارنةً مع العلامات الأُخرى(٣٤)،
فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «إنَّ قدّام القائم لسنة غيداقة»(٣٥)،
وكذلك روي عن سعيد بن جبير (رضي الله عنه) أنَّه قال: (السنة التي يقوم فيها المهدي
تمطر الأرض أربعاً وعشرين مطرة يُرى أثرها وبركتها)(٣٦).
وفي النبوءات الموريسكية ذُكِرَت هذه الحادثة بروايتين متناقضتين، إذ تذكر الرواية
المشرقية الواردة أعلاه أنَّه (ستكثر السُّحُب وتندر الأمطار)(٣٧)،
فهي تأتي بخلاف تلك الرواية، ولا نعلم السبب، غير أنَّه بعد استرسال النبوءة بذكر
العلامات يأتي بعدها مباشرةً، أي بعد ندرة الأمطار وقوَّتها وتينع الأشجار بوفرة من
الفاكهة. أمَّا موسم حصاد القمح فتُسمّى الأشجار بوفرة من الفاكهة، أمَّا موسم حصاد
القمح فستمنّي الجبال الباردة بمحصول أكثر وفرةً من المحاصيل، ولاسيّما أنَّ
النبوءة تذكر كثرة السُّحُب، وهو دليل على وفرة الأمطار لا ندرتها. وإذ قرأنا
الرواية من خلال المعنى الذي وضعت له الفكرة يلزمنا أن نقول بكثرة الأمطار وليس
ندرتها، وربَّما أنَّ المترجم وقع في لبس، أو أنَّ الرواية وردت هكذا للتناقض في
عالم النبوءات الغيبية. على أنَّ الرواية الإسبانية والتي تتنبَّأ بظهور الديانة
المسيحية على الإسلاميَّة تتَّفق مع الرواية المشرقية من حيث كثرة الأمطار
وغزارتها، فهي تذكر أنَّ العالم مقبل على (العميم من الخيرات الروحية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢) وقائع ثورة
الموريسكيين/ كارباخال ١: ٢٤٠.
(٣٣) رحلة أقوقاي الأندلسي
مختصر رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب (١٦١١ - ١٦١٣م)/ أحمد بن قاسم بن أحمد بن قاسم
بن الشيخ الشيخ الحجري الأندلسي (بعد سنة ١٦٤٠م): ١٦٢، تحقيق: محمّد رزق، دار
السويدي للنشر والتوزيع والمؤسَّسة العربية للدراسات والنشر، ط ١، أبو ظبي، بيروت،
٢٠٠٤م.
(٣٤) علامات الظهور/
الفرطوسي: ٣٩.
(٣٥) إعلام الورى بأعلام
الهدى/ أبو عليّ بن الفضل بن الحسن الطبرسي (ت ٥٤٨هـ) ٢: ٢٨٥، تحقيق: مؤسَّسة آل
البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، ط ١، قم، ١٤١٧هـ.
(٣٦) الغيبة/ النعماني:
٢٦٩.
(٣٧) وقائع ثورة
الموريسكيين/ كارباخال ١: ٢٣٥.
والمادّية والرضاء وامتلاك الأرض
الجديدة والأمطار الغزيرة بالعديد من النِّعَم السماوية)(٣٨).
وهناك رواية أُخرى تُعزِّز الرواية المشرقية والمسيحية من جهة وتُعزِّز الرواية
القائلة بندرة الإمطار، وتعالج التناقض الحاصل بين الروايتين من خلال ذكر أنَّ
الندرة تحصل في وقت معيَّن والوفرة في وقت آخر، إذ تذكر النبوءة في أحداث سنة (تسعة
وتسعين عجام)(٣٩).
فيكون ذلك العام وقعة شديدة ويكون الشتوة فيها قليلة المطار والريح كثيرة ويأتي
المطار في شهر أبريل وتصلح الدنيا بالمطار وتكون جميع الثمار خصيصة غلالها وغزرة
الفواكهة(٤٠).
د - عقد الجسر ببغداد:
وردت أحاديث عن أهل البيت (عليهم السلام) عن عقد جسر ببغداد ممَّا يلي الكرخ(٤١)،
ويبدو أنَّ الموريسكي استلهم تلك الرواية ورسخت في ذهنه، ونظراً - وكما قدَّمنا
آنفاً - لابتعاد الموريسكي عن تراث الدين الحقيقي فربَّما نقل صورة الجسر من بغداد
التي يفصل بين جانبيها نهر دجلة وطريقة وحلَّ محلَّ هذين الجانبين بالجسر الموضوع
على نهر دجلة كما هو ظاهر الرواية، فقد نقل الموريسكي تلك الصورة وجعلها تعانق
بجغرافيتها العُدوتين المغربية والأندلسية بدلاً من الكرخ والرصافة، ونصَّت مخيَّلة
الجسر الرابط بين العُدوتين وهو يُمثِّل الأمل بعبور الفاتحين الأوائل إلى شبه
جزيرة ايبيريا، (ففي سنه (١٥٦٩م) بغرناطة صرَّح زكريا الذي اعترف أمام محاكم
التفتيش بأنَّ المغاربة لهم رغبة كبرى في الانتقام، وأكَّدوا بأنَّ الخلاص قريب،
وسيأتي من شمال أفريقيا، من بجابة ودهران وسبقه، ثمّ بعد ذلك يتمُّ من جديد غزو
إسبانيا...، وأنَّه في مضيق جبل طارق سيظهر جسر من حديد وعن طريقه سيجتاز العرب
ويتمكَّنون من غزو إسبانيا حتَّى كاليسيا)(٤٢)،
أو ربَّما قنطرة من نحاس يعبر عليها المسلمون(٤٣)
كما وُصِفَ مرَّةً أُخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨) ظاهرة التكهُّن علامة
من علامات الهويَّة الموريسكية/ لوي كاردياك: ١٣٤، بحث منشور ضمن كتاب تراجيديا طرد
الموريسكيين من الأندلس والمواقف الإسبانية والعربية الإسلاميَّة منها، منشورات
مركز الدراسات والترجمة الموريسكية، تونس، ٢٠١١م.
(٣٩) التاريخ غير مفهوم
بالنسبة لنا، وربَّما أراد بها سنوات العجم وإن تكن كذلك فلا تساهم أيضاً في معرفة
التاريخ بالضبط.
(٤٠) (Analabarta، Archivos
Moriscos.p).
(٤١) الإرشاد في معرفة حجج
الله على العباد/ الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي (المفيد) (ت ٤١٣هـ) ٢:
٣٦٨، نشر وتحقيق مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، ط ١، العراق،
١٩٩٥م.
(٤٢) الأندلسييون وهجرتهم
إلى المغرب/ رزق: ٢٤٧.
(٤٣) الموريسكيون في
إسبانيا والمنفى/ ميكيل دي إيبالثا/ ترجمة جمال عبد الرحمن: ١٨٥، المشروع القومي
للترجمة، مصر، ٢٠٠٥م.
هـ - الصيحة:
الصيحة من الحوادث المفزعة والتي وردت بها الأخبار عن طريق الأئمَّة (عليهم
السلام)، وتُفسَّر بأنَّها صوت عظيم يكون في السماء يوقظ النائم، ويفزع اليقظان،
وتخرج الفتاة من خدرها خوفاً وفزعاً، وربَّما يكون هو نداء جبرائيل (عليه السلام)(٤٤).
فعن أبي بصير أنَّ الإمام أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) قال في جواب قوله:
جُعلت فداك، متى خروج القائم؟ فقال: «يا أبا محمّد، إنّا أهل بيت لا نُوقِّت...»،
إلى أن قال: «لا يخرج القائم حتَّى يُنادى باسمه في جوف السماء في ليلة ثلاث وعشرين
من شهر رمضان، ليلة جمعة»، قلت: بِمَ يُنادى؟ قال: «باسمه واسم أبيه، ألَا إنَّ
فلان بن فلان قائم آل محمّد، فاسمعوا له وأطيعوه، فلا يبقى شيء من خلق الله فيه
الروح إلَّا سمع الصيحة، فتوقظ النائم ويخرج إلى صحن داره، وتخرج العذراء من
خدرها...، وهي صيحة جبرائيل (عليه السلام)»(٤٥).
أمَّا وقتها الذي حدَّده الأئمَّة فهو شهر رمضان، فعن أبي عبد الله (عليه السلام):
«الصحية التي في شهر رمضان تكون ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين من شهر رمضان»(٤٦).
وكانت العلامة التي حدَّدها الموريسكيون بتواريخ وأماكن مختلفة، إلَّا أنَّها تدور
في أغلبها حول شبه جزيرة ايبيريا، إذ وُصِفَت على أنَّها يكون الناس على أثرها
سُكارى ومن هولها يخرُّون موتى بدون قتل، محدِّدين تاريخها بما يوافق فكرتهم عن
الخلاص، قائلين في نبوءاتهم: (ففي ذلك الزمان يكون المسلمون في أرض رغون شدَّة
كبيرة وفي عام سنة عرب (وعشرين SIC POR) وتسعمائة يكون في أواحد صيحة كبيرة بين
الناس ويكون الناس سُكارى مواتاً بلا حديد والأقتالي)(٤٧).
والصيحة الأُخرى ذكرتها النبوءة قائلة: (وتكون صيحة كبيرة في عام تسعة وتسعمائة في
مدينة بلنسية وأُخرى في دانية وأُخرى في جزيرة الأندلس المذكورة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤) علامات الظهور/
الفرطوسي: ١٦٣ و١٦٤.
(٤٥) الغيبة/ النعماني:
٢٤٣.
(٤٦) كمال الدين/ الصدوق ٢:
٥٩٠.
(٤٧) (Analabarta، Archivos
Moriscos.p).
في تاريخ العجم، وبعد هذه عن قريب
يكون صيحة كبيرة يقدمون على النصارى، ويكون وبينهم مقتله عظيمة)(٤٨).
وهناك صيحة أُخرى ذكرتها النبوءة: (وتكون صيحة كبيرة في مرافق صلاة الصبح وأفزع
كبير حتَّى الكثير من النصارى يرجعون إلى دين الإسلام)(٤٩).
و - خروج الشمس من مغربها:
وهي علامة أُخرى لأشراط الظهور فضلاً عن الموضوع الآنف الذكر بشرط الخسوف والكسوف،
إذ أخرج البخاري عن الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «لا تقوم
الساعة... حتَّى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك
حين ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ
مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]».
وروي عن الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «عشر علامات قبل
الساعة لا بدَّ منها...»، وعدَّ منها: طلوع الشمس من مغربها(٥٠).
على أنَّ النبوءات الموريسكية قد ربطت بين المسيح الدجّال وخروجه وهذا الحدث،
قائلة: «المسيح الدجّال دليل في طلوع الشمس من المغرب»(٥١).
وتحدَّثت النبوءات أيضاً عن الشمس المتصدِّعة التي عدَّتها من علامات الظهور.
وربَّما تصدُّعها ناتج عن حركتها المفاجئة بظهورها من المغرب، إذ ورد في النبوءات
أنَّ الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد عدَّ العلامات الصغرى للظهور
ومنها: (طلوع الشمس المتصدِّعة)(٥٢).
ز - ظهور الملائكة:
بحسب النبوءة الموريسكية فإنَّ الملائكة سوف تظهر في السماء معلنة للصيحة والتي هي
إحدى علامات الظهور، وتحديداً في البشرات(٥٣)
أو سيرينفادا(٥٤)
على شكل طيور في السماء، وكلاهما في غرناطة(٥٥)،
وتظهر نتيجة للظلم والتعسُّف والجور الذي لحق بالمسلمين، إذ تذكر النبوءة أنَّ
الناس في أرض باثا (Baza)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨) (Ibid.p).
(٤٩) (Ibid.p).
(٥٠) رحلة أقوقاي/ الحجري:
١٦٢.
(٥١) وقائع ثورة
الموريسكيين/ كارباخال ١: ٢٣٦.
(٥٢) البشرات (Alpujarras):
وهي المنطقة الجبلية الواقعة جنوب جبل شلير على مقربة من البحر المتوسِّط، وتشتهر
بأراضيها الخصيبة وبساتينها اليانعة. يُنظَر حولها: الإحاطة في أخبار غرناطة/ لسان
الدين محمّد بن عبد الله السلماني (ابن الخطيب) (ت ٧٧٦هـ) ٣: ١٦٨، تحقيق: محمّد عبد
الله عنان، مكتبة الخانجي، مصر، ١٩٧٣م.
(٥٣) سيرنيفادا: وهو من
الجبال المشهورة بالأندلس وتقع بالقرب من غرناطة، يُنظَر حولها: نزهة المشتاق في
اختراق الآفاق/ أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن إدريس الإدريسي (ت ٥٦٠هـ -
١١٦٤م) ٢: ٥٦٩، ط ١، بيروت، عالم الكتب، ١٩٨٩م.
(٥٤) (Analabarta، Archivos
Moriscos.p).
(٥٥) حرب غرناطة/ دي
مندوثا: ٤٧.
قد شاهدت آيات وظواهر خارقة للعادة،
إذ ظهرت (طيور غير مألوفة في غرناطة)(٥٦)،
وظهرت لهم مرَّةً أُخرى، إذ (شاهدهم أُناس يسيرون في السحاب على هيأة طيور تُحلِّق
أعلى البشرات يقودها طائران أضخم حجماً وأوضح رؤيةً)(٥٧).
إنَّ هذين الطائرين الضخمين ما هما إلَّا ميكائيل وجبرائيل، صاحب النداء في عصر
الظهور، إذ تذكر النبوءة أنَّه (يبعث الله فيها سحابة من طيور وليس هي بطيور إلَّا
من صحبة النبيِّ (عليه السلام)، وترى فيها زوج معيَّنة (وهو) وهما جبريلي
وميكايلي).
ونزول جبرائيل بصفة طائر أبيض مستفيضة في كتب الحديث، إذ يُروى أنَّ أبا عبد الله
(عليه السلام) قال: «أوَّل من يبايع القائم (عليه السلام) جبرائيل (عليه السلام)
ينزل في صورة طير أبيض فيبايعه ثمّ يضع رجلاً على بيت الله ورجلاً على بيت المقدس
ثمّ ينادي بصوت ذلق [طلق تسمعه] يسمع الخلائق: ﴿أَتى أَمْرُ
اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]»(٥٨).
وعلى الرغم من الخلط الحاصل بين العقائد الصحيحة والمشوَّشة عند الموريسكيين وكما
قدَّمنا آنفاً إلَّا أنَّ أصل الرواية يبقى عالقاً في أذهانهم لكن يشوبه ما لحق
بالروايات السابقة من تحريف، فتذكر النبوءة الموريسكية أنَّ تلك الطيور والتي
يتقدَّمها جبرئيل وميكائيل ما أتت إلَّا من أجل البشرى وخلاص الناس بقرب المخلِّصين
من ملوك الشرق والغرب، إذ تقول النبوءة إنَّه (في العام الذي يوافق مطلعه يوم سبت،
من الإشارة التي ستبنس بقدومه هي أن يُرسِل الله سرباً من الطيور يضمُّ طائرين
معلَّمين، أحدهما المَلَك جبريل (Gabriel) والآخر هو المَلَك ميكائيل، وسيضحى الأصل
الذي تنشأ من طيور الببّغاء في سائر الأرض، وهما يُعلِنان الناس بقرب مجيء ملوك
الشرق والغرب لإغاثة جزيرة الأندلس)(٥٩).
وتوافق تلك النبوءة ما نُقِلَ عن الأمام أبي عبد الله (عليه السلام) المتقدِّم
والتي بشَّرت بمجيء أمر الله مع التغيُّر في ظاهر الرواية والاحتفاظ بالمحتوى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٦) وقائع ثورة
الموريسكيين/ كارباخال ١: ٢٤١.
(٥٧) (Analabarta، Archivos
Moriscos.p).
(٥٨) كمال الدين/ الصدوق ٢:
٦٧١.
(٥٩) وقائع ثورة
الموريسكيين/ كارباخال ١: ٢٣٥.
ج - يأجوج
ومأجوج:
هم أقوام ذُكروا في القرآن الكريم ارتبط ذكرهم بعلامات الساعة، إذ قال تعالى: ﴿حَتَّى
إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ *
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا
يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ﴾
(الأنبياء: ٩٦ و٩٧).
ودلالة خروجهم ردم السدِّ الذي بناه ذو القرنين، وخروجهم سابق للوعد الإلهي، وقد
أشار القرآن الكريم إلى تخريبه قائلاً: ﴿قالَ هذا رَحْمَةٌ
مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي
حَقًّا﴾ (الكهف: ٩٨).
ولا تخلو أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من ذكر لهم، إذ أشار لهم
قائلاً: «ثمّ يسيرون حتَّى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد
قتلنا أهل الأرض، هلمَّ فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيردُّ
الله عليهم نشابهم مخضوبة بالدماء»(٦٠).
وترتبط تلك الأحداث بنزول السيِّد المسيح (عليه السلام)، إذ أشار الرسول محمّد
(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى ذلك بقوله: «فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى
عيسى: أنّي قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم، محرز عبادي إلى الطور، ويبعث
الله يأجوج ومأجوج، وهم من كلِّ حدب ينسلون»(٦١).
كلُّ تلك الأحداث تشير إلى تزامن ظهور هؤلاء مع علامات الساعة، وقد عدَّها
الموريسكيون أيضاً من أشراط الساعة، وتوافقوا مع الرواية الإسلاميَّة الثانية
المتقدِّمة حول مصيرهم ونهايتهم على يد السيِّد المسيح (عليه السلام)، وتحطُّم
الروم المذكور في القرآن الكريم، إذ تذكر الرواية الموريسكية هذه الأحداث من خلال
النبوءة الآنفة الذكر، شارحة بالتفصيل ما يتعلَّق بهم وأوصافهم قائلة:
(يصعد المسيح إلى جبل طهور (Tahor)، ويُحطِّم أسوار يأجوج ومأجوج، وهم الأقزام
الذين يفوق تعدادهم عدد موج البحر، وتباين أشكالهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ووجوههم ملامحهم، فبعضهم حجمه مثل
الريشة التي يُكتَب بها، والبعض الآخر تفوق قامته الجبال، وهناك آخرون لهم آذان
طويلة، حتَّى إنَّهم يجلسون عليها ويفرشون الأرض ببعضها، ومشيتهم مسيرة ثمانين سنة)(٦٢).
وأوصافهم تلك توافق ما نُقِلَ عن الأثر من أنَّ يأجوج ومأجوج على ثلاثة أثلاث: ثلث
على طول الأرز، وثلث مربَّع طوله وعرضه واحد هم أشدّ، ثلث يفترش أحدهم أُذُنه
ويلتحف بالأُخرى(٦٣).
ط - السيِّد المسيح:
يُعَدُّ نزول السيِّد المسيح (عليه السلام) واحداً من أهمّ علامات الظهور وأبرزها،
وهو من العلامات الحتمية للظهور، بشَّر به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إذ
تذكر الروايات نزوله (عليه السلام) ودخوله بيت المقدس وصلاته فيه، إذ يُذكر أنَّ
الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذكر الدجّال، فقالت أُمُّ شريك: فأين
المسلمون يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: «بيت المقدس يخرج حتَّى يحاصرهم، وإمام الناس
يومئذٍ رجل صالح، فيقال: صلِّ الصبح، فإذا كبَّر ودخل فيها نزل عيسى بن مريم (عليه
السلام)، فإذا راه ذلك الرجل عرفه، فرجع يمشي القهقرى، فيتقدَّم عيسى، فيضع يده بين
كتفيه، ثمّ يقول: صلِّ، فإنَّما أُقيمت لك الصلاة، فيُصلى عيسى وراءه...»(٦٤).
وهذا الرجل هو الإمام المهدي (عليه السلام) بحيث جاء حديث آخر عن الرسول محمّد
(صلّى الله عليه وآله وسلّم) موضِّحاً تلك الشخصية يقول: «ينزل عيسى بن مريم (صلوات
الله عليه) فيقول أميرهم المهدي: تعالَ صلِّ بنا، فيقول: ألَا إنَّ بعضكم على بعض
أُمراء تكرمةً من الله (عزَّ وجلَّ) لهذه الأُمَّة»(٦٥)،
وفي حديث آخر عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «منّا الذي يُصلّي عيسى بن مريم
خلفه»(٦٦).
وتأتي النبوءة الموريسكة لتذكر نزول السيِّد المسيح (عليه السلام) موثِّقة الأحاديث
السابقة، إذ تُبشِّر النبوءة به وبعودته، فتذكر النبوءة قائلة: (يعود يصوع روح الله
المحمود إلى الأرض)(٦٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٢) وقائع ثورة
الموريسكيين/ كارباخال ١: ٢٤٠ و٢٤١.
(٦٣) كتاب التذكرة بأحوال
الموتى وأُمور الآخرة/ أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري
الأندلسي القرطبي (ت ٦٧١هـ): ١٣٢٧، تحقيق: الصادق بن محمّد بن ابراهيم، مكتبة دار
المنهاج، الرياض، ١٤٢٥هـ.
(٦٤) الفتن/ نعيم بن حمّاد
بن معاوية المروزي (ت ٢٢٩هـ): ٣٨٥، تحقيق: محمّد أحمد عيسى، دار الغد الجديد، ط ١،
القاهرة، ٢٠١٠م.
(٦٥) العرف الوردي في أخبار
المهدي/ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي: ٧٤، تحقيق: أبو يعلى البيضاوي،
دار الكتب العلمية، لبنان، ٢٠٠٦م.
(٦٦) المصدر نفسه: ١٣٤.
(٦٧) رحلة أقوباي/ الحجري:
٢٠٥.
وتُشير النبوءة الأُخرى إلى عودته
قائلة: (ينزلى عيسى بن مريم)(٦٨)،
ثمّ تسترسل نبوءة أُخرى مستعرضة أهمّ أعمال السيِّد المسيح (عليه السلام) بعد نزوله
قائلة: (حينئذٍ يرسل الربُّ العليُّ المسيحَ عيسى بن مريم (عليه السلام)، فيخرج
لمقابلته [يقصد الدجّال] في أرض الشام (Hexen) فلمَّا يُبصِره يخرُّ أمامه كأنَّه
جبان مخنَّث)(٦٩).
وتواصل النبوءة سرد دور السيِّد المسيح (عليه السلام) مضيفة له لقب الهادي، وهو لقب
مرادف للقب المهدي المنتظر (عليه السلام)، ويبدو أنَّه من تأثير النصارى على
المسلمين، قائلة: (ويبقى المسيح الهادي الذي يسير بفضله الذئب جنباً إلى جنب مع
الغنم في وئام سوف يلعب الصبيان مع الحيّات والأفاعي السامَّة ولن تضرَّهم، حيث
تجبر على تطبيق سُنَّة رسولنا والحكم بمقتضاها)(٧٠).
أمَّا فيما يخصُّ صلاة السيِّد المسيح (عليه السلام) في الرواية السابقة، فيبدو من
التراث الموريسكي المتمثِّل بتلك النبوءات أنَّهم قد علق في أذهانهم موضوع صلاة
المهدي (عليه السلام) الموعود وصلاة السيِّد المسيح (عليه السلام) خلفه، إلَّا
أنَّهم جعلوا الدور الريادي هنا للسيِّد المسيح (عليه السلام)، وجعلوا إقامة الصلاة
من واجبات أُسرة المنقذ المتَّصلة بالرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وذلك
بحسب النبوءة التي أشارت إلى تلك الحادثة قائلة: (يشرف على الصلوات والمواقيت سلالة
رفيعة متَّصلة النسب من نسل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وآنذاك يتحوَّل
كلُّ ملحد إلى دين الله)(٧١).
ي - علامات كونية متفرِّقة:
هناك عدَّة آيات كبرى وصغرى وردت في النبوءات الموريسكية حول مخلِّصهم، واختلطت
فيما بينها ومزجت بين أشراط الساعة وأشراط الظهور، وذلك لابتعاد الموريسكيين عن
تراثهم الديني بسبب الضغوط التي واجهوها من الإسبان على ما تقدَّم.
ومنها أنَّ (الموريسكي تحدَّثت نبوءته عن ظواهر طبيعية وسماوية تسبق وترافق عصر
الظهور، ومنها ما يتعلَّق بالأجرام السماوية أمثال ظهور الشُّهُب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨) (Analabarta، Archivos
Moriscos.P)
(٦٩) وقائع ثورة
الموريسكيين/ كارباخال ١: ٢٤٠.
(٧٠) المصدر نفسه.
(٧١) المصدر نفسه.
والنجوم السماوية، إذ تتحدَّث وذكرت
إحداهن ظهور نجم يقترب ظهوره مع ظهور السيِّد المسيح (عليه السلام))(٧٢).
ومنها ما ذكرته النبوءة (فترى في شهر رمضان المعظَّم يتجمَّع النجم والقمر على
الغروب، فيكون ذلك من العلامات التي تُنتَظر)(٧٣)،
ونقل (كارباخال) بعض العلامات في النبوءات والتي أوردها التي كان ينتظرها
الموريسكيون منتقداً إيّاهم عليها، ومنها (أنَّهم شاهدوا في أثناء الليل علامات في
الهواء في البحر والبرِّ، كرؤية نجوم لم تُرَ قطُّ من قبل، وإشعال السماء باللهب،
وقدر كبير من البريق، ممَّا أدّى لظهور أجرام في الهواء، وأيضاً أشعَّة مروِّعة
لعدد من النجوم والمذنبات)(٧٤).
وفي موضع آخر ذكر تجلّي الشُّهُب والنجوم الطالع(٧٥)
كعلامة من علامات الظهور، وجعل (كارباخال) ظهور أحد الشُّهُب هو بداية لإعلان الخير
المتمثِّل بخلاصهم ووصول مخلِّصهم(٧٦).
ك - علامات متفرِّقة:
أشارت النبوءات والروايات الموريسكية إلى أحداث سابقة للظهور عامَّة تتحدَّث عن
الانحلال في المجتمع وحالة الظلم والاستبداد. ومنها ما تحدَّثت عنه النبوءات التي
تُخبِر عن (مجتمع حرب البشر الطاحنة هذا سوف ينقص الإيمان، وتُهجَر فيه الشريعة،
سوف يضحى العلاء محلّ استهزاء الجميع، وسيشتغل الحُكّام بإخلاء الأهالي عن قراهم،
وتخريب الأرض، وقلَّة الدخل، وذلك دون أن يقدر أيٌّ منهم على المساس بأفريقيا، التي
خلفوها وراء ظهورهم، سيعقب ذلك مباشرةً خوض الكافرين للحرب، ولن يتبقَّ رجال في
مملكة غرناطة، في غضون العام الطويل سيتعاظم الشقاق، ولن يقلق من براثن المشقَّة
والخزي سوى أشخاص قلائل، وستحدث وقعتان. أمَّا الظفر بالغرب فهو بانتصار الأفارقة،
لأنَّ ما أخبر به الرسول الحقُّ لا محالة واقع بين البشر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٢) (Analabarta، Archivos
Moriscos.P).
(٧٣) (lbid.P).
(٧٤) وقائع الثورة
الموريسكيين/ كارباخال ١: ٢٤٢.
(٧٥) المصدر نفسه ١: ٢٣٠.
(٧٦) المصدر نفسه ١: ٢٢٧.
سيفرُّون من قراهم، وعندما يخطئ
الابن العاقُّ سيكون الرجل أفضل، ولما يحلُّ منهم أجل الله ليلاً قبل أن يغشاهم
النهار، البحر حتَّى تعبره السفن دون مخاطر، فما أنزله الله ينقض، وستُطبَّق شريعة
المسلمين في أرض المسيحين)(٧٧).
ونلاحظ أنَّ تلك الأحداث المتعلِّقة بالنبوءات تخصُّ الأندلس والأندلسيين وحدهم
الباحثين عن النجاة من مآسيهم على لسان الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وفي محاولة منهم لتنفُّس الصعداء تستمرُّ النبوءات الموريسكيية في بعث الأمل في
نفوسهم بعد أن صعَّد الإسبان من اضطهادهم، فتنعكس آمالهم على نبوءاتهم معلِّقين
عليها آمالهم في الثورة، وتكون أولى علامات تلك النبوءة (أيُّها السادة ستكون علامة
كبيرة للغاية، حيث يظهر شهاب ضخم جدّاً، في كبد السماء، وينتشر نوراً ساطعاً بعدها،
سيظفر مَلِك الأتراك بإحدى المُدُن ويأسر أهلها ومَلِكها، عقب ذلك بفترة وجيزة
للغاية سيستحوذ على جزيرة رودس الكبرى (Rodas) التي ستبقى دوماً في يد المسلمين،
ستكون هناك انتصارات أُخرى للمسيحين، وتُعَدُّ من العلامات الكبرى التي سوف تحدث
لاحقاً، سوف تأتي جيوشهم وأهلهم إلى الأندلس بأعداد هائلة، حتَّى إنَّهم سيُفكِّرون
في الإجهاز على قاطنيها، وسيدخل الكثيرون في المسيحية خوفاً منهم، لكن فيما بعد
سيظهر من بينهم صديق حقيقي، وسينصح لهم أن هبُّوا وثوروا لدين الله، حينئذٍ
سيُغيَّر هلال الأتراك على المسيحين، وعلى كلِّ مدينة وموقع حصن)(٧٨).
وقد أوضحت تلك النبوءات أيضاً أحداث قبل قيام الساعة، منها: (حركة الأرض وتصدُّعها،
سيادة الفزع والذعر الشديدين، وعلامات أُخرى يعجز البشر عن تفسيرها، وحذيفة هو أكثر
من تناول تلك العلامات، وعدد ما يقول إنَّه سمع منها من رسول الله الهادي ما يربو
على السبعين، ثمانية من الأكثر بروزاً والبقيَّة تُعَدُّ علامات صغرى تأتي على
إثرها، وقد سأل الكثيرون المصطفى عنها جميعاً، نكشف لهم عن بعض المشهور منها، فقال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنَّه سيكون منها ظهور رسول الله،
ونزول القمر إلى بساتين تهامة بعد طلوع الشمس المتصدِّعة، تلك هي أشراط القيامة
التي أتى بها القرآن وتحدَّث عنها، والبقيَّة التي على شاكلتها عديدة، وهي مشهورة
في تلك الآونة، وفي عالمنا هذه وتُعَدُّ أشدُّ وضوحاً من الضوء الساطع)(٧٩).
ثانياً: النبوءة وفكرة المنقذ عند الإسبان:
تُعَدُّ فكرة المنقذ في الديانة المسيحية واحدة من أهمّ مقوِّماتها، إذ يُعَدُّ
ظهور السيِّد المسيح (عليه السلام) في آخر الزمان بعد أن قام من بين الأموات
ورُفِعَ إلى السماء ليكون محرِّراً للبشرية، هذا في فكرهم حول تلك العقيدة، ومثلما
كان للعرب نبوءات ومنتظَر كان على الجانب المقابل نبوءاته، فقد كانوا يتنبَّؤون
بانتصار المسيحية على الأتراك والمغاربة، وتحويل هؤلاء إلى الدين المسيحي، إذ صرَّح
دون مرتين كارسيا (Don Martin Gacia) أنَّه مقتنع بقرب اعتناق المسلمين للمسيحية،
وللإسراع بإنجاز ذلك دفع القسِّيسين إلى تعلُّم اللغة العربية ووعظ الموريسكيين،
وقد قال: (إنَّ بداية هذا الانتصار ستكون في أفريقيا الشمالية)(٨٠).
وقبل التعمُّق أكثر بموضوع النبوءات لا بدَّ لنا أن نتناول شيئاً من مسألة
التأثيرات حول هذا الموضوع، فقد كوَّن الموريسكي إذن شخصيته في حضرة المسيحيين، ومن
المؤكَّد أنَّ المجموعتين اللتين عاشتا جنباً إلى جنب بصفة متداخلة طيلة العشرات من
السنين، لا يمكن إلَّا أن تُؤثِّر الواحدة على الأُخرى، وأحياناً بصفة لا شعورية،
ولا شكَّ أنَّ المجموعة التي لها الأقلِّية هي التي تتأثَّر أكثر من الأُخرى بحكم
النصوص، ومن الجدير بالملاحظة فعلاً أن نجد - إذا ما رجعنا إلى النصوص التكهُّنية
عند المسيحين وأيضاً عند الموريسكيين - نفس الأداة اللغوية وأوَّلاً نفس التصوُّر
الاستدلالي الذي يُدعى ببعث إمبراطورية عظيمة بعد تحطيمها المؤقَّت. وفي هذا الإطار
نجد اتِّهامات من الموريسكيين تتمثَّل في التهمة الموجَّهة للمسيحين بتزوير النصوص
التكهُّنية المسمّاة القواثياس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٩) الأندلسيون وهجرتهم
إلى المغرب/ رزق: ٢٤٨.
(٨٠) ظاهرة التكهُّن/
كاردياك: ١٣٤.
أو خفوراس (Alguacias-Jofores)
لجعلها تتلاءم مع قضيَّتهم، وقد كتب بيخرانو (Bejerano) الموريسكي المطرود والمجادل
الكبير (هنا في تونس) في سنة (١٦٣٥م) بخصوص هذه النصوص ما يلي: (إنَّ المسيحيين
كذبوا في ذلك وأضافوا الكثير من الأكاذيب الأُخرى، لأنَّني قرأت هذا النصَّ نفسه في
كتاب (هنا في تونس)، مترجَم إلى العربية لا يحتوي على هذه الأكاذيب المضافة)(٨١).
أمَّا ما يدور حول المواضيع السابقة عند المسلمين من أُمور تخصُّ مفهوم الغيبة
والمنقذ، فيمكن إحصاؤها عند النصارى وفقاً للنصوص التي بين أيدينا، وبما يلي:
١ - علامات الظهور عند الإسبان:
العلامات والنبوءات حولها: دارت هذه النبوءات حول طرد الموريسكيين من إسبانيا
واندثار الإسلام فيها وانتشار المسيحية من جديد، ونجد في نبوءاتهم عدَّة محاور
يمكننا تسليط الضوء عليها، منها: أنَّها تنبَّأت (بطرد الموريسكي الأخير الذي سوف
يُجسِّد هزيمة الإسلام وبعث إسبانيا)(٨٢).
وتنصُّ تلك النبوءات أيضاً على تدمير مكَّة(٨٣).
وفي عصر انحدار وظهور المنقذ بالنسبة للنصارى وتعدُّد صوره فإنَّ هناك (العديد من
الخبرات الروحية والمادّية والرخاء وامتلاك الأراضي الجديدة والأمطار الغزيرة
بالعديد من النِّعَم السماوية)(٨٤).
وهذه النبوءات نجدها مطابقة للعلامات التي كانت تخصُّ زمن ظهور المهدي (عليه
السلام) الآنفة الذكر. ثمّ تذكر النبوءة انتشار سلطة المسيح شرقاً وغرباً (ستجعل
تحت سلطتك سطح الأرض من المشرق إلى المغرب)، وهو أيضاً يتطابق مع النصوص
الإسلاميَّة التي تشير إلى انتشار الإسلام في كلِّ أنحاء المعمورة(٨٥).
وترى نبوءة أُخرى تشير إلى عالمية المنقذ وسيطرته على مراكز العالم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨١) المرجع نفسه.
(٨٢) المرجع نفسه.
(٨٣) المرجع نفسه.
(٨٤) المرجع نفسه: ١٣٣.
(٨٥) موسوعة كتب الغيبة/
مجموعة من العلماء: ١٤٠، مكتبة المصطفى الأمين، ط ١، الكاظمية المقدَّسة، ٢٠١٠م.
كالقسطنطينية، ويُتوَّج فيها آنذاك،
وهو ما يلتقي بما وعد به الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أحاديث
المهدي (عليه السلام)، إذ وعد بأن يفتح القسطنطينية للمرَّة الثانية من الروم(٨٦)،
إذ تذكر النبوءة المسيحية ذلك قائلة: (وسوف يناول جواده الهرطمان على هيكل بياروبول
(Pierre Poul) وسوف يذهب إلى القسطنطينية لكي يُتوَّج)(٨٧).
ومثلما وجدناه في النبوءات الإسلاميَّة فيما يخصُّ العلامات الكونية نجدها هنا
أيضاً في النبوءات المسيحية فيما يخصُّ علامات خلاصهم وظهور المسيحية على
الإسلاميَّة، وهو ما تدور حوله النبوءات المسيحية، فنلاحظ أنَّ النبوءات تذكر
(العلامات في السماء، وكذلك النجوم والتقاء الكواكب، قد أُوِّلت خلال القرن السادس
عشر من طرف المنجِّمين بمعنى اثنين: أحدهما: كعلامة إنذار للأخطار التي يُجسِّمها
الموريسكيون، وفي نفس الوقت كعلامة على طردهم النهائي. وهذا ما يُترجِم عن انتصارات
المسيحية على الإسلام).
وقد عرفت تأويلات جوان أندرس (Juan Andre) - الذي باعتماده على الدراسات العربية
لعلم النجوم والتقاء والكواكب - حيث تنبَّأ بقرب أُفول الممالك الإسلاميَّة، أنَّ
كلَّ الممالك وجب أن تتغيَّر بصورة عميقة، كذلك صرَّح الأُسقف المفتِّش دون مارتين
كارسيا (Don Martin Garcia) أنَّه مقتنع بقرب اعتناق الأقاريين للمسيحية، وللإسراع
بإنجاز ذلك، دفع نفسه إلى تعلُّم اللغة العربية ووعظ الموريسكيين، وقد قال: (إنَّ
بداية هذا الانتصار ستكون في أفريقيا الشمالية)، وفي خطبته الثانية والثلاثين قام
بوضع قائمة بكلِّ الانتصارت الإسبانية في أفريقيا الشمالية، وقد رأى في ذلك علامة
عناية الله(٨٨).
وقد ذكر قادا لاجار (Guoda ljara) وبليدا (Bleda) و(كاردونا) عدداً من هذه الظواهر
الكونية السماوية، والتي قاموا فيما بعد بتقديم تأويلات لها، إذ تتحدَّث هذه
العلامة عن قرب دمار الموريسكيين من وجهة نظر المسيحين،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٦) ظاهرة التكهُّن/
كاردياك: ١٣٤.
(٨٧) الموريسكيون
الأندلسيون والمسيحيون المجابهة الجدلية (١٤٩٢ - ١٦٤٠م)/ لوي كاردياك/ ترجمة عبد
الجليل النمس: ٦٦، منشورات المحلّية التاريخية المغربية وديوان المطبوعات الجامعية،
الجزائر، ط ١، تونس، ١٩٨٣م.
(٨٨) الموريسكيون
الأندلسيون/ لوي كاردياك: ٦٦.
ففي سنة (١٥٢٦م) ظهر في السماء نجم
ذو ذنب للتنبُّؤ بالنكبات التي تتحدَّث عن قبول التعميد بصورة كاذبة، وكان ذلك
إنذار الخطر الذي سيلحق الموريسكيين الذين تمَّ تعميدهم جماعياً بإسبانيا(٨٩).
والنجم المذنَّب هذا الذي تحدَّث عنه الإسبان هو عينه الذي ذكرته الرواية
الإسلاميَّة، فقد ذُكِرَت روايتان حول هذا الموضوع، فالرواية الأُولى تذكر طلوع
الكوكب ذي الذنب، وهو علامة ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)(٩٠).
أمَّا الرواية الأُخرى فتجعل من علامات الساعة ظهور «النجم في السماء له ذنب من
ناحية المغرب»(٩١).
والمهمُّ في هذا الأمر هو مدى التشابه والتطابق في علامات الظهور بين الروايتين
المسيحية والإسلاميَّة التي اعتمدت عليها كلا الأُمَّتين في انتظارهما للمخلِّص.
وتستمرُّ النبوءات المسيحية من أجل إقناع الآخرين بسقوط الموريسكيين، وتتواصل
النبوءة بإشراك السماء بالتنبُّؤ بمصير الموريسكيين، ففي سنة (١٦٠٣م) لاحظ
المنجِّمون أكبر التقاء للنجوم، وكشفوا عن معناه: (كلُّ الناس كانوا مقتنعين أنَّ
التقاء النجوم يُمثِّل سقوط آخر انتفاضة لدين محمّد في إسبانيا خلال عشرين سنة،
وبالاستناد إلى ذلك ذكرت كلُّ الأطراف كتب التنبُّؤ القديمة والحديثة)(٩٢).
كذلك في سنة (١٦٠٧م) فقد حدث التقاء جديد للكواكب في سماء أراقون، وكان ذلك موضوع
تنبَّأ به من طرف جبرونيمو أوللر (Geronimo Oller)(٩٣).
وقد حرص الإسبان على اشتراك العوامل الطبيعية من أجل ترسيخ مشروعية قرار طرد
الموريسكيين، إذ إنَّ هناك حوادث غدت بمثابة المعاجز حفَّزتهم على طرد الموريسكيين،
فمنها ما يتعلَّق بجرس كبير الحجم يُدعى جرس فيليلا (Vililla) في قرية قريبة من
سرقسطة، وكان يُدَقُّ بصورة عجيبة على أثر الملابسات الكبيرة لتاريخ إسبانيا، وهو
ما فُسِّر بخطر الموريسكيين بالنسبة لإسبانيا(٩٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٩) إلزام الناصب في إثبات
الحجَّة الغائب/ عليّ اليزدي الحائري (ت ١٣٣٣هـ) ٢: ١٧٤، منشورات دار ومطبعة
النعمان، ط ٢، بيروت، ١٩٧١م.
(٩٠) المصدر نفسه ٢: ٢٢٧.
(٩١) الموريسكيون
الأندلسيون/ لوي كاردياك: ٦٦.
(٩٢) المرجع نفسه.
(٩٣) المرجع نفسه: ٦٦ و٦٧.
(٩٤) المرجع نفسه: ٦٦.
وهناك مجموعة من المعجزات ذات قيمة
تنبُّئية، وهي تدلُّ على أنَّ السماء وعلى الخصوص السيِّدة العذراء، هما في جانب
المسيحيين ضدَّ الموريسكيين، (وقد أحسَّت السيِّدة مريم كإهانة لابنها وإليها
شخصياً وجود هؤلاء الآخرين على الأرض الإسبانية، وتنتظر هي الأُخرى بقلق وحيرة
طردهم النهائي؛ ويُذكر أيضاً أنَّه في كنيسة نوتردام دوركارمان (Notre Dame du
Garmen) بسرقسطة(٩٥).
ثمّ تسترسل الروايات عن المعاجز الأُخرى، إذ إنَّه (وخلال السنين الأُولى للقرن
السابع عشر، أخذ تمثال السيِّدة العذراء في البكاء لقد بكت (٢٤) ساعة، ابتداءً من
خميس الأسرار إلى لحظة وضع القربان المقدَّس فوق مذبح الهيكل، وهذا حتَّى انتهاء
الحفل)(٩٦).
وسخَّروا معجزة أُخرى بحسب كلامهم تتضمَّن إشارة إلى عصيان الموريسكيين، وبالتالي
حتمية طردهم، إذ إنَّه في سنة ((١٥٢٦م) كان تمثال آخر للسيِّدة العذراء من توبت
(Tobet) من الأقلِّية بكاتالونيا (Catalogne) بمملكة أراقون، محلّى بجواهر عظيمة
ورائعة أخذ ينضح عرقاً خلال (٣٦) ساعة، وهذا حسرة على تنكُّر الموريسكيين في
المستقبل، وهم الذين تمَّ تعميدهم، إنَّ قطران العرق كانت كثيرة إلى درجة أنَّها
ملأت كأساً، أصبحت حتَّى سنة (١٦١٠م) محلّ إجلال واحترام المؤمنين)(٩٧).
ونكتفي بتلك العلامات التي تدلُّ عندهم على اقتراب تخلُّصهم من الموريسكيين، وما
رافقه من معجزات تدلُّ على قرب خلاصهم منهم.
٢ - المنقذ المسيحي عند الإسبان:
إنَّ صفة المنقذ عند الإسبان انصبَّتْ على وقتهم، ولم تأخذ بعداً دينياً بالنسبة
للمسيحية ونظرتها للمنقذ نتيجة للاشتراك الثقافي النسبي أحياناً والكبير أحياناً
أُخرى، فإنَّ الإسبان ونتيجة لحسّاسية الموضوع، ولتعلُّقه بالحياة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٥) المرجع نفسه: ٦٧.
(٩٦) المرجع نفسه.
(٩٧) المرجع نفسه: ٦٨.
السياسية، ووجود كلا الطرفين على
الأرض المتنازع عليها، فقد أثَّر -ولو بشكل محدَّد على تفكير علمائهم بحسب ما فهمنا
من النصِّ الوارد أدناه-، إذ بعد مراسلات قام بها أحد علمائهم ويُدعى (قادالاجار)
على موريسكي، إذ إنَّه قال: (إنَّ المَلِك الذي يُهدِّدنا به العربي، يجب أن يكون
مسيحياً، وسوف يأتي ليأخذ بيت القدس أين سيتوفّى؟ وسوف تنتصر بفضله كلمة الله،
وسينتج عن ذلك أكبر المصائب للمحمّديين)(٩٨).
فهو يؤمن أو مقتنع بظهور المَلِك المنقذ بالنسبة للمسلمين، إلَّا أنَّه يرى أنَّ
هذا المنقذ وبحسب اعتقاده يكون بجانب المسيحيين وليس ضدَّهم، إذ إنَّ فكرة المنقذ
موجودة لديهم إلَّا أنَّ الاختلاف في أيِّ طرف يكون (وسوف يكون للأشخاص والأمكنة،
في نطاق هذا التصوُّر التاريخي ومن الجهتين، نظائر متطابقة، ويظهر ذلك في حالة
انتظار شعب لشخص فوق الطبيعي، وسوف يتمكَّن حسب الموريسكيين من تجميع عنف
المضطهدين، حيث سيتقمَّص التدمير ليفتح بواسطته عصراً طويلاً من السلم، ونجد نفس
الانتظار عند المسيحين، لكن في اتِّجاه معاكس)(٩٩).
أمَّا ما يخصُّ شخصية المنقذ المسيحي، فنتكلَّم أوَّلاً عن:
١ - اسمه وشخصيته:
تُعَدِدُ الرواية الإسبانية مجموعة من المنقذين والمخلِّصين الذين حفلت بهم المصادر
التاريخية الإسبانية، الذين فرضهم عليهم واقع صراعهم مع الموريسكيين، واختلفت
أشخاصهم وتعدَّدت أدوارهم، فمنهم من يرى أنَّه يُدعى:
أ - الانكوبيارتو (El encabierto) أو يُسمّى أوسترو (Austro) الذي سوف يأتي بالنجاة
للمسيحيين، ولكنَّه سوف يُبيد ذرّية هاجر(١٠٠)،
الذي يُسمّى بالنسبة للمسيحيين تارةً دون جوان (Don Juan) ملك النمسا، وتارةً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٨) ظاهرة التكهُّن/ لوي
كاردياك: ١٣٢.
(٩٩) المرجع نفسه.
(١٠٠) المرجع نفسه: ١٣٢
و١٣٣.
فليب الثالث (Fhilippe)، فهو أيضاً
ملقَّب بداود الجديد، حيث إنَّ داود هو أكبر مَلِك لعصر الأب المسيح، وإنَّ داود
الجديد هو مسيح عصر الابن على الوجه الأكمل، ولافتتاح عهد (الألف سنة) الذي يُمثِّل
سلطان الروح يُنتَظر بروز داود جديد تماماً سوف تتجسَّم فيه في نفس الوقت السلطتان
الزمنية والروحية(١٠١).
ب - المَلِك فيليب الثالث: وكما أسلفنا سابقاً فإنَّ نبوءاتهم كانت تُمثِّل صراعهم
مع الموريسكيين، فعلى هذا الأساس فإنَّ نبوءاتهم قد اختارت شخص فيليب الثالث الذي
يطرد الموريسكيين، ويمحق العالم الإسلامي(١٠٢).
ج - المستتر: لا نريد أن نسترسل كثيراً في مجال تأثير شخصية المسلم المنقذ على
المنقذ الإسباني، لكن الملفت للنظر في تراثنا الإسلامي أنَّ المنقذ المهدي (عليه
السلام) الغائب هو بنفس المعنى بالنسبة للقب المنقذ الإسباني، وهنا يقوم المنقذ
بجلب النجاة (للمسيحيين ويقضي على سلالة أقار، وعليه فإنَّ ذرّيته سوف تسقط ويلحقها
العار)(١٠٣).
وبالنتيجة فإنَّ جهود المنقذ المسيحي سوف تنصبُّ على دخول عدد كبير من الأتراك،
وسوف يعتنقون المسيحية، وأنَّه قبل سنة (١٥٧٥م) سوف يقضي على احتلالهم(١٠٤).
٢ - مواصفات المنقذ المسيحي:
لم تُزوِّدنا المصادر الإسبانية - بحدود اطِّلاعنا - بمواصفات مفصَّلة للمنقذ غير
الذي ذُكِرَ حول شخصية المستتر فقط دون الآخرين، ومنها أنَّه (ذو قامة جميلة، وسحنة
بيضاء، وكان يتكلَّم بالكلمة السهلة والصادقة، وهو يُحِبُّ العدل، وعدوّ العرب،
تُجمِّله عينان زرقاوان، وله مشية جميلة، ويداه نظيفتان، وبصمات يده واضحة جدّاً
وملوَّنة، وأصابعه ضامرة، وأظافره جميلة قصيرة، وأعضاء جسمه رشيقة، ويتمتَّع بأخلاق
نبيلة، وهو يشبه المَلِك داود في حياته)(١٠٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠١) المرجع نفسه: ١٣٤.
(١٠٢) الموريسكيون
الأندلسيون/ لوي كاردياك: ٦٥.
(١٠٣) المرجع نفسه.
(١٠٤) المرجع نفسه.
(١٠٥) الإرشاد/ المفيد ٢:
٣٤٠.
ثالثاً:
المنقذ الإسلامي:
يُعَدُّ المنقذ أو المخلِّص أو المهدي المنتظر وغيرها من الصفات كلُّها صفةً للإمام
محمّد بن الحسن العسكري (عليه السلام). وقد دلَّت الأحاديث النبوية عن الرسول (صلّى
الله عليه وآله وسلّم)، وهي مستفيضة كثيرة، نذكر منها قوله (صلّى الله عليه وآله
وسلّم): «لن تنقضي الأيّام والليالي حتَّى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمه
اسمي، يملؤها عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(١٠٦).
وهو بالتحديد من ولد فاطمة (عليها السلام) بحسب قول الرسول (صلّى الله عليه وآله
وسلّم)، إذ قال: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة (عليها السلام)»(١٠٧).
والكلام حوله أشهر من أن يُذكر هنا(١٠٨).
أمَّا عند الموريسكيين ومنقذهم، فنحاول أن نلمَّ بكلِّ ما استطعنا أن نجمعه حوله من
معلومات نزرة جدّاً تراوحت بين شخصيات مختلفة تنوَّعت أسماؤها بين مخلِّص ومنقذ
ومَلِك، وصولاً إلى صاحب النعوت السابقة، وهو المسمّى عندهم (الفاطمي) نسبةً إلى
السيِّدة الزهراء (عليها السلام)، والتي هي نقطة ارتكاز بحثنا المتعلِّق بالمنقذ،
والتي تشير إلى الإمام (عليه السلام)، وسنُفصِّل القول في كلِّ ما يتعلَّق به
وبتعدُّد شخصيته ومواصفاته وانحداره.
وقبل ذلك علينا أن نعلم أنَّ ابتعاد الموريسكيين عن نقاء تعاليم دينهم - وكما أشرنا
سابقاً - أبعدهم عن فهم حقيقة المنتظَر في الديانة الإسلاميَّة نوعاً ما، فمع تشويش
أفكارهم الدينية وسطوة محاكم التفتيش وأثرها في ذلك، واختلاط مفاهيم الديانة
المسيحية والإسلاميَّة في بعض الأحيان - وهذا ما تراه في الألواح الرصاصية، كمثل
قولهم في كلمة التوحيد: (لا اله إلَّا الله): (يسوع روح الله) -(١٠٩).
إلَّا أنَّ تلك الضبابية حول المنقذ ونسبه وشخصيته قد تغلَّبت على تلك الصعاب،
وبقيت شخصية الإمام (عليه السلام) راسخة في أذهانهم ولو بالإطار العامِّ، لقوَّة
تراث تلك الشخصية وأثرها في التراث الإسلامي، والتي تتماشى مع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠٦) إلزام الناصب/
الحائري ٢: ٤٢٤.
(١٠٧) للمزيد يُنظَر:
موسوعة الغيبة.
(١٠٨) ناصر الدين/ الحجري:
٣٧.
(١٠٩) الإرشاد/ المفيد ٢:
٣٤٩.
نصرة المظلوم، ووضع حدٍّ لاضطهاد
الفقراء، ولكثرة ما صدر عن صاحب الشريعة حولها، وأثر أصحابه (رضي الله عنهم) في نشر
تلك الفكرة، لاسيّما الإمام عليّ (عليه السلام) الذي يُعوِّل عليه الموريسكي بنشره،
وهو الذي أثنى عليه حتَّى الإسبان في كتاباتهم عنه، لما يجدونه في كتب الموريسكيين
المسلمين من مدح له، لكلِّ ذلك لم تُمْحَ شخصية الإمام المهدي (عليه السلام)،
وظلَّت تتداولها الألسن مع بعض الضبابية عليها كما أوضحناها، وسنتدرج في ذكر ما
يتعلَّق بشخصية المنقذ وصولاً إلى إتيان شخصية المنقذ للإمام المهدي (عليه السلام).
أمَّا أهمُّ المنقذين الذين توجَّهت إليهم علامات الإنقاذ والخلاص، وهي بأغلبها
إشارة إلى منقذهم ومخلِّصهم، والتي تدلُّ على الشخص المنتظَر الموعود، وإن لم
تُصرِّح باسمه، بل بألقابه، وهو عين ما نجده في الأحاديث والروايات الإسلاميَّة
المشرقية، لاسيّما عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، والتي نهت عن الإفصاح عن
اسمه، بل اكتفت بالإشارة إليه بصفاته (عليه السلام) وأسماء تدلُّ عليه، فعن داود بن
القاسم الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن عليَّ بن محمّد (عليهما السلام) قال: «الخلف
من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟!»، قلت: ولِمَ؟ جعلني الله فداك.
فقال: «لأنَّكم لا ترون شخصه، ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه»، فقلت: فكيف نذكره؟ قال:
«قولوا: الحجَّة من آل محمّد (عليه السلام)»(١١٠)،
وغيرها أحاديث كثيرة.
رابعاً: أصحاب المنقذ:
بالنسبة للمنقذ في فكر الموريسكيين، ورغم تعدُّد شخصياتهم، إلَّا أنَّنا نجد أنَّ
الموريسكيين وعند الكلام عن منقذهم وعن أصحابه من خلال النبوءات التي تحدَّثت عن
منقذهم، نراهم يذكرون بعض أصحاب المنقذ المنتظَر لديهم، ذاكرين موطنهم وبالتحديد
بلاد البربر، واختيار أفريقيا بالنسبة للنبوءة الموريسكية تتلاءم مع مخيَّلته في
اللاشعور بالسند والمدد الآتي من نزوحهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١٠) إلزام الناصب/ الحائري ٢: ٢٠١.
وهجرتهم الأُولى في الشمال
الأفريقي، لأنَّها ترتبط ارتباطاً مباشراً بإنقاذ الموريسكيين تاريخياً، لذلك عند
الحديث عن المنقذ لم تتجاوز عقلية الموريسكي حدود ونطاق وجوده الجغرافي، إلَّا أنَّ
الملفت للنظر في هذه النبوءة أنَّها تطابقت تماماً مع الرواية المشرقية، إذ إنَّ
الأخبار عن أصحاب الإمام (عليه السلام) كان عن طريق الإمام عليٍّ (عليه السلام)،
والنبوءة حول منقذ الموريسكيين وأسماء أصحابه كانت أيضاً عن طريق الإمام عليٍّ
(عليه السلام) الذي أحبَّه الموريسكي، وأصبح أقرب المقرَّبين إليهم بعد الرسول
محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١١١).
وخلاصة النبوءة حول أصحاب المنقذ أنَّه الذي أسمته النبوءة الفاتح، (إنَّه سيجي
الفاتح إلى حصن داماس (Damas)، وسيقدم بصحبته قادة عظام من البربر: الشريفي
(Xerife)، وعيدار (Eidar)، وزيد الأسمر (Zyyd el Moreno)، ويحيى الفريد (Yahaya el
farid)، وعبد السلام (Abdl celem)(١١٢)،
ويبدو أنَّ هذا النظير ذو مكانة خاصَّة عند أقرانه، إذ إنَّه كان يُوصَف بقوَّته
الجسمانية، إذ تذكر النبوءة أنَّه (سيبرز بقوَّة ذراعيه العارية بين الناس أجمعين)(١١٣).
خامساً: وقت الظهور للمنقذ:
تُحدِّد الرواية الإسلاميَّة ظهور المنقذ المتمثِّل في الإمام المهدي (عليه السلام)
بعلامات خاصَّة منها كبرى ومنها صغرى، ومنها بعض العلامات المتفرِّقة التي تنبأ عن
اقتراب ظهوره المبارك، ولم يقترن الظهور المبارك بوقت معلوم.
أمَّا بالنسبة للنبوءات والروايات الموريسكية فقد حدَّدت أماكن أزمنة مختلفة
لمنقذها، فأوَّل هذه النبوءات كانت تُؤكِّد على خلاص المسلمين على لسان الرسول
محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) برواية الإمام عليٍّ (عليه السلام) في الأندلس،
إذ تقول الرواية: في العام الذي يوافق مطلعه يوم سبت(١١٤)
في عام كبيسة على وجه التحديد(١١٥)،
وهو الخلاص الأبدي الذي أخبر به الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الإمام
عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام)، إذ تقول النبوءة: (كما أنَّ العام الكبيس الذي
طال الشوق إليه بدأ في يوم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١١) وقائع ثورة
الموريسكين/ كارباخال ١: ٢٢٨.
(١١٢) المصدر نفسه.
(١١٣) الغيبة/ النعماني:
٣٠٠.
(١١٤) وقائع ثورة
الموريسكين/ كارباخال ١: ٢٤١.
(١١٥) المصدر نفسه.
سبت، وهو عينه الذي أخبر محمّد
(صلّى الله عليه وآله وسلّم) صهره عليّاً (عليه السلام) أنَّ ربَّنا سيُرسِل فيه
الغوث لعائلته)(١١٦).
وتأتي نبوءة أُخرى أكثر تحديداً للتاريخ، تُؤرِّخ نزول السيِّد المسيح (عليه
السلام) المتزامنة والمرادفة مع ظهور المهدي (عليه السلام) في الرواية الإسلاميَّة،
ومحدِّدة مكان الظهور من منطقة الجوف، إذ تذكر النبوءة تاريخاً مبهماً علنياً إلَّا
أنَّه مفهوم لديهم، فتقول النبوءة ذات اللغة المرتبكة: (وفي عوم أربعة يكون إلَّا
رومت إلى الترك، وبعد ذلك يأتني رجل شديد يد يد نصرته بعد يد كبيراً، فيا أهلي
الإسلام كوناً على حضار، في ذلك أزمان قد قريب كالبنيان المرصوص إلَّا أنَّ هذه
الزمون إلَّا برّاً له أن يظهر كما ظهر من قباً له، وأنَّ جميع هذه الأُمور يكون
ابتدوها في عام اثنان وتسعمائة في أرض الجوف، ويدوم حتَّى الأعام ستَّة وأربعون
عجام وإلى خروجه، والشروط المذكرة وهي قللة أو قللة العليم وقليلة القراءة حتَّى
يزلى عيسى بن مريم)(١١٧).
والملاحظ على بعض النبوءات أنَّها قد خطفت العلامات الكونية أو ذات الجغرافية
المحدَّدة في مناطق معيَّنة حدَّدتها الروايات الإسلاميَّة الأصلية، وأخذوا يسلبون
محتواها ويُطبِّقونه على بلدهم ومُدُنهم، إذ وكما ألمحنا سابقاً أنَّ الغرض من هذه
النبوءات هو التوصُّل إلى خلاص من واقعهم من خلال تحفيزهم على الثورة، وهذا ما نجده
على أرض الواقع، إذ تذكر إحدى الروايات التاريخية التي تخصُّ ثورة الموريسكيين
أنَّهم اعتمدوا تلك النبوءات في الثورة حتَّى قرَّروا إطلاق صيحة الثورة في ليلة
فاتح يناير لعام (١٥٦٩م)، لأنَّ النبوءات التي رجعوا إليها في كتبهم وعدت باسترجاع
غرناطة من طرف أبناء الإسلام في نفس اليوم الذي ضاعت فيه)(١١٨).
أمَّا أهمُّ ما أُشير إليه من المنقذين وإن اختلفت أدوارهم وتنوَّعت أسماؤهم، فهم:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١٦) (Analabarta،
Archivos Moriscos.P).
(١١٧) تاريخ ثورة
الموريسكين/ خوسي مونيوث: ١٠٥.
(١١٨) ظاهرة التكهُّن/ لوي
كاردياك: ٢٣٣.
١ - السيِّد الكبير: ذكرته الروايات
الموريسكية جاعلة مهمَّته حمايتهم من الطرد، وأطلقت عليه لقب السيِّد الكبير الذي
كان منتظراً قبيل الطرد نفسه ليأخذ الموريسكيون تحت حمايته، ويُمكِّنهم من عبور
أزمنة المحنة بأكثر سهولة(١١٩).
٢ - المَلِك: ذكرته الكتابات الموريسكية التي تنبَّأت بالمنقذ المخلِّص لهم من بطش
الإسبان وتخلّيهم من واقعهم المتمثِّل بعملية الطرد، إذ أكَّدت التنبُّؤات أنَّهم
أقرّوا بما أنتجته أيديهم من ابتعادهم عن الدين وانحيازهم إلى ملذّات الدنيا،
فسلَّط الله عليهم ملوك الإسبان، ليعاقبوهم بما كسبت أيديهم بقسوة بالغة، غير أنَّ
الله تعالى وعلى لسان الموريسكيين سيُخلِّصهم على يد مَلِك يُظهِر دين الله تعالى
الإسلام على البسيطة كلِّها، والنبوءة جاءت بعد مناظرة (قوادالاخارا اي كزافي) لسنة
(١٦١٦م) والخاص بمراسلة كتبها أحد المورسيكيين الغرناطيين الذي طُرِدَ إلى مدينة
الجزائر والمسمّى مولينا (Molina) إلى أحد سُكّان مدينة تروخيلو (Trajillo)
الإسبانية دون خيرونيمو دي لويزا (Don Geronima de Louysa).
وهذا نصُّ المحاورة: (لتعتقد فضيلتك وأنَّ الطرد لم يكن من عمل مَلِك إسبانيا، بل
هو نتاج عن وحي إلهي، فلقد رأينا هنا بالفعل تكهُّنات ترجع من بلادكم، ومن أجل ذلك
سوف يغرس هذه الفكرة في عقل المَلِك وعقول مستشاريه، وإنَّ عدداً كبيراً من ذوينا
سوف يهلكون برّاً وبحراً، وباختصار كلُّ ما حدث فعلاً كما تنصُّ هذه التكهُّنات على
أنَّ الله تعالى سوف يأخذ على حسابه أقلّ إهانة على العالم كلِّه، وتعجز عنه الحصار
والمدافع)(١٢٠).
ويبدو أنَّ (قوادالاخارا) قد تأثَّر بالنبوءات الإسلاميَّة كما أسلفنا، وأراد أن
يسحب البساط من المسلمين في انتظار منقذهم وتسخيره لصالح معتقداتهم المسيحية، فنراه
يُفنِّد أُطروحتهم قائلاً في ردٍّ على الموريسكي الآنف الذكر: (إنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١٩) المرجع نفسه: ١٢٧
و١٢٨.
(١٢٠) الموريسكين/ لوي
كاردياك ١: ٢٢٧.
المَلِك الذي يُهدِّدنا به العربي
يجب أن يكون مسيحياً، وسوف يأتي ليأخذ بيت المقدس، أين سيتوفّى؟ وسوف ينتصر بفضل
حكمة الله، وسينتج عن ذلك أكبر المصائب للمحمّديين)(١٢١).
٣ - عدوُّ الملحدين: هكذا وُصِفَ هذا المنقذ الموريسكي من قِبَل الإمام عليِّ بن
أبي طالب (عليه السلام) في إحدى النبوءات التي تنبَّأ فيها بمصير جزيرة الأندلس،
ويُقدِّم له بعلامة كبرى هي من علامات الظهور، والنبوءة تقول: (ويحلُّ موسم الحصاد
عندما يظهر أحد الشُّهُب معلناً مجيء الخير والحرّية، سوف تهدأ القلاقل ويخرج أهل
مكَّة (Meca)، ويأتي عدوُّ الملحدين من أراضي (Haraje) التي تقع باتِّجاه الشرق من
ممالك اليمن (Yamen)، وسوف يفتح أرض سبتة (Ceuta) والقصر (Alcazar) وطنجة وأرضي
السودان، ثمّ يهبط غرباً بصبحة جيوش ضخمة من الأتراك، ليستعمر قاطني تلك البقاع،
وهم سادة ظالمون وكافرون يعبدون أرباباً كثراً، وستعود المملكة بأسرها للانقياد إلى
رسول الله، وستُعظَّم فيها الشريعة، ويستحوذ سلالة من يعبدون إلهاً واحداً على جبل
طارق الذي ترجع إليه أُصولهم وبداية دخولهم، ولا بدَّ من العودة إليه)(١٢٢).
٤ - المَلِك الرفيع الشأن: وهو نعت آخر للمنقذ المنتظَر عند الموريسكيين، وصفته
النبوءة بأنَّه (ملكاً رفيع الشأن، خفي، هامَّته أعلى من الجبال، يضرب البحر بيده
فينفلق، ويخرج منه جسر)(١٢٣)،
ويكون ظهور هذا المَلِك بعد عدَّة مصائب عظيمة تقع على كاهل الموريسكيين.
٥ - السلطان: وهو وصف آخر للمنقذ الذي وعد به التراث الموريسكي أبناءهم من أجل
تخليصهم من معاناتهم، فسوف (يظهر سلطان كبير من العرب، وسيحميهم، وأنَّ هذا
الموريسكي يعرف شخصياً أنَّ هذا السلطان سوف يأتي)(١٢٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢١) وقائع ثورة
الموريسكين/ كارباخال ١: ٢٢٧.
(١٢٢) المرجع نفسه ١: ٢٣٨.
(١٢٣) الموريسكيون
الأندلسيون/ لوي كاردياك: ٦٣.
(١٢٤) المرجع نفسه.
٦ - ابن الجزيرة: وهو الذي وعد به
الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يسمه، بل أعطاءهم مواصفاته، وفي حالة
معرفته عليهم باتِّباعه لإنقاذهم، بعد معاناتهم وظلمهم من الإسبان، واعداً إيّاهم
بالفرج، (غير أنَّ الله سوف يخلق في هذا الزمان ابن للجزيرة، وإنَّ إيّاه سيكون
رجلاً أصمّ ووالدته امرأة ذات عينين زرقاوين، وإنَّ أحد إخوته سيُولَد مختوناً)(١٢٥).
٧ - الفاطمي: وصلنا إلى مسك ختامنا حول الشخصية الحقيقية للمنتظَر الموعود، والتي
اقتبسنا منها الشخصية الموريسكية، كلُّ أُولئك المخلِّصين السابقين بصفات معيَّنة
وأسماء مستعارة وأماكن متفرِّقة لظهوره وإمكانيات محدودة معتدلة وخارقة أحياناً
أُخرى، وكلُّها أخذت تلك الأدوار من الشخصية التي بشَّر بها الرسول محمّد (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) لإنقاذ الأُمَّة، مقتبسين منها ما يلاءم تطلُّعاتهم الآنية،
وقد دارت شخوص منقذيهم حول هذه الشخصية الإسلاميَّة الأصلية.
وربَّما كانت شهرة الموعود المنتظَر (عليه السلام) وما تناقلته الروايات
الإسلاميَّة المنقولة عن الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هي الدافع وراء
التشبُّث بذلك الأمل، محاولين التخلُّص من واقعهم المرير الذي عاشوه، بواسطة ذلك
الأمل المنشود. ونظراً لظروف الموريسكيين الآنفة الذكر فقد أُجبروا بطريقة أو أُخرى
على الابتعاد عن أصالة مرويّاتهم التاريخية الإسلاميَّة التي تخصُّ العقيدة، أو
ربَّما شُوِّهت، وبعدَّة عوامل:
منها: ما قام به الإسبان من حظر لكلِّ ما يمتُّ للإسلام وللعروبة بشيء داخل شبه
جزيرة ايبريا بواسطة محاكم التفتيش والقرارات الصادرة من ملوكهم التي تساند محاكم
التفتيش بقراراتها المجحفة على الموريسكيين ومساندتهم لها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢٥) المرجع نفسه: ١٣٧.
ومنها: منع التعلُّم باللغة
العربية، وهي السبب المباشر بابتعادهم عن دينهم، وكما قال موريسكي مجهول: (إنَّ
الذي يفقد لغته العربية، يفقد في نفس الوقت دينه)(١٢٦).
وبعد كلِّ الذي حصل تجاه المسلمين إلَّا أنَّ شخصية المهدي المنتظَر (عليه السلام)
بخطوطها العريضة وتراثها الأصيل لم تندثر، وتوجَّهت إليها الأنظار شاخصة، ليبقى
أصلهم الذي تَحْدوا إليه أبصارهم، وقد ذُكِرَ منهم وعُرِفَ على أنَّه (الفاطمي)
نسبه إلى السيِّدة البتول فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وذُكِرَ في أكثر من موضع
بعد أن مُهِّد له بعلامات للدلالة على ظهوره المبارك، فأكَّدوا أنَّه ينتمي إلى
العرب والعروبة، فقد ذكر (ازناركاردونا) أنَّ العرب الذين يعيشون في سيارا دو
كورتاس (Sierra de Cortes y Aguar) ينتظرون قدوم أحد المحرِّرين، وسيكون الفاطمي
أحد شخصياتهم المجهولة عندما كان يحارب المَلِك جايم (Jaime). لقد كانوا يعتقدون
وما زالوا متعلِّقين بفضل رواية، مؤكِّدة...، ومفادها أنَّ العربي الفاطمي سوف يقدم
ليُحرِّرهم ويقتل المسيحيين، وسوف يقدم على حصان أخضر، ويتوغَّل في هذه الجبال(١٢٧).
وسيكون خروج هذا المنقذ مواجهة الشرق بحسب النبوءات الموريسكية، (من هناك من تامور
(Tamor) وهي بلاد في المشرق تقع في مقاطعة شيم (Xem) سيبجي الفاتح(١٢٨).
ونتيجةً لقدومه من مشرق الأرض التي نزح منها آباؤهم وموطن رسولهم الكريم (صلّى الله
عليه وآله وسلّم)، لذلك فإنَّ أصله يُنسَب إلى ذلك المكان المقدَّس لديهم، بعد أن
تذكر علامات ظهوره بقولهم: (إنَّ علامة النحس الذي ينزل على النصارى يكون إذا أخذ
المشرفي مدينة البحر)(١٢٩).
وقبل نزول السيِّد المسيح (عليه السلام) كان الموعد لهم مع مخلِّصهم الذي أُشير له
هذه المرَّة برجل شديد(١٣٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢٦) المرجع نفسه: ٦٣.
(١٢٧) وقائع ثورة
الموريسكين/ كارباخال ١: ٢٢٨.
(١٢٨) ناصر الدين/ الحجري:
٢٥.
(١٢٩) (Analabarta،
Archivos Moriscos.P).
(١٣٠) ناصر الدين/ الحجري:
١٩٤.
وبحسب قراءة نصوص آخر الزمان والعلامات الدالَّة على الظهور المبارك، من خلال المرويّات الموريسكية عن اعتناق الناس لدين واحد، إذ يقول الحجري: (إنَّه سيكون في زمن الفاطمي، لأنَّه صحَّ عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما يجدها ملأ جوراً وظلماً)(١٣١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣١) المصدر نفسه.
دور العقيدة المهدويَّة في تفكيك ظاهرة الإلحاد
الباحث مهند مضر رؤوف الحبّوبي
معلم جامعي - جامعة الكوفة - كلية الآداب
بحث مشارك في مسابقة خاتم الأوصياء (عجّل الله فرجه) للإبداع الفكري وحاز على المركز الثامن
المقدّمة:
شغلت القضيَّة المهدويَّة مساحة واسعة من ميدان العقيدة الإسلاميَّة، ذلك لما لها
من ثقل كبير رسَّخته النصوص الشريفة من كتاب وسُنَّة.
وجاء الاهتمام بها من قِبَل المسلمين بمختلف درجاتهم المعرفية انسجاماً مع هذا
الاهتمام التشريعي.
ويُضاف إلى ذلك، ما تمتَّعت به القضيَّة من ارتباط عاطفي وزخم معنوي باعتبارها أمل
جميع الأحرار والمستضعفين في بلوغ وتحقُّق وعد الله تعالى، والخلاص من رِبْقَة
الظلم، وطلب دولة يملؤها المنقذ العالمي قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً.
لذا فمن نافلة القول: إنَّ الكتب والدراسات والنشرات والدوريات البحثية كانت ولم
تزل، تهتمُّ بالقضيَّة المهدويَّة حتَّى صارت تربو على الخمسة آلاف كتاب(١).
وكان لكلِّ كاتب فيها اهتمامه الخاصّ، فمنهم (ونحن هنا لسنا بصدد جمع أصناف
المؤلِّفين) من اهتمَّ باستشراف المستقبل ودفعه حبُّ الفضول الفطري إلى البحث في
الكتب عن أخبار الفتن وأشراط الساعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) يُنظر: أبحاث حول المهدويَّة/ الشيخ نجم الدين الطبسي: ٧/ إلى وقت طبع المرجع المذكور/ عام ٢٠١١م.
ومنهم من أُعجب بشخصية المنقذ
الموعود، فدعاه تعلُّقه إلى تقصّي أخباره والتعرُّف على شمائله وأحواله.
ومنهم من عرف المنقذ بمهديته وعرفه بإمامته فأحبَّه واعتقد به وصار يكتب دفاعاً عن
عقيدته فيه وتعريفاً للناس بمقامه القدسي.
ولا شكَّ، أنَّ هذا الصنف الأخير من الكُتّاب المهدويين، المهتمّين بالبعد
العقائدي، قد أفادوا القضيَّة المهدويَّة وساعدوا على توسعة دائرتها المعرفية لدى
الناس، فكان للمواضيع المطروحة في الكتابات والأبحاث المختصَّة في غَيبة الإمام،
وفي تعليلها، وبحث مسألة طول عمره (عليه السلام)، وإثبات ولادته، وجمع الأحاديث
المستفيضة الواردة بشأنه، الأهمّية الكبيرة في تعزيز المعرفة والثقافة المهدويَّة،
حتَّى لو تكرَّرت عناوينها ومضامينها. وفي هذا دليل على أنَّ القضيَّة المهدويَّة
نابضة بالحياة والسؤال عنها لم يفتر ساعة واحدة.
وفي ما يخصُّ هذا البحث، فإنَّ موضوعه لا يخرج أيضاً عن البعد العقدي، لكن من زاوية
أُخرى قد تبدو غير مألوفة بالنسبة للأبحاث المهدويَّة السابقة، فقد تناول البحث
موضوعاً من المواضيع الشائكة والحسّاسة على الصعيد العقدي، ألَا وهو موضوع ظاهرة
(الإلحاد)، فقد حاول البحث أن يُضيف جديداً إلى المكتبة المهدويَّة، ويُؤكِّد
توضيحاً مهمّاً مفاده أنَّ القضيَّة المهدويَّة ليست فكرة جامدة تبرز فقط عند زمن
ظهور الإمام (عليه السلام)، بل هي من الحيوية والقوَّة والتأثير ما يتناسب ومعالجة
مشاكل العصر وتحدِّياته، وظاهرة الإلحاد واحدةٌ من تلك المشاكل التي لا يستطيع
استيعابها وامتصاصها إلَّا العقيدة الربّانية المتمثِّلة بالعقيدة المهدويَّة.
وجاء البحث ليُقدِّم الموضوع بصورة أوَّلية لطبيعة المواجهة بين العقيدة المهدويَّة
والظاهرة المذكورة، فتناول الموضوع في عمومياته من دون الدخول في التفاصيل، وذلك
لسببين:
السبب الأوَّل: أنَّ موضوع البحث من
العناوين البِكر التي تُطرَح من أجل وضع لبنة أُولى في قضيَّة مهمَّة يُؤسَّس عليها
فيما بعد.
السبب الثاني: الاهتمام بعرض المشكلة كظاهرة سلبية من باب التذكير بخطورتها
والتحذير منها وإيجاد الحلول لها، ومثل هذا الأمر يتطلَّب التبسيط في المقال بالشكل
المناسب.
لهذا ابتعد البحث قدر المستطاع عن استخدام المصطلحات العلمية والتعابير المعقَّدة،
تاركاً الباب مفتوحاً للتعمُّق والدراسة للمتخصِّصين في هذا الشأن، لأهمّية الموضوع
وخطورته الملحَّة على الأجيال.
وقد اقتصر البحث على الإلحاد بمفهومه الاصطلاحي المتداول، وجاءت هيكليته في ذلك
مقسَّمة على ثلاثة فصول، بتسلسل متتابع، اهتمَّ الأوَّل بالتعريف بالظاهرة، والثاني
بعرض العقيدة ومحوريتها مع التقديم للعقيدة المهدويَّة ومقارنة عامَّة بين الظاهرة
الإلحادية والعقيدة الإلهيَّة، وجاء الفصل الثالث بتصوّر عام لآلية مواجهة العقيدة
المهدويَّة للظاهرة ودوره في تفكيكها.
وأخيراً نشكر الله على كلِّ نعمة، ونسأله الإقالة من كلِّ تقصير، وأن يجعلنا
مصداقاً لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً
وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرضِ
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ﴾ (آل
عمران: ١٩١).
الفصل الأوَّل: ظاهرة الإلحاد - تعريف بالهويَّة
توطئة:
تُعتَبر ظاهرة الإلحاد في حدِّ ذاتها ظاهرة تستحقُّ المتابعة والدراسة، مع أنَّها
ظاهرة شاذَّة وغريبة في مجتمعنا الإسلامي، ولا ترتقي إلى أن تتَّخذ شكل وطبيعة
الظاهرة الاجتماعية بخصائصها التي وضعها علماء الاجتماع من (جماعية، والتزام،
وتلقائية، وترابطية).
فقد ظلَّت عبر تاريخها في الإسلام
في نطاقٍ فردي وضيِّق؛ بينما استكملت أدوار نضجها حتَّى تضخَّمت كظاهرة اجتماعية
خطيرة في مجتمعات أُخرى، ويرجع الفضل في منعها وتحجيمها إسلاميّاً، إلى شغل العقيدة
الإسلاميَّة المساحة الكبيرة في وجدان المسلمين.
وكونها تقع ضمن الإطار العقائدي، كانت ظاهرةً عقديةً بامتياز. وهو ما دعا إلى
اعتماد العقيدة عاملاً رئيساً في مواجهتها والتصدّي لها.
وسيتمُّ في هذا الفصل محاولة لإلقاء نظرة للتعرُّف على ملامح هذه الظاهرة بتحديدها،
وعرضٍ موجز لتأريخها وروّادها، مع التحليل لمضمونها الفكري ونتائجها، والتعرُّض
لأهمّ أسبابها(٢).
الفصل الثاني: العقيدة المهدويَّة - امتداداً للدين الإلهي
توطئة:
تُعتَبر العقيدة الدينية روح أيِّ دين وسنده. ولمَّا كان الدين نقيضاً لفكرة
التحرُّر منه وعدم قبوله، كان للعقيدة الموقع الخاصّ في موقعة التحرّي عنه وإثبات
وجهة نظره. وإذا كانت المواجهة بين الدين السماوي والإلحاد حتميةً - وهي كذلك -،
فلا بدَّ أن يُمثِّل الطرفين الأُنموذجُ الكاملُ فيهما لإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه،
وليستطيع الباحث عن المعرفة والحقيقة الوصول إلى القناعة والاطمئنان قبل الاختيار،
ولتحقيق هذا الغرض كان لزاماً أن يُعقَد هذا الفصل في طلب العقيدة الأقرب في تمثيل
الدين الإلهي.
فموضوعية الطرح تُحتِّم التعرُّف على الدين السماوي من مظانِّه وإبداء الحكم على
أثره، فسجل المناظرات عبر التاريخ بما فيها المناقشات والحوارات العلمية، حافلٌ
بالوقوع في الفهم السلبي وإصدار الكثير من الأحكام المسبقة التي بُنيت عليها نظريات
ورُؤى ناقصة، وهو الذي وقع من أساطين الفكر الإلحادي في فهم وتعليل ومحاكمة الدين
كما سيأتي تباعاً(٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) تمَّ حذف الفصل الأوَّل
والمباحث العامَّة من الفصل الثاني لاقتضاء النشر ذلك، من يرغب من القرّاء الكرام
بالحصول عليها التواصل مع موقع المجلَّة.
(٣) تمَّ حذف البحوث
العامَّة في الفصل الثاني، لما تقدَّم في الهامش السابق.
العقيدة
المهدويَّة:
يُمثِّل الاعتقاد بالإمام المهدي (عليه السلام) الامتداد الطبيعي للعقيدة
الإسلاميَّة الحقَّة بركيزتيها: الكتاب والعترة، فهي القناة نفسها التي توصل إلى
توحيد الله تعالى بالمعرفة والعبادة، وتمثيله قائم لكِلا القناتين لحجّيته كإمام.
وترجع ميزة اعتقاد المكلَّف به (عليه السلام) إلى أنَّ العقيدة المهدويَّة تُمثِّل
الاعتقاد بالكتاب والعترة والتذكير بالعهد المأخوذ من الناس، وبالتالي تأمين الوصول
إلى التوحيد الأصيل من دون الوقوع في ملابسات الشرك والانحراف (الإلحاد).
والذي سيعني بقاء دين الإسلام منذ عهد آدم إلى عهد الخاتِم (صلّى الله عليه وآله
وسلّم) كما هو، ليكفل قطف ثمار الاعتقاد ودخول النعيم لمن يشاء الوفاء بعهده
الإلهي.
لهذا، ليس غريباً أن ترافق البشارات صاحبها (عليه السلام). ويكون بشارة العهدين(٤)
وبشارة القرآن(٥)
وبشارة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٦)،
ونقطة التقاء بين جمهور المسلمين(٧)،
ووعد الله، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ
كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ
الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ
هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
والذي في ذكره (عليه السلام) ورَد الحديث القدسي: «وبالقائم منكم أُعمر أرضي...،
وبه أجعل كلمة الذين كفروا بي السفلى وكلمتي العليا...»(٨).
والأثر التكويني بادٍ بشهادة أحاديث الاثني عشر.
فوجود الإمام المهدي (عليه السلام) هو الجواب الشافي لإدراك حديث الاثني عشر عند
الفريقين، والحصول على ثمرته بعد إنجاز الوعد الإلهي المرجوِّ بقيام دولته العادلة،
فعن الباقر (عليه السلام)، عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مِنْ وُلْدِيَ اثْنَا
عَشَرَ نَقِيباً نُجَبَاءُ مُحَدَّثُونَ مُفَهَّمُونَ، آخِرُهُمُ الْقَائِمُ
بِالْحَقِّ يَمْلأهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً»(٩).
وهو ما يُلقي بظلاله على ضرورة معرفة الإمام خوفاً من وقوع ميتة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) يُنظَر: بحوث مسيحية
متعلِّقة بالحسين والمهدي (عليهما السلام)/ (من مقالة العلَّامة المنار): ٢٢؛
الحقيقة المهدويَّة (دراسة وتحليل)/ السيِّد منير الخبّاز: ٧٣.
(٥) ذكر الشيخ نجم الدين
الطبسي (وهو من المشاركين في تأليف: معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام)):
ورود ما لا يقلُّ عن ثلاثمائة آية تفسيراً وتأويلاً ترتبط بالمهدويَّة، جمعناها في
الجزء السابع من معجم الإمام المهدي (عليه السلام). أبحاث حول المهدويَّة: ١١؛
يُنظَر أيضاً: معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام)/ مؤسَّسة المعارف
الإسلاميَّة/ الجزء السابع.
(٦) حتَّى وصلت الأحاديث من
التواتر والشهرة ما قُطِعَ بصحَّتها وصيرورتها من الواضحات، وفي هذا يُنظَر: أبحاث
حول المهدويَّة: ٤٥ - ٥٠.
(٧) يُنظَر: المرجع نفسه:
١١ - ١٣.
(٨) أمالي الصدوق/ أبو جعفر
محمّد بن عليِّ بن الحسين بن بابويه القمّي (الصدوق) (ت٣٨١هـ): ٤٥٠/ المجلس٩٢/ ح ٤.
(٩) أُصول الكافي/ كتاب
الحجَّة/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام): ٣٢٢/ ح ١٨.
الجاهلية بشهادة النبيِّ (صلّى الله
عليه وآله وسلّم): «مَنْ مَاتَ ولَيْسَ عَلَيْهِ إِمَامٌ فَمِيتَتُهُ مِيتَةُ
جَاهِلِيَّةٍ»(١٠).
وقد ذكر الشيخ الصدوق في وجوب معرفته (عليه السلام): (ولا يكون الإيمان صحيحاً من
مؤمن إلَّا من بعد علمه بحال من يؤمن به، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا
مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف: ٨٦)، فلم يوجب لهم
صحَّة ما يشهدون به إلَّا من بعد علمهم، ثمّ كذلك لن ينفع إيمان من آمن بالمهديِّ
القائم (عليه السلام) حتَّى يكون عارفاً بشأنه في حال غيبته، وذلك أنَّ الأئمَّة
(عليهم السلام) قد أخبروا بغيبته (عليه السلام)، ووصفوا كونها لشيعتهم فيما نُقِلَ
عنهم واستُحفِظَ في الصُّحُف ودُوِّن في الكتب المؤلَّفة من قبل أن تقع الغَيبة
بمائتي سنة أو أقلّ أو أكثر)(١١).
وبضمِّ ما بيَّنه المعصومون إلى ما أعلنه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن
الإمام المهدي (عليه السلام) ونهضته، فلا عُذر بعد هذا لمن أنكره (عليه السلام)،
ومن أنكره فقد حكم عليه الكثير من ابناء العامة بالكفر، فعن جابر بن عبد الله، قال:
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَنْ أنكر خروج المهديِّ فقد كفر بما
أُنزل على محمّد...»(١٢).
وعن الإمام المهدي (عليه السلام) نفسه في إحدى توقيعاته: «ومن أنكرني فليس منّي
وسبيله سبيل ابن نوح»(١٣).
وبالعودة إلى كلمات المعصومين (عليهم السلام) الواردة في إعظام شأنه وخاصَّةً ما
كان منها في الاستنكار على منكره (عليه السلام) كما في الحديثين المتقدِّمين، يمكن
القول: إنَّ إنكار المهدي (عليه السلام) مماثلٌ في المقدّمة والنتيجة لإنكار الله
تعالى، بمعنى أنَّ منكر الإمام والملحد بالله تعالى هما على حدٍّ سواء. فمن الناحية
العامَّة يكون هذا الإنكار إنكاراً لجميع الأديان، فـ (المهدويَّة بالمعنى العامّ
ضرورية بجميع الأديان، ومن أنكر هذا الأمر...، سيكون بمثابة الخروج عن جميع
الأديان، أي يصبح مثل هذا المدَّعي كمن لا دين له)(١٤).
والمهدويَّة بالمعنى الخاصّ، عقيدة إسلاميَّة بما سبق من النصِّ عليها. وقد ربط
الحديثان المتقدِّمان مسألة الإنكار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) المصدر نفسه/ باب من
مات وليس له إمام: ٢٢٣/ ح ١.
(١١) كمال الدين وتمام
النعمة/ الشيخ الصدوق (ت ٣٨١هـ) ١: ٣٠ و٣١.
(١٢) فرائد السمطين/
إبراهيم بن محمّد الجويني (ت٧٢٢هـ) ٢: ٣٣٤/ ح ٥٨٥.
(١٣) الاحتجاج/ أبو منصور
أحمد بن عليِّ بن أبي طالب الطبرسي/ (ق ٦هـ) ٢: ٥٤٢.
(١٤) المهدي المنتظر (عليه
السلام) (دراسة في المستجدّات)/ السيِّد محمّد الرئيسي: ٣٤.
بالكفر، وجاء الحديث النبوي صريحاً
بأنَّه بمثابة الكفر بخاتم الرسالات، وفي حديث الإمام (عليه السلام) تشبيه له بكفر
ابن نوح، وكِلا التمثيلين صورة لواحدٍ من أشدّ أنواع الكفر، وهو كفر الجحود الذي
ذكره الإمام الصادق (عليه السلام)(١٥).
كما أنَّ تحقُّق هذه النتيجة لا يستثني المسلم، بل هي في المسلم أشدُّ منها من
غيره، بحكم كثرة ما تردَّد عن القضيَّة المهدويَّة في سمعه، فالقضيَّة المهدويَّة
هي المعيار الذي يُميِّز الخبيث من الطيِّب.
وهذا التشابه العضوي بين إنكار الإمام والإلحاد بالله تعالى ينجرُّ أيضاً إلى
حالَتي الإلحاد في الشكِّ والجحود، فالشكُّ في وجود الإمام شكٌّ في وجود الله
تعالى، وإنكار وجود الإمام إنكار لوجود الله تعالى، لأنَّ الإمام (عليه السلام)
مظهر لفيض الله تعالى، وهو الدالُّ عليه.
فمن الواجب على كلِّ مسلم مهما كان توجُّهه الفكري والمذهبي أن يراجع ما يعتقده،
فإن لم يكن فيه القبول بالمهدي (عليه السلام) فكرةً ومضموناً فليُصحِّح مساره،
لأنَّ الاعتقاد بالمهدي (عليه السلام) اعتقادٌ بالتوحيد.
يُوضِّح القرآن الكريم هذه المسألة كحقيقة من الأصل التكويني بإرسال الباري أئمَّته
الهداة من غير انقطاع، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ
هادٍ﴾ (الرعد: ٧)، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا
كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ (الإسراء: ٧١). وسيتبع ذلك لزوماً اعتماد غيبته
والاعتقاد بها، فصارت الغَيبة هنا من صلب العقيدة الإلهيَّة. وشاءت الإرادة
الإلهيَّة أن تكون الغَيبة واقعة في صلب العقيدة بالله تعالى والاختبار بها،
وكأنَّها تذكيرٌ مع الفارق في احتجاب الخالق عن الخلق، وهي من المسائل التي طالما
تمسَّك بها الملحدون لدحض الدين بعد أن رفضوا الاعتراف إلَّا بالمادَّة دليلاً
عدمياً على عدم وجود الخالق.
وهنا مظهر آخر للارتباط بين المهدويَّة وبين العقيدة يقابله تنافرٌ بين المهدويَّة
والإلحاد، من حيث أنَّ غَيبة المهدي (عليه السلام) هي محلُّ ابتلاء وشكٍّ حقيقي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) يُنظَر: الفصل الأوَّل من البحث.
في اختبار عقيدة المؤمن بالله
تعالى. فهل يثبت على عقيدته ويكون قد ثبت على صدق إخلاصه لمبدأ الإيمان بخالقٍ لا
يراه؛ أو يُنكِر الغَيبة فيكون بذلك ملحداً لا يؤمن إلَّا بوجود المادَّة؟
وخطورة هذا المشهد أوضحته كلمات العصمة محذِّرةً من إنكار المهدي (عليه السلام)،
كما وردت أحاديث أُخرى تُشجِّع على الثبات وإعلان الولاء بالإيمان بفرج الظهور وذكر
ثواب الانتظار، ليكون انتظار الفرج عنصراً آخر في العقيدة مكمِّلاً للاعتقاد
بالغَيبة.
فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أفضل أعمال أُمَّتي انتظار الفرج من
الله (عزَّ وجلَّ)»(١٦)،
وعن الصادق (عليه السلام): «من مات منكم على هذا الأمر منتظِراً له كان كمن كان في
فسطاط القائم (عليه السلام)»(١٧).
وحتَّى قرن الله سبحانه بانتظار الفرج، فعن الرضا (عليه السلام) وقد سُئِلَ عن
الفرج: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي
مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: ٧١؛ يونس: ٢٠ و١٠٢]»(١٨).
وفي ذلك خَتم صاحب الأمر (عليه السلام) في المنقول عنه: «وأمَّا وجه الانتفاع بي في
غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبتها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض
كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء»(١٩).
مقارنة بين نقيضين:
بعدما تقدَّم عرضه، من المهمِّ التطرُّق للصفات والملاحظات المسجَّلة والمستنتجة
على الإلحاد كظاهرة تستحقُّ الدرس، ويمكن اختزالها في موضوعين رئيسين، هما:
المحدودية والعجز.
١ - محدودية الظاهرة:
اعتمدت ظاهرة الإلحاد منذ البداية على (المادّية) في استخلاص المعرفة، وانعزل الفكر
الإلحادي من البداية بجدار المادّية، وكان مطلوباً منه البحث عن إجابات خارج نطاق
المألوف لديه، وكان من الصعب أن يخرج من نطاق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) كمال الدين وتمام
النعمة/ الشيخ الصدوق ٢: ٥٨٤/ ب ٥٥/ ح ٣.
(١٧) المصدر نفسه: ح ١.
(١٨) كمال الدين وتمام
النعمة ٢: ٥٨٤/ ب ٥٥/ ح ٤.
(١٩) كتاب الغَيبة/ الشيخ
أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت٤٦٠هـ): ١٨٥.
المادّية إلى ما وراءها وفهم
إمكانية وجود (اللامادّية). ومع الانجرار في موجة (العقلانية) والانغلاق على ما هو
ملموس من دون فتح المجال للتفكير بما هو أبعد من ذلك. فكانت النتيجة اقتصارها على
المحدود، وهو الذي أدّى إلى ظهور الكثير من العيوب والإشكالات فيها، في حين أغفلت
عن قصد مجرَّد القبول في البحث عمَّا وراء هذه المادَّة.
وبقي المضمون الفكري لهذه الظاهرة محافظاً على نزعة صِدامية ضدّ الدين في الغالب،
مع أحكام مسبقة، من دون دراسة مستفيضة للتعرُّف على هوية الدين وتمييز الصحيح منه،
ومثاله موجود في كلمات منظِّريهم من قبيل كلمة الفيلسوف البريطاني برتراند راسل:
(إنَّني أظنُّ أنَّ كلَّ الأديان الكبرى في العالم -البوذية، الهندوسية، المسيحية،
الإسلام، والشيوعية- هي غير صحيحة ومؤذية على حدٍّ سواء)(٢٠).
وهذه النظرة المستعجلة تُسجِّل نقطة ضعف ونقص في فكر الظاهرة وأدبياتها انعكست
سلباً على دوافعها. وقد تُصيب العقلية الإلحادية في بعض حججها وإشكالاتها على أديان
معيَّنة، وهي تتبع لإشكالية التطبيق في الدين. لكنَّ هذا لا ينطبق على الدين
الأمثل، ومثل هذه القراءة تغييب للقراءة الفاحصة بشكل تؤاخذ عليه لاسيّما وأنَّها
صادرة من عقلية يُعْتَدُّ بها في المجال العلمي، تتبنّى العلم والطريقة التجريبية
في تحليل المعطيات. ولا يُعقَل أن يُلحَق دين كبير مثل الإسلام إلى جانب أديان
ومذاهب وثنية ومادّية منحرفة إلَّا أن يكون من باب التعميم في النظر وإضمار
المغالطات.
فهذه النظرة أسيرة المادَّة ومحدودية التفكير السليم. وألقت بظلالها على التصوّر
العامِّ للدين من المنظور الإلحادي، وهو ما قد عكسه الملحدون بما وضعوه من تفسيرات
مختلفة للدين منشؤها اتِّجاهاتهم ومنطلقاتهم الخاصَّة. فتفسيراتهم: النفسية
والفجائية والظرفية والاقتصادية والسلطوية والبراغماتية(٢١)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) لماذا لست مسيحياً/
برتراند راسل: ١١.
(٢١) يُنظَر: عقيدتنا/
الشيخ عبد الله نعمة: ١٩ - ٣٠.
واضحة التأثُّر بتلك الإرهاصات. ولم
يصلوا فيها إلى فهم عميق يجيبوا بواسطته - ولو تقريبياً - عن العلَّة الكامنة في
تواجد الدين داخل وجدان الإنسان منذ تأريخ ظهوره على الأرض. ولهذا إن كانت
التوجُّهات الفكرية للملحدين مقبولة في مجالات اختصاصهم، إلَّا أنَّها كارثية في ما
خصَّ الدين.
والفارق الواضح أنَّ الدين ظاهرة لكنَّها أكثر عمقاً وضاربة في الأصالة، لارتباطها
بخالق المادَّة وما وراءها(٢٢)،
وهو ما يكشفه عمقها العقائدي. ولهذا يُلاحَظ أنَّ محدودية المادَّة جعلت المادِّيين
يعملون للدنيا باحتمالية الفشل، وعدم التزام الدين بالمحدود، أتاح العمل فيه للدنيا
والآخرة. وهذا فرقٌ جليٌّ على مستوى النتيجة. فقد حاكى الدين الوجدان الإنساني كما
حاكى متطلَّبات المادَّة وظفر بالاثنين معاً. وهذا من منشأ قوَّته واتِّساعه، ففي
الوقت الذي لا يرفض الدين المادَّة كوسيلة مخلوقة من الباري وُضِعَت لأجل خدمة
الإنسان يرفض الإلحاد الدين ويتمسَّك بالمادَّة.
ولهذا عند الاستماع لقوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، يستطيع المتلقّي أن
يُدرك حقيقةً أنَّ الدين الإلهي ليس كما تُصوِّره العقلية الإلحادية من التسلطية
والتقييد، بل الحقيقة أنَّ اتِّصاله بالفاعل الحقيقي (الله سبحانه) منحه
الاستقلالية والقوَّة. ولذا فـ (الدين شيء لا يمكن الإكراه عليه، فهو من الأُمور
الوجدانية لا من الأُمور الخارجية، فالصلاة مظهر للدين، والحجّ مظهر للدين، وليس
هذا هو الدين، لأنَّ الدين أمر وجداني موطنه القلب، والقلب لا يمكن السيطرة عليه من
أيِّ قوَّة في العالم، فهو المنطقة الحرَّة الوحيدة في العالم كلِّه، لأنَّه مجموعة
من الوجدانيات والخواطر والمعتقدات، ولا يمكن لأحد التحكُّم فيها)(٢٣).
ولهذا السبب (كان يراود ثُلَّة من المفكِّرين -منذ عقود قريبة- حلم اضمحلال
الأديان، ولكن هذا الحلم لم يتحقَّق على أرض الواقع قطُّ، بل على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢) يُنظَر: رحلة عقل
(هكذا يقود العلم أشرس الملاحدة للإيمان): ١٧٣ و١٧٦.
(٢٣) الحقيقة المهدويَّة
(دراسة وتحليل)/ السيِّد منير الخبّاز: ٢١٧.
العكس فقد ظهر موج من الإقبال
المتزايد للشعوب نحو المعنويات في العالم المعاصر، وقد تجلّى هذا الموج بأنحاء
مختلفة في شرق العالم وغربه، ففي الغرب ظهرت ميول نحو المعنوية والعرفان، وفي الشرق
تبلورت اتِّجاهات نحو إحياء الأديان المحلِّية كما برزت بوادر التعصُّب، الذي يلعب
دوراً هامّاً في الحفاظ على هوية الأديان والشعوب)(٢٤).
٢ - عجز الظاهرة:
سبَّب اعتماد الإلحاد على الفلسفة في مضمونه الفكري، على مستوى التنظير والاستدلال،
أزمة هُوية بعد سلسلة من الوقوع في التخمينات والظنّيات، وفي كثير من الأحيان عدم
المقدرة على الإجابة (اللاأدرية). مع وجود المدارس الفكرية المختلفة الاتِّجاهات،
وكثرة الرموز في الفكر والعلم فيها دون الثبات على اتِّجاه واحد منها. والاعتماد
على الحسِّ والتجربة على أساس المشاهدات. وفي هذا السياق، أجاب (ج. ب. ستَرن)(٢٥)،
حول سؤال بشأن الإجابات الإيجابية لحياة تخلو من الله، في فكر نيتشه، قائلاً: (أخشى
أنَّ الإجابات عن ذلك السؤال من فلسفة نيتشه غير مُرضية بالمرَّة. فتناوله للأسئلة
الاجتماعية في مجمله لا يصل للعمق...، واقتراحات نيتشه تجعل عيش الناس معاً في
تناغم أمراً شديد الصعوبة)(٢٦).
وفشلت كلُّ محاولات العلم لتقديم الإجابات على كثير من التساؤلات الإنسانية
المتكرِّرة والملحَّة، وأعلن عجزه في تفسيرها. فاهتزَّت الثقة في ما اعتمده
المادّيون من نظريات مادّية مثل نظرية دارون الذي صرَّح صاحبها قائلاً: (أنا مقتنع
بأنَّ الانتقاء الطبيعي قد كان الوسيلة الأكثر أهمّية، ولكنَّه ليس الوسيلة الوحيدة
للتعديل)(٢٧)،
حتَّى أنَّ أحد العلماء التطويريين صرَّح قائلاً: (إنَّ نظرية النشوء والارتقاء غير
ثابتة علمياً، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلَّا لأنَّ الخيار
الوحيد بعد ذلك هو (الإيمان بالخلق الخاصّ المباشر)، وهذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) دروس في تاريخ
الأديان: ٢٨.
(٢٥) أشار إليه الكاتب
باعتباره أحد أساتذة اللغة الألمانية في جامعة لندن.
(٢٦) الوجه الحقيقي
للإلحاد/ رافي زكراياس: ٧٧.
(٢٧) أصل الأنواع/ تشارلس
دارون: ٦٠.
ما لا يمكن حتَّى التفكير فيه)(٢٨)،
وتكلَّم إسحاق نيوتن في إحدى رسائله: (إنَّه لأمر غير مفهوم أن نجد مادَّة لا حياة
فيها ولا إحساس وهي تُؤثِّر على مادَّة أُخرى، مع أنَّه لا توجد أيَّة علاقة
بينهما)(٢٩).
وفي مقابل ذلك، قدَّمت العقيدة في الإسلام الحلول لتساؤلات الإنسان الفطرية بما
اعتمدته من المصادر رصينة للوصول إلى المعرفة عبر طَريقَي الكتاب الكريم والنبوَّة،
وما تفرَّع عنهما من المعاجز الحسِّية، والتي اتَّصلت كلُّها بمسبِّب الأسباب.
وأتاح الدينُ التأمُّلَ في الطبيعة (ملكوت الله)، والاستفادة من منافعها.
ذكر الشيخ المظفَّر في عقيدة شيعة أهل البيت في أصل المعرفة، وهي ما استفاده شيعة
أهل البيت عنهم (عليهم السلام)، ما مفاده: (نعتقد أنَّ الله تعالى لمَّا منحنا
قوَّة التفكير ووهب لنا العقل أمرنا أن نتفكَّر في خلقه وننظر بالتأمُّل في آثار
صنعه، ونتدبَّر في حكمته وإتقان تدبيره في آياته في الآفاق وفي أنفسنا، قال تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْأَفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فُصِّلت: ٥٣). وقد ذمَّ
المقلِّدين لآبائهم بقوله تعالى: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما
أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً﴾
(البقرة: ١٧٠). كما ذمَّ من يتَّبع ظنونه ورجمه بالغيب، فقال: ﴿إِنْ
يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (الأنعام: ١١٦ و١٤٨؛ يونس: ٦٦؛ النجم: ٢٨).
وفي الحقيقة أنَّ الذي نعتقده أنَّ عقولنا هي التي فرضت علينا النظر في الخلق
ومعرفة خالق الكون، كما فرضت علينا النظر في دعوى من يدَّعي النبوَّة وفي معجزته)(٣٠).
وفي هذا تناقضٌ جليٌّ بين الدين والإلحاد، فالفكر الإلحادي الذي يدَّعي العقلانية
وحرّية التفكير، يتمسَّك بالعلم لكن في إطار المنظور ويمنع عن البحث فيما وراءه؛
بينما الدين على عكس ذلك يُبيِّن انفتاحه ويدعو للتفكُّر في المادَّة كما يدعو إلى
التفكُّر في ما خلفها، فنسبة العقلانية إلى الدين الحنيف أولى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨) نقلاً عن: الإسلام
يتحدّى مدخل علمي إلى الإيمان/ وحيد الدين خان: ٣٦.
(٢٩) نقلاً عن الإسلام
يتحدّى: ٤٣.
(٣٠) بداية المعارف
الإلهيَّة ١: ٩.
قال (سالمون ريناك): (ليس أمام الديانات مستقبل غير محدود فحسب؛ بل لنا أن نكون على يقين من أنَّه سيبقى في الكون دائماً أسرار ومجاهيل، ولأنَّ العلم لن يُحقِّق أبداً مهمَّته على وجه الكمال)(٣١). وقال الدكتور (ماكس نوردوه): (وستبقى الديانات ما بقيت الإنسانية، وستتطوَّر بتطوّرها، وستتجاوب دائماً مع درجة الثقافة العقلية التي تبلغها الجماعة)(٣٢).
الفصل الثالث: العقيدة المهدويَّة والإلحاد - بين المواجهة والتفكيك
بعدما تقدَّم في الفصلين السابقين
من عرضٍ لطبيعة مِحْوَرَي الضدِّ والنقيض: محور الإيمان بالخالق العظيم ومحور ظاهرة
الإنكار، حَلَّ في هذا الفصل بحث وتدبُّر شكل المواجهة التي سيخوضها وريث الدين
الإلهي المهدي (عليه السلام) في فكِّ طِلَسم الظاهرة العصيَّة وتفكيك حُزَمها.
مرحلتان في المواجهة:
إنَّ طبيعة الاعتقاد بأصل الإمامة في الإسلام وتحديداً الالتزام بالإمام الثاني عشر
(عليه السلام) في فكر مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، تفرض أخذ عامل الزمن في
الحسبان عند دراسة آلية المواجهة مع الإلحاد في منظور العقيدة المهدويَّة. ويمكن
عندها التقسيم إلى المرحلتين المعروفتين: مرحلة زمن الغَيبة ومرحلة عصر الظهور
المبارك. ويسري هذا التقسيم أيضاً على أيِّ شكل من أشكال المواجهة العقائدية
الأُخرى في منظور العقيدة المهدويَّة، بطبيعة الحال.
١ - مرحلة زمن الغَيبة:
إنَّ من وُفِّق لمعرفة أهل البيت (عليهم السلام)، لا يخطر في باله أن يترك
المعصومون رعيَّتهم هَمَلاً. ولهم في ذلك أُسوة حسنة من كتاب الله تعالى ونهج
جدِّهم المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي صدح بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
الْإِسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة: ٣)، مُصدِّقاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣١) الدين (بحوث ممهِّدة
لدراسة الأديان): ٨٧. عن: (Salomon Reinach/ Orpheus).
(٣٢) المرجع نفسه، عن: (Max
Nordau/ Reponse au Mercure de France/ Paris/ ).
ذلك في يوم الغدير، بفعله وقوله
وتقريره. وكذلك كان منهم وقد نصبوا للأُمَّة من تلامذتهم أعلاماً في الفقه والعقيدة
يرجعون إليهم وهم بعدُ بين ظهرانيهم. ولم يكن ذلك منهم (عليهم السلام) إلَّا
استشعاراً بضرورة هذا العمل، واستدراراً للطف الإلهي في هداية الناس ودرء المفاسد
عنهم. وليس زمن الغَيبة بِبدعٍ من ذلك ولا شكٍّ، فالقضيَّة هنا أخطر، وبالأخصّ في
الجانب العقائدي.
فما كان منهم (عليهم السلام) إلَّا أن جاهدوا في إيصال العقيدة والشريعة الحقَّة
وأودعوها المجتهدين من أتباعهم ليوصلوها إلى الناس تحت كلِّ ظرف. فصارت العقيدة
والفقه من المعهود لديهم عن أئمَّتهم، وفي مقدّمة ما يفتحونه من رسائل مجتهديهم
العملية. وهو ما أقرَّه الأُصوليون في الأُصول، ومثاله ما صرَّح به الشيخ المظفَّر
بالقول: (وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط أنَّه نائب للإمام (عليه السلام) في
حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة
بين الناس، والرادُّ عليه رادٌّ على الإمام والرادُّ على الإمام رادٌّ على الله
تعالى، وهو على حدِّ الشرك بالله كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت (عليهم
السلام))(٣٣).
وتبع هذا اعتماد الاجتهاد مكفولاً بالوجوب الكفائي(٣٤).
والأصل في ذلك مأخوذ ممَّا وَرَدَ عن المعصومين (عليهم السلام) قبل زمن الغَيبة،
فعن الإمام الصادق (عليه السلام) من جوابه على حكم المتخاصِمَين: «ينظران إلى من
كان منكم ممَّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضيا به
حكماً، فإنِّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه، فإنَّما
استخفَّ بحكم الله وعلينا ردَّ، والرادُّ علينا كالرادِّ على الله، وهو على حدِّ
الشرك بالله»(٣٥).
وعن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): «فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه،
حافظاً لدينه مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوامِّ أن يُقلِّدوه»(٣٦).
وعن الامام المهدي (عليه السلام): «وأمَّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة
حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة الله»(٣٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٣) بداية المعارف
الإلهيَّة في شرح عقائد الإماميَّة ١: ٢١.
(٣٤) المرجع نفسه: ١٩.
(٣٥) أُصول الكافي/ كتاب
فضل العلم/ باب اختلاف الحديث: ٤٣/ ح ١٠؛ الاحتجاج ٢: ٢٦١/ باختلاف يسير.
(٣٦) الاحتجاج ٢: ٥١١؛ وعنه
الحرّ العاملي (ت١١٠٤هـ) في: وسائل الشيعة ٢٧: ١٣١/ ب ١٠/ ح ٢٠.
(٣٧) الغَيبة/ الطوسي: ١٨٤؛
الاحتجاج ٢: ٥٤٣.
وقد كان العلماء في زمن الغَيبة
مدركين لطبيعة مهمَّتهم وثقل مسؤوليتهم، فهم نوّاب الإمام، والواجب عليهم التصدّي
لكلِّ معضلة كانت سيتصدّى لها الإمام المعصوم. وقد أُحيطوا علماً بكلمات المعصومين
(عليهم السلام) المهيِّأة والموجِّهة لهم نفسياً وتربوياً لتحقيق ثقل هذه النيابة.
وبعد هذا كلِّه، فإنَّ صورة المواجهة في زمن الغَيبة مرسومة أمامهم وشدَّتها معلومة
لديهم بتأكيد الإمام الهادي (عليه السلام) في المنقول: «لولا من يبقى بعد غَيبة
قائمكم من العلماء الداعين إليه، والدالِّين عليه، والذابِّين عن دينه بحجج الله
والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد
إلَّا ارتدَّ عن دين الله، ولكنَّهم الذين يُمسِكون أزمَّة قلوب ضعفاء الشيعة كما
يمسك صاحب السفينة سُكّانها، أُولئك هم الأفضلون عند الله (عزَّ وجلَّ)»(٣٨).
ففي كلمة الإمام الهادي (عليه السلام) ما يُستفاد منه الإشارة لاستمرار خطِّ
المواجهة المتوارث من الإمام المنتظر (عليه السلام) إلى خلفائه من العلماء الجامعين
للشرائط. وإشارة أُخرى إلى قوَّة العقيدة ورسوخها في قلوب العلماء الواعين، ومدحاً
لثباتهم وقوَّتهم في الذود عنها رغم ما يعانونه في سبيل ذلك من شتّى صنوف المَشاقِّ
والمصائب؛ كما أنَّ فيها إلفاتاً إلى أنَّ الخوف ليس على العقيدة بحدِّ ذاتها،
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ
بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً﴾ (آل عمران: ١٧٧). وإنَّما
الخوف على الفرد المسلم المعرَّض للبدع وانحرافات مُضلِّليها بما يُسبِّبونه من
إضعافٍ لعقيدته. فالقيمة الأسمى عند المعصومين (عليهم السلام) هي قيمة الإنسان،
غاية الإرشاد والهداية. وفي هذا المعنى، رُوي عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله
وسلّم) في تعظيم وظيفة تنوير الناس واستنقاذهم من الضلالة قوله لعليٍّ (عليه
السلام): «وايْمَ الله لأن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك ممَّا طلعت عليه الشمس
وغربت»(٣٩).
ولو لم يكن العلماء في زمن الغَيبة معتقدين بالعقيدة المهدويَّة ومتفاعلين معها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨) الاحتجاج ٢: ٥٠٢.
(٣٩) تهذيب الأحكام/ الشيخ
أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت٤٦٠هـ) ٦: ١١١/ ب ٦٢/ ح ٢.
ومتشبِّعين بمضامينها وغاياتها،
بما انعكس على تربيتهم وانصهارهم في بوتقتها، لما أمكنهم البقاء متيقِّظين للقيام
بواجباتهم تجاه الفرد والأُمَّة، وإنتاج التأثير المرجوِّ. فكانت علميتُهم مرتكزة
على علم المعصوم والاستقاء من النصوص الواردة عنه، لاستنباط الحكم وإبداء الفتوى.
وعليه، كان من الطبيعي أن يحيط الإمام المهدي (عليه السلام) نوّابه المتصدِّين لدفع
البدع والانحرافات برعايته وعنايته. وهذا ما تجلّى بوضوح في توقيعه الملفت الصادر
إلى الشيخ المفيد(٤٠).
وقد كشف الكتاب عناية الإمام الخاصَّة بالعالم المتفرِّغ لإبراز علم أهل البيت
والمتصدّي لشؤون الأُمَّة، فقد عُرِفَ الشيخ المفيد بمناظراته ومحاججاته المتينة
المكلَّلة بالظفر. كما وبيَّن الكتاب تلك العناية الخاصَّة من الإمام لشيعته في زمن
الغَيبة بلا فرق عن رعايته في حضوره.
وهكذا وفي مثل هذه الأجواء المشحونة، انبرى حملة فكر أهل البيت (عليهم السلام) من
علماء وخطباء ومحدِّثين ومن معهم من المؤمنين في زمن الغَيبة، بحملة متواصلة لتوعية
الناس وإرشادهم. فكانت أشكال التصدّي مختلفة باختلاف طبيعة الشخص ومهمَّته، فمنها
ما كان بالمناظرة والنقاش العلمي الهادئ، ومنها ما كان بتصنيف الكتب المختصَّة في
نقض الإلحاد والردِّ على الملاحدة أو تلك المقترنة بمعالجة مواضيع أُخرى متعلِّقة
في تعزيز العقيدة الصحيحة مثل مواضيع التوحيد والنبوَّة والمعاد وغيرها. ومنها ما
اتَّجه إلى التصنيف في التفسير وإعجاز القرآن وعلومه - دفعاً للتشكيك فيه(٤١)
لضرب الدين - واللغة وتدوين الحديث ونحوها، فكلُّ هذه الجوانب تخدم قضيَّة تعزيز
العقيدة ودفع الشبهات والضلالات والزندقة والإلحاد.
إنَّ مجرَّد قيام العالم بالتصدّي لأعباء المرجعية الدينية يُعتَبر الحلقة الأُولى
في النهوض بمشروع مكافحة ظاهرة الإلحاد، فوجود العالم ضمان للناس وفقده
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠) هو محمّد بن محمّد بن
النعمان، الشهير بالشيخ المفيد وابن المعلِّم (ت٤١٣هـ)، يُنظَر: الفهرست/ الشيخ
الطوسي: ٢٣٨/ الرقم ٧١١.
(٤١) مثالهم في ذلك الإمام
العسكري (عليه السلام) في إفشال التشكيك بالقرآن. يُنظَر: مناقب آل ألي طالب/ أبو
جعفر محمّد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندراني (ت٥٨٨هـ) ٤: ٤٥٧.
ثلمة، وما مضيّه قُدُماً وشروعه في
فضح ظاهرة الانحراف وردِّها بالكلمة أو التدوين إلَّا بمثابة الحلقة الثانية في
دائرة التصدّي والقيام. وإذا كانت كلتا الحلقتين على قدر المسؤولية فإنَّ الثمرة
ستؤتي أُكُلها في النهاية.
ولو اقتصرنا على ما كتبه العلماء في نقض الظاهرة من دون ما عرضوا له وفصَّلوا من
المواضيع الساندة والمتداخلة من: إثبات الربوبية والتوحيد والصفات إلى آخره من
المباحث، فستأتي النتيجة في هذه العيِّنة المعبِّرة عن اهتمام العلماء قديمهم
وحديثهم بمتابعة الظاهرة ومحاولة تفكيكها ولو فكرياً. فمن القدماء:
أبو سهل النوبختي(٤٢)،
المعاصر لزمن الغَيبة الصغرى وله: (كتاب الإنسان والردّ على ابن الراوندي(٤٣)،
كتاب التوحيد، كتاب نقض على مسألة أبي عيسى الورّاق(٤٤)
في قِدَم الأجسام مع إثباته الأعراض)(٤٥)،
(كتاب نقض عبث الحكمة لابن الراوندي، كتاب نقض التاج على ابن الراوندي، ويُعرَف
بكتاب السبك، كتاب نقض اجتهاد الرأي على ابن الراوندي، كتاب حَدَث العالم)(٤٦).
الشريف المرتضى(٤٧)،
له: (الردّ على يحيى بن عديّ، كتاب الردّ على يحيى أيضاً في اعتراضه دليل
الموحِّدين في حَدَث الأجسام، الردّ عليه في مسألة سمّاها طبيعة المسلمين)(٤٨).
ومن المحدَثين:
السيِّد جمال الدين الأفغاني(٤٩)،
له: (الردّ على الدهريين).
الشيخ محمّد جواد البلاغي(٥٠)،
له: (الردّ على الطبيعيين).
الشيخ محمّد الجواد الجزائري(٥١)،
له: قصيدة (حلّ الطلاسم) عارض بها قصيدة الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي(٥٢)
(الطلاسم).
الشيخ مرتضى المطهَّري(٥٣)،
له: (نقد الماركسية، الدوافع نحو المادّية، الرؤية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢) أبو سهل إسماعيل بن
عليِّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، يُنظَر: الفهرست/ الشيخ الطوسي: ٤٩/ الرقم ٣٦.
(٤٣) من أعلام الإلحاد
(ت٢٤٥هـ).
(٤٤) من اللاأدرية، صاحب
ابن الراوندي.
(٤٥) الفهرست/ الشيخ
الطوسي: ٤٩.
(٤٦) الفهرست/ ابن النديم:
٢٥١.
(٤٧) يُنظَر: رجال النجاشي/
أبو العبّاس أحمد بن عليِّ بن أحمد بن العبّاس النجاشي الأسدي الكوفي (ت٤٥٠هـ):
٢٧٠/ الرقم ٧٠٨.
(٤٨) المصدر نفسه.
(٤٩) (١٨٣٨ - ١٨٩٧).
(٥٠) (١٨٦٥ - ١٩٣٣).
(٥١) (١٨٨١ - ١٩٥٩).
(٥٢) (١٨٨٩ - ١٩٥٧)، من
شعراء المهجر، وقصيدته تُشعِر بأنَّه من اللاأدريين.
(٥٣) (١٩١٩ - ١٩٧٩).
التوحيدية والرؤية المادّية، أسباب
التوجُّهات المادّية). وأخيراً:
السيِّد محمّد باقر الصدر(٥٤)،
له: (فلسفتنا، اقتصادنا).
وبالإضافة إلى هذه النخبة من العلماء الذين كتبوا في الردِّ على الملحدين أو في دحض
الأفكار المادّية التي استندوا عليها، كان هناك ولم يزل الكثير من العلماء
والمفكِّرين والأُدباء والباحثين غيرهم، الذين عنوا بالتصدّي والمواجهة للظاهرة
أفراداً ومؤسَّسات وبمختلف الوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية.
٢ - مرحلة عصر الظهور:
تُمثِّل مرحلة عصر الظهور البلورة الحقيقية للعقيدة المهدويَّة والميدان العملي
لقطف ثمار مشروع الإصلاح العالمي الذي نادى به جميع الأنبياء (عليهم السلام)، والذي
ارتبط باسم الإمام صاحب العصر (عليه السلام). وعند استقراء النصوص الخاصَّة بشأن
الإمام (عليه السلام) للتعرُّف على ملامح هذا المشروع يُطالعنا عنوان بشارته
المعروف: (يملأ الأرض قِسطاً وعدلاً)، ولا بدَّ للتعرُّف على منهجية الإمام وخطَّته
في القضاء على ظاهرة الإلحاد من اعتماد هذه البشارة، ففيها الإشارة إلى وجود نهضة
وخطَّة عمل للإمام من أجل القضاء على الكفر والظلم العالميين، وظاهرة الإلحاد لا
تخرج عن هذه الرؤية. ومن الواضح أنَّ نجاح المشروع المهدوي سيمضي بالاعتماد على
المقوِّمَين التاليين:
المقوِّم الأوَّل: القضاء على دولة الكفر والظلم العالميتين.
المقوِّم الثاني: نشر القسط والعدل لتحقيق حالة السلم والأمان على مستوى العالم.
فلا مناص لتحقيق المطلب المنشود من الانطلاق في حملة القضاء على الظلم والجور.
وهي مهمَّة طبيعية ومنطقية للقائد المصلح، حيث تبتدئ أوَّلاً بالتخلُّص من الجذور
الفاسدة، ومن ثَمَّ الشروع بالبناء على قواعد سليمة، وممَّا لا شكَّ فيه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤) (١٩٣٥ - ١٩٨٠).
أنَّ عملية التصدّي لظاهرة الإلحاد
وإنهائها تندرج ضمن المقوِّم الأوَّل.
وللتعرُّف على منهج الإمام المهدي (عليه السلام) وآلية مواجهته لظاهرة الإلحاد
وتفكيكها نهائياً، يمكن استخلاص نقاط أربعة، وتُمثِّل أوَّلها القاعدة الاستراتيجية
والعمق المعرفي الذي تنطلق منه بقيَّة النقاط الثلاث، باعتبارها الأدوات اللازمة
للتنفيذ، وسيكون ترتيبها في العرض على نحو ترتيبها المنطقي المستفاد من تسلسل أحداث
الظهور في الروايات الشريفة، وهي بإيجاز على النحو الآتي:
النقطة أ: الفكر المتقدِّم والمقاوم للإمام (عليه السلام)، وهي بمثابة خطِّ الشروع
الذي ينطلق منه المصلحون بمشروعهم الإصلاحي إلى الناس.
النقطة ب: سيرته العملية وسلوكه الحضاري والأخلاقي في دعوة أهل العالم بمختلف
أديانهم ومذاهبهم وألوانهم عبر فتح باب الحوار والإقناع أمام الجميع بكلِّ حرّية.
النقطة ج: استخدام القوَّة والتصدّي للعناصر التي لا تفهم أو لا تريد أن تفهم إلَّا
منطق القوَّة باستعمال السلاح، والتي تعمل بإصرار على إجهاض المولود العالمي الجديد
(مشروع الدولة العالمية العادلة).
النقطة د: إنجازاته (عليه السلام) في فتح آفاق معرفية وعلمية جديدة يخترق فيها
المتعارف والمعقول لدى أصحاب الحضارة المادّية بكلِّ مراحل تاريخها المعلومة
والمجهولة.
ومن المهمِّ ملاحظة: أنَّ منهج المواجهة المرسوم لن يبدأه الإمام (عليه السلام)
كلَّه في المستقبل، فقد هيَّأت له أحاديث آبائه المعصومين (عليهم السلام) قبل
ولادته، وعمله المخفي في حركته الغيبية، ما لا ينقصه إلَّا اللمسة الأخيرة بإعمال
الأدوات الثلاث ووضعها موضع التنفيذ بمجرَّد تلقّيه الإذن الإلهي بالنهوض، لتكون
بداية النهاية لكلِّ انحراف عن معرفة الله تعالى منذ بدء الخليقة.
النقطة أ:
فكر الإمام (عليه السلام):
لم يخرج فكر الإمام المهدي (عليه السلام) في طبيعته عن المحيط الطبيعي لفكر أهل
البيت (عليهم السلام)، وهذه ميزة قائمة في دائرتهم المعرفية ومن مختصّاتهم
الاحتجاجية، لذا فإنَّ لغة التخاطب والمناظرة أمست تقليداً راكزاً في منهج العترة
التبليغي والإرشادي، فعن الصادق (عليه السلام): «الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَالْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ (عليهم السلام)»(٥٥).
وعنه (عليه السلام) أيضاً: «إِنِّي لأعلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
الْأَرْضِ، وَأَعْلَمُ مَا فِي الْجَنَّةِ، وَأَعْلَمُ مَا فِي النَّارِ،
وَأَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ...، عَلِمْتُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ الله (عزَّ
وجلَّ)، إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يَقُولُ: فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ»(٥٦).
وليس غريباً أن يكون الإمام (عليه السلام) متصدّياً للإلحاد وقادراً على تفكيكه
ومعالجة أسبابه ونتائجه.
ففكر الإمام (عليه السلام) بما امتاز من خصائص العلم الربّاني لمدرسة أهل البيت
(عليهم السلام) في مختلف دقائق العلوم الإلهيَّة، يُعَدُّ الحلُّ الأنسب لجميع
مشاكل الاشتباه والخلط والشكِّ الذي تُعاني منه العقلية الإلحادية. وفيه الإجابة عن
جميع الإشكالات والتساؤلات التي تخطر في الأذهان مهما كانت خلفيتها ومبلغ تعقيدها.
وهو العلم الحضوري الذي سيتواجد في عصر ظهوره (عليه السلام) ويبسطه للناس بالطريق
الكسبي الذي يناسب مداركهم، لذا سيملأ علم الإمام (عليه السلام) الفراغ النفسي
والروحي الذي ضرب أطناب الوجدان الإلحادي المتأزِّم وقاسى منه إيمان الإنسان ما
قاسى.
وتبقى الخصوصية في ذلك للإمام صاحب العصر (عليه السلام) في كسر شوكة الكفر والإلحاد
(الجحود) وقطع دابرهما تماماً من الأرض، فعن الباقر (عليه السلام): «إنَّ الدنيا لا
تذهب حتَّى يبعث الله (عزَّ وجلَّ) رجلاً منّا أهل البيت يعمل بكتاب الله لا يرى
منكراً إلَّا أنكره»(٥٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٥) أُصول الكافي/ كتاب
الحجَّة/ باب أنَّ الراسخين في العلم هم الأئمَّة (عليهم السلام): ١٢٢/ ح ٣.
(٥٦) المصدر نفسه/ باب أنَّ
الأئمَّة (عليهم السلام) يعلمون علم ما كان وما يكون وأنَّه لا يخفى عليهم الشيء
(صلوات الله عليهم): ١٤٩/ ح ٢.
(٥٧) بحار الأنوار الجامعة
لدُرَر أخبار الأئمَّة الأطهار/ الشيخ محمّد باقر المجلسي (ت١١١١هـ) ٥٢: ٣٧٨/ ح
١٨١.
وسأل عبد العظيم بن عبد الله الحسني
الإمامَ الجواد (عليه السلام): يا مولاي، إنّي لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت
محمّد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، فقال (عليه السلام):
«ما منّا إلَّا قائم بأمر الله، وهادٍ إلى دين الله، ولكن القائم الذي يُطهِّر الله
به الأرض من أهل الكفر والجحود ويملأها قسطاً وعدلاً هو الذي يخفى على الناس
ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سميُّ رسول الله وكنيِّه...»(٥٨).
ومن ذلك ما ورد عن الحجَّة (عليه السلام) في إحدى توقيعاته: «وإذا أذن الله لنا في
القول ظهر الحقُّ واضمحلَّ الباطل وانحسر عنكم»(٥٩).
ومن جملة علومه الرائدة، علمه بالتوحيد ودقائقه المعرفية، بما يُميِّز بين الكفر
والإيمان ويُفرِّق بينهما، وهما في كلمة واحدة: لا إله إلَّا الله، (أوَّلها كفر
وآخرها إيمان). وهو ما أمَّنَه الحديث المروي عن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه
وآله وسلّم): «إِنَّ عِنْدَ كُلِّ بِدْعَةٍ تَكُونُ مِنْ بَعْدِي يُكَادُ بِهَا
الإيمَانُ، وَلِيّاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي مُوَكَّلاً بِهِ يَذُبُّ عَنْهُ، يَنْطِقُ
بِإِلْهَامٍ مِنَ الله ويُعْلِنُ الْحَقَّ ويُنَوِّرُهُ، ويَرُدُّ كَيْدَ
الْكَائِدِينَ يُعَبِّرُ عَنِ الضُّعَفَاءِ»(٦٠).
وفيما يلي عرضٌ لجانب من كلمات الإمام المُستفادة في موضوع الردِّ على الإلحاد
والشكِّ ونحوهما من الانحرافات، بدأها الإمام (عليه السلام) بتعريف مجملٍ عن
التوحيد: «إنَّ الله تعالى هو الذي خلق الأجسام وقسَّم الأرزاق، لأنَّه ليس بجسم
ولا حالٌّ في جسم، ليس كمثله شيء وهو السميع العليم»(٦١).
ومن رسالة له (عليه السلام) في الردِّ على المرتابين في الدين والمتشكِّكين بوجوده
الشريف، بدأها (عليه السلام) بحرصه في التصدّي لهداية الناس وحفظهم عقائدياً لما
فيه صلاحهم:
«بسم الله الرحمن الرحيم، عافانا الله وإيّاكم من الفتن، ووهب لنا ولكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٨) الاحتجاج ٢: ٤٨١.
(٥٩) كتاب الغَيبة/ الشيخ
الطوسي: ١٨٣؛ الاحتجاج ٢: ٥٤١.
(٦٠) أُصول الكافي/ كتاب
فضل العلم/ باب البدع والرأي والقياس: ٣٦/ ح ٥.
(٦١) كتاب الغَيبة/ الشيخ
الطوسي: ١٨٥.
روح اليقين، وأجارنا وإيّاكم من
سوء المنقلب، إنَّه أُنهي إليَّ ارتياب جماعة منكم في الدِّين، وما دخلهم من الشكِّ
والحيرة في ولاة أمرهم، فغمَّنا ذلك لكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا، لأنَّ الله
معنا فلا فاقة بنا إلى غيره، والحقُّ معنا فلن يوحشنا من قعد عنّا، ونحن صنايع
ربِّنا والخلق بعد صنائعنا»(٦٢).
ومن الرسالة أيضاً ردُّه على المتشكِّكين بوجوده بعد أبيه (عليهما السلام)، ظنّاً
منهم بغياب الحُجَّة وانصرام حبل الدِّين: «يا هؤلاء، ما لكم في الريب تتردَّدون،
وفي الحيرة تنعكسون، أوَما سمعتم الله يقول: ﴿يا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ
مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)؟ أوَما علمتم ما جاءت به الآثار ممَّا يكون ويحدث في
أئمَّتكم، على الماضين والباقين منهم عليهم السلام؟ أوَما رأيتم كيف جعل الله لكم
معاقل تأوون إليها، وأعلاماً تهتدون بها، من لدن آدم (عليه السلام) إلى أن ظهر
الماضي (عليه السلام)، كلَّما غاب علم بدا علم، وإذا أفل نجم طلع نجم؟ فلمَّا قبضه
الله إليه ظننتم أنَّ الله أبطل دينه، وقطع السبب بينه وبين خلقه، كلَّا ما كان ولا
يكون، حتَّى تقوم الساعة ويظهر أمر الله وهم كارهون»(٦٣).
وفي هذا القدر من كلماته (عليه السلام) كفاية في استخلاص منهجية للإمام (عليه
السلام) في التعامل مع التيّارات المنحرفة وتأثيرها على الفرد والمجتمع، وقابلية
الردِّ انطلاقاً من بُنية معرفية لا يكاد يفصلها السامع عن جملة المنظومة المعرفية
التي أورثها آل البيت (عليهم السلام) لأتباعهم وتناقلته موسوعات الحديث. منظومةٌ
سمتها الارتباط بالقرآن والاستشهاد به، مع تملُّك الحُجَّة والدليل وبلاغة البيان
وفصاحة اللسان وقوَّة إدارة الكلام وتوجيه الخِطاب نحو السامع والقارئ. بما يردع
النفس عن الوقوع في الشكِّ أو يُلزمها بالحُجَّة مع الإيقان.
ب - سيرته في الحوار (نظرة استشرافية):
في هذا المقام يتَّجه الإمام إلى لغة الحوار والمحاججة، وإذا أدّى هذا الطريق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٢) المصدر نفسه: ١٧٩؛
الاحتجاج ٢: ٥٣٦.
(٦٣) كتاب الغَيبة/ الشيخ
الطوسي: ١٨٠؛ الاحتجاج ٢: ٥٣٦ و٥٣٧.
إلى إقناع أصحاب كِلا الاتِّجاهين
في الإلحاد (اللاأدرية) و(المتشدِّدة)، فإنَّ تفكيك الظاهرة وإفراغها قد وَقَعَ،
ويتمُّ استبدالها بالتعريف بالعقيدة الحقِّ وتبليغها، وإن حصل شيء من التردُّد
والتريُّث، أعطى الإمام الفرصة لهؤلاء المتردِّدين للتفكُّر أو التدبُّر؛ أو إن كان
هناك امتناعٌ ورفضٌ فإنَّ آلية المقاطعة هي المقدَّمة، وما يعكس هذا التصوّر هو
مطالعة أحد توقيعات الإمام المهدي (عليه السلام) التي جاء فيها: «وأمَّا ندامة قوم
شكُّوا في دين الله على ما وصلونا به، فقد أقلنا من استقال ولا حاجة إلى صلة
الشاكّين»(٦٤).
ويكون أوَّل إيذان لفتح الإمام (عليه السلام) باب الحوار، هو بعد إعلان نهضته في
أوَّل خطبة له في مكَّة، وقد أسند ظهره إلى البيت الحرام فينادي: «يا أيّها الناس
إنّا نستنصر الله ومن أجابنا من الناس فإنّا أهل بيت نبيِّكم ونحن أولى الناس بالله
تعالى وبمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فمن حاجَّني في آدم فأنا أولى الناس
بآدم، ومن حاجَّني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، ومن حاجَّني في إبراهيم فأنا أولى
الناس بإبراهيم (عليه السلام)، ومن حاجَّني في محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
فأنا أولى الناس بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...»(٦٥).
فالإمام يُصرِّح عن هويَّته ويُعلِن استعداده للحوار والمحاججة، ومن الواضح أنَّ
عامَّة الخطاب خُصِّص لأصحاب الأديان في البداية أدبياً، لكنَّه لا يعني إغفال
غيرهم من مشركين وملحدين. ولا بُدَّ بهذا الترتيب، أن يستكمل الإمام حواره مع
الملحدين وأشباههم بعد انتهائه من أصحاب الشرائع السماوية(٦٦).
وذلك انطلاقاً من عالمية دعوته وحرصه على عمومية التبليغ حتَّى يعيد الإسلام
جديداً. فعن الصادق (عليه السلام): «إذا قام القائم دعا الناس إلى الإسلام جديداً،
وهداهم إلى أمر قد دُثِرَ...»(٦٧).
وما يُعزِّز التواصل مع طائفة اللاأدريين هي المساحة المشتركة بينهم وبين الإمام
(عليه السلام) إذا ما كان القصد طلب الحقيقة، فهم في طور الشكِّ وعنوانهم مبدئياً
يشير إلى عدم ميلهم إلى طرف على حساب آخر وعدم عنادهم، وهو ما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٤) المصدر نفسه: ١٨٤؛
الاحتجاج ٢: ٥٤٤.
(٦٥) الاختصاص/ الشيخ
المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي (ت٤١٣هـ): ٢٤٩.
(٦٦) يُنظَر: كتاب الفتن/
أبو عبد الله نعيم بن حمّاد المروزي/ (ت٢٨٨هـ): ٣٥٥/ ح ١٠٢٢، ٣٥٧ و٣٥٨/ ح ١٠٣٥.
(٦٧) الإرشاد في معرفة حجج
الله على العباد/ الشيخ المفيد ٢: ٣٨٣. وفي الحديث دلالة واضحة على التشويه الذي
ألحقه أعداء الإسلام/ وأصحاب الأهواء به.
توصَّل إليه أحد الباحثين في بحثه
عن الإلحاد: (إنَّ الشخص الملحد لا يُنكِر الله في حدِّ ذاته وإنَّما يُنكِر
مصداقية ما تُقدِّمه له النصوص الدينية، وإنَّ نفيه يقع أساساً على أسباب أو عناصر
المصداقية(٦٨).
يُضاف إلى ذلك، أنَّ ما سيتعرَّف عليه المشكِّكون وغيرهم من سيرة الإمام ومصداقيته
سيكون كفيلاً ببعث الفطرة الإنسانية فيهم من جديد، فأخلاق الصادقين مجلبة لقلوب
المجافين، فعن الصادق (عليه السلام): «المهديُ محبوبٌ في الخلائق، يُطفئ الله به
الفتنة الصمّاء»(٦٩).
ومثل ذلك في أخلاقه ومروءته، فعنه (عليه السلام) أيضاً: «أوَّل ما يبتدئ المهدي أن
ينادي في جميع العالم: ألَا من له عند أحد من شيعتنا دَين فليذكره حتَّى يردُّ
الثومة والخردلة فضلاً عن القناطير المقنطرة من الذهب والفضَّة والأملاك فيُوفّيه
إيّاه»(٧٠).
ويُضاف إلى مقوِّمات النجاح على مائدة الحوار، وجود طاقمٍ خاصٍّ مع الإمام وهو
بمستوى الحدث، مكوَّن من أنصار الإمام وخُلَّص أصحابه، وهم على مستوى العلماء وفيهم
الخضر (عليه السلام)، وعلى رأسهم عيسى (عليه السلام)، ستكون مهمَّتهم تكافلية مع
الإمام في كشف الحُجُب عن بصائر الملحدين، ولاسيّما المسيح (عليه السلام) الذي
سيُؤدّي دوراً مهمّاً مع الملحدين الغربيين كما أدّاه مع معتنقي التثليث، وخصوصاً
في معالجة الأسباب التي أودت بانحراف أوائل الملحدين في المسيحية، وكشف تبرئة
المسيح من أخطاء وتحريفات الكنيسة التي كانت السبب الرئيس في انضاج ظاهرة الإلحاد.
والحوار مع الإلحاد(٧١)
من هذا المنطلق ليس مستحيلاً ولا عجيباً، فقد قدَّم الإمام الصادق (عليه السلام)
مشهداً موثَّقاً مع ملحدٍ (جاءه من مصر)، وغيَّر قناعته في حوارٍ هادئٍ وأدلَّةٍ
عقلانية، أزالت من قلبه كلَّ شكٍّ وريب حتَّى اهتدى، وكان من دهشته أن قال للإمام:
«ما كلَّمني بهذا أحدٌ غيرك!»(٧٢).
فإن كان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨) الإلحاد وأسبابه: ٨.
(٦٩) بشارة الإسلام في
علامات المهدي (عليه السلام)/ السيِّد مصطفى آل السيِّد حيدر الكاظمي (ت١٣٣٦هـ):
١٨٥.
(٧٠) بحار الأنوار الجامعة
لدُرَر أخبار الأئمَّة الأطهار ٥٣: ٣٤/ ضمن الحديث ١.
(٧١) فرقٌ بيْنَ ما يُسمّى
حواراً في أروقة اليوم بكلِّ الميادين، والحوار الذي يُجريه المعصوم (عليه السلام)،
في طبيعته الهادئة الخالية من المغالطة والمِراء ولغة التشهير والتسقيط (المعروفة
اليوم)، ولا يبعد أن يكون نوعياً مدعماً بأدلَّة إعجازية أو حسِّية على شهود
الأعيان.
(٧٢) أُصول الكافي/ كتاب
التوحيد/ باب حدوث العالم/ ح ١.
الإمام الصادق قد هدى الملحد الذي
لم يسمع كلاماً مثل كلام الإمام، وإذا لم يكن إلحاد عصر الصادق (عليه السلام) بمثل
تعقيد إلحاد زمن الغَيبة فضلاً عن زمن الظهور؛ فمن باب أولى أن يكون الإمام المهدي
(عليه السلام) قادراً على تفكيك الإلحاد المعاصر لزمانه وهداية الملحدين مع كلِّ
التعقيدات والتشعُّبات الموجودة آنذاك. ومن المؤكَّد أنَّ أعلمية الإمام وإمكانياته
الحِجاجية، وعلمه بأسباب نشوء الظاهرة وطرق معالجتها، ستكون حاضرة في حلحلة وتفكيك
العُقَد.
ومن دون إغفال أنَّ حجج الملحد إزاء الإمام لن تكون بأقوى من تهافت حججه أمام آيات
الفطرة الكفيلة بقطع شكِّه وإنهاء إنكاره، فضلاً عن تدبُّر الفكر في آيات الكتاب
الكريم، كما أعلن (د. جفري لانغ) باهتدائه إلى الإسلام بعد سنوات من الإلحاد: (وبعد
عشر سنوات من الإلحاد، فقد وضعت الصليب ورائي بعيداً عنّي؛ وعندما وجدت الجواب في
الإسلام لم يكن هناك شيء في القرآن يجعلني أُؤمن بالصليب ثانيةً، بل في الحقيقة كان
الأمر على العكس)(٧٣).
ج - استعمال القوَّة:
قد يَتبادر إلى الأذهان أنَّ استخدام القوَّة عند الإمام هو من أولويات النهضة
المهدويَّة، وأنَّه أمر ضروريٌ لا مناص منه. وليكون هذا الاستنتاج دقيقاً، لا بدَّ
من عدم تقديمه كخَيار للإمام فوق سياقه الزمني، فالمبدأ المتوافق مع نهج الرسول
والعترة الطاهرة (عليهم السلام) يثبت أنَّ الدعوة الطيِّبة ولغة الحوار هما من
ديدنهم وأولوياتهم (عليهم السلام). وكون الإمام ممثِّلاً لهذا المنهج فلا مجال
للظنِّ باجتنابه أو تأخيره. وخطابه المكّي خير شاهد على الابتداء بتعريف نفسه
وإعلان دعوته إلى جميع الناس، بل إنَّ بعض الروايات تشير إلى حواره مع السفياني
عدوّه اللدود(٧٤)،
وأنَّه لا يبدأ عدوّه بقتال ويسير بسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
والإمام عليٍّ (عليه السلام) في حروبهما(٧٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٣) الصراع من أجل الإيمان
(انطباعات أمريكي اعتنق الإسلام)/ د. جفري لانغ: ٣٦٠ و٣٦١.
(٧٤) يُنظَر: كتاب الفتن:
٣٥١/ ح ١٠١٣.
(٧٥) يُنظَر: بحار الأنوار
٥٢: ٣٨٧ و٣٨٨/ ح ٢٠٥.
ولهذا فالروايات الخاصَّة بقيام
الإمام بالسيف، مثال: «إذا خرج القائم (عليه السلام) لم يكن بينه وبين العرب والفرس
إلَّا السيف لا يأخذها إلَّا بالسيف ولا يعطيها إلَّا به»(٧٦)،
يُفتَرض اختصاصها بالنفر المستحقِّ لهذا الخيار كعقاب رادع، وهو ما يُوضِّحه المروي
عن الباقر (عليه السلام): «يقضي القائم بقضايا يُنكِرها بعض أصحابه ممَّن قد ضرب
قدّامه بالسيف، وهو قضاء آدم، فيُقدِّمهم فيضرب أعناقهم، ثمّ يقضي الثانية
فيُنكِرها قوم آخرون ممَّن قد ضرب قدّامه بالسيف، وهو قضاء داود، فيُقدِّمهم فيضرب
أعناقهم، ثمّ يقضي الثالثة، فيُنكِرها قوم آخرون ممَّن قد ضرب قدّامه بالسيف، وهو
قضاء إبراهيم، فيُقدِّمهم فيضرب أعناقهم، ثمّ يقضي الرابعة، وهو قضاء محمّد، فلا
يُنكِرها أحد عليه»(٧٧).
والإمام يضع الأُمور في نِصابها الصحيح، ومن نِصابها التعامل مع أعداء النهضة
المهدويَّة داخلياً وخارجياً بما يردعهم ويزيل خطرهم. وبالرجوع إلى ظاهرة الإلحاد
المتشدِّد فإنَّ آلية التعامل معه تفرض بعد عدم الاستجابة إلى وضعه في الزاوية التي
وضع كيانه فيها، مع أُولئك الجاحدين المتطرِّفين الذين جمعوا جحود الربوبية والجحود
عن معرفة. هذا الصنف من الجحود الذي أشار إليه الإمام الصادق (عليه السلام) بالقول:
«الْجُحُودِ عَلَى مَعْرِفَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَجْحَدَ الْجَاحِدُ وَهُوَ يَعْلَمُ
أَنَّهُ حَقٌّ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ، وَقَدْ قَالَ الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَجَحَدُوا
بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]،
وقَالَ الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ
يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا
بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]»(٧٨).
وهذا الصنف من الجاحدين يكونون متجذِّرين في الإلحاد إلى الحدِّ الذي نقلوه من
مستوى الفكرة والنظرية إلى المستوى العملي والتطبيقي، وليسوا من ذلك الصنف الجاهل
الذي عادى الدين عن جهل وخديعة. فصنف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٦) المصدر نفسه: ٣٨٩/ ح
٢١٠.
(٧٧) المصدر نفسه: ح ٢٠٧.
(٧٨) أُصول الكافي/ كتاب
الإيمان والكفر/ باب وجوه الكفر: ٥٢٩/ ح ١.
الموقنة نفوسهم لا مشكلة عندهم مع
الدين إذا كان شكلياً وربَّما كانوا من المتلبِّسين بمثل هذه الشكلية؛ وإنَّما
أزمتهم مع الدين الحقيقي الذي يصطدم مع مقاصدهم وأفعالهم. ولذا يكون هذا الصنف
متطبِّعاً على الكفر والظلم، ولا مكان للحوار عنده، ولا يعرف إلَّا الرضوخ للقوَّة
لتحكُّم النزعة المادّية والمصلحية فيه. ومثل هؤلاء لن يقبلوا بمصلحٍ مثل المهدي
(عليه السلام) باعتباره ممثِّلاً حقيقياً وصِرفاً للدين الحقِّ.
وبنظرة تأمُّلية عن هذا الصنف، يمكن القول: إنَّ هذا الصنف بالذات سيكون هو
المتحكِّم في مصير العالم في زمن الظهور وبشكل شبه مطلق، وهنا مكمن الصراع بين
الإلحاد المادّي المتسلِّط الذي لا يعترف بالله تعالى ولا يسمح بأن يُعبَد على
أرضه، فبقليل من التأمُّل يتأكَّد القول بأنَّ الإلحاد في عصر الظهور سيكون في أوج
قوَّته وسطوته، وسيتمثَّل بهيمنة القوى الغربية والحليفة لها، بقرينة ما تزاحمت
الروايات بشأنه حول انعدام العدل والأمان وشيوع الكفر والطغيان، واقتران كلِّ ذلك
في الختام بخطر الدجّال وكونه رأس الطاغوت والذي لا يكون بطبيعة الحال مقتصراً على
شخص واحد، بل منظومة يشترك فيها جميع الفاسدين.
وشواهد تلك السيطرة أضحت بادية منذ الحقبة الاستعمارية، وفي ذلك ما ورد في سبب
تأليف (الردّ على الدهريين) للسيِّد جمال الدين الأفغاني من تدخُّل حكومة الهند
الإنكليزية في نشر الإلحاد هناك(٧٩).
ومن ذلك نشوء المحافل الماسونية المنضوية تحت جناح الماسونية العالمية الداعية إلى
إغفال الأديان بدواعي إنسانية(٨٠).
كما أنَّ ظهور المذهب العلماني في السياسة وطلبه بفصل الدين عن الدولة وتضييقه في
حدود الفرد الواحد، له خلفية وثيقة بالظاهرة الإلحاد(٨١).
فليس من الغريب معرفة تغلغل الإلحاد في الزمن المعاصر في مراكز صنع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٩) يُنظَر: الردُّ على
الدهريين/ السيِّد جمال الدين الأفغاني (١٨٣٨ - ١٨٩٧م): ٢.
(٨٠) يُنظَر: الموسوعة
العربية العالمية ٢٢: ٨٨.
(٨١) يُنظَر: المرجع نفسه
٢: ٥٢٨؛ ويُنظَر: رحلة عقل (هكذا يقود العلم أشرس الملاحدة للإيمان): ١٦٤.
القرار بمختلف الميادين السياسية
والعسكرية والاقتصادية والمالية والصناعية والثقافية إلى غير ذلك من الجوانب التي
ترتكز عليها الحياة الضرورية وتحكُّمها في مصائر الشعوب المستضعفة التي طالما
نُسِبَت إلى الجهل والتخلُّف بحجَّة ارتباطها بالدين. بل ويُشاهَد علناً وصول
ملحدين إلى سدَّة القرار في دول ذات صبغة دينية(٨٢)،
وهي دلالة واضحة على تلبُّس الإلحاد المتشدِّد بالدين في سبيل التشبُّث بالسلطة.
وهذا النوع الخفيِّ من الإلحاد أخطر على المجتمع من نظيره العلني، لامتلاكه زمام
الانحراف النظري والعملي.
ومثل هؤلاء لا يُؤمَن جانبهم على مستقبل الدولة المهدويَّة العادلة. وتاريخ دعوات
الأنبياء يجهر بأنَّ طبيعة الصراع بين الحقِّ والباطل كانت ولم تزل ذات بُعدٍ
عقائدي في الصميم. ولهذا نبَّه الإمام الصادق إلى افتراق الطريقين وتباينهما عند
ظهور المصلح العالمي، والرفض العالمي من قِبَل كلِّ طواغيت العالم لظهور الموعود
(عليه السلام): «إذا ظهرت راية الحقِّ لعنها أهل المشرق وأهل المغرب»(٨٣).
ومثله عنه (عليه السلام): «إذا خرج القائم لم يبقَ مشرك بالله العظيم ولا كافر
إلَّا كره خروجه»(٨٤).
ومع مثل هذا الافتراق وبإزاء هذا الخطر، يُصبح من الضروري التصدّي المباشر وبالسلاح
للقضاء على المناوئين، وهي آخر الدواء للقضاء على ظاهرة الفساد والانحراف من جميع
الفعّاليات المشاركة في مسلسل الجور والظلم العالمي، بما فيه التيّار الإلحادي،
وكلٌّ بحسب طبيعة عمله. فعن الباقر (عليه السلام): «إِذَا قَامَ الْقَائِمُ عَرَضَ
الإيمَانَ عَلَى كُلِّ نَاصِبٍ فَإِنْ دَخَلَ فِيهِ بِحَقِيقَةٍ وَإِلَّا ضَرَبَ
عُنُقَهُ أَوْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ كَمَا يُؤَدِّيهَا الْيَوْمَ أَهْلُ
الذِّمَّةِ، وَيَشُدُّ عَلَى وَسَطِهِ الْهِمْيَانَ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الأمْصَارِ
إلى السَّوَادِ»(٨٥).
وفي حديث آخر يتَّضح حسم الإمام بشمولية التعامل مع آخر المفسدين في الأرض بذكر
أصناف المفسدين بما فيهم الملحدين (الزنادقة)، الذين لا يُرتجى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٢) مثال ذلك إلحاد هرتزل
(١٨٦٠ - ١٩٠٤م) مؤسِّس الحركة الصهيونية؛ وإلحاد جولدا مائير (١٨٩٨ - ١٩٧٨م) رئيسة
الوزراء الصهيونية (١٩٦٩ - ١٩٧٤م).
(٨٣) الغَيبة/ الشيخ أبو
عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب (ابن أبي زينب النعماني) (ت حدود ٣٦٠
هـ): ٣٠٨/ ب ١٧/ ح ٤.
(٨٤) تفسير العيّاشي/ محمّد
بن مسعود العيّاشي (أواخر القرن ٣هـ) ٢: ٩٣/ ح ٥٢.
(٨٥) أُصول الكافي/ كتاب
الروضة: ٧٧٩/ ح ٢٨٨.
منهم الإنابة ولا إنهاء غيِّهم، حيث
جاءت الرواية عن الإمام الرضا (عليه السلام) وقد سُئِلَ بيان قوله تعالى: ﴿وَلَهُ
أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [آل عمران:
٨٣]، فقال: «أُنزلت في القائم، إذا خرج باليهود والنصارى والصابئين والزنادقة وأهل
الردِّة والكفّار في شرق الأرض وغربها، فعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم طوعاً أمره
بالصلاة والزكاة وما يُؤمَر به المسلم ويجب لله عليه، ومن لم يسلم ضرب عنقه حتَّى
لا يبقى في المشارق والمغارب أحد إلَّا وحَّد الله»(٨٦).
وبربط الحديث الأخير بحديث لعنة أهل الشرق وأهل الغرب المتقدِّم، يتمُّ المعنى
بالدلالة على أنَّ استخدام القوَّة في هذا الموقف، هو بخصوص أُولئك المردة في
تعصُّبهم وكفرهم حتَّى لعنوا ظهور الإمام. وفي ذكر جمعهم ولعنهم إشارة إلى كونهم من
مختلف الفئات المذكورة في الحديث الأخير. وأنَّهم بالغوا في كراهيتهم وعنادهم أن
بلغ بهم هذا المبلغ من الاستئصال الذي عنى في النتيجة انتهاء بدعتهم وأُحدوثتهم
وظاهرتهم.
د - إنجازاته (عليه السلام) المعرفية والمادّية:
تأتي أهمّية منجز الرقيِّ الذي سيقوم به الإمام، والذي هو حتمي في مشروعه بمثل
حتمية ظهوره (عليه السلام)، (ولو لم يكن من مهمَّته (عليه السلام) إلَّا إنهاء
الظلم، وبعث الإسلام النبوي الأصيل، وإقامة حضارته الربّانية العادلة، وتعميم نوره
على العالم، لكفى)(٨٧).
بل إنَّ مجرَّد ظهور شخص المهدي (عليه السلام) بشخصية الإمامة الربّانية ووصول
صورته الناصعة كممثِّل حقيقي للإسلام كفيلٌ بإحداث انقلابٍ في العقول والضمائر
ليُرجِعها إلى فطرتها الأُولى ويُعالج أيَّ مرض في النفوس الفقيرة، ومنها نفوس من
غاب عنهم الإحساس بالنعيم الإلهي، وهذه أوَّل خطوة في كسر ظاهرة سطحية مثل الإلحاد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٦) تفسير العيّاشي ١:
٢٠٧/ تفسير سورة آل عمران/ ح ٨٢.
(٨٧) عصر الظهور/ الشيخ
عليّ الكوراني: ٢٦٣.
والأحاديث مستفيضة في باب ما
سيُحدِثه الإمام من ثورة علمية، معرفية، حضارية، شاملة وعميقة على مستوى لم يعهده
العالم جميعاً. والواضح أيضاً من خلاصة الأحاديث أنَّه لن يعهده أبداً إلَّا بحضوره
وبعد قيام دولته الموعودة. والمهمُّ هنا هو أهمّية هذه المنجزات وتأثيرها في صلب
ظاهرة الإلحاد. ولتبيين ذلك يمكن تتبُّع مسار التأثير في اتِّجاهين: اتِّجاه معرفي
واتِّجاه مادي، ويكفي في المقام الاستشهاد بحديثٍ واحدٍ على كلٍّ منهما.
ففي الاتِّجاه المعرفي، هناك الثورة العلمية التي تحدَّثت عنها جملة من الروايات،
منها ما نُقِلَ عن الصادق (عليه السلام): «العلم سبعة وعشرون حرفاً فجميع ما جاءت
به الرُّسُل حرفان، فلم يعرف الناس حتَّى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج
الخمسة والعشرين حرفاً فبثَّها في الناس، وضمَّ إليها الحرفين، حتَّى يبثَّها سبعة
وعشرين حرفاً»(٨٨).
وليس خافياً، أنَّ مضمون هذا الحديث فيه من الصدمة على المتلقّي الشيء الكثير،
لمحدودية التفكير الإنساني حتَّى على مستوى التخمين، فالبون كبير بين ما عند الناس
ممَّا يُسمّى علماً وبين علم الإمام، ثمّ القابلية التي يمتاز بها الإمام لاستخراج
العلوم ومقدرته على أخذ المدارك إلى مستوى تقبُّل هذه القفزة في المعرفة، تُعتَبر
بحدِّ ذاتها قفزة أُخرى ستزيد من حيرة الناس بإمامهم ومقاماته، يُضاف إليه ما رُوي
عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ الله يَدَهُ عَلَى
رُؤوسِ الْعِبَادِ فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ وَكَمَلَتْ بِهِ أَحْلامُهُمْ»(٨٩).
وهذه الاستثنائية الفريدة، ستقلب نمط تفكير الملحدين، وستكشف لهم ضعف وهشاشة
معرفتهم الدنيوية ومحدوديتها بمجموع علمائهم على مرِّ الأجيال والعصور، خصوصاً
وأنَّ للعلم في الذهنية الإلحادية قدسية خاصَّة، فلطالما تعبَّدوا بالقوانين
العلمية، بل والنظريات وتسلَّحوا بها واستنصروها في سبيل إثبات نظرتهم القاصرة.
وسيتَّضح لهم ولغيرهم في النتيجة، زيف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٨) بحار الأنوار ٥٢: ٣٣٦/
ح ٧٣.
(٨٩) أُصول الكافي/ كتاب
العقل والجهل: ١٨/ ح ٢١.
الأُطروحة الإلحادية وبُنيتها
المعرفية الخاوية. وفي الوقت نفسه، سيحصل لديهم اليقين بوجود الفيض الإلهي من وراء
امداد ممثِّل الدين والعلاقة الوثيقة بين العبد المخلَص وربِّه، وصدق الاعتقاد
بالخالق وبأحقّية الرسالات السماوية.
وفي الاتِّجاه المادّي، ورد عن المعصومين (عليهم السلام): «إذا قام القائم حكم
بالعدل، وارتفع في أيّامه الجور، وأَمنتْ به السُّبُل، وأخرجت الأرض بركاتها،
ورُدَّ كلُّ حقٍّ إلى أهله، ولم يبقَ أهل دينٍ حتَّى يُظهِروا الإسلام ويعترفوا
بالإيمان...»(٩٠).
والنتيجة هنا تفرض واقعاً مفاجئاً ومُزلزلاً للذهنية الملحدة التي لم تجاوز سقف
المادَّة وحديثها، إذ كيف يمكن لشخصٍ عاديٍ في صورته البشرية يُدعى المهدي، أن يأتي
بما لم يسبقه الأوائل من جهابذة البشر وعلمائهم وإن اجتمعوا بقضِّهم وقضيضهم؟ وكيف
له أن يكون مُلمّاً بدقائق المادَّة وقوانينها وأسرارها والتفاصيل في شتّى العلوم
والفنون ثمّ يأخذ بتطويرها، وهو لم يختلف إلى أكاديمية علمية ولا عُهِدَ منه بذلك؟
ما لم يكن يمتلك قوى غيبية وارتباطاً إعجازياً بقدرة كلّية هي الواهبة للحياة
والمتحكِّمة بالعالم الطبيعي المعروف، حتَّى «يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض»(٩١).
وستكون جميع هذه المنجزات وغيرها تتويجاً لجهود الإمام (عليه السلام) في انتشال
البشرية من واقع تخلُّفها العقائدي وابتعادها عن معنى التوحيد ومعرفة الله تعالى
بعدما كانت الأجواء المادّية قد استنفذتهم، وهي الحالة التي عبَّر عنها الإمام
الباقر (عليه السلام) في المأثور عنه: «سيأتي على الناس زمان لا يعرفون الله ما هو
والتوحيد...»(٩٢).
وبفعل منهجية الإمام في تطبيق فكره وتنفيذ آلية دعوته يرجع الإسلام جديداً والتوحيد
مألوفاً لجميع الناس بلا شكٍّ أو جحود، وكما ذكرت الأحاديث: «حتَّى لا يبقى في
المشارق والمغارب أحد إلَّا وحَّد الله»(٩٣)،
و«يكون أن لا يبقى أحد إلَّا أقرَّ بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٩٤).
وختاماً عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يردُّ الله به الدين ويفتح له
فتوحاً، فلا يبقى على وجه الأرض إلَّا من يقول: لا إله إلَّا الله»(٩٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٠) الإرشاد ٢: ٣٨٤.
(٩١) عقد الدُّرَر في أخبار
المنتظر وهو المهدي (عليه السلام)/ الشيخ يوسف بن يحيى بن عليِّ بن عبد العزيز
المقدسي الشافعي السلمي (ت حدود ٦٨٥هـ): ٢٠٧، عن أبي سعيد الخُدري، عن النبي (صلّى
الله عليه وآله وسلّم).
(٩٢) بحار الأنوار ١٤: ٣٤٩/
ب ٢٤/ ح ١٠، عن الإمام الرضا (عليه السلام).
(٩٣) تفسير العيّاشي ١:
٢٠٧/ تفسير سورة آل عمران/ ح ٨٢.
(٩٤) تفسير العيّاشي ٢: ٩٣/
تفسير سورة براءة/ ح ٥٠، عن الإمام الباقر (عليه السلام).
(٩٥) عقد الدُّرر: ٢٨٣/ ح
٣٣٣.
الخاتمة:
بعد أن عرض البحث للقضيَّة المهدويَّة من منظور عقائدي وبلحاظ المعالجة في تفكيك
الظاهرة المنافية للعقيدة الصحيحة، يمكن إجمال نتائج البحث في جملة النقاط التالية:
١ - الإلحاد مفهوم عدمي صِيرَ إلى بلورته وتأطيره بالإطار الفلسفي، وعدميته تؤدّي
إلى عبثيته، ونتائجه كارثية على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة بما يريده من نفي
الدين وإلغائه وتفريغ البعد العقائدي بما يتركه من فراغٍ واسعٍ بين الإنسان وخالقه
وبما يُؤدِّيه من تنفيذ لمشاريع دخيلة تخدم أعداء الدين والدنيا، وهو يُؤدّي إلى
سوء العاقبة والمنقلب يوم يلقى الإنسان ربَّه فرداً.
٢ - اتَّضحت أهمّية العقيدة في الإسلام الحنيف، وما شكَّلته من محورية في تعزيز
الرابط بين العبد وربِّه. مدعمة بقناتَي الكتاب والعترة المهمَّتين في التذكير
بالفطرة والدعوة إلى التوحيد، وأنَّ الحفاظ على هذه المحورية ضروري لدى كلِّ مكلَّف
صوناً لإيمانه من الضياع الذي يُحدِثه التخلّي أو الفتور عن العقيدة.
٣ - برز دور العقيدة المهدويَّة وريثاً للعقيدة الإلهية على مسرح المواجهة مع
الظواهر السلبية ومنها ظاهرة الإلحاد، وأهمّية ردعها وقوَّة نفاذها في زمن الغَيبة
في تفكيك الظاهرة وإبطالها نهائياً في عصر الظهور على يد المهدي المنتظر (عليه
السلام)، وهو المروي عن الصادق (عليه السلام): «إِنَّ الأرْضَ لا تَخْلُو إِلَّا
وفِيهَا إِمَامٌ كَيْمَا إِنْ زَادَ المُؤْمِنُونَ شَيْئاً رَدَّهُمْ، وإِنْ
نَقَصُوا شَيْئاً أَتَمَّهُ لَهُمْ»(٩٦).
هذا ويُؤكِّد البحث على ضرورة التمسُّك بالعقيدة الحقَّة والثبات عليها، وإحياء
فضيلة انتظار الفرج، والتفاعل مع القضيَّة المهدويَّة بكلِّ معطياتها بما يُحصِن من
الوقوع في الفتن؛ كما ويُنبِّه إلى ضرورة التوخّي والحذر من الظاهرة السلبية سواءً
كانت قريبة أو بعيدة، والاستمرار في التصدّي لها فكريا وتثقيفياً على مستوى الأفراد
أو الجماعات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٦) أُصول الكافي/ كتاب الحجَّة/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة: ١٠٠/ ح ٢.
